الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

حرية الضمان

والإنسان حر في أن يضمن أو لا يضمن، والمقصود في هذا البحث بيان الضمان بالمعنى الأخص الذي هو التعهد بالمال ممن ليس عليه للمضمون عنه مال، ويشترط في الضامن من أن لا يكون صبياً ولا مجنوناً ولا محجوراً عليه لسفه ولا مفلساً، كما أنه لا يصح ضمان الغافل والغالط والهازل والمبرسم والسكران والمكره.

نعم المكره له حرية الإجازة وعدم الإجازة بعد أن ضمن مكرهاً. والمشهور بين الفقهاء انه لا يصح الضمان بمعنى ضم الذمة إلى الذمة، لكنا أشكلنا في ذلك في الفقه، فنحتمل أن الإنسان حر في أن يضمن الضمان المشهور بين فقهائنا من نقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، ومن الضمان بمعنى ضم الذمة إلى ذمة من جهة أنه معاملة عقلائية، والشارع لم يمنع عنها فتشملها أدلة (أوفوا بالعقود)(1) ونحوه.

والإنسان حر في أن يضمن دين الحال حالاً ومؤجلا، كما يصح ضمان المؤجل حالاً ومؤجلاً بأجل الدين، أو بما يزيد عليه من الأجل، أو بما ينقص عنه. والإنسان حر في الضمان سواء كان المال ثابتاً في الذمة ثبوتاً مستقراً أو ثبوتاً معرضاً للانفساخ، فمن الأول ثمن المبيع بعد انقضاء الخيار والأجرة بعد لزوم الإجارة والمهر بعد الدخول والقرض بعد قبضة ومال الجعالة بعد الإتيان بالعمل ونحو ذلك، ومن الثاني الثمن في زمن الخيار مع قبضه من غير فرق بين أن يكون متعلقه قرضاً أو سلماً أو غير ذلك.

نعم، لا يصح للمسلم ضمان المحرمات كالخمر والخنزير، وما أشبه ذلك. وإنما ذلك صحيح بالنسبة إلى الكافر المبيح لها، فإنه حر في الضمان وعدم الضمان، وإذا راجعونا عملنا معهم حسب قانون الإلزام.

ضمان النفقة

والضامن حر في أن يضمن ما تستحقه الزوجة من النفقة الماضية والحاضرة، سواء حكم بها الحاكم أم لا، وسواء كانت معلومة الجنس والوصف أم لا، سواء كانت نفقة موسر أو معسر، أما نفقتها المستقبلية فالمشهور عدم صحة الضمان فيها فهي تابعة لضمان ما لم يجب، وعندي أن الأقارب أيضاً كالزوجة يستحقون النفقة فإذا لم ينفق عليهم المنفق الذي تجب نفقتهم عليه كانت في ذمته ويصح ضمانها. أما المشهور الذين لا يقولون بذلك فيرون أنه لا ضمان لما مضت من نفقة الأقارب ما هو أمانة في يد المضمون عنه بعد التلف أو التعدي أو التفريط.

نعم لا يصح ضمان ما هو أمانة في يده كمال المضاربة ومال الإجارة والوديعة والعارية والرهن ومال الشركة، وكذلك ما في يد الصانع والوكيل والوصي والحاكم وأمينه ونحوهم، سواء ضمنها مطلقاً، أو على تقدير التلف، أو على تقدير التعدي، أو التفريط لأن ذلك من ضمان ما لم يجب، وقــد اختلفوا فيـــه فبعض قالوا بــالصحة لقوله سبحانه: (وأن الله بكل شيء عليم)(2) وغيره، وبعض قالوا بالفساد، لكنا رجحنا من الفقه استصحاب الشرائع السابقة. وذكر جمع من الفقهاء أن الإنسان حر في ضمان ما يجهل الضامن أو المضمون عنه أو كلاهما كمّه أو كيفه إذا لم يكن غرر مع إمكان استعلامه بعد ذلك مثل ضمان ما في ذمته، أما إذا لم يكن الاستعلام بوجه لم يصح الضمان، ولو ضمن في حال إمكان استعلام ثم انقلب إلى عدم الإمكان بقي الضمان للاستصحاب، ولزم التصالح، ولا فرق في الجهل بالكيف أن يكون من جهة الجنس أو النوع أو الوصف أو الخصوصية، ومثل المسألة السابقة في حرية الإنسان في الضمان وعدم الضمان فيما إذا ضمن ضامن للمشتري عن البائع ترك ما يحدث في الأرض التي اشتراها من بناء أو غرس أو حفر بئر أو صنع مصنع أو وضع رحى أو غير ذلك، ولو ظهرت الأرض مستحقة وقلع المالك البناء والغرس وطم النهر أو البئر أو ما أشبه ذلك، فإنه من ضمان ما لم يجب، لكن إذا قيل بالصحة لما ذكرناه لم يكن به بأس، وكذلك الحال في ضمان البائع.

حرية المضمون له

والمضمون له حر في أن يأخذ كل المال أو بعض المال صلحاً أو إبراءً أو ما أشبه ذلك.

نعم، إذا رضي المضمون له من الضامن من بعد الضمان ببعض المال أو أبرأه من البعض لم يرجع الضامن على المضمون عنه إلا بما أداه، ولا يرجع بما دفعه زائداً على المال المضمون زيادة عينية كانت، أو وصفية، لأنه لم يؤدّ هذه الزيادة حتى يأخذها، والمريض في مرض الموت حر في الضمان وعدم الضمان فإذا ضمن المريض البالغ المستجمع لمشاعره في مرضه ومات خرج ما ضمنه من أصل تركته دون الثلث لما ذكرناه في بحث منجزات المريض من أنها تخرج من الأصل.

 

1 ـ سورة المائدة: الآية 1.

2 ـ سورة العنكبوت: الآية 62.