الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

حرية الشركة

وهي تنقسم إلى: شركة إشاعة وشركة عقدية. فشركة الإشاعة: عبارة عن أن يشتركا في شيء سواء كانا من جنس واحد كامتزاج اللبن باللبن أو من جنسين كامتزاج الدبس بالدهن وماء الورد بالعسل والسكر واللبن، ولا فرق بين كثرة المالين وقلتهما وقلة أحدهما وكثرة الآخر والقلة والكثرة بمختلف النسبة كالثلث والربع ونحو ذلك، ولو كان الجنسان متمايزين كالحمص والكشمش فلكل ماله إلا أن يشتركا بأن يهب كل واحد منهما نصف ماله إلى الآخر أو يبيعه له أو غير النسبة كالثلث والربع، وما أشبه ذلك.

أنواع الشركة الباطلة شرعاً

والشركة العقدية وتسمى بشركة العنان صحيحة: وهي الشركة في الأموال صحيحة، بأن يخرج كل من الشخصين فصاعداً مالاً ويمزجانهما مزجاً يرتفع معه التمييز. فالإنسان حر في أن يفعل ذلك أو لا يفعل، والمشهور بين الفقهاء بطلان شركة الأبدان وشركة الوجوه وشركة المفاوضة، لكن الأدلة الأولية تشمل الجميع.

فالأول وتسمى شركة الأعمال عبارة عن اشتراك اثنين في أن يخيط أو ينسج أو يبني كلاهما، أو تكون الأجرة لهما. والثاني وهي شركة الوجوه عبارة عن اشتراك اثنان وجيهان عند الناس فلهما أن يعقد اللفظ على أن يبتاعا في الذمة إلى أجل على أن يكون ما يبتاعه كل واحد منهما يكون بينهما فيبيعان ويؤديان الأثمان وما فضل فهو بينهما.

وشركة المفاوضة عبارة عن أن يشترك اثنان فصاعداً بعقد لفظي على أن يكون بينهما ما يكتسبان ويربحان ويلتزمان وعلى كل منهما أن يلزم الآخر غرامة الضمان أو كفالة أو أرش جناية أو ضمان غصب أو قيمة تلف، وعلى أن يقاسمه فيما يحصل له من ميراث أو يجده من ركاز أو لقطة أو يكتسبه في تجارته بماله المختص به، وما أشبه ذلك.

لكن حيث إن المشهور أبطلوا هذه الأقسام الثلاثة من الشركة، فاللازم إذا أردناها أن نجعلها في عنوان من العناوين المعروفة ولو بالشرط ضمن عقد، أو ما أشبه بدون غرر ونحوه.

وأما الكفار الذين يرون صحة هذه الشركات فهي صحيحة عندهم إذا راجعونا لقاعدة الإلزام وكذلك بعض العامة الذين يرون صحة كل هذه الأقسام أو بعضها.

الاتفاق بين الشركاء

والشريكان حران في تساوي المالين وعدم تساويهما، كما أنهما حران في إجراء أي لفظ يكون نصاً في إنشاء الشركة وهما حران في التساوي في الأصل والنماء والتلف والربح والخسران وعدم الأجرة للعمل أو عدم التساوي على ما عرفت، والظاهر عدم اشتراط معلومية القدر والخصوصيات عندهما حال العقد أو غير العقد من أسباب الشركة. نعم يجب أن لا يكون من الغرر المنهي عنه، لما قد عرفت في بعض الكتب السابقة من نهي النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عن الغرر.

كما أنهما حران في أي شرط لا ينافي الشرع ومقتضى العقد ولو شرطا في الشركة العقدية مع تساوي المالين زيادة الربح لأحدهما أو زيادة العمل من أحدهما أو كون العمل من أحدهما في هذا الشهر ومن الآخر في الشهر الآخر، أو ما أشبه ذلك، أو زيادة الخسران على أحدهما، أو أخذ أحدهما أو كليهما أجرة عمله متساوياً أو غير متساو أو شرطا مع اختلاف المالين تساويهما في الربح خاصة، أو في الربح والخسران معاً، أو في الخسران خاصة، أو ما أشبه ذلك صح الشرط كما تصح الشركة، وأحد الشريكين حر في التصرف في مال نفسه بأن يبيع المشاع أو يؤجر أو يوقف، أو ما أشبه ذلك من غير استئذان الشريك، كما أن وكيله ووليه كذلك، أما إذا أراد التصرف الخارجي فلا يجوز له إلا بإذن الشريك، فإن أذن فهو وإن تعاسرا رجعا إلى الحاكم الشرعي. والشريكان حران في كون مال كل واحد منهما مساوياً للمال الآخر أو غير مساو، وأن يكون المالان من جنس واحد أو من جنسين أو من جنس واحد، وبصفتين إلى غير ذلك من الأقسام، فإذا لم يكن شرط يخالف هذه الخصوصية التي نذكرها يكونان بالنسبة إلى الربح والخسران والنماء والتلف بالنسبة، فإذا كان لأحدهما الثلث، وللآخر الثلثان يكون جميع ذلك بالنسبة إلى الأول الثلث، وبالنسبة إلى الثاني الثلثان.

كما أنهما حران في أن يعلما أو لا يعلما القدر والوصف بالنسبة إلى المالين إذا لم يكن هنا للسكر ربان علما بعد ذلك الخصوصيات أو لا يعلما إلى الأخير حيث تكون هنالك البراءة بالصلح والاستيهاب ونحو ذلك، كما أنهما حران في جعل مال الشركة حاضراً أو غير حاضر أو أحدهما حاضراً والآخر غير حاضر، كما أنهما حران في أن يكون كل واحد متصرفاً في المال أو يأذن أحدهما للآخر فقط في التصرف في المال فإذا أذن أحدهما للآخر يلزم الاقتصار في التصرف على مورد الإذن، سواء كان مطلقاً أو مقيداً، وسواء كان عاماً أو خاصاً، ولا يتوقف جواز تصرف المأذون فيه على كونه صلاحاً إذا وافق الطرف الآخر بل يصح حتى بدون الصلاح، بل ومع الفساد إذا لم يكن إسراف ونحوه من المحرمات.

كما أنهما حران في تعيين جهة السفر وخصوصية التجارة وإذا عين الآذن للمأذون السفر الفلاني أو التجارة الفلانية أو مع الاجتماع أو مع الاشتراك مع إنسان آخر أو نحو ذلك، لم يجز للمأذون التعدي، وإذا تعدى ضمن الخسران ونزول القيمة.

وهما حران في أن يبقيا على الشركة أو يتفاسخا فإذا تفاسخا لا يكون لأحدهما إلزام الآخر بإقامة رأس المال على ما كان بل يقسمان العين الموجودة حال الفسخ إن كانت قابلة للقسمة إلا أن يتفقا على بيعها فإذا اتفقا على البيع كان ذلك منهما تبايناً على ترك القسمة وإن كان لهما العدول قبل البيع، كما أنهما حران في اشتراط تأجيل الشركة أو تعجيلها ولو شرطا ذلك في ضمن عقد الشركة أو في ضمن عقد لازم آخر لزم حسب (المؤمنون عند شروطهم)(1).

تقسيم الحصص

وهما حران في القسمة وعدم القسمة. والقسمة: عبارة عن تمييز بعض الحقوق عن بعض. ومن الواضح أن القسمة ليست بيعاً ولا صلحاً ولا هبة معوضة ولا غيرها من هذه العناوين المقررة في الفقه سواء تضمنت الرد أم لا. والقسمة أصل يرأسها ولا يعتبر فيها الصيغة الخاصة ولا تصح إلا باتفاق الشركاء أو ما يقوم مقامهم من الأولياء أو الوكلاء وإذا أراد بعضهم القسمة ولم يرد البعض أجبره الحاكم الشرعي، كما أنهما حران في قسمة بعض الأموال دون بعض فتبقى الشركة في البعض الذي لم يقسم.

وهما حران في التقسيم بالكيل أو بالوزن أو بالعدد أو بالأذرع أو بالقيمة فيما يصلح لكل ذلك. أو في الأجزاء كما في متساويها، أو بالقيمة كما في مختلف الأجزاء كالأرض والحيوان وما أشبه ذلك. كما أنهما حران بعد التحصيص في أن يأخذ هذا هذه الحصة وذاك تلك الحصة أو بالعكس أو يضما الحصص ويقسما من جديد، فإنه تجوز القسمة مع تراضيهما على أن يكون كل حصة معينة لواحد منهما، وهما حران في أن يتفقا على تقسيم المنفعة بالأجزاء أو بالزمان أو نحو ذلك، وهما حران في تقسيم المال المشترك فيما إذا لم يكن موقوفاً عليهم، فإن الوقف لا يقسم إلا في بعض الصور المستثناة في باب الوقف.

نعم، لا يبعد جواز القسمة في الوقف فيما لو تعدد الواقف والموقوف عليه، كما لو وقف نصف عين على شخص والذرية والنصف الآخر على غيره، لأن هناك وقفين لا وقفاً واحداً، كما أنهما حران في تقسيم نماء الوقف كثمار البساتين وأجرة الدور والحمامات والدكاكين، وما أشبه ذلك إلا مع تقييد الواقف الصرف على الاشتراك كما إذا قال التمور تجمع في مكان ويأكل الكل منها بدون التقسيم وكذلك حال المهاياة من منافعه.

كما أن الطرفين المشتركين في أرض ونحوها حران في تمييز الوقف عن غيره فيما إذا وقف أحدهما دون الآخر وقد ذكرنا في الفقه أنه إذا كان هناك وقف مسجد، أو ما أشبه ذلك في الأرض المشاعة لا يجوز التصرف خلاف المسجدية في الجميع حتى يميز الوقف من غيره فيترك التصرف المنافي للوقف ويجوز في غيره.

صور أخرى للشركة

والإنسان حر في الاشتراك بأن يدفع الإنسان دابة، وآخر رواية، وثالث يأتي بالماء، ورابع يبيع الماء، وتكون الثمرة مشتركة بين الجميع حسب النسبة أو حسب ما يقررون فإنه معاملة عقلائية وإن ذكر جمع من الفقهاء المنع من ذلك وهكذا هما حران في أن يدفع دابة أو عربة، أو ما أشبه ذلك إلى غيره ليحمل عليها، ويكون الحاصل بينهما بالتساوي أو بنسبة خاصة. وهكذا الحرية للأفراد فيما لو دفع إنسان دكاناً، وآخر رحى، وثالث بغلاً، وكان العمل من الرابع على أن يكون الحاصل بينهم بالتساوي أو بغير التساوي، كما أن لأحدهم أن يستنيب غيره في الاصطياد أو الاحتطاب أو الاحتشاش أو حيازة المباحات لهذا الموكل أو لكليهما الوكيل والموكل بالتساوي أو بالاختلاف.

نعم، لو اصطاد صيداً أو احتطب أو احتشّ أو ما أشبه ذلك بنية أنه له ولغيره بدون توكيل وولاية عن الغير لم تؤثر تلك النية وكان بأجمعه له خاصة فهما حران في ذلك، وهما أيضاً حران في أن يكون مال بينهما بالسوية فيأذن أحدهما لصاحبه في التصرف فيه على أن يكون الربح بينهما نصفين، أو بالاختلاف.

والطرفان حران في بيع متاعين كل واحد منهما لواحد من الناس بيعاً صفقة واحدة بثمن واحد سواء تساويا قيمة كثوبين بدرهم ودرهم أو تفاوتا كثوبين بدرهم ودينار ويوزع الثمن عليهما بنسبة قيمتهما وإذا باع شريكان شيئاً صفقة ثم استوفى أحدهما منه شيئاً بإجازة شريكه صح.

والمؤجر والمستأجر حران فيما إذا استأجر إنسان إنساناً للاحتطاب أو الاحتشاش أو حيازة المباحات الأخر، أو نحو ذلك مدة معينة، فإنه تصح الإجارة ويملك المستأجر ما يحصل من ذلك في تلك المدة، ولم يكن للأجير إلا أجرته ولم يشاركه في عين الحاصل، كما أنه يصح الاستئجار لاصطياد حيوان في البر أو البحر أو الجو مما يوثق بحصوله حتى لا يلزم الغرر. فإن الإنسان حر في الاستئجار والإيجار. والإنسان حر في أن يشارك الكافر أو يستأجره أو يكون أجيراً عنده وإن كان بعض المسائل مكروهة كما ذكروا، والإنسان حر في أن يشارك غيره من المحظوظين أو غير المحظوظين وإن كان يستحب مشاركة من أقبل عليه الرزق فإنه أجدر بإقبال الحظ، كما ورد في الأدلة. والشريكان حران في اشتراط الاجتماع في التصرف مطلقاً أو في التصرف في بعض المال سواء كان التصرف معاملياً أو التصرف استهلاكياً فإن الحق لا يعدوهما.

حرية المضاربة

الإنسان حر في أن يضارب أو لا يضارب إنساناً آخر، كما أنه حر في أن يضارب شخصين. وهما حران في أن يضاربا شخصاً ثالثاً. وفي المضاربة الطرفان حران في أن يتلفظا بالعربية أو غير العربية والماضوية أو غير الماضوية أو يكون القبول متصلاً بالايجاب عرفاً أو لا، وأن ذكر جمع من الفقهاء الاحتياط في اعتبار العربية والماضوية واتصال القبول بالايجاب. نعم يشترط التنجيز على ما ذكروه في الفقه.

والإنسان حر في المضاربة، ولو كان مريضاً في مرض موته، ويكون حينئذ للعامل ما شرط له وإن زاد عن أجرة مثل عمله، ولا يحسب ذلك من الثلث، بل من الأصل. فإن الإنسان له الحق في كل التصرفات إذا كان جامعاً للشرائط من البلوغ والعقل والقصد والاختيار والرشد وعدم الحجر، وإن كان مريضا شديداً مرض الموت، ومات بعد لحظة من المعاملة على المشهور بين الفقهاء خلافاً لجماعة حيث جعلوا منجزات المريض من الثلث.

والإنسان حر في أن يتعدد كل من المالك والعامل مع اتحاد الآخر وتعدده مع تساوي المتعدد من كل طرف في الحصة والاختلاف، ومع استقلال كل من العامِلَين والعاملِين عند التعدد في التصرف وعدمه، كما أن ولي القاصر سواء كان القاصر طفلاً أو مجنوناً أو ما أشبه ذلك حر في التصرف في أموال القاصر تصرفاً حسب المصلحة، أو أن لا يكون مفسدة سواء كانت المعاملة على نحو المقارضة أو غيرها.

والإنسان حر في المضاربة، سواء كان الولي إجبارياً كالأب والجد أو اختيارياً كالقيم والموصي إليه. والأجنبي حر في عقد المضاربة بمال الغير، وإنما يتوقف النفوذ على إجازة الغير، فله الحرية في أن يجيز أو يرد، والعامل في المضاربة له الحق في أن يضارب غيره أو لا يضارب إذا كان صاحب المال أعطاه هذه الحرية كما أن كل واحد من المالك والعامل لهم الحرية في إبقاء المضاربة أو فسخها متى ما أرادا، سواء كان المال نقداً أو كان جميعه عروضاً أو به نقد وعروض، كما أنهما حران في ذكر الأجل في المضاربة وعدم ذكر الأجل، سواء كان الأجل طويلاً أو قصيراً بالأشهر أو غيره بما لا يوجب الغرر كقدوم زيد وقدومه معلوم أنه في يوم كذا.

الاشتراط في المضاربة

ولكل من المتعاقدين الحرية في اشتراط أي شيء مباح. ومن الشرط ما لو اشترطا في ضمن عقد المضاربة عدم سلطة المالك على منع العامل من التصرف بفسخ القراض وحيث يصح كل شرط جائز في ضمن عقد المضاربة، فيصح اشتراط المالك على العامل المضاربة في مال آخر أو أخذ بضاعة منه أو أن يخدمه بشيء، أو يشترط العامل على المالك أن يقرضه شيئاً، أو نحو ذلك من الشروط التي لا تنافي الكتاب والسنة، ولا تنافي مقتضى العقد.

كما أن للمالك أن يشترط أن لا يشتري العامل إلا من فلان، أو لا يبيع إلا على فلان، أو لا يشتري إلا المتاع الفلاني، أو لا يشتري، أو لا يبيع إلا في الزمان الفلاني، أو المكان الفلاني، أو نحو ذلك، فيلزم وفاء العامل بما اشترط عليه. كما أنه يصح اشتراط العامل على المالك أي شرط سائغ. والمالك حر في أن يشترط على العامل أن يشتري أصلاً يشتركان في نمائه كالشجر أو الغنم أو الرحى أو ما أشبه ذلك. والعامل حر في التصرف بأي لون كان من مقتضى عقد القراض كعرض المتاع في هذا السوق أو ذاك السوق أو على هذا الإنسان أو ذاك الإنسان أو بيع نقداً أو نسيئة أو الشراء كذلك، أو ما أشبه ذلك.

نعم، إذا لم يقيد بشيء وجب جريانه في التصرف على ما يرتكزه المالك في ذلك المال عند الإتجار به عرفاً من عرض المبيع على المشتري ونشره وطيّه وإحرازه وتسليمه وقبضه الثمن وإيداعه في الصندوق أو في البنك أو غير ذلك، مما يتعارف من عصره ومصره ولمثله ولمثل مالكه.

 

1 ـ وسائل الشيعة: ج15، ص30، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.