الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

حرية إحياء الموات

الإنسان حر في أن يحيي أو لا يحيي بشرط أن تكون الأرض مواتاً ولم تكن مفتوحة عنوة وإذا أراد الإحياء فهو حر في إحيائها بأي لون شاء من الغرس أو البناء أو حفر القليب أو جر النهر أو شق القناة أو وضع الرحى أو ما أشبه ذلك ويحتاج الإحياء:

أولاً: إلى قصد التملك.

ثانياً: أن لا تكون تلك الأرض الموات حريماً لعامر من بستان أو دار أو قرية أو مزرعة أو بلدة أو نحو ذلك، لأنه إذا كان حريماً فهو مربوط بذي الحريم ولا يجوز لأحد إحياؤه ولا التصرف فيه إلا بإذن من له الحريم، والمراد بالحريم هو ما يتوقف الانتفاع بالعامر عليه وما يتعلق بمصالحه.

ثالثاً: أن لا تكون عليها يد معروفة محترمة وإلا لم يصح الإحياء ولا التصرف فيها لغير ذي اليد إلا بإذنه أو بالتعامل معه.

رابعاً: أن لا تكون من مشاعر العبادة من الشرع الشريف مثل عرفة ومنى والمشعر، ومثلها الأماكن المشرفة والمواضع المحترمة فإن لا يصح إحياء شيء منها إلا على وجه لا يضر بالمسلمين ولا يؤدي إلى ضيقها عما يحتاج إليه المتعبدون.

خامساً: أن لا تكون مما أقطعه الفقيه الجامع للشرائط لإنسان، لأن الفقيه الجامع للشرائط نائب عن الإمام عليه الصلاة والسلام في الإقطاع فكما كان جائزاً للإمام الإقطاع وقبله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كذلك يجوز للفقيه العادل الجامع للشرائط. وذلك فيما لم يكن محذور..

سادساً: أن لا يسبق إليه مسلم أو مسالم بالتحجير وإلا لم يكن لغيره الإحياء، لأن التحجير إما مفيد للملك كما نواه أو مفيد للأولوية، وعلى كلا الحالين من حجر فهو الأولى ولا يحق لغيره الاستيلاء على المحجر، والتحجير يحصل عرفاً بنصب السياج أو حفر الخندق أو الساقية أو إدارة التراب أو الأحجار حول الأرض أو إحاطة الحائط أو إحاطة الأسلاك الشائكة أو غير الشائكة أو ما أشبه ذلك مع قصده تحجير المكان بذلك، فإن المحجر يكون حينئذ أولى ولا يحق لغيره التصرف.

سابعاً: أن لا يكون مضراً بالآخرين، لأن الله سبحانه وتعالى قال: (خلق لكم)(1) ومعنى لكم أن الكل مشتركون فإذا أضر بالآخرين لا يكون له بالقدر الزائد عن حاجته مما يضر الآخرين.

ومن التحجير طم الحفر الذي في الأرض وإزالة الارتفاعات من المرتفعات وتليين التراب وسوق الماء للأرض أو غرس البذر فيها، ولو كانت أجمةً فقطع قصبها وأصلحها كان من التحجير، وكذا لو كانت عليها مياه غالبة فقطع عنها المياه وهيأها للعمارة إلى غير ذلك. والإنسان حر في أن يفعل ذلك أو لا يفعل فإذا فعل أمثال ذلك كان تحجيراً للمكان مما يكون له دون غيره فلا يحق لغيره الاستيلاء على مثل هذه الأرض سواء قلنا بأنها تملك بالتحجير كما ارتأيناه أو قلنا بأن له حق الأولوية.

والمنافع العامة المشتركة من سبق إليها فهو أحق بها. فالإنسان حر في أن يسبق أو لا يسبق، فإن سبق صار الحق له.

والمنافع المشتركة عبارة عن الطرق والمساجد والمشاهد والوقوف المطلقة كالمدارس والحسينيات والخانات والمقابر ونحوها مما هو مشترك المنفعة بين الناس، وكذلك إذا كان مشترك المنفعة بين جماعة من الناس كالمدرسة حيث إنها للطلبة والخان حيث إنه للمسافرين ومثل الخان الفندق.

والإنسان حر في أن يسبق إلى الطريق لغرض بيع أو شراء أو ســائر المعاملات أو أن لا يسبق، فإذا سبق لا يحق لأحد تنحيته عن ذلك المكان والجلوس في مكانه.

كما أن الدولة الإسلامية الصحيحة إذا لم تمنع جاز للإنسان البائع أو ما أشبه ذلك الاستبداد على الطريق وبناء دكة ونحوها في جنب حائطه لأحكامه بحيث لا يضر المارة إطلاقاً وكذا تسقيف الطريق إذا لم يكن على وجه يزاحم المرور ماشياً أو راكباً، ولم يكن موجباً لظلمة الطريق على وجه يضر بالمارة.

والإنسان حر في كل ذلك ولا يحق لأحد مزاحمته، والسبق صادق بالنسبة إلى الاستمرار في مكان فمن سبق إلى المسجد يصلي فيه جماعة كل يوم فهو السابق ولا يحق لأحد مزاحمته ومن سبق إلى الطريق للبيع في كل يوم لا يحق لأحد مزاحمته، وهكذا. نعم، السابق حر في أن يبقى وأن يترك، كما هو حر في أن يكون تركه لآخر بالتصالح أو بالهبة أو بما أشبه ذلك نعم، لا يصح لأحد حتى السلطان أن يقطع الطريق أو بعضه، كما لا يجوز إحياؤه ولا تحجيره إلا إذا كانت هناك دولة إسلامية صحيحة فلها الحق في تغيير الطريق من مكان إلى آخر حيث تراه أصلح.

والإنسان الذي ذهب إلى المسجد أو إلى المشهد المشرف أو إلى منى أو عرفات أو المشعر أو ما أشبه ذلك حر في أن يبقى في تلك المواضع فالحق له وأن يترك تلك المواضع فيذهب حقه ويكون حقاً للآخرين، كما أنه حر في أن يصالح عن قيامه عن ذلك المكان بشيء من المال، وكذلك الحال في صفوف الجماعة ونحوها، والمدارس والربط والخانات والحسينيات ونحوها من سكن موضعاً منها ممن له السكنى بذلك الموضع بأن كان متصفاً بالوصف المعتبر في الاستحقاق كطلبة العلم بالنسبة إلى المدارس والمرابط بالنسبة إلى الربط والمسافر بالنسبة إلى الخانات والفنادق فهو أحق به، ولا يجوز لأحد حتى المتولي إزعاجه وإن تطاولت المدة فيما لم يشترط الواقف أمداً وإذا كان الواقف شارطاً لأمد لزمه الخروج عند انقضاء ذلك الأمد وإن لم يأمر المتولي به، نعم، إذا كان المتولي متولياً حتى على هذه الجهة في الإخراج والاستقبال لم يحق للطالب ونحوه البقاء بدون إذن المتولي ولو كان سابقاً.

أما المقابر فإذا دفن الميت في مكان مباح أو موقوف على الدفن كان الميت أحق بذلك المكان ولم يجز نبشه وإخراجه ما دام شيء من جسده في القبر باقياً كما لا يجوز إزالة علامة القبر المبنية ما دامت باقية حتى بعد العلم بصيرورة الجسد رميماً.

نعم، يجوز النبش ودفن ميت آخر عند العلم بصيرورة المدفون رميماً إلا أن يكون من ذوي الاحترام كالأنبياء والأئمة وأولادهم والعلماء والصلحاء والزهاد وما أشبه، فإنه لا يجوز للغير دفن ميته في ذلك الموضع. أما الدفن في مثل الصحن الشريف أو الرواق المطهر أو حتى الحضرة الشريفة فلا مانع أولاً وبالذات إذا لم يكن هناك ما يمنع عرضاً.

كما أن للإنسان السبق إلى معدن ظاهر أو غير ظاهر واستخراج ما ينتفع به بشرط أن لا يكون مضراً للآخرين بأن يكون في إطار (لكم) كما ذكرناه من غير فرق في ذلك بين أقسام المعادن كالملح والكبريت والقير والنفط والكحل والزجاج والزرنيخ والذهب والفضة والنحاس والطين الأرمني وغيرها.

والإنسان حر في إحياء الأرض المالحة مثلاً إذا كان إلى جنب المملحة أرض موات إذا حفر بها بئراً وسيق إليها الماء صار ملحاً فإنه يصح تملكها بالإحياء الذي منه حفرت البئر ويختص حينئذ بالمحجر الذي شرع في حفرها.

وكذلك للإنسان الحرية في أن يسحب الماء من البحر إلى مواضع خاصة كالأحواض يصنعها ملجأ وإذا فعل ذلك يكون السابق الذي هو أحق ولا يحق لغيره مزاحمته، وهكذا له حرية الاستفادة من العيون الدافئة التي فيها منافع للإنسان.

ولو حفر أرضاً فوصل إلى معدن فهو حر في أن يتملك المعدن الذي لا يضر الآخرين، فإذا كان المعدن كبيراً اشترك فيه غيره، ولا يحق له الاستيلاء على جميعه بما يضر الآخرين، وصاحب المعدن حر في أن يقول للآخر اعمل فيه ولك نصف الخارج أو ربعه أو نحوهما أو لا يفعل ذلك، كما أن الآخر حر في القبول وعدمه كما إنهما حران بالنسبة إلى إجازته أو جعالته أو ما أشبه ذلك على حسب الموازين المذكورة في كتاب الإجارة والجعالة ونحوهما.

كما إنهما حران في الاشتراك في الاستيلاء على أرض أو على أجمة أو على غابة أو على نهر أو على بئر أو ما أشبه ذلك مما لا مالك له سواء قررا بينهما التنصيف أو التثليث أو ما أشبه ذلك. فهما حران في جعل النسب المختلفة. والإنسان حر في أن يحفر بئراً أو نهراً أو قناةً في أرض مباحة فإذا فعل ذلك كان أحق بها وإذا بلغ الماء ملك الماء والبئر والنهر والساقية والقناة وغيرها، ولم يجز لغيره التصرف فيها بغير إذنه كما في سائر الأموال المحترمة ولا يحق لغيره أخذ شيء من مياه هذه الموارد إلا برضا صاحبها.

والإنسان حر في بيع البئر دون مائها أو مائها دون البئر أو بيعهما معاً، لكن يشترط أن يكون البيع بموازينه التي منها أن لا يكون غررياً. وكذلك حر في أن يحفر البئر في المباح لا للتملك بل للانتفاع بها ما دام في ذلك المكان فانه حينئذ يكون أحق بها مدة مكثه عليها ولا يجب عليه بذل الفاضل من مائها عن حاجته إذا لم يكن المنع ضاراً بالآخرين كما ذكرناه في إطار (لكم)، أما المياه المباحة بالأصل كمياه العيون والآبار والأنهار والسواقي والقنوات غير المملوكة لأحد، وكذلك مياه النزيز والغيث فإن الناس فيها شرع سواء، فمن اغترف منها شيئاً بآنية أو حازة بنحو من الأنحاء بقصد التملك ملكه، فهو حر في أن يفعل أو لا يفعل بشرط أن لا يضر الآخرين على ما ذكرناه.

والنهر المملوك بشراء أو استيعاب أو إرث أو نحو ذلك أو إحياء إذا قبض من الماء المباح كماء الشط ملك ذلك الماء المقبوض، وكذلك إذا جرى السيل إلى أرض مملوكة وقصد صاحبها إحياءها، وكذلك الثلج النازل من السماء ونحو ذلك.

والإنسان حر في أن يثقب ثقوباً في الجبال في مواضع المياه فيما يجري منه الماء يكون له في إطار (لكم) ولو اشترك في الثقب جماعة كانوا مشتركين بقدر أتعابهم سواء بالتناصف أو الترابع أو غير ذلك.

وإذا كان لإنسان رحى أو معمل أو مصنع أو ما أشبه ذلك على نهر مملوك لغيره، فإن كان وضع الرحى بحق واجب على صاحب النهر مراعاته لم يجز لصاحب النهر أن يعدل بالنهر ويصرفه عن الرحى إلا برضا صاحب الرحى وإن لم يكن حق واجب هناك جاز لصاحب الماء أن يعدل به إلى مكان آخر، كما أنهما حران في التراضي ببيع أو هبة أو صلح أو ما أشبه ذلك ولو أراد أحد أن يستجد بناء رحى أو مصنع أو ما أشبه ذلك على ماء مباح يستفيد منه جماعة في بساتين أو أملاك أو في شربهم أو سقي دوابهم أو ما أشبه ذلك، فإن عارض الأملاك المزبورة على وجه ضار عليهم أو على بعضهم لم يكن ذلك له إلا برضاهم سواء بناها في ملكه أو في أرض مباحة وإن لم يعارض أحداً منهم لم يعتبر إذنهم ولو أراد جماعة وضع المصانع والمعامل على ماء مباح وكان بينهم تعارض، فالسابق هو الأحق.

والإنسان حر فيما كان هناك ماء مباح أن يحيي قطعة ميتة من الأرض إلى جنب أملاكهم إذا لم يكن فيه تضييق عليهم، ولم يكن الإحياء في مكان حريم لهم وحال المرعى. وحال المرتع والغابة والأجمة حال ما ذكرناه في الفروع السابقة.

كما أن الإنسان حر في الاستفادة من العيون الحارة وغيرها غسلاً أو اغتسالاً أو أخذاً من مياهها أو ما أشبه ذلك، لكن لا يجوز له الاستيلاء عليها ومنع الآخرين وإن لم يكن الآن آخرون، لأنه إنما يكون في إطار (لكم) على ما ذكرناه.

وكذلك للإنسان الاستفادة من الجبال فهو حر في أنحاء الاستفادة من السكنى والأخذ من حصاها أو جعلها منتزهاً أو مراحاً أو جعل قطعة منها شعباً أو ما أشبه ذلك. ومثل ما تقدم الكلام في الاستفادة من النور أو من الهواء أو ما أشبه ذلك. كما أن الإنسان حر في الاستفادة من الطيور والأسماك والوحش وسائر الحيوانات المباحة اقتناءً وبيعاً واستفادةً من المحلل منها، وكذلك حال الاستفادة من الحيوانات المحرمة في الجهات المحللة كجعل الخنزير يستقي الماء للبساتين أو ما أشبه ذلك.

وأصحاب البساتين المتعددة وما أشبه أحرار في أن يجري كل واحد منهم ساقية من النهر الكبير إلى بستانه فإن وسعهم النهر الكبير جميعاً فهو وإن لم يسعهم فهم أحرار في أن يتراضوا على المياه بأن يكون لكل من الأسبوع يوم أو من الشهر يوم أو ما أشبه ذلك، وأما مع التعاسر فيقسم الماء بينهم بالأجزاء والتقسيم بالأجزاء له طرق متعددة قديماً وحديثاً مثلاً في القديم كانوا يضعون خشبة صلبة أو صخرة ذات ثقوب متساوية على قدر حقوقهم في صدر الماء على وجه لا يكون دخول الماء في تلك الثقوب متفاوتاً ويجري كل منهم ساقية، أما من يجعل الثقوب على أقلهم ثقباً وإذا كان لأحدهم نصفه وللآخر ثلثه ولثالث سدسه جعلت الثقوب ستة ثلاثة منها لذي النصف واثنان لذي الثلث وواحد لذي السدس، ويمكن التقسيم بأن يجعل ثقبة ذي الصنف ضعف ثقبة ذي الثلث، وثقبة ذي الثلث ضعف ثقبة ذي السدس، وهكذا ولو احتاج النهر المملوك لجمع من أهل الأملاك في جانبيه أو النهر المباح الذي يكون أهل جانبه أحق به إلى إصلاح وكري وتنظيف وسد خرق وما أشبه ذلك، فهم أحرار في أن يقسموا الإصلاح بينهم بالتفاوت أو بالتساوي وأن يراجعوا الحاكم الشرعي حتى يجعل المصرف على أهل تلك الأملاك على حسب ملكه للنهر المملوك وعلى حسب استحقاقهم للنهر المباح.

 

1 ـ سورة البقرة، الآية: 29.