| المؤلفات |
|
حرية الاستعارة |
|
والإنسان حر في أن يستعير أو لا يستعير. والمالك حر في أن يعير أو لا يعير. والإعارة عبارة عن تسويغ المالك لمعين الانتفاع بالعين مع بقائها مطلقاً أو مدة معينة أو نحو ذلك. وليس عقدها بلازم من شيء من الطرفين فلكل منهما القبول أو لا، ثم بعد القبول الإبقاء أو الفسخ. نعم، ينفسخ عقد العارية بموت أحدهما وجنونه ونحوهما، سواء كانت العارية مطلقة أو مقيدة بزمان خاص. والأولياء أحرار في إعارة أموال القاصرين مع الغبطة لهم في ذلك أو عدم المفسدة على الاختلاف في كيفية تصرف الأولياء في أموال القاصرين، سواء كان القاصر طفلاً أو مجنوناً أو غيرهما. والإنسان حر في أن يعير العين التي يملكها، أو المنفعة، كذلك أو لحق التحجير على المشهور من أنه حق وليس يوجب الملك، أو ما أشبه ذلك مما استأجره من صاحبه أو استعارة مع إجازة صاحبه في الإعارة إلى غير ذلك، ولم نستبعد حرية الإنسان في أن يعير أحد هذين الشخصين أو أحد أهل البلد فيجوز لكل واحد منهم القبول والانتفاع. لكن المشهور بين الفقهاء انه إباحة لا عارية وعلى كلامهم فالإنسان حر في أن يبيح لشخص أو لأحد شخصين أو لأهل البلد، والمستعير بعد العارية الصحيحة حر في كل أقسام الانتفاع التي تشملها العارية كماً وكيفاً وقدراً وزماناً ومكاناً وحضراً وسفراً وبأية خصوصية، ولا يجوز التعدي عن المتعارف. نعم، المعير حر في إعطاء الصلاحية المطلقة، فإن عمم الإعارة جاز الانتفاع به لجميع وجوه الانتفاع مما يشمله عقد العارية، كما أن المعير حر في أن يقيد أو يطلق الإعارة وحيــنئذ يجوز الانتفاع بالشائع المتعارف من وجوه المنافع دون النادر الخارج عن منصرف الإطلاق. والإنسان حر في أن يعير أي شيء تحت نفوذه وتصرفاً مما لم يمنعه الشارع. نعم، لا يجوز إعارة آلات اللهــو والصلبان والأصنام وما أشبه ذلك، ولو أعار الإنسان شيئاً مغصوباً كان صاحبه بالخيار بين الإجازة والرد. فالمغصوب منه إذا لم يجر حر في أن يرجع إلى المعير أو المستعير. ومما تقدم ظهر أن الإنسان حر في أن يعير كل ما يصح الانتفاع به مع بقاء عينه منفعة محللة، لكن لا يلزم أن تكون المنفعة عرفية بل له المنفعة للمستعير وإن لم تكن عرفية ولا تصح إعارة ما يوجب الانتفاع به فوات عينه، وإن جاز الانتفاع المذكور المزيل للعين بعنوان الإباحة، وعلى هذا يجوز إعارة الخبز للاستشمام فإعارة الدراهم والدنانير لمنفعة غير مزيلة لأعيانها كالتزين بها والضرب على طبعها وإظهار الاعتبار عند الغير ونحو ذلك، وتصح إعارة الأرض للزراعة والغرس والبناء وإعارة الثيـــاب والبسط والفراش والدابة والسيارة والدراجة والسفينة والطائرة والقطار وغيرها، للركوب أو الحمل عليها. وكذلك الإنسان حر في إعارة واستعارة كل الحيوانات التي لها منفعة محللة للمستعير كفحل الضراب والكلاب المفيدة والقط لصيد الفأرة ونحوها والفهد والعقاب والباشق في اصطياد الطيور والشبكة لاصطياد السمك واستعارة الأشياء المرفهة كالمروحة والثلاجة والغسالة ونحو ذلك. كما أنه حر في استعارة الشاة للحلب، وتسمى بالمنحة، وكذلك استعارة سائر الأنعام كالخيل والبغال والحمير والثيران وغيرها للركوب واللبن والنماءات والصوف والشعر والوبر والروث أو الحفظ عن الغير، لأن بعض الحيوانات من هذا القبيل تحفظ أصحابها عن اللصوص وغيرها. والإنسان حر في الإعارة مطلقة ومقرونة بمدة معينة بما يرفع الغرر أو بغيرها مثل إعارة الناضح لاستقاء الماء من البئر خمسين مرة أو بمقدار سقي هذه الحديقة، أو ما أشبه ذلك. ولا تلزم العارية بذكر المدة بل للمالك الرجوع فيها قبل انقضاء المدة، كما أن للمستعير إرجاعها قبلها، ولو أذن للمستعير في البناء والغرس والزرع في الأرض التي أعارها منه، ثم أمره المعير بالإزالة وجبت الإجابة إذا لم يكن موجباً للإسراف مع التزام المعير للإرش. وهو حر في اشتراط عدم الإرش إذا طلب القلع أو عدمه يشترط هذا الشرط. لكن ذكرنا أنه يجب أن لا يكون إسرافا وتبذيراً فإنه محرم على كل حال، كما أن المستعير حر في قلع الغرس والبناء وطم النهر والقناة والبئر متى أراد، لكن عليه تسوية الأرض وطم الحفر إلا إذا رضي المالك بدون ذلك، لأنه حر في الرضا وعدم الرضا. كما أن الإنسان حر في إعارة الأرض لدفن الميت فيها وله الرجوع قبل طم التراب عليه، كما أن له الرجوع بعد صيرورة الميت رميماً فيما إذا لم يكن من الأولياء الذين يجب بقاء قبورهم وليس لمعير الأرض للدفن الرجوع بعد الدفن قبل البلى. نعم، لو اتفق أن نبش قبره ونقلت جنازته على نحو محرم أو محلل صح للمعير استرجاع الأرض، والأرض التي تستعار للغرس والزرع والبناء، وما أشبه ذلك. يجوز للمستعير دخولها لإصلاح ما استعيرت لأجله للتنزه أو للاستظلال بالشجر ونحو ذلك، إذا كان الفهم العرفي أن الإعارة تشمل مثل ذلك، كما أنه يجوز للمعير دخول تلك الأرض ما لم يضر بالغرس والزرع أو يلتزم بإرش الضرر بدون إسراف، إذا لم يكن هنالك ضرر على عائلته أو ما أشبه (كما في قصة سمرة)، ولا يجوز له الانتفاع بشيء من الشجر والثمر والورق والزرع ولا التصرف فيها، إلا مع إذن المعير. كما أن الإنسان حر في الاستظلال بشجر الغير وجداره وحائط داره، وما أشبه ذلك والاستضاءة بنوره والاستصلاء بناره بغير إذن أربابها ما لم يستلزم شيء من ذلك التصرف في ملك الغير بغير إذنه ولا في حقه وإلا أثم وكان ضامناً، كما يحق له الاستفادة من عطر بستان الغير أو برودة هواء الغير أو حرارتها الحاصلة بسبب الآلات الحديثة إلى غير ذلك. والإنسان حر في إعارة واستعارة الحائط ليطرح عليه ثيابه أو ما أشبه ذلك، ويكون له بعد الوضع الحرية في طلب الإزالة وعدمها، لكن طلب الإزالة يجب أن يقترن بإعطاء الأرش وأن لا يكون إسرافاً وتبذيراً، وللمعير الاسترجاع أو الإبقاء فيما إذا أعار الأرض للغرس أو الزرع أو البناء أو الدفن أو الحائط لوضع الخشبة أو ما يمكن الرهن وللمستعير أن يتصرف في ما استعار العين لأجله، فإذا انقلعت الشجرة أو فسد الزرع أو انهدم البناء أو طم البئر أو بلى الميت أو نبش قبره نابش، وأخرج الميت منه، أو انفك المرهون عن الرهن كان للمعير الحرية في الإبقاء حتى يعيد المستعير ما أراده أو يعيد غيره أو يسترده. والمعير حر في إعطاء الإجازة أو الرد للمعير في أن يعير العين المستعارة ولهما الحق في الاشتراط على المعير أو على المستعير فلو أطلق اشتراط ضمان العارية يقتضي الضمان بالمثل في المثلى أو القيمية في القيمة، ولو اشترط الضمان بالقيمي في المثلى أو بأزيد من القيمة السوقية من القيمة صح الشرط لأن (المؤمنون عند شروطهم)، وهذا الشرط لا يخالف الكتاب ولا السنة ولا مقتضى العقد، كما أنه لو اشترط المستعير سقوط الضمان عند التفريط كان الضمان ساقطاً إذا فرط. والمستعير حر في رد العارية إلى المالك أو وكيله أو وليه فيما إذا لم يقيد المالك رداً خاصاً وإلا وجب الرد إليه ولو ردها إلى حرز المالك كدكانه وداره وصندوقه من غير أن يعلمه بذلك أو من يقوم مقامه لم يبرأ إلا إذا علم وقبل، ولو أعار الدابة والسيارة وما أشبه ذلك فهو حر في أن يعيرها مطلقة أو مقيدة ولو أعارها مقيدة فجاوزها المستعير ضمن أجرة مقدار ما تجاوز بها. والمستعير حر في بيع غروسه وزروعه وأبنيته وأنهاره وقنواته وآباره وغير ذلك في الأرض المستعارة من المعير، أو من غير المعير. كما أن المعير حر في بيع الأرض من المستعير أو غير المستعير، ولو كان المشتري جاهلاً بالحال ثبت له الخيار فهو حر في أن يرد أو لا يرد. والمعير والمستعير حران إذا اتفقا على بيع ملكهما كالأرض والشجر والبناء وما أشبه بثمن واحد لإنسان واحد فإنه يصح ويوزع الثمن عليهما بالنسبة بأن تقوم الأرض والزرع والبناء بها على وجه الإعارة مستحقة القلع بالإرش. نعم، إذا كان المشتري جاهلاً بتعدد المالك وكان تعدد المالك ضرراً عليه كما في بعض القوانين الوضعية، كان له الحرية في الفسخ أو الإمضاء. وهو حر فيما إذا استعار عارية مطلقة لينتفع به في مطلق الانتفاعات، أما أنه إذا قيد المعير المستعير ببعض الانتفاعات الخاصة فتعدى ذلك البعض كان حراماً وضامناً وهما حران في تبادل العارية، كما إذا قال له: أعرتك سيارتي لتعيرني دراجتك، أو سفينتك، ولو قال: أعرتك الدابة بأن تسقيها، أو تعلفها، أو تركب عليها إلى المكان الفلاني، أو ما أشبه ذلك. فالظاهر صحة العارية لأنه مطلب عقلائي لم يمنع عنه الشارع فيشمله إطلاق أدلة العارية. والإنسان حر في أن يستعير بنفسه أو بوكيله أو ما أشبه ذلك. |