الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

حرية المساقاة

وهي معاملة على أصول ثابتة بحصة معلومة مشاعة من ثمرها. والإنسان حر في المساقاة وعدم المساقاة سواء المالك أو الساقي. والإنسان حر في المساقاة على الأصول الثابتة قبل ظهور الثمرة أو بعد ظهورها، فإن الثمرة لو ظهرت لم تستغن عن الخدمة من مثل الرعاية والعناية والنقل والتشميس والحفظ، وما أشبه ذلك.

والإنسان حر في أن يساقي على الأصول غير الثابتة كالزرع من الحنطة والشعير والسمسم والماش والباقلاء والبطيخ والباذنجان وقصب السكر والقطن والخضروات ونحو ذلك مما تلقط باللقطات وتبقي سنة أو سنين، فإنه عقد عقلائي لا دليل على منع الشارع عنه.

وكذلك الحال الإنسان حر في المساقاة بالنسبة إلى الأصل الثابت الذي لا ثمرة له كالخلاف والصفصاف والفحول من الأشجار والنخيل وما لا يثمر لهرمه، فإن ذلك مما ينتفع بأغصانه وأصوله، وما أشبه ذلك وكذلك الحال في الأصل الثابت الذي لا ثمرة له ولا ورود ولا أغصان كثيرة بل يكون الأصل وحده إذا فرض ذلك تعداد. والإنسان حر في المساقاة على النخل والكرم وشجر الفواكه كالتوت والتفاح والمشمش واللوز والجوز والنارجيل والفستق والبندق والكمثرى وغيرها، وكذا على شجر المقل والكندر وغيرهما، وكذلك فيما له ورق له نفع عرفي كالتوت الفحل والحناء أو صمغ ينتفع به.

نعم، لا تصح المساقاة على الشجر والودي المقلوعين من الأرض إلا بعد غرسهما ولا بشرطه، وكذلك حر في المساقاة على ودي مغروس إلى مدة معلومة، لا تستلزم الغرر أو إلى زمان معلوم كذلك، كما أنهما حران إن اشترط المالك على العامل شيئاً أو بالعكس، ولو أطلق المساقاة ولم يكن انصراف اقتضى الإطلاق قيام العامل بما فيه عادة صلاح الثمرة وزيادتها، كما يلزم قيام المالك بما يفتقر إلى بذل المال وما يعد صلاحاً في الأصول، فمن الأول في الغالب ما ذكره الفقهاء من الرفق بإصلاح الأرض وحرثها وحفرها تحت الشجر وإصلاح طرق السقي وإزالة الحشيش المضر بالأصول وتهذيب الجرائد وإدارة الدولاب وفتح رأس الساقية عند السقي وسدها عند الفراغ منه والتلقيح في النخل ونحوه وتعديل الثمرة بإزالة ما يضر بها من الأغصان والورق ليصل إليها الهواء والشمس وليتيسر قطعها عند العناقيد صوناً لها عن الشمس المضرة بها ورفعها عن الأرض حيث تضربها والتقاط الثمرة بمجرى العادة بحسب نوعها ووقتها وإصلاح موضع التشميس فيما يشمس عادة ونقلها إلى موضع التشميس وحفظها وتقليبها من وجه إلى وجه، وجعل الثمار في المخازن المحفوظة أو تحت الأرض فيما يسمى بالجفر، وما أشبه ذلك.

كما يصح أن يشترط أن بعض ذلك على المالك وبعضه الآخر على الساقي أو تشريك إنسان آخر مع الساقي، ومن الثاني في الغالب بناء الحائط وإنشاء العين والبئر والقناة مما يتوقف عليه الاستسقاء عادة وآلات الحرث كالبقرة للحرث والسقي والخشبة والحديد والمساحي ونحو ذلك، وآلات السقي والاستقاء من الدلو والدالية والرشي والنواضح والنواعير والبقر وعمل النواضح وتنقية الآبار والأنهار والعيون والقنوات ونصب الميازيب ورم الثلمة ووضع العوسج على الجدار والآلات التي يرقى بها العمل كالكش للتلقيح وتسميد الأرض حيث يحتاج إليه ونقل الثمرة، ونحو ذلك مما جرت العادة غالباً على كونها من المالك.

الاشتراط في المساقاة

كما أنه يصح أن يشترط المالك بعض ذلك على العامل ولو فعل العامل ما يجب على المالك من غير شرط ولا إذن لم يستحق بعمله شيئاً وكان المالك حراً في أن يعطيه شيئاً أو لا يعطيه كما لو فعل المالك بعض ما يجب على العامل لم يكن له التنقيص من حق العامل، وكذلك العامل حر أن يشترط على المالك أجرة الأجراء أو خروج أجرتهم من الأصل، سواء بالتساوي أو بالاختلاف، ومع الاختلاف يكون الأكثر على المالك أو على العامل ثلثاً أو ربعاً أو خمساً، أو غير ذلك وهما حران في قدر التعيين بأن يفرد كل نوع بحصة مخالفة للحصة من النوع الآخر مع التعيين كالنصف من التمر، والربع من التفاح، والخمس من المشمش، وهكذا.

كما أنهما حران في المساقاة على بساتين متعددة في عقد واحد بالنصف من أحدها والربع من الآخر، والسدس من الثالث، وهكذا. وكذا هما حران فيما لو ساقاه على بستان واحد بالنصف في نصفه، والثلث في النصف الآخر، أو بالنصف من ثلثه، والثلث في الثلث الثاني، والربع في الثلث الثالث جاز، سواء كانت الأقسام متساوية في الأثمار أو لا، والظاهر أنهما حران في جعل النصف المشاع والنصف المعين على نحو الكلي في المعين، أو الكلي المردود وإن أشكل جمع من الفقهاء في الكلي المردد.

وكذلك هما حران لو ساقيا على أزيد من سنة مع تفاوت الحصة بين السنين كأن يكون للعامل في السنة الأولى النصف، وفي الثانية الثلث، وفي الرابعة الثلثين، وهكذا هما حران في أن يشترط مع الحصة من النماء حصة من الأصل الثابت أو شيئاً من الخارج، ويصح التفاوت في المساقاة بالنصف إن سقى بالناضح، والثلث إن سقى بالناعور، والربع إن سقى بالسايح. كما هما حران في عدم التفاوت بأن يكون في الجميع لكل واحد منهما النصف.

وهما حران في أن يشترط رب الأرض على العامل مع الحصة شيئاً من الذهب والفضة. كما أنهما حران في اشتراط غير الذهب والفضة من العروض والأمتعة والآلات والدواب ونحو ذلك. وهما حران في جعل المساقاة للطرفين كما إذا قال: ساقيتك هذا البستان بكذا على أن أساقيك على الآخر بكذا، أو على أن تساقيني على بستان بكذا.

وهما حران فيما لو كانت الأصول لاثنين فقالا لواحد: ساقيناك على أن لك من حصة فلان النصف، ومن حصة فلان الثلث بشرط العلم بمقدار نصيب كل واحد منهما من الأصل والثمرة بما لا يوجب الغرر، وكذلك إذا كانت البساتين لثلاثة أو أكثر، وهكذا إذا كان البستان لواحد فساقى اثنين على أن لأحدهما النصف، وللآخر الثلث. فتصح المساقاة مع اتحاد المالك وتعدد العامل سواء تساوت الحصتان، أو اختلفتا، بل أو جعل لأحدهما من التمر، ومن الآخر من المشمش أو جعل على أحدهما السقي أسبوعاً، وعلى الآخر السقي اسبوعين. والمالك حر في الإجازة وعدم الإجازة فيما إذا كانت المساقاة فضولية.

وهما حران في أن يجعلا خــراج الأرض على المالك أو على العامل أو بالتقسيم بالتنصف أو بالاختلاف، وفي صورة الاختلاف أن يكون الأكثر على المالك أو على العامل، أما إذا لم يذكرا ذلك فالمنصرف أن الخراج على المالك إذا كان عرفهم يفهم هذا الانصراف وهما حران في جعل الزكاة على هذا أو على هذا أو على كليهما فيما إذا كان نصيب كل واحد منهما يبلغ قدر النصاب. والعامل حر في أن يعمل بنفسه أو يضم غيره إلى نفسه فيما إذا قدر على الأمرين، أما لو عجز بنفسه كلية قام مقامه من يعمل عمله إلا في صورة اشتراط المالك عليه العمل بنفسه، فإذا أقام غيره ليعمل معه أو منفرداً كان المالك حراً في الأخذ بالخيار.