الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

حرية الحوالة

والإنسان حر في أن يكون محيلاً أو محالاً أو محالاً عليه، فإن الحوالة عقد شرع لتحويل المال من ذمة إلى أخرى، ومتى تحققت الحوالة على الوجه المشروع تحول المال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وبرئ المحيل من حق المحتال سواء ابرأه المحتال أم لا، ولم يكن للمحتال بعد ذلك الرجوع على المحيل أصلاً، لكنا كما ذكرنا في الضمان أن الحوالة أيضاً يمكن جعلها من ضم ذمة إلى ذمة، لأنه عقد فتشمله الأدلة العامة ولا دليل من الشرع بخصوصه في المنع.

والمحتال حر في فسخ الحوالة وإبقائها فيما لو كان المحال عليه حين الحوالة معسراً وجهل المحتال بأعساره ثم بان له ذلك، فإن الحوالة كالضمان يتوقف لزومها على موافقة المحتال عليه، أو علم المحتال بفقره، ثم الإنسان الذي له الخيار حر في التراخي أو التعجيل، والإنسان حر في الحوالة سواء كان الشيء في الذمة مثلياً كالطعام أو قيمياً كالحيوان. والإنسان حر في الحوالة سواء تساوى المالان جنساً ووصفاً أو لم يتساويا. وكذا حر في الحوالة سواء اتفقا في سبب الثبوت أو اختلفا فلا يشترط اتفاقهما في سبب الثبوت فلو كان ما على المحيل ثمن وما على المحال عليه أجرة صحت الحوالة، كما أنه لا يشترط اتفاقهما من الحلول والتأجيل فيجوز أن يحيل بالمؤجل على الحال، وبالحال على المؤجل إن رضي المحال عليه بالدفع حالاً بالصبر إلى الحلول، وكذا بالمؤجل على المؤجل سواء اتحد الأجلان أو اختلفا تقديماً أو تأخيراً.

وكذلك الإنسان حر في الحوالة واللاحوالة إذا كان له دين على اثنين وكل منهما كفيل للآخر وعلى الآخر مثل ذلك فأحاله عليهما فإنه ينتقل حق الكفالة إلى المحتال تبعاً للمال، كما أن الإنسان حر في الاشتراط أو عدم الاشتراط فيما لو شرط المحتال الرجوع على المحيل مع تعذر استيفاء المال من المحال عليه فإن إطلاق أدلة الشرط يشمل مثل ذلك، وإن قال بعض الفقهاء ببطلان هذا الشرط.

حرية الكفالة

والإنسان حر في أن يكفل أو لا يكفل، والكفالة عقد شرع للتعهد بالنفس لمن عليه حق، مالياً كان أو غير مالي. والإنسان حر في الكفالة واللاكفالة بالنسبة إلى الإنسان، أما بالنسبة إلى الحيوان، وما أشبه ذلك، فلا تصح الكفالة ويلزم رضا كل من الكفيل والمكفول له، فكل منهما حر في أن يقبل أو لا يقبل. كذلك حر في الكفالة المؤجلة والكفالة المعجلة، وإذا أطلق ولم يكن انصراف انصرف إلى المعجل، ولا فرق في التأجيل بين كون تمام الأجل ظرفاً للإحضار متى شاء الكفيل أو متى شاء المكفول له بين كون تمام الأجل وقت الإحضار، ولو امتنع الكفيل من إحضار المكفول، فالمكفول له حر في طلب الحبس وعدمه، فإذا طلب الحبس حبسه الحاكم حتى يحضره أو يؤدي ما عليه، وإذا لم يمكن حبسه، فالحاكم حر في ترتيب بعض العقوبات المشروعة عليه.

والكفيل حر عند الكفالة بأن يقول عليّ كذا وكذا إن لم أحضره فإنه يجب عليه ما شرط من المال إن لم يحضره، ومن أطلق غريماً من يد صاحب الحق، فصاحب الحق حر في إلزامه وعدم إلزامه، فإنه لو أطلق من يد صاحب الحق أو يد كفيله لزمه حكم الكفالة من وجوب إحضاره وأداء ما عليه إذا شاء صاحب الحق، سواء كان المطلق عالماً بالكفالة أو جاهلاً، ولو اختار المطلق (بالكسر) إحضار المطلق (بالفتح) لم يكن لذي الحق إلزامه بأداء ماله على الغريم ولو كان المطلق (بالفتح) قاتلاً لزم المطلق (بالكسر) إحضاره أو دفع الدية، سواء كان القتل عمداً، أو شبه عمد، ولو كان القتل خطأً لم يكلف بدفع الدية لأنها على العاقلة، ولا يجوز الاقتصاص من المطلق (بالكسر) في صورة كون القتل عمداً.

والمكفول له حر في القبول وعدم القبول، إذا أحضر الكفيل كفالة مؤجلة قبل الأجل، وكذا هو حر في القبول وعدم القبول لو سلمه في غير المكان الذي اشترط التسليم فيه أو غير الذات. وهكذا لو كان هناك ما يمنعه من استيفاء حقه من حبس جائر ونحوه.

والإنسان حر في أن يسلم هو أو الآخر إذا تكفله اثنان فإذا تكفل رجلان برجل فسلمه أحدهما برئ الآخر، سواء اتحد عقد الكفالة أو تعدد، وسواء اقترن العقدان أو ترتبا، وسواء قصد المسلم التسليم عن نفسه وعن الكفيل الآخر أم لا، ولو تكفل لرجلين برجل ثم سلمه الكفيل لأحدهما لم يبرأ من الآخر. والإنسان حر في الإحضار وعدم الإحضار فيما إذا أبرأ المكفول له الكفيل من الإحضار، لكن إذا مات المكفول برئ الكفيل من غير فرق بين وقوعها مؤجلاً أو معجلاً.

نعم، إذا كان إحضاره للشهادة على عينه لزمه إحضار جنازته ليراها الحاكم أو الشاهدان ومثل الموت جنون المكفول جنوناً ميؤوساً منه، أو إغمائه إغماءً مستمراً، أو نومه نوماً مستمراً، أو ما أشبه ذلك، مما يكون كالميت.

والكفيل حر في أن يحضر المكفول إلى المكفول له بنفسه أو بوكيله، كما أنه حر في أن يحضره إلى المكفول له أو وكيله المفوض له من هذه الجهة. والإنسان حر في دور الكفالة بأن يكفل الكفيل آخر والثالث الثاني وهكذا ويلزم كلاً إحضار المكفول له ويبرأ بإحضار كل منهم مكفوله ذمته وذمة من بعده من الكفلاء دون ما قبله ولو أبرأ المكفول له المكفول الأول الذي عليه حقه برئ الكفلاء وبرئ من بعده دون من قبله.

والإنسان حر في الكفالة (لا في خصوص الحق المالي) فإنه لا يشترط في الكفالة كون الحق الذي على المكفول مالياً بل كل من يلزمه الحضور عند الاستدعاء، يجوز الكفالة بإحضاره فيجوز الكفالة لمن عليه الدعوى الزوجية، أو عقوبة من العقوبات المخلوقية. أو العقوبات الإلهية فالمشهور عدم صحة الكفالة لمن عليه شيء منها.

والكفيل حر في أن يكفل البالغ العاقل، أو المجنون، وغير البالغ، وغير الرشيد، فيما إذا كان حقاً عليه قابلاً لمطالبة حضوره. والكفيل حر في الكفالة بدون لزوم أن يكون عالماً فإنه لا يشترط في صحة الكفالة علم الكفيل بمقدار المال أو جنس الحق الذي على المكفول أو وصفه أو سائر خصوصياته. والمكفول له حر في التسلم وعدم تسلم المكفول إذا كان خلاف الشرط.

نعم، إذا أحضر الكفيل المكفول في المكان والوقت الذي يلزمه إحضاره فيه ولم يتسلمه المكفول له سقط حقه عن الكفيل.

نعم، يبقى حقه على المكفول وينبغي للكفيل فيما إذا أحضر ولم يسلمه المكفول له الاشهاد على الإحضار أو اتقان الأمر بما لا يوجب ادعاء المكفول له عليه مرة ثانية. والمكفول له حر في الإبراء وعدم الإبراء فإنه لا يبرأ الكفيل بإبراء المكفول له وبإبرائه المكفول عن الحق وبالاعتراف ببراءة الكفيل أو المكفول له، لكن من الواضح أن البراءة في صورتي الإبراء واقعية، يعني أنه لا حق. أما في صورتي الاعتراف ظاهرية لا يتغير به الواقع.

نعم، إذا كان المكفول له ولياً واعترف أو أبرأ كان كل ذلك ظاهرياً إذا لم يكن في مصلحة القاصر. والكفيل حر في أن يكفل أو لا يكفل، لكنه إذا كفل، فإن كانت الكفالة بإذن المكفول له فعلى المكفول له مؤونة الإحضار وإلا فعلى الكفيل.

حرية الصلح

الطرفان حران في أن يتصالحا أو لا يتصالحا، إلا فيما إذا أوجب الحاكم الشرعي عليهما التصالح، والصلح عبارة عن عقد شرع لحكمة قطع التجاذب والخصومة والمنازعة.

نعم، هذا حكمة، وإلا فلا يشترط سبق الخصومة والصلح عقد مستقل وليس فرعاً على غيره فيفيد فائدة كل عقد عدا النكاح.

والإنسان حر في الصلح مع الإقرار ومع الإنكار. غاية الأمر أنه مع الإقرار يصح ظاهراً وواقعاً، وأما مع الإنكار فإن كان المدعي محقاً وصالح بتمام الحق برئت ذمة من عليه الحق واقعاً بتسليمه، وإن صالح ببعض الحق برئت ذمته بالنسبة إلى ذلك البعض، وأما الباقي فلا شيء منه عليه في الظاهر. وأما في الواقع فذمته مشغولة به، كما أنه حر في أن يصالح بمخالف الحق أو موافقه، وهو حر في الصلح وعدم الصلح فيما لو كانت دعواه مستندة إلى شبهة أو قرينة يخرج بها عن الكذب والعمد كما لو وجد بخط مورثه أو موكله أن له على فلان كذا من المال أو شهد من لا يثبت الحق بشهادته، ولم يكن المدعي عالماً بالحال، وادعى على المدعي عليه بناءً على تلك الشبهة وتوجهت اليمين على المدعي عليه فصالحه على إسقاط اليمين بمال.

الموارد التي لا يجري فيها الصلح

ومن الواضح أنه يشترط في الصلح أن لا يكون محللاً للحرام، أو محرماً للحلال، أو منافياً لمقتضى العقد. أما إذا نافى مقتضى إطلاقه فلا بأس. كما أنهما حران في التصالح فيما يريدان المصالحة عنه عالماً أو جاهلاً أو علم أحدهما وجهل الآخر، كما أنهما حران فيما يصطلحان عنه أن يكون عيناً أو ديناً بمختلف أقسام الأعيان ومختلف أقسام الديون، كما أنهما حران في الاصطلاح من غير فرق بين كونه إرثاً، أو أمانة، أو حقاً مالياً، أو ما أشبه ذلك.

نعم، لا تصح المصالحة على الزوجة فيما إذا اختلفا في كونها زوجة فلان أو زوجة فلان، فإنه لا يصح أن يتصالحا بأن تكون زوجة أحدهما دون الآخر فيما لا يعلمان أنها زوجته أو يعلمان بأنها ليست زوجته كما لا يصح التصالح بين المرأتين في اختلافهما إنهما زوجة فلان أم لا فيما إذا كانتا اختين أو أماً وبنتاً، أو ما أشبه ذلك. وهكذا لا يصح الصلح على الكلي المبهم من جميع الجهات وعلى المشتركات اللفظية من الأعلام الشخصية والجنسية وأسماء الأجناس من غير معرفتهما.

الصلح عقد لازم

وهما حران في أن يشترطا شرطاً جائزاً في أثناء الصلح، أو لا يشترطا وحيث ما يقع الصلح بشروطه يلزم من الطرفين جميعاً، ويلزم ما يذكر في ضمنه من الشروط السائغة، ولا يجوز لأحدهما الفسخ فإن فسخ فالآخر حر في القبول وعدم القبول، إلا أن يشترط الخيار فيه لهما أو لأحدهما أو لثالث إلى أمد، أو مطلقاً أو يتفقا على فسخه بعد إيقاعه من غير شرط. وهما حران في الصلح، سواء كان الصلح مستلزماً لنقل الأعيان، أو لنقل المنافع، أو لإبراء الذمة، أو لانتقال الحق كحق التحجير على المشهور، أو لــقطع المنازعة بعين أو منفعة، أو ما أشبه ذلك، وهما حران في شرط أن يكون الربح والخسران على أحدهما، وللآخر رأس ماله في مورد الشركة إذا اشترطاه في ضمن العقد وكذلك هما حران في أن يشترطا مثل ذلك في ضمن عقد لازم آخر بعد الشركة، كما أنهما حران في أن يصطلحا على مثل ذلك عند إرادتهما فسخ الشركة بدون الاشتراط في ضمن عقد الشركة أو عقد خارج لازم.

كما أنهما حران على أنهما يصطلحان بأن يكون الربح لأحدهما والخسران بينهما أو الخسران على أحدهما والربح لهما مع التنصيف أو اختلاف النسبة، كما أنهما حران فيما إذا كان لأحدهما دينار، وللآخر ديناران، فتلف دينار، وبقي الديناران، في أن يصطلحا على ما يصطلحان عليه أو أن يكون لصاحب الدينارين دينار ونصف ولصاحب الدينار ونصف دينار وكذلك في التصالح فيما إذا كان لأحدهما ثوب بعشرين درهم وللآخر ثوب بثلاثين درهم، ثم اشتبها فإنهما يتخيران بين أن يتصالحا فيأخذ كل واحد منهما أحد الثوبين، والآخر الثوب الآخر وأن يتعاسرا فيباع الثوبان ويعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن وصاحب العشرين خمسي الثمن.

وتجري مثل هذه الحرية في التصالح وعدم التصالح في غير الثوبين من سائر الأجناس كالأمتعة المتعددة بغير الثلاثين والعشرين.

وصاحب المال حر في إجازة المعاملة وعدم الإجازة فيما إذا تصالحا على شيء، ثم ظهر ذلك الشيء ملكاً لشخص ثالث، ولو تصالحا على شيئين ثم تبين أحد العوضين معيباً فهو حر بين الأرش والفسخ فيما إذا كان الشيء شخصياً، وأما إذا كان كلياً فهو في أن يرده ويطالب بالصحيح أو لا يرده. كما أن الإنسان الذي ينتقل إليه شيء بالصلح حر في أن يأخذ بالخيار أو لا يأخذ فيما إذا كان في الصلح غبن لا يتسامح بمثله غالباً أو زوّر فيه الجانب.

اشتراط قابلية ما يتصالح عليه للصلح

والإنسان حر في الصلح مع كون كل من العوضين عيناً أو منفعة أو حقاً أو بالتفريق، لكن اللازم في الصلح على الحق أن يكون الحق قابلاً للصلح، لا مثل حق الحد والتعزير أو ما أشبه ذلك. كما أنهما حران فيما لو ادعى داراً فأنكر من هي في يده كونها له ثم تصالحا عن حق الدعوى على سكنى المدعى سنة أو اكثر من سنة، ولم يكن حينئذ لأحدهما فسخ الصلح، أو أن لا يتصالحا ويرجعا إلى الحاكم الشرعي فيحكم بينهما بما هو مقتضى القاعدة من البينة واليمين ونحوها.

ولو قسمت التركة بين الورثة ثم ظهر دين على الميت، فالورثة أحرار بأن يعطيه أحدهم أو يعطونه بحسب سهامهم أو ليس بحسب سهامهم، وإن كان اللازم الإعطاء بحسب السهام، فالبنت تعطي الثلث، والابن الثلثين، وهكذا.

ولو ادعى إنسان على غيره شيئاً فأنكر المدعي عليه فهما حران في أن يراجعا الحاكم الشرعي ويحكم حسب ما يراه من موازين الدعوى أو يصالحه على سقي زرعه أو شجره، أو نحو ذلك.

والإنسان حر في إخراج الرواشن والأجنحة والميازيب والسوابط ونحوها إلى الطرق النافذة إذا كانت عالية لا تضر بالمارة، وهو حر في أن يجعل تحت الطريق السرداب أو يجر الأنبوب أو نحو ذلك، بشرط أن لا يضر بالجار ولا فرق في المنع مع الإضرار بالمارة بين كونهم مسلمين أو كفاراً، فإن (لا ضرر) معناه أن الله لا يضر الناس في أحكامه، ولا حق لأحد في إضرار نفسه ضرراً بالغاً، كما لا حق لأحد في إضرار غيره، ولو كان الضرر خاصاً بزمان الحفر ونحوه ثم زال الضرر كان فعله حراماً لكنه يملك ما أحدثه من السرداب والروشن وغير ذلك، ومثل السرداب في حرية صاحب الدار ونحوها الساقية تحت الطريق وحفر البالوعة وغرس الشجر فيه وبناء الدكان والدكة فيه متصلة بباب داره أو حائطه أو منفصله، فإنه يجوز مع عدم الإضرار بالمارّة ولا بالجار، ولا يجوز مع الإضرار بأحدهما.

والإنسان حر في دفن ميته في أي مكان لا يضر بالناس سواء كان في الشوارع أو الأسواق أو المقابر أو غير ذلك. وكذلك حر في أخذ تراب الطريق وتراب الصحراء ونحوهما، وصرفه في التعمير بالشرط المذكور. كما أن الإنسان حر في الاستطراق في الطرق النافذة على أي نحو شاء من سرعة وبطء وركوب وترجل، والركوب سواء كان على الدابة أو في السيارة أو في الدراجة أو ما أشبه ذلك، بشرط أن لا يضر مسلماً أو مسالماً.

والإنسان حر في أن يهدم داره أو نحوها ويجعل الطريق مسلوكاً بأن جعل الاستطراق في ملكه ورفع الحاجز، فإن لم يسلبه معبراً كان كالعارية يجوز له الرجوع فيه، وإن سبله مؤبداً وسلك فيه أحد لم يكن له بعد ذلك قطعه لأنه بذلك أعرض عنه ومع الإعراض لا يجوز له الرجوع لأنه خرج عن ملكه، وصار طريقاً شمله أحكام الطريق، وحيث إن الطريق المرفوع ملك لأربابها فهم أحرار في أن يسدوها عن السكة العامة أو لا يسدوها إذا لم يكن فيها مسجد أو مطهرة، أو ما أشبه ذلك مما هو وقف عام، وإلا لم يجز لهم ما يوجب منع الناس عن المرور إليها أو تضررهم بذلك.

والإنسان حر في فتح الرواشن والشبابيك، وما أشبه ذلك إلى الطرق المرفوعة بغير إذن أربابها، إذا كان من حائطه ولم يضر أهله بإشراف ونحوه، كما أنه حر بمثل ذلك فيما إذا كان خلف ذلك الحائط دار أو محل آخر للغير مع الشرطين المذكورين. كما أنه حر في أن يصالح أهل الطرق المرفوعة على إحداث روشن أو جناح أو نحو ذلك. كما أنه حر في رفع الحائل الذي بين داريه فيما كان باب كل واحدة إلى زقاق غير نافذ. كما أنه حر في أن يفتح بينهما باباً بحيث يدخل من الباب في أحدهما ويخرج من الذي في الآخر بسبب الباب الذي فتحه بين الدارين ومثل الدارين الدور المتعددة وسائر الأملاك كالحمامين والخانين والفندقين والدكانين وغير ذلك. والإنسان حر في أن يفتح الأبواب ونحوها إلى الطريق الشارع، أما في الطرق المرفوعة فله إحداث باب مما يلي صدر الطريق ولا يجوز له إحداثه مما يلي ذيله من غير فرق بين أن يسد بابه الأول وعدمه ولو سد بابه الذي إلى جهة غير الطريق لم يسقط بذلك حقه، بل جاز له بعد ذلك فتحه إلا أن ينقل حقه ذلك إلى غيره، فيسقط ويثبت للغير.

والإنسان حر في أن يخرج في الطريق النافذ روشناً وليس لأهل ذلك الطريق منعه ولو كان روشنه مستوعباً لكل عرض الطريق إلا إذا استلزم الإضرار بهم، أو التصرف في حائط أحدهم فإنه حينئذ يجوز منعه من ذلك، فهم أحرار في أن يمنعوه أو يتركوه وشأنه فلو فرض سقوط ذلك الروشن فله حرية إعادته، فإذا سبق جاره إلى إحداث روشن توقف جوازه على إذن الأول أو إعراضه عن حقه.

والإنسان له الحرية في الإجازة والمنع في طرح رأس خشب الجار على جداره، وإذا أذن فله حق الرجوع قبل الوضع، أما بعد الوضع فالرجوع محل، تأمل، وهما حران في أن يتراضيا على الإبقاء بأجرة على الواضع ولو انهدم الموضوع على جدار الغير بنفسه لم يجز إعادة الوضع، إلا بإذن جديد صريحاً أو فحوىً، أو بشاهد الحال أو بإجارة أو ما أشبه ذلك، كما أنهما حرّان في أن يتصالحا ابتداءً على الوضع، فإذا تصالحا لم يكن له الفسخ سواء قبل الوضع أو بعد الوضع إلا إذا ظهر غبن، أو ما أشبه ذلك مما يبيح الفسخ وتقابلا ولو كان الموضوع عليه وقفاً عاماً جاز الوضع بإذن المتولي مع عدم المضرة للوقف أو الفائدة له، ولو كان وقفاً خاصاً، جاز الوضع بإذن المتولي الخاص ومثل ما ذكرناه البيت الذي يعمل من القصب، أو ما أشبه ذلك، وما ورد من القضاء بالحائط لمن إليه معاقد القمط فإنه في مورد قضاء العادة فلا عبرة به مع قضاء العادة في بلد بخلافه، أو لم تكن عادة بأن كان معاقد القمط ربما تكون إلى هذا الجانب وربما تكون إلى الجانب الآخر.

وللشريك الإذن وعدم الإذن فيما كان هنالك جدار مشترك بينهما، فيأذن أو لا يأذن لشريكه في التصرف فيه ببناء وتسقيف وإدخال خشبة ونحو ذلك، سواء كان التصرف مضراً أم لا، ومثل البناء عليه أخذ ترابه الذي لم يعرض عنه إلى غير ذلك إلا إذا كان شاهد الحال قاضياً برضاه، كما أن الإنسان حر بين المشاركة في التعمير وبين الترك فيما لو انهدم الحائط المشترك من غير فرق بين أن يكون حائط دار أو دكان أو حمام أو فندق أو بستان أو غير ذلك، وكذلك لا فرق بين كون السقوط بنفسه أو بأمر سماوي أو بفعل ضامن أو حيوان أو غير ذلك، كما أن الشريكين حران في الاصطلاح وعدم الاصطلاح بأن يصطلحا في الحائط المشترك بينهما على أن يبنياه كل واحد منهما أكثر مما كان له قبل ذلك، وكل واحد من الشريكين حر في أن يطلب من شريكه الآخر قسمة الجدار المشترك بينهما طولاً أو عرضاً أو مورباً، أو ما أشبه ذلك، فإذا توافقا على شيء جاز، وإن لم يتوافقا بأن أراد أحدهما مثلاً القسمة طولاً، والآخر عرضاً رأى الحاكم الصلاح في تنفيذ أي الرأيين أو الآراء أو رأي ثالث حسب ما يقره الفقه ولو خرجت أغصان الشجرة إلى ملك الجار كان للجار الحرث أو إبقائها أو عطفها أو إيجار تحــتها لصاحب الأغصان، ووجب على صاحب الأغصان الإزالة أو التراضي بصورة من الــصور مع الجار، فإذا أبى صاحب الأغصان راجع الجار الحاكم وهو يجبره على القطع أو العطف، أو نحو ذلك. وفي حكم الأغصان فيما ذكرناه الحائط المائل إلى هواء الجار، كما أنهما مخيران في الصلح على إبقاء الأغصان والجدار وهوائه وطرحه على حائطه حسب ما يتراضيان عليه.

وإذا كان لإنسان البيوت السفلى من الخان والدار ونحوهما، وللآخر البيوت العليا فهما حران في التصالح في الدرج ونحو ذلك بأن يكون لهذا أو لهذا أو بالتناصف أو باختلاف النسبة، ومثل الدرجة في ذلك السلم في محل الصعود مربوطاً به والخزانة تحتها والصحن ونحو ذلك، وصاحب العلو حر في الجلوس على السقف الحائل بينه وبين السفل، وإن كان مشتركاً بينهما وكذلك يجوز سائر التصرفات المتعارضة غير المضرة للسقف. وأما المضرة كضرب الوتد ونحوه فلا يجوز إلا بإذن الشريك. والإنسان حر في التصالح وعدم التصالح فيما إذا صالح أجنبي عن المنكر فإن كان الصلح بإذن المنكر كان توكيلاً، وإلا كان تبرعاً ويرجع بما أدى في صورة الإذن. كما أن الاثنين حران في المسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر أو بين أرضيهما أو بين نهريهما بأن يتصالحا أو يراجعا الحاكم الشرعي فيحكم بما تقتضيه القواعد.