الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

حرية الإجارة

والإنسان حر في الاستئجار والإيــجار، سواء الأبنية والبساتين أو الآبار، أو الأنهار، أو القنوات، أو الأشياء المنقولة كالكتاب والسيارة، وما أشبه ذلك. فإن الإجارة عقد ثمرته تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم في مدة مضبوطة فيما لا يسبب غرراً. والمؤجر حر في أن يخرج العين من ملكه بيعاً أو هبة، أو ما أشبه ذلك، أو لا يخرج، والمشتري حينئذ عليه الصبر إلى انقضاء مدة الإجارة ولا خيار له في الفسخ في صورة علمه حين البيع بكونها مستأجرة.

نعم، إذا كان جاهلاً بذلك كان حراً في الفسخ وعدم الفسخ، كما أنه حر في أن يشترط لعدم فسخه شيئاً على المؤجر أو على المستأجر، أو ما أشبه ذلك، ولو علم المشتري بالحال وتصور قصر المدة أو مدة معلومة كشهر شعبان لا رمضان مثلاً ثم ظهر له طولها أو الاختلاف مع المدة التي زعمها ثبت له الخيار، وهو حر في أن يفسخ أو يبقي من غير فرق بين أن يكون بين المزعوم، والواقع التباين أو العموم من وجه أو العموم المطلق فلو كانت الإجارة لا تتصل أجزاؤها مثلاً آجرها شهر محرم، ثم الربيع، ثم جمادى الأولى. وهكذا حق للمشتري قبض العين في الأوقات الفارغة فهو حر في أن يقبض أو لا يقبض، ولو فسخ المستأجر أو المؤجر الإجارة بسبب أو بالإقالة لم تعد المنفعة إلى المستأجر بل إلى البائع.

نعم، هو حر في أن يعطيها مجاناً للمشتري أو لا يعطيها. والمالك حر في بيع العين المستأجرة من أي إنسان شاء حتى من المستأجر نفسه، ولا ربط للإجازة بذلك فيستحق المؤجر أجرة باقي المدة ولا تفوت المنفعة على المستأجر بانفساخ البيع بعد ذلك. والإنسان الذي يملك ملكاً مشاعاً حر في إجارة حصته المشاعة كالمقسوم سواء آجره من الشريك أو من أجنبي أو منهما معاً بالنسبة أو بالاختلاف، وسواء استأجر غير الشريك جميع حصة الشركاء أو بعضاً دون بعض ويتوقف تسليم العين إلى المستأجر على إذن الشريك فإذا لم يأذن فصل الأمر الحاكم الشرعي. والمؤجر حر في أن يشترط على المستأجر ضمان العين إن تلفت أو عابت حتى عند عدم التعدي والتفريط أو غصبها غاصب أو ما أشبه ذلك. كما أنه يحق له اشتراط خيار المجلس فهو كالمستأجر حر في اشتراط خيار المجلس في ضمن عقد الإجارة والإنسان حر فيها بالنسبة إلى الأشجار والبيوت وغيرها.

استئجار الإنسان للعمل

وكذلك يصح للإنسان أن يستأجر غيره ليخيط له أو يبني له بناءً أو ما أشبه ذلك. والغرماء أحرار في أن يأذنوا أو لا يأذنوا للمفلس في إجارة دار وغيرها.

نعم، المفلس حر في إجارة مستثنيات الدين، لأن الغرماء لا حق لهم فيها. والمستأجر حر في دفع الأجرة قبل تسليم المؤجر العين إليه في الإجارة الواقعة على العين أو بعد التسليم،، وكذلك قبل إتمام العمل في الواقعة على العمل أو بعد إتمام العمل وإطلاق الأجرة ينصرف إلى المعجلة فضلاً عن صورة اشتراط التعجيل.

نعم، هو حر في شرط تأجيلها بشرط أن لا يكون غرراً بضبط المدة بما لا يحتمل الزيادة والنقصان زيادة، ونقصاناً لا يتسامح العرف فيهما، سواء شرط أداءها جميعاً بعد انقضاء المدة أو اشترطها نجوماً. والمؤجر حر في الرد أو الإمضاء لو اطلع في الأجرة الشخصية على غير سابق على العقد، وله الحق من الإمضاء مجاناً أو مع أخذ الإرش، ولو أفلس المستأجر بالأجرة كان المؤجر حراً في فسخ الإجارة أو إبقائها، وإذا استأجر المستأجر أرضاً أو ثوباً أو دابة أو سفينة أو رحى أو كتاباً أو سيارة أو باخرة أو ما أشبه ذلك، فهو حر في إجارتها بأكثر مما استأجرها به من جنس الأجرة أو غير جنس الأجرة، لكن قال جماعة بالكراهة: ولو استأجر بيتاً أو حانوتاً أو أجيراً أو بستاناً أو نحو ذلك لم يؤجرها بأكثر مما استأجرها به من جنس الأجرة من دون إحداث حدث فيها، أما من غير جنس الأجرة أو بإحداث الحدث فيها، فهو حر في الإجارة بأكثر. كما انه حر في الإجارة بالمساوي أو بالأقل.

تأجير العين المؤجرة

ومن استأجر دار سكنى وجلس هو في بعضها، فهو حر في إيجار الباقي بتلك الأجرة أو بأقل منها، أما بالأكثر ففيه تأمل. ولو استأجر المؤجر أجيراً ليحمل له متاعاً من موضع معين إلى مكان آخر بأجرة معينة في وقت معين، بشرط أن قصر عنه بمعنى أنه لم يوصل إليه في رأس تلك المدة بل بعدها نقص من أجرته قدراً معيناً جاز ذلك، فهو حر في هذا الشرط وعدمه، كما أن الأمر كذلك في حرية المستأجر بالنسبة إلى المشابه كالخياطة والقصارة وغير ذلك. والمستأجر حر في أن يستأجر أجيراً ليحمل له متاعاً من موضع معين بأجرة معينة في وقت معين أو خياطة ثوب معين في وقت معين، أو ما أشبه ذلك من سائر الإجارات، وشرط أنه إن قصر عنه وأتى به بعد المدة لم يستحق أجرة، فإن مثل هذا الشرط صحيح لأنه يرجع إلى اشتراط كون النقل في غير ذلك الوقت متبرعاً به.

وهو حر في أن يستأجر للحمل في وقت معين أو خياطة في وقت معين وسكت عن حال غير ذلك الوقت المعين، فإن فعله الأجير في ذلك الوقت المعين استحق المسمى وإن لم يفعله وإنما فعله بعد ذلك الوقت لم يستحق حتى أجرة المثل لأنه لم يكن عمله مستنداً إلى المستأجر فهو مثل من يبني دار غيره بدون أمره فإنه لا يستحق شيئاً فقد أهدر عمله بذلك.

وهل الإنسان حر في أن يستأجر داراً سنة كل شهر بكذا، أو أن لا يقول سنة بل يقول كل شهر بكذا من غير تعيين الأشهر المشهور؟ قالوا بالبطلان ولا نستبعد الصحة لأنه عقد عقلائي ولا يوجب الغرر، وإذا استأجر داراً بمائة دينار في السنة، فإن زاد فبحسابه صح فهو حر في الاستيجار بهذه الصورة.

والإنسان حر أن يقول للخياط إن خطته فارسياً وهو ما كان بدرز واحد فلك دينار وإن خطته رومياً وهو ما كان بدرزين فلك ديناران، فإن الأمر صحيح سواء قصد الإجارة أو الجعالة أو ما أشبه ذلك ويستحق الأجير ما ذكره، وإن خاط بعضه فارسياً وبعضه رومياً فإن كان الإطلاق يشمل مثل ذلك فله بالنسبة وإلاّ لم يكن له شيء.

وكذلك الإنسان حر فيما لو قال للأجير: إن عملت هذا العمل في هذا اليوم فلك دينار وإن عملته في الغد فلك نصف دينار أو لك ديناران. وكل أجير حر في أن يعمل بدون المقاطعة على الأجرة الخاصة فإذا عمل بأمر صاحب العمل فله أجرة المثل.

نعم، يكره أن يستعمل الذي أعد نفسه للعمل كالحمال والحلاق والحداد والنجار وغيرهم، قبل أن يقاطع على الأجرة كراهة شديدة.

والإنسان حر في استعمال الأعيان قبل تعيين أجرتها. كذا حر في الإجارة فيما كانت المنفعة في إجارة الأعيان مملوكة للمؤجر أو من يقوم مقامه كالوكيل والوصي وأولياء القاصرين والحاكم الشرعي في مورده، سواء كان تبعاً لملك العين أو منفردة كالمنفعة الموصى بها، والمنفعة المملوكة بالإجارة ومنفعة العين الموقوفة وقفاً عاماً أو وقفاً خاصاً.

نعم، في إجارة الأعمال لا يعتبر الملكية بل تكفي السلطنة على ذلك العمل بواسطة الملك للعين أو الإجارة أو بواسطة كونها منفعة نفسه كالحداد والنجار والبناء وغيرهم، ومن استأجر عيناً فله الحرية في أن يؤجرها من غيره بغير إذن المؤجر أو بإذنه إن لم يكن شرط في ضمن العقد مباشرته في الانتفاع، ولم يكن ذلك شرطاً مركوزاً في الأذهان، وإلا لم يكن له تلك الحرية ولا فرق بين أن يؤجرها من المؤجر نفسه أو من أجنبي، ولا بين كون العين دابة أو سيارة أو داراً أو أرضاً أو كتاباً أو ثوباً أو غير ذلك.

نعم، قد تقدم الإشكال في خصوص الإجارة بأكثر مما استأجرها به من جنس الأجرة من غير إحداث حدث في خصوص البيت والحانوت. والأجير وهو حر في أن يستأجر البعض أو الكل، كما أنه حر بين أن يكون الاستيجار على الانتفاع المملوك له أو الأخف منه دون الأثقل مما ملكه بالإجارة، وكذا حر في الإجارة المستأجرة الثاني والثالث وهكذا، ما لم يشترط مباشرة المستأجرة والانتفاع وإلا لم يجز الإجارة إلا بإذن المؤجر وإسقاطه للشرط أو لم يشترط وله الحرية في الأذن للثاني دون الثالث والرابع، وهكذا، ثم لو كان الشرط أن لا يؤجر لغيره وآجرها كان للمستأجر أن يفسخ أو يقبل بذلك لأنه يقع فضولياً حينئذ ولو آجر غير المالك بغير إذن المالك وقفت على إجازة المالك فهو حر في أن يجيز أو لا يجيز، فإن أجاز فهو وإلا بطل.

والإنسان حر في إجارة كلي مع تعيينه بما يزول به الغرر على نحو بيع الكلي سلماً، كما أنه حر في إجارة العين لجميع المنافع القابلة لها، وإن كانت متضادة عادة كركوب الإنسان عليها أو وضع الحمل عليها وحينئذ يتخير المستأجر في استيفاء أيهما شاء. والإنسان حر في تعيين المدة بالزمان كخياطة شهر وركوب شهر وبالعمل كخياطة هذا الثوب وركوب الدابة من مسافة كذا إلى كذا. والإنسان حر فيما لو عين المدة أن يكون على وجه الكلية، أو أن يكون على وجه الشخصية، ويلزم في الأول الضبط فيما لا يحتمل الزيادة والنقصان عادة كالسنة والشهر واليوم. أما العقد على ما لا ينضبط عادة كإدراك الثمرة وقدوم الحاج فغير صحيح وإذا ذكر الزمان فهو حر في تعيين أي الأزمنة هذه السنة أو السنة الآتية أو هذا الشهر أو الشهر الآتي أو هذا الأسبوع أو الأسبوع الآتي.

والإنسان حر في الجمع بين تقدير المدة والعمل مثل أن يستأجره ليخيط هذا الثوب في هذا اليوم حيث تنطبق الخياطة على اليوم كله حسب العرف وإن بقي شيء زائداً أو ناقصاً بما يتسامح فيه عادة، واليوم من الطلوع إلى الغروب أو من الفجر إلى المغرب حسب العرف الشرعي وأيام العمال التي هي ثمان ساعات كما في هذه الأزمنة.

إجارة الإنسان نفسه

وكما يجوز استئجار الدار والدكان والبستان وما أشبه ذلك، يجوز استئجار الآدمي للعمل ويسمى أجيراً وهو قسمان:

خاص: وهو الذي يستأجر للعمل بنفسه مدة معينة من دون بيان مقدار العمل له.

ومشترك: وهو الذي يستأجر لعمل مجرد عن تعيين وقت الشروع فيه أو عين له مدة زائدة عن العمل.

ويشترط وقوع ذلك العمل في ظرف تلك المدة ويسمى الأول بالمقيد، والثاني بالمطلق.

ويجوز للأجير أن يعمل للغير بغير إذن المستأجر عملاً لا ينافي حقه كما لو استأجر للخياطة تمام النهار مثلاً، فإنه يجوز له أن يؤجر نفسه لحفظ الزرع من الطيور بجلوسه في جانب الزرع واشتغاله بالخياطة إلا إذا اشترط عليه عدم العمل للغير في أثناء المدة حتى بما لا ينافي حق المستأجر أو كونه أجيراً بجميع منافعه وعدم كون ما يريد الإجارة له ثانياً خارجاً عن منصرف المنافع، وكذا إذا استأجره لبناء حائطه ثم اشتغل لإنسان آخر بقراءة القرآن فيما إذا استؤجر لقراءة القرآن بألا ينافي بناء الحائط، والأجير الخاص حر في أن يعمل لمستأجره أو لنفسه إذا لم يكن عمله لنفسه مانعاً عن عمله لمستأجره، كما أن الأجير المشترك له العمل لمن شاء بأجرة أو مجاناً بما لا ينافي حق مستأجره.

والإنسان حر في أن يجعل مدة الإجارة متصلة بالعقد أو بعد مدة كما إذا كان أول شعبان فيستأجر للفندق من أول رمضان أو يستأجر الأجير من أول رمضان كما أنه يجوز انفصال أجزاء الإجارة بعضها عن بعض كاستئجاره الفندق في شهر رمضان وشهر ذي الحجة وشهر صفر، أو استئجار الإنسان للبناء في أول الربيع إلى شهر، وأول الخريف إلى شهر. أما لو أطلق الإجارة ولم يكن لهم عرف خاص انصرفت إلى المدة المتصلة.

نعم، لا يصح التفكيك والانفصال في مثل النكاح كما ذكرناه في كتاب النكاح فلا يصح أن يعقد على امرأة بعد شهر أو أن يعقد عليها متعة في هذا الشهر وبعد شهرين وبعد خمسة أشهر.

والمستأجر للإنسان أو للدار حر في أن يستوفي الكل أو البعض أو لا يستوفي إلا إذا كان إسرافاً كاستئجار الدار سنة، ثم لا يجلس فيها مما يعد سرفاً، أو استئجار إنسان للبناء ثم لا يكلفه البناء فإن عد سرفاً لم يجز من جهة الإسراف، وإلا جاز. والإنسان حر في الإجارة على الكلي أو على الشخص فإن كانت الإجارة على الكلي اختار المستأجر أي فرد من الأفراد من الأجراء، وكذلك إذا كان الاستئجار بكلي الدار، فإن المستأجر حر في أن يختار هذه الدار أو تلك الدار أو الدار الثالثة فيما إذا لم يكن هنالك غرر في البين، ولو استأجر إنساناً لقلع ضرسه أو حجامته أو قص أظفاره أو ما أشبه ذلك، فمضت المدة التي يمكن إيقاع القلع وغيره فيها. والأجير الممكّن ولم يأمره المستأجر بالعمل استقرت الأجرة عليه.

ولو تلفت العين الشخصية المستأجرة قبل قبض المستأجر إياها بطلت الأجرة من الأول، وكذا لو تلفت بعد قبضه إياها قبل مضي زمان يمكن فيه الاستيفاء ولو انقضى بعض المدة ثم تلفت أو تجدد فسخ الإجارة صحت فيما مضى وبطلت من الباقي، ولو تلف بعض الشيء بدون العلم فالحكم في التالف خاصة ما ذكر، وهو حر في الباقي بين الفسخ بسبب تبعض الصفقة وبين الإمساك بالقسط من الأجرة، أما إذا كان عالماً بالتلف في الأثناء فإنه لا خيار له في تبعض الصفقة، إذ الخيار في تبعض الصفقة في صورة الجهل لا في صورة العلم، ولو كانت الإجارة واقعة على الكلي وسلم المؤجر بعض مصاديقه فتلف قبل مضي مدة يمكن فيها استيفاء المنفعة لم تنفسخ الإجارة بل ينفسخ التعيين، وعليه أن يسلم عيناً أخرى من مصاديق الكلي.

ولو آجر الإنسان سيارة أو دابة للحمل فله الخيار في تعيين أي شيء شاء مطلقاً أو مقيداً، والمقيد بأقسامه مثل تعيين ما يحمل عليها بالكيل فيما يكال، أو الوزن فيما يوزن الرافع للجهالة، أو المشاع في ما تكفي فيه المشاهدة، أو العد في المعدود كالبيض والجوز أو الذرع في المذروع كمائة ألف متر في هذا القماش.

وهو حر في التعيين واللاتعيين إذا كان للإطلاق منصرف شائع، أما إذا لم يكن منصرف وأهمل التعيين فسدت الإجارة على ما ألمحنا إليه سابقاً.

لزوم ذكر وجه الإجارة فيما لا انصراف فيه

والإنسان حر في استئجار الدابة للركوب بدون تعيين الراكب خفة وثقلاً أو مشاهدة، لأن ذلك مما يتسامح فيه عرفاً. نعم، إذا كان الذي يريد الركوب ثقيلاً جداً احتاج إلى التعيين، وإذا لم يعين كان لصاحب الدابة الخيار في الفسخ والإمضاء ولو استأجره لحمل طن من الأرز جاز له أن يحمله طناً من الأرز طول الطريق، أما إذا استأجره لحمل هذا الطن الخاص ثم أكل بعضه في أثناء الطريق إلى مكة مثلاً لم يكن له تحميل ما نقص من الخارج، إلا إذا كان المرتكز ذلك، ولو استأجر دابة وكان الانصراف إلى الركوب لم يجز استعمالها في إدارة الدولاب والحرث، وما أشبه ذلك. أما لو لم يكن انصراف فله الحق في استعمالها في أي شيء شاء من الناعور والدولاب والحرث والنضح والحمل والركوب وما أشبه ذلك. كما أنه إذا استأجر الأرض فإذا كان منصرف أو إطلاق فلا بأس، أما إذا لم يكن أحدهما يلزم تعيين الوجه للحرث أو للسكنى أو لغير ذلك.

والطرفان حران في أن يستأجرا دابة أو سيارة أو ما أشبه ذلك. ليركباها على التناوب والتعاقب. أما في مثل الدراجة فإن كان الإطلاق منصرفاً إلى ركوب إنسان واحد لم يجز ركوب اثنين وإلا جاز ركوب اثنين وإلا جاز ركوب اثنين أو واحد أو التناوب ثم إن كانت هناك عادة مضبوطة لمنصرف الإطلاق في القسمة إما بالزمان بأن يركب كل ساعة وينزل ساعة أو بالمسافة بأن يركب فرسخاً وينزل فرسخاً أو بالنهار والليل بأن يركب نهاراً وينزل ليلاً أو ما أشبه ذلك ثبت على كل من المستأجرين من الأجرة المسماة بنسبة انتفاعه ولم تفسد الإجارة.

ولو اكترى سيارة أو دابة أو سفينة أو دراجة أو ما أشبه ذلك، فهو حر في السرعة والبطء إذا لم يكن خارجاً عن المتعارف، بينما الإجارة منصرفة إلى المتعارف، فإذا اكترى دابة فسار عليها زيادة عن العادة في السرعة أو ضربها كذلك أو كبحها باللجام من غير ضرورة بما آذاها كان ضامناً، أما لو ضربها بقدر المتعارف أو أسرع عليها بالقدر المتعارف أو ما أشبه ذلك، ولم يزد على المتعارف لم يكن ضمان.

ولا يستبعد أن يكون الإنسان حراً في إجارة الكلي بين الحيوانات المختلفة الصالحة للركوب أو للحمل إذا لم يكن غرر كالحمار والبغل والفرس وما أشبه ذلك إلا أن المشهور لا يقولون به.

الإنسان حر بين الإجارة للعين الخارجية والذمة، فإذا كانت الإجارة في الذمة يلزم ذلك ما هو رافع للجهالة كما أنه يلزم تعيين حبس المنفعة من الزرع أو الغرس أو البناء أو المركب منها في إجارة الأرض إلا إذا تعينت ببعضها بمقتضى العادة.

والظاهر أن الإنسان حر في إجارتها لما شاء المستأجر من المنافع فربما يزرعها أو يغرس فيها أو يبني عليها أو ما أشبه ذلك وهو حر في أن يستأجرها للزرع أو الغرس على طريق الفرد المردد، ولو كانت الإجارة للزرع وأطلق فله زرع ما شاء وهو حر في أن يزرع الحنطة أو الشعير أو القثاء أو الفوم أو العدس أو البصل أو غير ذلك، وكما يجوز استئجار البيت ونحوه كذلك الإنسان حر في استئجار الحمام سواء مع المشاهدة أو الوصف الرافع للجهالة، وكذلك حر في استئجار العمل على نحو الكلية كاستئجار الخياط للخياطة، والنساج للنساجة، والحداد للحدادة، والكاتب للكتابة مع عدم توضيح خصوصية أنه يخيط قباءً أو قميصاً، أو ينسج صوفاً، أو قطناً، أو يكتب قرآناً، أو صحيفة سجادية، أو ما أشبه ذلك. كما أن الإنسان حر في أن يستأجر لحفر البئر أو النهر أو القناة أو ما أشبه ذلك.

نعم، يلزم تعيين الأرض وقدر نزولها وسعتها وفي النهر يلزم اعتبار طوله وعرضه، وفي القناة اعتبار عمقها وكونها في الأراضي الصخرية أو الأراضي الرملية أو الأراضي الترابية مما تختلف الرغبات اختلافاً كبيراً، أما إذا كان الاختلاف مما يتسامح به في العرف فلا بأس به، ولو حفر الأجير البئر أو النهر أو ما أشبه ذلك، فانهارت الحافة جميعاً أو بعضاً لم يلزم الأجير إزالته وكان ذلك على المالك إلا مع اشتراط خلافه أو جريان العادة على خلافه، ولو حفر بعض ما قطع عليه ثم تعذر حفر الباقي إما لصعوبة الأرض أو مرض الأجير أو منع السلطان أو غير ذلك قوم حفرها وكل ما حفر منها ويرجع عليه بنسبته من الأجرة. والإنسان حر في أن يقول إني لا أعطيك شيئاً حتى البعض إذا لم تكمل، سواء كنت أنت السبب في عدم حفر البعض الآخر أو كان سبب خارج عن إرادتك.

كما أن الإنسان حر في استئجار المرأة للرضاع مدة معينة لا يحتاج إلى إذن الزوج لكن قال قسم من الفقهاء يحتاج، لكنه لا يحتاج إذا لم يكن مزاحماً لحق الزوج، ولعل الثاني أقرب كما أن الإنسان حر في استئجارها للحضانة أو لهما، سواء كان المستأجر أجنبياً أو قريباً ويأتي هنا حرية استئجار امرأة كلية عن الوكيل لها مع ذكر المواصفات الخاصة التي تختلف الرغبات فيها كالوضاءة في المرضعة أو السن الخاص أو ما أشبه ذلك، وإذا كان الاستئجار للرضاع أو الحضانــة أو القصارة أو لغير ذلك مفوتاً لحق الزوج عد فضولياً، فالزوج حر في أن يأذن أو لا يأذن ولو سبقت الإجارة النكاح كان الأمر كما لو كانت الإجارة بعد النكاح، لأن الأشياء الثانوية لا يمكن أن ترفع الأحكام الأولية، وفي الإجارة للرضاع الحرية في تعيين ذلك بالرضعات أو بالزمان أو بهما كما يلزم تعيين الصبي، إما بالمشاهدة أو الوصف الرافع للجهالة أو تعميم منافعها على وجه يستحق المستأجر جميعها فيما لم يكن هناك غرر في البين. ولو اتفق قبل انقضاء مدة الإرضاع موت الصبي بطلت الإجارة من حين موته، ولو ماتت المرضعة فعلى وليها أن يستأجر من تركتها من يقوم مقامها في الإرضاع إذا لم تكن خصوصية فيها، وإلا بطلت أيضاً.

ويجوز استئجار البستاني أو الخادم للخدمة وسقي البستان والحديقة في الدار وتهذيبها، وما أشبه ذلك. ويشترط هنا أيضاً ذكر الخصوصيات إذا كانت تختلف الرغبات فيها، فكل واحد من المستأجر والأجير حر في القبول والعدم والإطلاق والتقييد وفي التقييد ذكر الخصوصيات المختلفة، ولو استأجرت المرأة للرضاع ولم يكن هناك ارتكاز أو شرط اختارت المرأة أن ترضع بنفسها أو بغيرها كبنتها أو أمها أو أختها أو ما أشبه ذلك. والإنسان حر فيما إذا استأجر شيئاً مدة معينة أن يقسط أو لا يقسط فإنه لا يلزم تقسيط الأجرة على أجزاء المدة في العقد، سواء كانت المدة قصيرة أو طويلة، كما أنه لا يجوز تقسيط الإجارة بالمدد المختلفة. كما أن الإنسان حر في استئجار الأرض ليعمل حسينية أو مسجداً أو مدرسة، أو ما أشبه ذلك. نعم، في المسجد يشترط طول المدة كعشرين سنة، أو ما أشبه ذلك وإلا لم يجر عليها حكم المسجد.

كما أن الإنسان حر في استئجار الدراهم والدنانير مما يعد لها منفعة عقلانية كالتزيين والطبع عليها والوزن بها ونحو ذلك من المقاصد العقلائية فإن أراد شيئاً خاصاً قيد، وإن أراد الإطلاق ولم يكن هنالك غرر أطلق فهو حر في كليهما وفي صورة التقييد هو حر في القرار الخاص بأن يذكر هذا المصداق كالتزيين أو ذاك المصداق كإرادة الاعتبار أو ما أشبه ذلك.

والإنسان حر في استئجار المسكن لأي نوع من الأنواع المحللة، وكذلك استئجار الدكان، أما الاستئجار لأجل الحرام كما لو آجره مسكناً ليحرز فيه خمراً ويضعها فيه أو دكاناً ليبيعها أو يبيع آلة محرمة فيه كالصلبان وآلات اللهو، أو استأجر إنساناً ليعمل به مسكراً وغير ذلك من الغايات المحرمة، فالإجارة فاسدة.

عند الحيلولة بين المستأجر والعين المستأجرة

لو استأجر عيناً ثم منع المؤجر المستأجر قبل إقباضه العين المستأجرة من التصرف فيها على الوجه المستأجر عليه كان المستأجر حراً بين فسخ العقد والمطالبة بالمسمى وبين الإمضاء والمطالبة بأجرة المثل ولو منعه المؤجر من بعض المنافع دون بعض فاستوفى البعض ولم يستوف البعض كان له الخيار أيضاً، فإن اختار شيئاً من الإمضاء أو الفسخ بالنسبة إلى الجميع فلا كلام وإن أراد الفسخ بالنسبة إلى الفاقدة خاصة كان له، ذلك ولو كان المانع للمستأجر من الانتفاع ظالماً غير المؤجر كان المستأجر حراً بين الفتح وبين إمضائه والرجوع على الظالم بأجرة مثل تلك المنفعة، وإذا استأجر عيناً ثم زالت منفعتها بانهدام بنائها ونحو ذلك قبل انقضاء المدة لم تنفسخ الإجارة بل للمستأجر الحرية في فسخ الإجارة وإبقائها، ولو انعدم البناء أو عطبت السيارة أو ما أشبه ذلك، فأصلحها المالك بدون فوات شيء من المنفعة لم يكن خيار، أما إذا كان فوات شيء من المنفعة فله الخيار بين الفسخ والإبقاء، ولو استأجر داراً فحدث خوف عام يمنع من الإقامة فيها بهجرة جميع الناس من ذلك البلد من جهة سيل أو حيوان أو ظالم أو حرب أو زلزلة أو نحو ذلك، أو استأجر المركب للحج فانقطعت القافلة أو منعت البلاد المقدسة عن دخولها أو ما أشبه ذلك ثبت الخيار للمستأجر في فسخ العقد والرجوع بما سلم أو عدم الفسخ.

وهو حر في أن يستأجره لصيد حيوان لطعامهم مثلاً برياً كان أو بحرياً أو جوياً، أما إذا اختلفت الرغبات، فاللازم التعيين هل هو سمك أو طير أو غزال، ولو استأجر عيناً شخصية ثم وجد بها عيباً سابقاً على العقد كان حراً بين الفسخ والإمضاء فإن فسخ استرد ما سلمه من الأجرة، وإن أمضى لم يستبعد حقه في الإرش إذا كان مما فيه الإرش عرفاً ولو كانت الإجارة على كلي وسلمه مصداقاً لم يثبت الخيار بظهور نقص أو عيب في العين المؤجرة، وإنما هو حر في أن يرد ذلك ويأخذ مصداقاً صحيحاً أو يقبله بما فيه.

ومن تقبل عملاً على نحو الإطلاق فهو حر في أن يقبله غيره أو لا يقبله، وفي إجارة الكلي لو امتنع المؤجر من الإبدال أجبره الحاكم عليه وإن تعذر إجباره أو عجز المؤجر من الإبدال ثبت الخيار للمستأجر فهو حر بين أن يبقى على الإجارة أو يفسخها، ومن تقبل عملاً فهو حر إذا لم يكن شرط عليه بالمباشرة أن يعمل هو أن يقبله غيره بنقيصة من الأجرة أو زيادة أو بمساواة وإن كانت الزيادة مكروهة وبعض قالوا بالحرمة ولو أحدث فيه ما يقع في قبال التفاوت جاز من غير كراهة ولو كان العمل الذي يعمله فيه قليلاً، وحيث قبل في صورة الجواز جاز له تسليم العين إلى من تقبله منه بإذن المالك، أما بدون الإذن وعدم الرضا فلا يجوز.

ومن استأجر دابة فالمؤجر حر في كونه معها وعدمه ومباشرة الحفظ والسقي والعلف وسائر شؤونها أو عدم المباشرة إلا إذا كان هناك انصراف أو تقييد بأن يكون المؤجر معها أو أن يفعل هذه الأمور المستأجر أو شخص ثالث، وكذا هو حر في أقسام العلف وأقسام الماء وغير ذلك بشرط التساوي أو الاختلاف بما يتسامح به عرفاً، أما إذا كان العلف مختلفاً أو الماء مختلفاً بما لا يتسامح فاللازم ذكر ذلك أو التراضي بينهما في الخصوصيات، ولو فرض الأمر إلى المستأجر فترك الحفظ أو السقي أو العلف أو ما أشبه ذلك ضمن.

وكذلك الحال في استئجار السيارة وسائر الوسائل النقلية من القديمة أو الحديثة، سواء كانت الوسائل لأجل ركوب الإنسان أو لأجل الحمل أو لأجل إصلاح الشارع أو غير ذلك.

وصاحب القماش الذي يعطيه للخياط حر في استئجار الخياط ليقطعه قميصاً أو جبة أو قباءً أو غير ذلك، كما أن الخياط حر في أن يؤجر نفسه لأحد هذه الأمور، ولو أتى بالثوب إلى الخياط فقال: إن كان يكفيني قميصاً فأقطعه فقطعه، فلم يكفه لم يضمن إذا غره ولو قال له: اقطعه قميص رجل فقطعه قميص امرأة ضمن ما بينه صحيحاً ومقطوعاً. وقد ذكرنا في الفقه أنه ربما يجب عليه التبديل وإن لم يفعل أجبره الحاكم عليه إن أمكن، وإن تعذر إجباره أو عجز المؤجر من الإبدال كان المستأجر حراً في الفسخ والإبقاء وإذا أفسد الصانع بمباشرة أو تسبيب يوجب الضمان، فالمالك حر في أن يأخذه بما أفسده أو لا يأخذه ويتركه وشأنه ولو كان الصانع حاذقاً ماهراً واجتهد في صنعته مثل القصار يخرق الثوب أو يحرقه أو يغرقه في البحر، وما أشبه، والحجام أن يجني في حجامته، والختان يختن فيسبق موسه إلى الحشفة فيقطعها أو يتجاوز حد الختان، والبيطار يتعدى على الحيوان فيقتل أو يجني ويضر بالدابة والطبيب يجني على المريض، وما أشبه ذلك، وكذلك الحمال لو أتلف ما استؤجر لحمله أو سبب عيبه والنساج يأتي بالنسج المعيب.

ومن استأجر أجيراً في حوائجه فهما حران في أن تكون نفقته على المستأجر أو على الأجير أو بالنسبة نصفاً أو ثلثاً أو ما أشبه ذلك، حسب المقرر، وإن لم يكن مقرر فاللازم المركوز في أذهان المتشرعة، وإن لم يكن ذلك أيضاً، فالنفقة على الأجير نفسه دون المستأجر وصاحب الحمام وصاحب الفندق وصاحب الخان وما أشبه ذلك إذا قبل أثاث الناس وديعة وفرط حفظه أو تعدى ضمن، فصاحب الأثاث مخير بالتضمين وعدم التضمين وعدم التضمين معناه العفو عنه.

نعم، إذا لم يقبل صاحب الحمام الضمان من أول الأمر، وكذلك أضرابه لم يكن ضمان حتى مع التفريط، والمؤجر حر في إسقاط الأجرة كلية أو بعضاً التي صارت في ذمة المستأجر. والأجير حر في أن يشترط كون تلف الشيء على المستأجر أو على نفسه أو عليهما بالتساوي أو بغير التساوي فإذا تسلم الأجير عملاً فهلك لا بمباشرته ولا بتسبيب منه أقوى من المباشرة كان ذلك حسب الشرط الذي ذكرناه لفظاً أو ارتكازاً، والعامل الذي له حق الأجرة عادة كالحلاق والقصاب والخياط وما أشبه ذلك له الحرية في أن يقصد التبرع كلاً أو بعضاً، فإذا لم يقصد التبرع كانت أجرته على المالك والواجب على المؤجر تسليم الدار والدكان ونحوهما من العقار وغيرها إلى المستأجر فإن أبى أجبره الحاكم عليه فإن تعذر ذلك كان المستأجر حراً بين الفسخ وبين الإمساك والانتفاع بها قهراً، كما أن الحرية آتية بين المستأجر وصاحب الدار وما أشبه في تفريغ البالوعة ومستنفع الحمام وكنس الثلج من السطح وتنقية الدار من الكناسة عند انتهاء المدة فهما حران في الاشتراط على هذا أو على هذا أو بينهما بالتساوي أو بغير التساوي، وكل من المستأجر والمؤجر حران في جعل الشيء أجرة فإنه كل ما جاز أن يكون ثمناً في البيع جاز أن يكون عوضاً في الإجارة عيناً كان أو منفعة أو حقاً، ويعتبر في الأجرة ما يعتبر في الثمن من المعلومية جنساً وقدراً ووصفاً وما أشبه ذلك.

نعم، ذكرنا سابقاً في الأصول أن جعل أحد شيئين أجرة صحيح وإن كان المشهور في المراد لا يقولون به.