| المؤلفات |
|
حرية الإيداع |
|
والإنسان حر في أن يودع ماله عند غيره، أو لا يودع. كما أن الغير حر في أن يقبل الوديعة، أو لا يقبل، وإذا قبل الودعي فله الحق في الإبقاء وردها، ولو أكره المستودع على قبول الوديعة فقبلها مكرهاً لم تصح الوديعة ولم يلزمه حفظها ولا الضمان مع إهماله إياها بشرط أن لا يضع يده على العين بعد زوال الإكراه مختاراً، وإلاّ لزمه الحفظ باليد اللاحقة وضمنها. أما إذا أكره بقبول الوديعة وقبلها لم يحق له إلقائها في الشارع، بل اللازم تسليمها إلى المالك، أو إلى الحاكم الشرعي، ولو تم الإيداع كان للمستودع ترك الوديعة عند المالك مع تنبه المالك لذلك، فيكون بذلك قد خرج من ضمان الوديعة. والودعي حر في بيع بعض الوديعة لدفع ثمنه إلى الظالم الذي يريد اغتصابه، أو بيع الكل ودفع بعض الثمن إليه فيما يتوقف الحفظ على بيع الكل أو بيع البعض ولو أمكن بيع البعض لم يجز بيع الكل، واللازم أن يكون ذلك بإذن الحاكم الشرعي وإلا فعدول المؤمنين. والودعي مخير في التفادي بإحدى الوديعتين لو كانتا متساويتين واضطر إلى ترك إحداهما للظالم أو للسارق أو للإلقاء في البحر، وما أشبه ذلك، وإلا فإن كان إحداهما أهم قدم حفظ الأهم على المهم من غير فرق بين أن تكون الوديعتان لشخصين أو لشخص واحد وكل واحد من الطرفين حر في فسخ الوديعة أو إبقائها ومتى ما انفسخت صارت العين المودعة أمانة شرعية في يد المستودع إن كان الانفساخ من طرف المودع وفي يد ولي المستودع والقائم مقامه إن كان الانفساخ من جانبه، فإن الأمانة الشرعية عبارة عن كل عين حصلت في يد الغير لا باستئمان المالك، ولا تعد ممن وقعت في يده، وهو حر في حفظها في أي مكان وبأية كيفية فإن اللازم هو الجامع وهو حر في إفراده، إذ الوديعة كسائر الأمانات تحفظ بما جرت العادة بحفظها هي على اختلافها بحسب الأجناس والأشخاص والأمكنة والأزمنة وسائر الخصوصيات، كما أن حفظ الحيوان المتوقف على السقي والعلف والمراح، وما أشبه ذلك. فالودعي حر في خصوصياتها سقياً وعلفاً وغير ذلك، وكذلك حر في حفظ الأشجار والدور، وما أشبه ذلك إذا استودعت عنده، فإن الخصوصيات بيده إذا كانت متساوية. نعم، لو عين المودع موضعاً أو خصوصية لزم عليه اتباع تلك الخصوصية التي ذكرها المودع. والودعي حر في إبقاء الوديعة في بيته أو بيت جاره أو بيت آخر مما يستلزم النقل، بل حتى النقل من بلد إلى بلد إذا لم يكن معرضاً للتلف، وما أشبه ذلك عند العقلاء، كما أنه حر في النقود في أن يودعها في هذا المصرف أو ذاك المصرف أو مصرف آخر أو مصرف في بلد آخر بسبب الحوالة، وما أشبه ذلك بشرط أن لا يكون هناك نهي من المودع عن خصوصية وإلا فلو عمل مع النهي كان من التعدي الموجب للضمان. والإنسان حر في أن يقبض المال من الطفل أو المجنون أو من أشبههما أو لا يقبض، فإذا قبضه من أمثالهم وجب عليه رده إلى الولي سواء كان ولياً خاصاً كالأب والجد أو ولياً عاماً كالحاكم الشرعي والوصي والقيم، ومن أشبه ذلك، ولا يجوز الرد إلى نفس الطفل والمجنون ونحوهما. والودعي حر عند ظهور أمارات الموت عليه أن يرد الوديعة إلى صاحبها أو يوصي بها إلى عدل أمين يردها إلى المالك مع تمييزها وإشهاد عدلين عليها وسائر الخصوصيات الموجبة لرجوع المال إلى صاحبه. وكذا هو حر في مطالبة الإشهاد على الرد والتأخير إلى مكان الاشهاد عادة إذا لم يستلزم ذلك تأخيراً طويلاً لأن الرد يجب أن يكون فوراً ففوراً، ثم لو كان الغاصب مزج المغصوب بماله، ثم أودع الجميع عند ودعي، فالودعي مخير بين تمييز المالين بإذن الحاكم الشرعي وإرجاع كل إلى صاحبه من الغاصب والمغصوب منه وإن شاء سلم المجموع إلى الحاكم، ولو أودع الدابة أو السيارة وأمره بالنقل عليها، فهو حر في إجارتها بأي مصداق من المصاديق العرفية بدون أن يؤجرها للأشق كما إذا كان من شأنه حمل القطن فحمله الحديد أو حمل مقدار متعارف هذا القطن فحمله ضعف ذلك، أو ما أشبه ذلك. والودعي حر في إقراض الوديعة أو اقتراضه إذا كان المالك راضياً بذلك كما هو الغالب في البنوك التي تأخذ الودائع من الناس، فإن الناس لا يهمهم تصرف البنك وعدم تصرفه وإنما المهم عندهم أن يعطيهم البنك ما لهم إذا طلبوه، ولو كان من السفر والحضر متساوياً في الحفظ جاز للودعي السفر والحضر، أما إذا كان أحدهما أقرب إلى الحفظ لــزم حفظ الوديعة بذلك الأقرب. والودعي حر في رد الوديعة إلى المالك أو وكيله أو وليه وإذا كان له وكلاء متعددون كان حراً في رده إلى أي من الوكلاء أنه إذا كان له أولياء متعددون كان له الحرية في الرد إلى أي من الأولياء ولو عين المودع مكاناً خاصاً بالوديعة كالدار والدكان أو المخزن وكان للمستودع دور متعددة أو دكاكين متعددة أو مخازن متعددة، ولم يعين المودع أيها حق له وضعها في أي منها، ولو قال المودع: خذ أحد هذين وديعة، فأخذ أحدهما تحققت الوديعة كما أنه لو سلمه صبرة كان للودعي بعضها كان مستودعاً بالنسبة إلى البقية وصاحب الخان والحمام وما أشبه حر في قبول وعدم قبول وديعة المودع، فلو دخل الخان فجعل حماره أو سيارته أو ما أشبه ذلك في صحن الخان، وقال لصاحب الخان: احفظه حتى لا يخرج أو لا يسرق، فخرج أو أخرج في بعض غفلاته ضمن، أما إذا كان مغلوباً على أمره بأن لم يكن تفريط ولا تعد فلا ضمان وكذا الحمامي بالنسبة إلى الثياب إذا أمره الداخل بالحفظ. والودعي حر في نقل ماله أو مال الوديعة فيما إذا خاف، كما لو خاف على ما تحت يده الغرق أو الحرق أو السرقة أو السلب أو ما أشبه ذلك، ولو نقل أمتعته قبل الوديعة فغرقت الوديعة أو احترقت أو سرقت أو سلبت لم يكن ضامناً، ولو كان عنده ودائع متعددة متساوية فبادر إلى نقل بعضها دون بعض، ثم سلب ذلك البعض، أو احترق، أو ما أشبه ذلك لم يكن ضامناً، ولو قال المالك لاثنين: ليأخذ أحدكما هذه الوديعة فهما حران في أن يأخذ هذا أو ذاك. كما أن الإنسان حر في أخذ الوديعة الحجرية والشجرية، كذا حر في أخذ وديعة الطفل والمجنون، وما أشبه ذلك، وكما أنه يجب الحفظ بالنسبة إلى الوديعتين السابقتين كذلك يجب الحفظ بالنسبة إلى الوديعتين اللاحقتين حسب شأنهما ولو كان عــند الودعي ودائع وخاف، فاللازم عليه أن يجعل تلك الودائع عند أناس أمناء فهو حر في أن يسلم الجميع إلى واحد أو إلى متعدد إذا كان متساوياً في الحفظ. |