الفهرس

فهرس المبحث الأول

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

في الشيئية والأعدام والكيفيات الثلاث

وقد تتمايز الأعدام، ولهذا استند عدم المعلول إلى عدم العلة لا غير، ونافى عدم الشرط وجود المشروط، وصحح عدم الضد وجود الآخر بخلاف باقي الأعدام.

ثم العدم قد يعرض لنفسه، فيصدق النوعية والتقابل عليه باعتبارين، وعدم المعلول ليس علة لعدم العلة في الخارج وإن جاز في الذهن على أنه برهان إنّي وبالعكس لمّي والأشياء المرتبة في العموم والخصوص وجوداً تتعاكس عدماً. وقسمة كل منهما إلى الاحتياج والغنى حقيقية. وإذا حمل الوجود أو جعل رابطة تثبت مواد ثلاث في أنفسها وجهات في التعقل دالة على وثاقة الربط وضعفه هي : الوجوب والامتناع، والإمكان، وكذلك العدم. والبحث في تعريفها كالوجود، وقد يؤخذ ذاتية فتكون القسمة حقيقية ولا يمكن انقلابها. وقد يؤخذ الأولان باعتبار الغير فالقسمة مانعة الجمع بينهما يمكن انقلابها ومانعة الخلو بين الثلاثة في الممكنات.

ويشترك الوجوب والامتناع في إسم الضرورة وإن اختلفا بالسلب والإيجاب، وكل منهما يصدق على الآخر إذا تقابلا في المضاف إليه. وقد يؤخذ الإمكان بمعنى سلب الضرورة عن أحد الطرفين فيعمّ الأخرى والإمكان الخاص.

وقد يؤخذ بالنسبة إلى الاستقبال ولا يشترط العدم في الحال وإلا اجتمع النقيضان.

والثلاثة اعتبارية لصدقها على المعدوم ولاستحالة التسلسل، ولو كان الوجوب ثبوتياً.

لزم إمكان الواجب ولو كان الامتناع ثبوتياً لزم إمكان الممتنع ولو كان الإمكان ثبوتياً لزم سبق وجود كل ممكن على إمكانه، والفرق بين نفي الإمكان الإمكاني المنفي لا يستلزم ثبوته.

والوجوب شامل للذاتي وغيره وكذا الامتناع، ومعروض ما بالغير منهما ممكن، ولا ممكن بالغير لما تقدم في القسمة الحقيقية. وعروض الإمكان عند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى المهية.

وعلتها وعند اعتبارهما بالنظر إليهما يثبت ما بالغير، ولا منافاة بين الإمكان والغيري. وكل ممكن العروض ذاتي ولا عكس.

وإذا لاحظ الذهن الممكن موجوداً طلب العلة وإن لم يتصور غيره وقد يتصور وجود الحادث فلا يطلبها. ثم الحدوث كيفية الوجود فليس علة لما يتقدم عليه بمراتب، والحكم باحتياج الممكن ضروري.

ولا يتصور الأولوية لأحد الطرفين بالنظر إلى ذاته. ولا يكفي الخارجية لأن فرضها لا يجعل المقابل فلابد من الانتهاء إلى الوجوب وهو سابق ويلحقه وجوب آخر لا يخلو عنه قضية فعلية.

والإمكان لازم وإلا تجب المهية أو تمتنع ووجوب الفعليات يقارنه جواز العدم وليس بلازم ونسبة الوجوب إلى الإمكان نسبة تمام إلى نقص. والاستعدادي قابل للشدة والضعف.

ويعدم ويوجد للمكنات وهو غير الإمكان الذاتي.

(مسألة) في الأعدام (وقد تتمايز الأعدام) خلافاً لقوم حيث منعوا من تمايزها مستدلين بأن التمييز صفة ثبوتية وثبوت الصفة يستلزم ثبوت الموصوف. والجواب أن الاعدام ثابتة ذهناً والتمييز هو صفة ذهنية، وكيف كان فقد استدل المصنف (ره) للتمايز بوجوهٍ ثلاثة :

الأول ـ ما أشار إليه بقوله : (ولهذا) الذي ذكرنا من التمايز (استند عدم المعلول إلى عدم العلة لا غير) أي لا غير عدم العلة. مثلاً نقول : (الورق لم يحترق لعدم النار) ولا يقال : (لم يحترق لعدم الدينار) فلو لم يكن تمييز بين عدم النار وعدم الدينار لم يكن وجه لاستناد عدم الاحتراق إلى الأول دون الثاني ويمكن أن يكون المراد بقوله : (لا غير) أي لا غير عدم المعلول، أي عدم المعلول يستند إلى عدم العلة ولا يستند عدم آخر إلى عدم العلة كما هو واضح.

الثاني : ما أشار إليه بقوله : (ونافي عدم الشرط وجود المشروط) مثلاً عدم المحاذاة ينافي وجود الإحراق أما عدم البياض في الحائط لا ينافي وجود الإحراق، فلو لم تكن الأعدام متمايزة لم يكن وجه لاستناد عدم الأحراق إلى عدم المحاذاة.

الثالث ـ ما أشار إليه بقوله : (وصحح عدم الضد) كعدم السواد في الماء (وجود) الضد (الآخر) كالبياض فيه إذ لا يمكن اجتماع الضدين، فلو لم تكن الأعدام متمايزة لم يكن وجه لتوقف البياض على عدم السواد دون عدم الإنسان (بخلاف باقي الأعدام) فليس لها هذه الصفات المذكورة (ثم العدم قد يعرض لنفسه) بأن يتصور الإنسان المعدوم المطلق ـ أي هذا المفهوم ـ ثم يتصور عدمه فإنه حينئذ عرض العدم على نفسه (فيصدق) حينئذ على هذا العدم العارض على المتصور أو لا (النوعية والتقابل عليه باعتبارين) فالعدم العارض نوع من العدم المعروض لأن المعروض هو العدم المطلق وهذا العارض عليه فرد منه فبهذا الاعتبار نوع منه وباعتبار أن العدم العارض رافع للعدم المعروض مقابل له إذ كل رافع لشيء مقابل له (وعدم المعلول ليس علة لعدم العلة في الخارج) فليس عدم الإحراق علة لعدم النار (وإن جاز في الذهن) بأن يكون عدم المعلول أوضح فيستدل به على عدم العلة كأن يقال : (عدم حركة النبض سريعاً دليل على عدم الحمى) فإنه علة العلم بعدم الحمى هو عدم حركة النبض. ثم لا يخفى أنه لو كان الحد الوسط في الشكل علة للكبرى مثل (هذا متعفن الأخلاط وكل متعفن الأخلاط محموم فهذا محموم) سمي البرهان لمياً لأنه انتقال من العلة إلى المعلول، وإن كان الحد الوسط معلولاً مثل (هذا محموم وكل محموم متعفن الأخلاط فهذا متفعن الأخلاط) سمي البرهان إنّياً، لأنه انتقال من الدليل على تحقق الشيء ومعلوله إليه، وإلى هذا أشار بقوله : (على أنه) أي ما انتقل فيه من عدم المعلول إلى عدم العلة (برهان إنّي) منسوب إلى (إن) التي هي بمعنى التحقق (وبالعكس) أي ما انتقل فيه من عدم العلة إلى عدم المعلول برهان (لمّي) منسوب إلى (لم) التي هي السؤال عن العلة، وإنما شدد الميم لقاعدة النسبة وأن كل ما نسب إلى شيء مركب من حرفين شدد ثانيهما. ولا يخفى أن هذين الاستدلالين إنما هما بالنسبة إلى الذهن ـ أي العلم بأحدهما من العلم بالآخر ـ لا بالنسبة إلى الخارج فإن استناد المعلول إلى العلة في الخارج لا يسمى إنّياً ولا لمياً.

(مسألة) في تعاكس الأعم والأخص وجوداً وعدماً (والأشياء المرتبة في العموم والخصوص) كالإنسان والحيوان (وجوداً) فإن الحيوان أعم من الإنسان لأنه يصدق على الإنسان وعلى غيره (تتعاكس عدماً) فعدم الإنسان أعم من عدم الحيوان إذ عدم الإنسان يصدق على عدم الحيوان ـ كالحجر ـ وغيره ـ كالفرس ـ كما سبق في المنطق.

(مسألة) في قسمة الوجود والعدم إلى المحتاج والغني (وقسمة كل منهما إلى الاحتياج والغنى حقيقية) إعلم أن الوجود إما محتاج إلى الغير كالممكن المحتاج في وجوده إلى العلة، وإما مستغني عن الغير كوجود الله سبحانه، والعدم كذلك إما محتاج إلى الغير كعدم الممكن المحتاج إلى عدم العلة، وإما مستغني عن الغير كعدم شريك الباري فإن عدمه ليس لأجل عدم العلة بل لأجل عدم إمكانه في ذاته. إذا عرفت هذا فإن تقسيم كل من الوجود والعدم إلى هذين القسمين حقيقية لا يمكن اجتماعهما ولا افتراقهما، فلا يكون هناك موجود مستغني ومحتاج ولا موجود غير مستغنى وغير محتاج وكذا المعدوم وهذا بديهي.

(مسألة) في الوجوب والإمكان والامتناع (وإذا حمل الوجود) على شيء فقيل (الإنسان موجود) (أو جعل) الوجود (رابطة) بين المحمول والموضوع فقيل (الإنسان يوجد كاتباً) (تثبت) بين المحمول والموضوع (مواد ثلاث في أنفسها) أي في نفس الأمر (وجهات) ثلاث (في التعقل دالة على وثاقة الربط وضعفه هي الوجوب والامتناع والإمكان).

والحاصل أن كيفية النسبة إن كانت هي استحالة الانفكاك كقولنا : (الله موجود) و(الإنسان يوجد حيواناً) فالمادة هي الوجوب وهي أوثق الروابط ثبوتاً، وإن كانت الكيفية هي استحالة الثبوت نحو (شريك الباري موجود) و(الإنسان يوجد حجراً) فالمادة هي الامتناع وهي أوثق الروابط نفياً، وإن كانت الكيفية هي عدم استحالة كل من الثبوت والانفكاك نحو (الإنسان موجود) أو (الإنسان يوجد كاتباً) فالمادة هي الإمكان وهي ربط ضعيف.

ثم إن هذه الكيفية تسمى مادة باعتبار الواقع، وجهة باعتبار اللفظ والذهن (وكذلك العدم) إذا جعل محمولاً نحو : شريك الباري معدوم، والواجب معدوم، والإنسان معدوم، أو جعل رابطة نحو الإنسان يعدم عنه الحيوانية أو الناطقية أو الكتابة فإنه تحدث هذه الكيفيات الثلاث الوجوب والإمكان والإمتناع، وتسمى الكيفية مادة باعتبار، وجهة باعتبار.

(مسألة) في تعريف هذه الكيفيات (والبحث في تعريفها كالوجود) فكما أن الوجود بديهي ولا يمكن تعريفه لاستلزامه الدور كذلك لا يمكن تعريف هذه الثلاثة إذ كل أحد يعرف معاني هذه الألفاظ لاستلزامه الدور إذ الوجوب إما يعرف بضرورة الوجود فهو تعريف لفظي أو بامتناع الإنفكاك ثم يعرف الامتناع بوجوب العدم فهو دور كما لا يخفى.

(مسألة) (وقد يؤخذ) الوجوب والإمكان والامتناع (ذاتية) مع قطع النظر إلى الغير (فتكون القسمة) للمعقول إليها (حقيقة) أي يمتنع الجمع والخلو، فالمعقول إما واجب بالذات ـ كالباري تعالى ـ أو ممتنع بالذات ـ كشريك الباري ـ أو ممكن بالذات ـ كالإنسان ـ فلا يجتمع إثنان منهما كما لا يمكن الخلو عن أحدها و(لا يمكن انقلابها) فالواجب الذاتي لا ينقلب ممتنعاً أو ممكناً وهكذا الممتنع والممكن وذلك لأن ما هو داخل في الذات أو لازم لها لا يعقل انقلابه إلى غيره فالإنسان لا يمكن أن ينقب فرساً والأربعة لا يمكن أن تنقلب فرداً، وهذه الكيفيات الثلاث من قبيل الثاني بداهة. نعم لو كان الشيء خارجاً عن الذات أمكن الإنقلاب فالماشي ينقلب ساكناً وبالعكس (وقد يؤخذ الأولان) الواجب والممتنع (باعتبار الغير) فيكون الواجب بالغير والممتنع بالغير (فالقسمة مانعة الجمع بينهما يمكن انقلابها) إذ الواجب بالغير هو الممكن الذي وجد علته التامة فوجد، والممتنع بالغير هو الممكن الذي لم توجد علته فلم يوجد، ومن المعلوم استحالة كون الشيء موجوداً ومعدوماً، ولكن لا تكون المنفصلة حينئذ مانعة الخلو إذ يمكن أن يكون معقول لا واجباً بالغير ولا ممتنعاً بالغير وذلك كالواجب بالذات والممتنع بالذات.

(و) اعلم انه إن قسّمنا الممكن إلى الواجب بالغير والممتنع بالغير والممكن الذاتي الذي ينظر إلى نفس المهية فقط من دون نظر إلى علتها كانت المنفصلة (مانعة الخلو بين) هذه (الثلاثة في الممكنات) إذ لا يعقل خلو الممكن عن إحدى هذه الثلاثة فإن الإمكان لازم للممكن مع امتناع خلوه عن أحد الباقيين، لأنه إن وجدت علّته كان واجباً وإلا كان ممتنعاً وليست القضية المنفصلة مانعة الجمع إذ يجوز الجمع بين الإمكان الذاتي وأحد الباقيين.

(مسألة) (ويشترك الوجوب والإمتناع في إسم الضرورة) فيطلق على كل منهما الضرورة التي هي بمعنى اللزوم لا بمعنى البداهة (وإن اختلفا بالسلب والإيجاب) لأن الوجوب ضرورة الوجود والإمتناع ضرورة السلب. (وكل منهما) أي من الوجوب والإمتناع (يصدق على الآخر) فالواجب يصدق عليه انه ممتنع والممتنع يصدق عليه أنه واجب لكن (إذا تقابلا في المضاف إليه) بأن يقال للباري تعالى : (واجب الوجود وممتنع العدم) ويقال لشريك الباري : (واجب العدم ممتنع الوجود) فيضاف الوجوب إلى شيء والإمتناع إلى آخر، وهذا الشرط بديهي إذ لا يصدق على شيء واحد انه واجب الوجود وممتنع الوجود أو واجب العدم وممتنع العدم.

(مسألة) (وقد يؤخذ الإمكان بمعنى سلب الضرورة عن أحد الطرفين) وهو الطرف المخالف (فيعم) الضرورة (الأخرى) أي ضرورة الجانب الموافق (والإمكان الخاص) الإمكان فيه اصطلاحان : (الأول) الإمكان الخاص وهو الذي يمكن وجوده وعدمه كقولنا : (زيد كاتب بالإمكان الخاص) فإن كل واحد من الكتابة وعدمها ممكن بالنسبة إلى زيد، ومثله ما لو قلنا : (زيد ليس بكاتب بالإمكان الخاص). (الثاني) الإمكان العام ومعناه أن الطرف المقابل للقضية ليس بضروري، أما الطرف الموافق فهو مسكوت عنه فلو قلنا : (زيد كاتب بالإمكان العام) كان معناه أن عدم الكتابة ليس بضروري ولو قلنا : (زيد ليس بكاتب بالإمكان العام) كان معناه أن الكتابة ليست بضرورية.

إذا عرفت هذا قلنا : حيث إن الإمكان العام ساكت عن الطرف الموافق يمكن أن يكون الطرف الموافق ضرورياً حتى يكون واجباً أو ممتنعاً كقولنا : (الباري موجود بالإمكان العام) أو (شريك الباري ليس بموجود بالإمكان العام) ويمكن أن يكون غير ضروري حتى يكون ممكناً خاصاً كقولنا : (زيد موجود بالإمكان العام). فتحصل أن الإمكان العام شامل للواجب والممكن الخاص والممتنع. ومن هذا تبين وجه تسمية الأول خاصاً والثاني عاماً (وقد يؤخذ) الإمكان (بالنسبة إلى الاستقبال) فإذا قيل : (الشيء الفلاني ممكن) أريد به جواز وجوده في المستقبل من غير نظر إلى الماضي والحال.

(و) اشترط بعض في كون الوجود ممكناً في الاستقبال العدم في زمان الحال، واستدل عليه : بأن الشيء إذا كان موجوداً في الحال كان وجوده ضرورياً فلا يكون ممكناً، وأشار المصنف (ره) إلى جوابه بقوله : و(لايشترط) في الإمكان الاستقبالي (العدم في الحال وإلا اجتمع النقيضان) إذ لو اشترط في إمكان الوجود في المستقبل العدم في الحال اشترط في إمكان العدم في الاستقبال الوجود في الحال، وحيث إن الشيء ممكن الوجود والعدم في المستقبل يلزم أن يكون موجوداً ومعدوماً في الحال وهو اجتماع النقيضين.

نعم ربما يقال : بأن من اشترط هذا أراد بالإمكان الاستقبالي إمكان حدوث الوجود لا أصل الوجود ـ فتأمل.

(مسألة) في أن الوجوب والإمكان والامتناع ليست أموراً خارجية ثابتة (والثلاثة اعتبارية) لا حقيقية (لصدقها على المعدوم) فإنه يقال : (شريك الباري ممتنع الوجود وواجب العدم) و(جبل من ذهب مصفى ممكن)، ومن المعلوم أن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له فلو كانت هذه الثلاثة وجودية لزم ثبوت موصوفها فبانتفاء الموصوف مع صحة الإتصاف يدل على اعتبارية هذه الوجوه وأن محلها الذهن لا الخارج

(و) أيضاً لو كانت هذه الثلاثة حقيقية خارجية لزم التسلسل، إذ الإمكان ـ مثلاً ـ لو كان أمراً وجودياً لكان إما ممتنعاً أو ممكناً أو واجباً لكون كل أمر خارجي متصف بأحدها، وعلى كل تقدير فصفة الإمكان أيضاً لكونها خارجية لا تخلو من أن تكون واجباً أو ممكناً أو ممتنعاً وهكذا إلى أن يتسلسل، وحيث إن التسلسل باطل فالملزوم مثله، وإلى هذا أشار بقوله : و(لاستحالة التسلسل).

إن قلت : إمكان زيد خارجي ولكن إمكان هذا الإمكان ليس بخارجي قلت : حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز سواء.

ثم إن هذين الوجهين مشتركان بين الثلاثة وهنا وجوه أخرى مختصة بكل واحد من الثلاثة، فالدليل الخاص بعدم كون الوجوب ثبوتياً ما أشار إليه بقوله : (ولو كان الوجوب بوتياً) أي خارجياً موجوداً لكان ممكناً لأنه صفة والصفة مفتقرة إلى موصوفها والمفتقر إلى الغير ممكن، وإذا كان الوجوب ممكناً (لزم إمكان الواجب) لأن الواجب إنما هو واجب بهذا الوجوب الممكن والوجوب الممكن يمكن زواله فيخرج الواجب عن كونه واجباً، (و) الدليل المختص بعدم كون الامتناع ثبوتياً انه (لو كان الامتناع ثبوتياً) أي خارجياً موجوداً في الأعيان لكان ممكناً لأنه صفة والصفة مفتقرة إلى موصوفها وإذا كان الامتناع ممكناً (لزم إمكان الممتنع) لأن الممتنع إنما هو ممتنع بهذا الامتناع والإمكان الممتنع يمكن زواله فيخرج الممتنع عن كونه ممتنعاً، (و) الدليل على عدم كون الإمكان موجوداً خارجياً أنه (لو كان الإمكان ثبوتياً لزم سبق وجود كل ممكن على إمكانه) مع أن الإمكان سابق على الوجود إذ لولا الإمكان لم يوجد. بيان الملازمة : أن الإمكان صفة وهي تتوقف على موصوف سابق عليها ولو رتبة، وهو واضح (و) إن قلت : لو كان الإمكان عدمياً لم يبق فرق بين نفي الإمكان كشريك الباري والإمكان المنفي كزيد المعدوم، وجه عدم الفرق : أن كلاً منهما عدمي والعدميات لا تتمايز، وحيث إن الفرق بينهما ضروري فليس ذلك إلا لأن أحدهما ثبوتي والآخر عدمي. قلت : (الفرق بين نفي الإمكان والإمكان المنفي لا يستلزم ثبوته) أي ثبوت الإمكان المنفي لما تقدم من أن الأعدام متمايزة. والحاصل انه لا تلازم بين الفرق وبين ثبوتية الإمكان المنفي بل الفرق بين الإمكان المنفي هو إمكان وجود موصوفه في الخارج بخلاف نفي الإمكان.

(مسألة) (والوجوب) المطلق (شامل للذاتي) كالباري تعالى (وغيره) أي الوجوب الغيري كزيد الموجود، وهذا الشمول لا يستلزم تقارب حقيقتهما إذ ليس هو إلا أمر انتزاعي فمثله مثل الوجود الذي يصدق على الباري وعلى الممكن، (وكذا الامتناع) يشمل الامتناع الذاتي كشريك الباري، والامتناع الغيري كزيد المعدوم وعمومهما ليس إلا عموم عارض ذهني لمعروض ذهني كما لا يخفى، (و) الشيء الذي هو (معروض ما بالغير منهما) أي من الوجوب والإمتناع (ممكن) فإن الواجب بالغير والممتنع بالغير هو الممكن بالذات إذ الممكن إن وجدت علته التامة كان واجباً بالغير وإن لم توجد علته التامة كان ممتنعاً بالغير (ولا ممكن بالغير) إذ لو كان ممكن بالغير لكان إما واجباً بالذات أو ممتنعاً بالذات فيلزم الإنقلاب وهو محال.

إن قلت : لا نقول بعروض الإمكان الغيري على الواجب والممتنع حتى يلزم الإنقلاب بل هو عارض على شيء آخر. قلت : ليس في المعقولات شيء ما وراء هذه الثلاثة (لما تقدم في القسمة الحقيقية) من انحصار الأقسام في هذه الثلاثة فمعروض الإمكان الغيري ليس إمكاناً ذاتياً للتنافي بينهما ولا واجباً وممتنعاً لاستحالة الإنقلاب.

(مسألة) (وعروض الإمكان) فقط ـ أي بدون مصاحبته لوجوب أو امتناع ـ إنما يكون عند لحاظ المهية فقط من حيث هي هي، وذلك (عند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى المهية) إذ لو اعتبرت المهية موجودة كانت واجبة ولو اعتبرت المهية معدومة كانت ممتنعة، (و) كذا يلزم عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى (علتها) أي علة المهية إذ لو نظر إلى المهية باعتبار وجود علتها كانت واجبة ولو نظر إليها باعتبار عدم علتها كانت ممتنعة (وعند اعتبارهما) أي الوجود والعدم (بالنظر إليها) أي إلى المهية أو علتها (يثبت ما بالغير) فالمهية بالنظر إلى وجودها أو وجود علتها واجبة وبالنظر إلى عدمها أو عدم علتها ممتنعة (ولا منافاة بين الإمكان) الذاتي (و) الوجوب أو الإمتناع (الغيري) فكل واجب أو ممتنع بالغير ممكن بالذات كما تقدمت الإشارة إليه.

(مسألة) (وكل ممكن العروض) ممكن (ذاتي) وتوضيحه بلفظ القوشجي : أي كما أن الوجود إما وجود الشيء في نفسه كوجود الجسم مثلاً وإما وجوده لغيره كوجود السواد للجسم مثلاً، كذلك الإمكان إما إمكان وجود الشيء في نفسه وإما إمكان وجوده لغيره، والمدعى أن كل ما هو ممكن الوجود لشيء آخر فهو ممكن الوجود في حد ذاته إذ لو كان ممتنع الوجود في حد ذاته لامتنع وجوده لغيره ولو كان واجب الوجود في حد ذاته لما أمكن حلوله في غيره، فظهر أن إمكان وجود شيء لآخر فرع لإمكان وجوده في نفسه ـ انتهى. (ولا عكس) أي ليس كل ممكن ذاتي ممكن العروض إذ قد يكون الشيء ممكن الثبوت في نفسه وممتنع الثبوت لغيره كالمفارقات ـ باعتقادهم ـ أو واجب الثبوت لغيره كالأعراض ـ فتدبر.

(مسألة) في بيان جهة افتقار الممكن إلى المؤثر. فإنه قد اختلف فيه : فذهب جمع إلى أنها الإمكان، يعني أن الممكن لكونه ممكناً يحتاج إلى العلة، وآخرون إلى أنها الحدوث، يعني أن الممكن لكونه حادثاً يحتاج إلى العلة، وثالث إلى أن الجهة كلا الأمرين. واختار المصنف (ره) الأول فقال : (وإذا لاحظ الذهن الممكن موجوداً طلب العلة وإن لم يتصور غيره) توضيحه : أن الذهن إذا لاحظ كونه الشيء بحيث يتساوى طرفاً وجوده وعدمه حكم بأن ترجيح أحدهما يحتاج إلى مرجح خارجي واعتبر ذلك بكفتي الميزان فإن الذهن يحكم بأن ترجيح أحدهما يحتاج إلى مرجح، وهذا دليل على أن علة الحاجة هو الإمكان، (و) يدل على أن علة الحاجة ليست الحدوث أن الذهن (قد يتصور وجود الحادث فلا يطلبها) فإنا قد نتصور حدوث زيد ولا يحصل لنا العلم بافتقاره إلى المؤثر مالم نلاحظ إمكانه.

(ثم) إن هنا دليلاً آخر على أن علة الحاجة هي الإمكان لا الحدوث وهو أن (الحدوث كيفية الوجود فليس علة لما يتقدم عليه بمراتب) فإن الحدوث كيفية للوجود فيتأخر عنه تأخراً ذاتياً، إذ الصفة متأخرة عن الموصوف. والوجود متأخر عن الإيجاد، إذ الإيجاد نسبة إلى الفاعل والوجود إلى القابل. والإيجاد متأخر عن الاحتياج، إذ غير المحتاج لا يمكن إيجاده. والاحتياج متأخر عن علة الاحتياج فلو كان الحدوث علة الحاجة لزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب.

(مسألة) (والحكم باحتياج الممكن) إلى العلة (ضروري) فإن من تصور تساوي طرفي الممكن حكم بأن ترجيح أحدهما لا يكون إلا بمرجح مثل كفتي الميزان (ولا يتصور الأولوية لأحد الطرفين) أي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر (بالنظر إلى ذاته) أي ترجيحاً ناشئاً عن ذات الممكن وهذا ضروري، ومثله ترجيح إحدى كفتي الميزان على الأخرى بدون أمر خارجي، إذ لو كان الذات قابل للترجيح لكان واجباً أو ممتنعاً كما لا يخفى.

(مسألة) (ولا يكفي) الأولوية (الخارجية) في وقوع أحد الطرفين ما لم يبلغ حد الوجوب (لأن فرضها لا يجعل) الطرف (المقابل) للأولوية. مثلاً : لو كان علة حركة هذا الحجر عن الأرض عشرة أشخاص كان الشخص الواحد أولوية خارجية، وهذا لا يكفي في الحركة لأنه لا يخلو الحال من أن يكون وجوده سبباً لاستحالة عدم التحرك وعليه فهو علة تامة وخارج عن الفرض، وأن لا يكون وجوده سبباً لاستحالة عدم التحرك بل يبقى التحرك محالاً بعد وجود هذا الشخص وهو ما قصدناه من عدم الكفاية. ويتضح الحال فيما إذا قيس الممكن الموجود علته الناقصة بكفتي الميزان المحتاج في الترجيح إلى غرام حين كون عشر غرام فيه، وعلى هذا (فلابد من الانتهاء إلى الوجوب) حتى يجد الممكن، (و) هذا الوجوب (هو) وجوب (سابق) على وجود المهية سبقاً ذاتياً لا سبقاً زمانياً إذ ليس زمان وجود المعلول بعد زمان وجوبه بل وجوبه مقارن لوجوده، (ويلحقه) بعد الوجود (وجوب آخر) متأخر عن تحقق القضية، وهذا الوجوب الثاني (لا يخلو عنه قضية فعلية) وهذا يسمى بالضرورة بشرط المحمول فتحصل أن كل موجود محفوف بوجوبين سابق ولاحق.

(والإمكان لازم) لمهية الممكن بحيث لا يمكن أن يزول هذا الوصف عن الممكن (وإلا) فلو أمكن زواله فعند الإنفكاك (تجب المهية أو تمتنع) لعدم شق رابع والانقلاب حيث كان مستحيلاً فالإنفكاك مستحيل.

(ووجوب الفعليات) والمراد به الوجوب اللاحق الذي ذكر انه لا يخلو عنه قضية فعلية (يقارنه جواز العدم) فهذا الواجب المشروط ممكن أيضاً (وليس) وجوب الفعليات (بلازم) لمهية الممكن بل يذهب عند فرض عدم العلة.

(ونسبة الوجوب إلى الإمكان نسبة تمام إلى نقص) لأن الوجوب عبارة عن قوة الوجود والإمكان عبارة عن ضعفه ولذا لا يمكن زوال الأول بخلاف الثاني.

(مسألة) (و) الإمكان (الاستعدادي) وهو عبارة عن التهيؤ للكمال بتحقق بعض الشرائط وارتفاع بعض الموانع (قابل للشدة والضعف) فكلما كان الشيء أقرب إلى الوجود باجتماع غالب شرائطه وارتفاع غالب موانعه كان إمكانه الاستعدادي أشد وكلما كان الشيء أبعد عن الوجود كان إمكانه أضعف، فالنطفة حيث اجتمع غالب شرائط الإنسانية فيها ـ بأن انتقل من الترابية إلى النباتية ومن النباتية إلى الحيوانية ومن الحيوانية إلى الدمية ثم النطفية التي كلها مراحل تسبق الإنسانية ـ كان إمكان إنسانيتها أشد، والحيوان حيث لم يجتمع غالب شرائط صيرورته إنساناً كان إمكان إنسانيته أضعف.

(و) هذا الإمكان الاستعدادي (يعدم) كما لو كان تراباً فإنه ينتفي جميع شروط إنسانيته (ويوجد) كما لو صار حيواناً فإنه قد طوى بعض المراحل ووجد فيه بعض الشراط (للمكنات) وفي القوشجي (للمركبات) والمراد واحد إذ كل مادي مركب (وهو غير الإمكان الذاتي) الذي يعتبر باعتبار المهية نفسها. فانّا قد نلحظ إمكان الإنسان في نفسه وقد نلحظ إمكان صيرورة التراب والنطفة ونحوهما إنساناً، فالأول يسمى إمكاناً ذاتياً وهو موجود دائماً وغير قابل للشدة والضعف، بخلاف الثاني فإنه يوجد ويعدم وقابل للشدة والضعف وبينهما فروق أخر كما لا يخفى.