| فهرس المبحث الأول | المؤلفات |
|
في السبق والوجوب الذاتي وصحة العمل |
|
والموجود إن أخذ غير مسبوق بالغير أو بالعدم فقديم وإلا فحادث والسبق ومقابلاه إما بالعلية أو بالطبع أو بالزمان أو بالرتبة الحسية أو العقلية أو بالشرف أو بالذات، والحصر استقرائي. ومقوليته بالتشكيك، وتتحفظ الإضافة بين المضافين في أنواعه. وحيث وجد التفاوت امتنع جنسيته، والتقدم دائماً بعارض زماني أو مكاني أو غيرهما، والقدم والحدوث الحقيقيان لا يعتبر فيهما الزمان وإلا تسلسل والحدوث الذاتي متحقق. والقدم والحدوث اعتباران عقليان ينقطعان بانقطاع الاعتبار، وتصدق الحقيقية منهما. ومن الوجوب الذاتي والغيري، ويستحيل صدق الذاتي على المركب ولا يكون جزءاً من غيره، ولا يزيد وجوده ونسبته عليه وإلا لكان ممكناً. والوجود المعلوم هو القول بالتشكيك. أما الخاص به فلا، وليس طبيعة نوعية على ما سلف فجاز اختلاف جزئياته في العروض وعدمه. وتأثير المهية من حيث هي في الوجود غير معقول، والنقض بالقابل ظاهر البطلان والوجود من المحمولات العقلية لامتناع استغنائه عن المحل وحصوله فيه وهو من المعقولات الثانية وكذلك العدم وجهاتهما، وكذا الماهية والكلية والجزئية والذاتية والعرضية والجنسية والفصلية والنوعية. وللعقل أن يعتبر النقيضين ويحكم بالتناقض بينهما ولا استحالة فيه، وأن يتصور عدم جميع الأشياء حتى عدم نفسه وعدم العدم بأن يتمثل في الذهن ويرفعه، وهو ثابت باعتبار وقسيم باعتبار ويصح الحكم عليه من حيث هو ليس بثابت، ولا تناقض. ولذا يقسم الموجود إلى ثابت في الذهن وغير ثابت فيه ويحكم بينهما بالتمايز وهو لا يستدعي الهوية لكل من المتمايزين، ولو فرض له هوية لكان حكمها حكم الثابت. وإذا حكم الذهن على الأمور الخارجية بمثلها وجب التطابق في صحيحه وإلا فلا ويكون صحيحه باعتبار المطابقة لما في نفس الأمر لإمكان تصور الكواذب. ثم العدم والوجود قد يحملان وقد يربط بهما المحمولات. والحمل يستدعي اتحاد الطرفين من وجه وتغايرهما من آخر وجهة الاتحاد قد تكون أحدهما وقد تكون ثالثاً. والتغاير لا يستدعي قيام أحدهما بالآخر ولا اعتبار عدم القائم ـ في القيام ـ لو استدعاه وإثبات الوجود للمهية لا يستدعي وجودها أولاً، وسلبه عنها لا يقتضي تميزها وثبوتها. بل نفيها لا إثبات نفيها، وثبوتها في الذهن وإن كان لازماً لكنه ليس شرطاً. والحمل والوضع من المعقولات الثانية يقالان بالتشكيك وليست الموصوفية ثبوتية. وإلا تسلسل. ثم الوجود قد يكون بالذات وقد يكون بالعرض، وأما الوجود في الكتابة والعبارة فمجازي. والمعدوم لا يعاد. لامتناع الإشارة إليه فلا يصح الحكم عليه بصحة العود، ولو أعيد تخلل العدم بين الشيء ونفسه، ولم يبق فرق بينه وبين المبتدأ. وصدق المتقابلان عليه دفعة، ويلزم التسلسل في الزمان والحكم بامتناع العود لأمر لازم للمهية. |
|
(مسألة) (والموجود) على قسمين : الأول القديم، والثاني الحادث وذلك لأنه (إن أخذ) الموجود (غير المسبوق بالغير أو بالعدم فقديم) وهذا إشارة إلى اختلاف الاصطلاحين فبعضهم قال : (القديم هو الذي لا يسبقه الغير) وبعضهم قال : (هو الذي لا يسبقه العدم) (وإلا) يكن الموجود كذلك بل كان مسبوقاً بالغير، أو مسبوقاً بالعدم (فحادث). واعلم أن القديم إن اخذ بمعنى عدم المسبوقية بالغير سمي ذاتياً وإن أخذ بمعنى عدم المسبوقية بالعدم سمي زمانياً وكذلك الحادث. (مسألة) (والسبق ومقابلاه) أي التأخر والمعية على ستة أقسام لأنه (إما بالعلية) وهو عبارة عن سبق العلة التامة، كتقدم حركة الأصبع على حركة الخاتم، (أو بالطبع) وهو سبق غير العلة التامة ـ أعني سائر العلل الناقصة ـ كتقدم الخل على السكنجبين، (أو بالزمان) وهو أن يكون السابق موجوداً في زمان سابق على وجود المتأخر كسبق آدم (عليه السلام) على نبينا (ص)، (أو بالرتبة) كما بين الإمام والمأموم (أو) الصف الأول والصف الأخير و(العقلية) كما بين الأجناس والأنواع فإن الجوهر مقدم على الجسم النامي إن شرعت من الجوهر نازلاً والجسم النامي مقدم على الجوهر إن شرعت من الإنسان صاعداً، (أو بالشرف) وهو أن يكون للسابق زيادة كمال ليس للمسبوق كتقدم العالم على المتعلم، (أو بالذات) وهذا القسم ذكره المتكلمون ومثَّلوا له بتقدم بعض أجزاء الزمان على بعض فإن الغد مقدم على هذا اليوم وليس تقدمه بالعلية ولا بالطبع ـ أي جزء العلة ـ ولا بالزمان وإلا لزم أن يكون لغد زمان ولليوم زمان ويكون زمان الغد مقدماً على زمان اليوم. ثم ننقل الكلام في زمان كل من الغد واليوم ونقول : تقدم أحد الزمانين على الآخر إما بكذا أو بكذا فيلزم التسلسل، ولا بالرتبة إذ السابق والمسبوق في الرتبة يمكن اجتماعهما وهذان لا يمكن اجتماعهما، ولا بالشرف لعدم أشرفية الغد من اليوم ولا اليوم من الغد، فهو إذاً قسم سادس. أقول : ويمكن اندراجه في التقدم بالرتبة وذلك بعدم تقييده بإمكان الاجتماع ـ فتأمل. (و) لا يخفى أن (الحصر) بين هذه الأقسام (استقرائي) لا عقلي. وما ذكره بعض من ترديده بين النفي والإثبات فغير مستقيم. (مسألة) اختلفوا في أن مقولية التقدم على هذه الأقسام بالإشتراك اللفظي كالعين المشترك بين المعاني أو بالاشتراك المعنوي على سبيل التشكيك كمقولية الوجود على أنواعه، (و) المصنف (ره) على أن (مقوليته بالتشكيك)، أما أنه ليس مشتركاً لفظياً لأن المشترك اللفظي ليس بين معانيه جامع، والسبق ليس كذلك لأن كل هذه الأقسام مشترك في معنى التقدم، وأما أنه مقول بالتشكيك لأن صدق السبق على الأقسام ليس بالتساوي، فإن السبق بالعلية أولى بإسم السبق من السبق بالطبع، وهو أولى من سائر الأقسام كما لا يخفى. (مسألة) (وتتحفظ الإضافة بين المضافين في أنواعه) أي أنواع التشكيك الثلاثة ـ أي الأولوية والأولية والأشدية. قال في كشف المراد : وإذا ثبت أنه مقول بالتشكيك بمعنى أن بعض أنواع التقدم أولى بالتقدم من بعض، فاعلم أنا إذا فرضنا (ألف) متقدماً على (باء) بالعلية و (ج) مقدماً على (د) بالطبع، كان تقدم (ألف) على (باء) أولى من تقدم (ج) على (د)، فحينئذ (باء) أحد المتضايفين أولى بتأخره عن المضاف الآخر من تأخر (د) عن (ج) فانحفظت الإضافة بين المضايفين في الأولوية ـ وهو أحد أنواع التشكيك. أقول : وبمثل هذا يكون الأولية والأشدية، ومثال المطلب القريب إلى الذهن أنه لو كان (زيد) مقدماً على (عمرو) ـ في المسافة ـ بقدر فرسخ، و(بكر) مقدماً على (خالد) بقدر نصف فرسخ، فكما أن تقدم (زيد) على (عمرو) أكثر من تقدم (بكر) على (خالد) كذلك تأخر (عمرو) عن (زيد) أكثر من تأخر (خالد) عن (بكر) وهذا واضح لا يحتاج إلى البرهان (مسألة) في عدم كون السبق جنساً لأقسامه بل هو أمر خارج عن حقيقتها منتزع عنها (وحيث وجد التفاوت) بين أقسام السبق بالأولوية والأولية والأشدية (امتنع جنسيته) إذ الجنس جزء الحقيقة والجزء في الأنواع في مرتبة واحدة، فإن الحيوان في الإنسان والفرس والبقر في مرتبة واحدة فلا يكون أولية وأولوية، وكذا الأشدية إذ لا يمكن أن يكون جزآ مهية واحدة أحدهما أشد في الاشتمال على المهية من الآخر ـ فتأمل. (مسألة) (والتقدم دائماً بعارض زماني) كما في التقدم الزماني كتقدم آدم (ع) على نبينا (ص) (أو مكاني) كما في التقدم المكاني كتقدم الصف الأول على الأخير (أو غيرهما) إما ذاتي كما في تقدم الزمان نفسه بعض أجزائه على بعض أو خارجي عن الذات لكن ليس بالزمان والمكان وهو ثلاثة : إما بالشرف كتقدم العالم، أو بالحاجة التامة كتقدم العلة، أو بالحاجة الناقصة كتقدم جزء العلة المسمى بالتقدم الطبعي. وعلى هذا البيان فقوله : (غيرهما) بالجر عطف على (عارض) أي أن التقدم بغير عارض زماني وعارض مكاني. (مسألة) إعلم أن كلاً من القدم والحدوث قد يؤخذ حقيقياً فالقديم هو ما لا يسبق بالغير، أو ما لا يسبق بالزمان ـ كما تقدم ـ والحادث بخلافه، وقد يؤخذ إضافياً فالقديم هو ما كان زمانه أكثر، فزيد الذي له مائة سنة من العمر قديم وعمرو الذي له نصفه حادث. (والقدم والحدوث الحقيقيان لا يعتبر فيهما الزمان) فلا يقال : القديم هو كون وجود الشيء مستمراً في جميع الأزمنة، والحادث كون وجود الشيء مسبوقاً بعدم في الزمان (وإلا) فلو اعتبر فيهما الزمان نقلنا الكلام في الزمان وانه هل هو حادث أو قديم، وسواء كان حادثاً أو قديماً إفتقر إلى زمان آخر ـ إذ المفروض اعتبار الزمان في كل حادث وقديم ـ و(تسلسل) الأمر إلى ما لا نهاية له، وأما القدم والحدوث الإضافيان فلا يتحققان بدون الزمان ولا يلزم من أخذ الزمان في مفهومهما التسلسل إذ الزمان ليس قديماً ولا حادثاً بهذا المعنى المجازي الإضافي. (مسألة) (والحدوث الذاتي متحقق) بيانه : أن الممكن بما هو هو لا يقتضي الوجود والعدم، وبالنظر إلى العلة يقتضي أحدهما، وما بالذات مقدم على ما بالغير، فإذن وجود الممكن مسبوق بلا اقتضائه للوجود ـ وهذا هو الحدوث الذاتي ـ إذ الاستحقاق حدث في مرحلة الذات بعد أن لم يكن فيها استحقاق. (مسألة) (والقدم والحدوث اعتباران عقليان) فالشيء الذي ليس مسبوقاً بالغير أو بالعدم ينتزع عنه الذهن القدم، ومن عكسه ينتزع الحدوث. وليسا خارجيين وإلا لزم التسلسل. إن قلت : ولو كانا عقليين أيضاً يلزم التسلسل إذ هذا الوصف الموجود في الذهن له وجود ذهني فهو إما قديم أو حادث وهكذا. قلت : حيث كانا أمرين عقليين (ينقطعان بانقطاع الاعتبار) إذ مجال سلسلتهما العقل والعقل لا يقوى على تصور غير المتناهي. وهذا جواب عام يأتي في كل أمر عقلي. مثلاً : الإمكان وأخواه حيث كانت ذهنية لا يلزم التسلسل وهكذا. (مسألة) (وتصدق) في الموجود القضية المنفصلة (الحقيقية منهما) أي من القديم والحادث، إذ الموجود إما أن يكون مسبوقاً أو لا والأول هو الحادث والثاني هو القديم، ولا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما، (و) كذا تصدق الحقيقة ـ في الموجود ـ (من الوجود الذاتي و) الوجوب (الغيري) إذ الموجود إما محتاج وهو الواجب الغيري أو غير محتاج بالذات ولا يمكن اجتماعهما ـ للزوم اجتماع النقيضين ـ ولا ارتفاعهما، للزوم ارتفاع النقيضين. (مسألة) (و) للواجب بالذات لوازم ثلاثة: الأول ـ إنه (يستحيل صدق) الوجوب (الذاتي على المركب) لأن كل مركب محتاج إلى أجزائه وكل محتاج ممكن، أما أن المركب محتاج فبديهي إذ المركب عبارة عن نفس الأجزاء مع خصوصية ثالثة عارضة من الفعل والانفعال، وأما أن المحتاج ممكن فواضح إذ المحتاج في وجوده إلى الغير ليس وجوده من نفسه وكلما لم يكن وجود الشيء من نفسه كان ممكناً. إن قلت : هذا يتوقف على أمرين : (الأول) أن يكون التركيب بانفعال وإلا فلا انفعال. و(الثاني) أن يكون مركّباً من أجزاء خارجية وإلا فالمركب من الجنس والفصل ليس كذلك. قلت : التركيب الخارجي لا يعقل بدون الفعل والانفعال وإلا كان الجزآن كالحجر والإنسان الموضوعين جنباً إلى جنب، وأما الجنس والفصل فإن كان المراد بهما أمرين انتزاعيين ليس ما بحذائهما في الخارج إلا شيء واحد كانتزاع الأبوة والبنوة لزيد باعتبار أبيه وابنه، فهذا ليس من التركيب في شيء وإلا لزم التركيب الخارجي. (و) الثاني ـ من خواص الواجب الذاتي انه (لا يكون جزءاً من غيره) بأن يتركب شيء من الواجب وغيره، إذ التركيب عبارة عن تأثير كل جزء في الآخر ـ المعبر عنه بالفعل والإنفعال ـ وحينئذ فتأثير غير الواجب في الواجب إما بالزيادة فيه وإما بالنقصان عنه وإما بتبديل حال منه إلى حال آخر وكلها مستحيل، فإن الزائد ليس بواجب وإلا لم يكن معدوماً والناقص ليس بواجب وإلا لم يعدم والمتغير ليس على حاله السابقة واجباً وإلا لم يكفه بعد ولا على حاله اللاحقة واجباً وإلا لم ينفك عنه قبل. (و) الثالث ـ انه (لا يزيد وجوده ونسبته) أي نسبة الوجود إلى الذات ـ المعبر عنها بالوجوب ـ (عليه) أي على الواجب (وإلا لكان ممكناً). ويدل على عدم زيادة الوجود أنه لو كان الوجود مغايراً للذات افتقرت الذات في الاتصاف به إلى علة والمحتاج إلى العلة ممكن وعلى عدم زيادة الوجوب انه لو كان مغايراً لكان الذات بنفسه خالٍ عن الوجوب فيكون ممكناً والظاهر أن قوله : (وإلا لكان ممكناً) دليل للخواص الثلاثة لا للخاصية الأخيرة فقط. (و) إن قلت : وجود الواجب مغاير لحقيقته لأن وجود الباري تعالى معلوم ومهيته غير معلومة فوجوده غير مهيته ـ إذ لا يعقل اتحاد المجهول والمعلوم ـ . قلت : هناك وجودان : (الأول) الوجود الكلي الذي هو أمر انتزاعي صادق على جميع الموجودات على نحو التشكيك كصدق الشيء على جميع الأشياء بدون دخل له في حقيقة تلك الأشياء. (الثاني) الوجود الخاص بالباري تعالى الذي هو مغاير لسائر الوجودات. و(الوجود المعلوم) لنا (هو) الوجود المطلق (المقول بالتشكيك) وهو ليس داخلاً في الحقيقة حتى يلزم من العلم به العلم ببعض الحقيقة المستلزم لمغايرة بعض الحقيقة المعلوم لبعضها المجهول (أما) الوجود (الخاص به) أي بالواجب (فلا) يكون معلوماً كما أن ذاته ليست معلومة. ثم إنه ربما يستدل لمغايرة وجوب الواجب لمهيته بدليل آخر وحاصله : أن الوجود طبيعة واحدة نوعية ـ لما تقدم من انه مشترك بين جميع الأشياء ـ والطبيعة الواحدة تتفق في لوازمها، ولذا نرى أن البياض حيث كان طبيعة واحدة اقتضى جميع أفراده العروض على الغير، والإنسان لما كان طبيعة واحدة اقتضى جميع أفرادها الاستقلال، فليس هنا طبيعة يقتضي بعض أفرادها العروض وبعضها الاستقلال، وعلى هذا فنقول : طبيعة الوجود إن اقتضت العروض كان وجود الواجب عارضاً ومغايراً لمهيته ـ وهو المطلوب ـ وإن اقتضت عدم العروض كان وجود الممكن غير عارض لمهيته فلا يخلو إما أن يكون موجوداً فيكون واجباً ـ لأن وجوده عين مهيته ـ وإما أن لا يكون موجوداً فيكون ممتنعاً ـ لأن الوجود لا يمكن عروضه عليه، وليس عينه ـ وإن لم تقتض طبيعة الوجود أحدهما احتاج الواجب في اتصافه إلى الغير وهو محال. والحاصل أنه يتشكل منفصلة مانعة الخلو من ثلاث مقدمات : إما عروض الوجود على الواجب، وإما وجوب الممكن الموجود وامتناع الممكن المعدوم، وإما احتياج الواجب. وحيث بطل الأخيران ثبت الأول. وأجاب المصنف (ره) عنه بقوله : (وليس) الوجود (طبيعة نوعية) دخيلة في حقيقة الموجودات (على ما سلف) بل صدقه على الأفراد على نحو مجرد اتحاد المفهوم (فجاز اختلاف جزئياته في العروض وعدمه) لجواز أن يصدق مفهوم واحد على أشياء مختلفة الحقيقة، كما أن النور يصدق على نور الشمس المقتضي لإبصار الأعشى، وغيره الذي لا يقتضي ذلك. وعلى هذا فالوجودات متخالفة الحقيقة بمعنى أن بعضها عين المهية ـ كما في الواجب ـ وبعضها عارض عليها ـ كما في الممكن. (و) إن قلت : قد سبق انكم بينتم عينية وجود الواجب لمهيته بدليل غير مستقيم حاصله أن وجوده لو كان مغايراً احتاج إلى العلة ولا تخلو من ثلاثة : إما أن تكون العلة أمراً خارجياً فيلزم احتياج الواجب وهو محال، وإما أن تكون مهية الواجب حال الوجود فيلزم قيام وجودين بالواجب الأول وجوده السابق المؤثر والثاني وجوده اللاحق المتأثر ـ مع مفاسد أخرى، وإما أن تكون مهية الواجب حال العدم فيلزم تأثير المعدوم في الموجود، والكل محال، ونحن نقول : هنا شقّ رابع وهو أن تكون العلة المهية من حيث هي هي. والجواب : انه لا شق رابع إذ (تأثير المهية من حيث هي) هي (في الوجود) بأن تكون موجوداً (غير معقول) فإن الشيء ما لم يكن موجوداً في الخارج امتنع كونه مبدئاً للوجود وعلة له ـ بضرورة العقل. لا يقال : كما أن العلة القابلية غير موجودة لم لا تكون العلة الفاعلية أيضاً غير موجودة؟ لأنّا نقول : هذه المقايسة غير صحيحة (و) ذلك لأن (النقض بالقابل ظاهر البطلان) فإن العلة القابلية لا تكون موجودة لئلا يلزم اجتماع وجودين، ولا معدومة لئلا يلزم اجتماع النقيضين، وهي مع ذلك إنما تتصور في الذهن فقط إذ ليس في الخارج شيء ليس موجوداً ولا معدوماً. وهذا بخلاف العلة الفاعلية فإنه لا يعقل علية غير الموجود للموجود بالبديهة. (مسألة) في أن الوجود من المحمولات العقلية (والوجود) الخارجي (من المحمولات) أي ليس أمراً عينياً مستقلاً في الخارج كالإنسان (العقلية) أي ليس محمولاً خارجياً كالبياض ونحوه، أما انه من المحمولات فذلك (لامتناع استغنائه عن المحل) وكل محتاج إلى المحل محمول، (و) أما انه عقلي لا خارجي فذلك لامتناع (حصوله فيه) أي في المحل الخارجي، وكل ما لم يحصل في الخارج مع اتصاف الأمر الخارجي به فهو عقلي. ولا يخفى أن هذا بالنسبة إلى غير الواجب أما الواجب فوجوده عين حقيقته كما تقدم. (مسألة) في المعقولات الثانية، وعد المصنف منها ثلاثة عشر (وهو) أي الوجود (من المعقولات الثانية). والمراد بالمعقول الثاني الذي يتصوره العقل بعد تصور شيء آخر بخلاف المعقول الأول الذي يتصوره العقل ابتداءاً، فالعقل يتصور الإنسان أولاً ثم يتصور وجوده وهكذا (وكذلك العدم وجهاتهما)، من الوجوب والإمكان والامتناع (وكذا الماهية والكلية والجزئية والذاتية والعرضية والجنسية والفصلية والنوعية) فإنها لما لم تكن موجودة في الخارج بل الموجود في الخارج هو الأفراد وإنما ينتزع عن كونها في الخارج الوجود، ومن عدم كونها العدم، ومن شدة الارتباط وعدمها جهات الوجود والعدم، ومن ذواتها المهية، ومن صدق المفهوم الواحد على أفراد متعددة وعدم صدقه الكلية والجزئية، ومن دخالة شيء في حقيقة آخر وعدم دخالته فيه الذاتية والعرضية، ومن صدق مفهوم لأفراد مختلفة الحقيقة أو متفقة الحقيقة بنحو الجزئية لتلك الأفراد أو العينية الجنس والفصل والنوع. ثم إنه ربما يفرق بين المعقولات الثانية بل بين الأمور الانتزاعية والأمور الاعتبارية، ولكن كل ذلك خارج عن الفن مرتبط بالحكمة مع عدم أهمية لها إلا عرفان الاصطلاح. (مسألة) (وللعقل أن يعتبر النقيضين) فيتصور وجود زيد وعدمه مثلاً (ويحكم بالتناقض بينهما) في الخارج لا في الذهن إذ لو كان بينهما تناقض في الذهن لم يجتمعا فيه، (ولا استحالة فيه) أي في تصور النقيضين إذ المناقضة إنما هو بين حقيقة النقيضين لا بين صورتهما لما قد تقدم في بحث الوجود الذهني من أن الموجود في الذهن هو الصورة المخالفة لكثير من اللوازم وإلا احترق الذهن بتصور النار وهكذا. (و) كذا للعقل (أن يتصور عدم جميع الأشياء) فيتصور عدم الإنسان وعدم الوجود وعدم الأبيض إلى غير ذلك ( (حتى عدم نفسه) فيتصور عدم العقل بل (وعدم العدم) وذلك (بأن يتمثل في الذهن) نفس العدم (ويرفعه) وهذا ضروري لكل من لاحظ. نعم فرق بين العدم وغيره ففي غيره يتصور الذهن صورة وفي العدم يتصور الذهن اللفظ ـ إذ لا صورة للعدم ـ (وهو) أي المعدوم المطلق الذي تصوره الذهن أولاً ـ ثم أضاف إليه العدم ـ (ثابت باعتبار) أي باعتبار انه أمر موجود في الذهن إذ كل متصور ثابت (وقسيم) للثابت (باعتبار) آخر وهو اعتبار كونه معدوماً. والحاصل أن المعدوم المتصور باعتبار كونه متصوراً ثابت وباعتبار كونه معدوماً قسيم للثابت (ويصح الحكم عليه من حيث هو ليس بثابت) فإذا قلنا : (المعدوم يقابل الموجود) فالحكم بالمقابلة إنما هو للمعدوم المتصور لا للمعدوم المطلق حتى يقال : إن الحكم على الشيء بالإيجاب يستدعي الموضوع الموجود والمعدوم لا وجود له، لأنّا نقول : إذا حكمنا على المعدوم بحكم إيجابي فإنما هو على المعدوم المتصور، والمعدوم المتصور له وجود ذهني وهو كافٍ في صحة الحكم الإيجابي. (ولا تناقض) إشارة إلى جواب إشكال حاصله انكم لو قلتم : (المعدوم يمتنع الحكم عليه) لزم التناقض لأن الموضوع في هذه القضية وهو كلمة (المعدوم) حكم عليه بكونه (يمتنع الحكم عليه) مع أن مفاد هذا الحكم هو امتناع الحكم عليه فيلزم جواز الحكم على المعدوم وامتناعه وهو تناقض. وحاصل الجواب : أن المعدوم ثابت باعتبار الذهن غير ثابت باعتبار الواقع فبالاعتبار الأول يصح الحكم عليه وبالاعتبار الثاني يمتنع الحكم عليه. ومثل هذا الإشكال والجواب ذكره في شرح المطالع في باب امتناع الحكم على المجهول. (ولذا) الذي ذكرنا من أن للعقل أن يتصور جميع الأشياء (يقسم الموجود إلى ثابت في الذهن وغير ثابت فيه ويحكم بينهما بالتمايز) فإن الحكم بامتياز الثابت في الذهن عن غير الثابت فيه يستدعي ثبوت المتمايزين في الذهن إذ لو لم يكونا ثابتين في الذهن لم يتمكن من الحكم بالتمايز بينهما ـ وحين وجود الطرفين في الذهن لزم أن يكون (غير الثابت) ـ الذي هو أحد الطرفين ـ ثابتاً، فهو ثابت باعتبار الحكم عليه بالتمايز غير ثابت باعتبار انه مقابل للثابت ـ ولا تناقض، فتحصل أن تصور الذهن غير الثابت ثابتاً دال على تمكنه من تصور جميع الأشياء. وهنا إشكال توضيحه بلفظ القوشجي : ولما كان لقائل أن يقول : الحكم بامتياز أحد الشيئين عن الآخر يستدعي أن يكون لكل من المتمايزين هوية في العقل مغايرة لهوية الآخر، فلو حكم العقل بالامتياز بين (الثابت) و(ما ليس بثابت) لاستلزم ذلك أن يكون (لما ليس بثابت في العقل) هوية عقلية وذلك محال. أجاب عن ذلك بقوله : (وهو) أي الحكم بامتياز أحد الشيئين عن الآخر (لا يستدعي الهوية لكل من المتمايزين) فإن للعقل أن يحكم بالامتياز بين ما لا هوية له في العقل وما له هوية عقلية، وليس لما لا هوية له هوية. (ولو) سلم ذلك و(فرض له) أي لما ليس بثابت في الذهن (هوية) عقلية (لكان حكمها حكم الثابت) يعني كما أنه يمكن أن يكون شيء ثابتاً باعتبار وغير ثابت باعتبار ـ كما عرفت ذلك فيما تقدم ـ كذلك يمكن أن يكون لشيء هوية باعتبار ولا هوية باعتبار آخر، وليس بذلك بَأس لتمكن العقل من تصور جميع الأشياء ـ كما تقدم. (مسألة) في بيان كيفية الصدق والكذب في القضايا فنقول : الموضوع والمحمول قد يكون كلاهما خارجياً نحو (الإنسان أبيض)، وقد يكونان ذهنياً نحو (الإمكان مقابل الامتناع)، وقد يكون الأول خارجياً والثاني ذهنياً نحو (الإنسان ممكن) ولا عكس (وإذا حكم الذهن على الأمور الخارجية) كزيد (بمثلها) أي بمحمول خارجي كأبيض (وجب التطابق) بين الحكم الذهني والخارج (في صحيحه) أي في صحيح الحكم الذهني، يعني أن الحكم الذهني إنما يكون صحيحاً إذا تطابق الذهن مع الخارج فلو لم يطابق كقولنا (جميع أفراد الإنسان أبيض) لم يكن الحكم الذهني صحيحاً، (وإلاّ) يحكم بالأمر الخارجي على الموضوع الخارجي وذلك بأن يكون كلاهما أو أحدهما ذهنياً (فلا) يجب في صحة الحكم مطابقته للخارج ـ إذ لا خارج للأمور العقلية ـ (ويكون صحيحه) أي معيار صحة الحكم الذي طرفاه عقلياً أو أحدهما كذلك (باعتبار المطابقة لما في نفس الأمر) فلو قلنا : (الإنسان ممكن) أو (الإمكان مقابل الامتناع) وكان في نفس الأمر كذلك كان الحكم صحيحاً وإلاّ كان فاسداً، وليس المعيار في هذا النحو من الأحكام مطابقته للخارج ـ لعدم خارج له ـ ولا مطابقته للذهن (لإمكان تصور الكواذب) مثلاً يلزم أن يكون الحكم بقدم العالم صحيحاً لمطابقته لأذهان الفلاسفة وكذلك الحكم بوجوب الصادر الأول إلى غير ذلك. وهنا إشكال لا ينبغي التعرض له في هذا المختصر. (مسألة) (ثم العدم والوجود قد يحملان) فيقال : (الإنسان معدوم) أو (موجود) (وقد يربط بهما المحمولات) فيقال : (الإنسان يعدم عنه الكتابة) أو (يوجد له الكتابة) (والحمل) الإيجابي (يستدعي اتحاد الطرفين) أي الموضوع والمحمول (من وجه) إذ لولا الاتحاد لم يعقل الحمل وكان كحمل المباين على المباين (وتغايرهما من) وجه (آخر) وإلا فلو لم يتغايرا أصلاً كان من باب حمل الشيء على نفسه. مثلاً : إذا قلنا (الإنسان كاتب) كان الإنسان والكاتب متحدان من جهة المصداق ومتغايران من جهة المفهوم إذ مفهوم الإنسان غير مفهوم الكاتب (وجهة الاتحاد قد تكون أحدهما) أي أحد الموضوع والمحمول كالمثال المتقدم، فإن جهة الاتحاد بين الإنسان والكاتب هو الموضوع بمعنى أن مفهوم الموضوع تمام حقيقة ما صدق عليه، ولو قلت : (الكاتب زيد) كانت جهة الاتحاد هي المحمول (وقد تكون) جهة الاتحاد أمراً (ثالثاً) غير الموضوع والمحمول نحو (الكاتب ضاحك) فإن تمام حقيقة ما صدقا عليه هو الإنسان الذي هو مغاير للموضوع والمحمول. (و) إن قلت : لا يمكن أن يكون بين الموضوع والمحمول مغايرة وإلا لزم التناقض. بيانه : انه لو كان بينهما مغايرة لزم قيام أحدهما بالآخر ـ فإنه لولا القيام لم يكن بين المتغايرين مناسبة ـ وإذا قام أحد الطرفين بالآخر فالطرف الآخر في نفسه ليس متصفاً بالطرف القائم به وإلا لزم اجتماع المثلين، وعليه فيلزم قيام شيء بشيء ليس متصفا به وهو اجتماع النقيضين. قلت (التغاير) بين الموضوع والمحمول (لا يستدعي قيام أحدهما بالآخر) فإن قولنا : (الكاتب ضاحك) صحيح مع عدم قيام أحدهما بالآخر، فإن الاتحاد بالذات كافٍ في المناسبة ولا يحتاج معه إلى أمرٍ زائد وهو القيام (ولا اعتبار عدم القائم ـ في القيام ـ لو استدعاه) يعني ولو سلمنا أن التغاير يستدعي قيام أحدهما بالآخر نقول : القيام لا يستدعي اعتبار عدم القائم ـ حتى يلزم اتصاف الشيء بما ليس متصفاً به ـ بل يكفي كونه لا بشرط. فتحصل من جميع ذلك أن زيداً الموضوع لا يعتبر بشرط القيام حتى يكون (زيد قائم) من الجمع بين المثلين، ولا بشرط عدم القيام حتى يكون من الجمع بين النقيضين بل يعتبر (زيد) لا بشرط ثم يحمل عليه (قائم) وتقرير شبهة الخصم على سبيل منع الخلو والجواب عنه بما قررناه أخيراً أوضح. (مسألة) في الجواب عمن أورد الإشكال على حمل الوجود والعدم على المهية. أما الإشكال على حمل الوجود فهو : إن الوجود إما إن يحمل على المهية المعدومة وهو يلزم اجتماع النقيضين إذ معناه أن المهية المعدومة موجودة وأما أن يحمل على المهية الموجودة وهو يلزم اجتماع وجودين على مهية واحدة إذ إثبات الوجود للمهية يقتضي ثبوتها فإن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، مضافاً إلى أنه يلزم منه التسلسل إذ ننقل الكلام في الوجود الأول. (و) الجواب أن (إثبات الوجود للمهية لا يستدعي وجودها أولاً) ولا يلزم عدمها حتى يلزم اجتماع النقيضين، بل قد تقدم أن الوجود عارض للمهية من حيث هي هي لا حال كونها موجودة ولا حال كونها معدومة، إذ ليس عروضه للمهية كعروض السواد على المحل بل المغايرة بينهما في الذهن لا في الخارج، حتى يقال : إن أحوال المهية في الخارج منحصرة في الموجودة والمعدومة. (و) أما الإشكال على سلب الوجود عن المهية فتقريره : أن سلب الوجود عن المهية متوقف على تميزها ـ لأن غير المتميز لا يمكن سلب شيء عنه ـ وتميزها يستلزم ثبوتها إذ كل متميز ثابت، فيكون شرط سلب الوجود عن المهية ثبوتها وهو جمع للنقيضين. وإن شئت قلت : إن سلب المهية يقارن تميزها وتميزها يقارن ثبوتها فسلبها يقارن ثبوتها. والجواب : أن (سلبه) أي الوجود (عنها) أي عن المهية (لا يقتضي تميزها وثبوتها) في الخارج حتى يستلزم اجتماع النقيضين (بل) سلب الوجود عن المهية هو (نفيها) أي نفي المهية رأساً (لا إثبات نفيها) يعني ليس معنى سلب المهية أن هناك أمراً متحققاً هو المهية ثم يحمل عليها السلب حتى يلزم وجودها، والغلط إنما نشأ من قياس (السلب) على سائر المحمولات فتوهم انه كما يلزم وجود الموضوع عند حمل شيء عليها كذلك يلزم وجود المهية ـ التي هي الموضوع ـ عند حمل (السلب) عليها. (و) إن قلت : المسلوب عنه الوجود ـ وإن سَلَّمنا انه ليس بموجود في الخارج ـ لكنه موجود في الذهن، فالسلب يقتضي الثبوت الذهني. قلت : (ثبوتها) أي المهية (في الذهن وإن كان لازماً) إذ لا يمكن السلب إلاّ بعد التصور (لكنه ليس شرطاً) في السلب فإن (السلب) إنما يلاحظ بالنسبة إلى نفس المهية ـ من حيث هي هي ـ لا من حيث إنها موجودة في الذهن. (مسألة) في أن الحمل والوضع من المعقولات الثانية (والحمل والوضع) ليسا من الأمور الخارجية بل الموجود في الخارج هو ذات الموضوع والمحمول فقط، وإنما هما (من المعقولات الثانية) العارضة للمعقولات الأولية حيث أخذت في العقل كالأبوة والبنوة وأضرابهما (يقالان) على أفرادهما (بالتشكيك) فإن استحقاق بعض الأمور للوضع أولى من استحقاق الآخر وكذلك في الحمل فإن الموصوف أولى بالوضع والصفة بالحمل في قولنا : (زيد القائم) من العكس بأن يقال (القائم زيد). (وليست الموصوفية ثبوتية) بأن يكون في الخارج أمور ثلاثة : ذات الموضوع، وذات المحمول، وموصوفية الذاتين بهاتين الصفتين (وإلا) فلو كانت الموصوفية ثبوتية (تسلسل) لأنها لو كانت خارجية ثبوتية لكانت عرضاً قائماً بالمحل، فاتصاف محلها بها يستدعي موصوفية أخرى ثم ننقل الكلام إليها وهكذا حتى يتسلسل. (مسألة) في تقسيم الوجود إلى ما بالذات وما بالعرض (ثم الوجود قد يكون) موجوداً (بالذات) وهو ما يكون له وجود بنفسه ولم يكن صدق الوجود عليه بالعرض والمجاز، من غير فرق بين أن يكون وجوده قائماً بنفسه كالجواهر أم بغيره كالأعراض (وقد يكون) موجوداً (بالعرض) والمجاز وهو ما لا يكون له وجود بنفسه وإنما يكون الوجود لما صدق عليه، مثلاً لو قلنا : (اللانامي جماد) لم يكن (اللانامي) موجوداً، بل الموجود هو الحجر الصادق عليه (اللانامي) فالحجر موجود بالذات و (اللانامي) موجود بالعرض، ومثله أعدام الملكات والأمور الاعتبارية (وأما الوجود في الكتابة) الأعم من النقش كصورة الشمس المنقوشة في الورق، ومن الخط كلفظ الشمس المكتوب فيه (و) الوجود في (العبارة) كزيد ـ الملفوظ به (فمجازي)، وإنما يسمى وجوداً لحكايته عن الوجود الخارجي كما أن الوجود الذهني أيضاً مجازي على الظاهر، وإنما الوجود الحقيقي هو الوجود الخارجي فقط. والحاصل أن الشمس ليست موجودة في الذهن واللفظ والكتابة وإنما لها وجود واحد في محلها. (مسألة) في إعادة المعدوم (والمعدوم) والمراد به أن الشيء إذا صار عدماً محضاً ـ لا بأن تفرق أجزاؤه ـ بل بأن يصير لا شيء كما كان في الأزل (لا يعاد). وقد اختلف فيه : فذهب جمع إلى جواز الإعادة وسيأتي دليلهم وآخرون ومنهم المصنف (ره) إلى الامتناع. ومن البديهي أن هذه المسألة لا ترتبط بالمعاد إذ المنكر لإعادة المعدوم يقول لا يعدم الأشياء بل يتفرق أجزاؤها ثم يجمعها الله تعالى ليوم الجمع. وقد استدل المصنف لعدم جواز إعادة المعدوم بأمور: الأول ـ (لامتناع الإشارة إليه فلا يصح الحكم عليه بصحة العود). وتوضيحه بلفظ القوشجي: انه لو صح إعادة المعدوم لصح الحكم عليه بصحة العود لكن المعدوم ليس له هوية ثابتة فيمتنع الإشارة العقلية إليه وما لا يمكن أن يشار إليه لا يصح الحكم عليه. (و) الثاني ـ انه (لو أعيد) المعدوم (تخلل العدم بين الشيء ونفسه) إذ المعاد هو الأول بعينه، فلو فرض تخلل العدم لزم أن يكونا شيئين. والحاصل أن الأول والثاني إما شيئان أو شيء واحد وعلى الأول لا يكون المعاد متحداً مع المبتدأ، وعلى الثاني غير معقول إذ لا يمكن أن يتخلل شيء إلا بين شيئين فهل يعقل أن يتخلل العدم بين زيد ونفسه؟ (و) الثالث ـ انه لو أعيد المعدوم (لم يبق فرق بينه) أي بين المعاد (وبين المبتدأ) إذ لا فرق بينهما إلا أن أحدهما ـ وهو المبتدأ ـ عدمه بعد وجوده، والثاني ـ وهو المعاد ـ وجوده بعد عدمه، إلا أن هذا الفرق باطل إذ المفروض عوده مع وقته الأول. مثلاً : كان المبتدأ في يوم الخميس ثم عدم يوم الجمعة ثم وجد مع يوم الخميس فلا فرق بين المبتدأ والمعاد. والحاصل انه لو أعيد لم يبق فرق بين المبتدأ والمعاد وعدم الفرق باطل ـ وإلا لم يصدق المبتدأ والمعاد ـ فالإعادة باطلة. (و) الرابع ـ انه يلزم من إعادة المعدوم (صدق المتقابلان عليه دفعة) لأنه لو أعيد مع زمانه الذي هو يوم الخميس ـ مثلاً ـ كان مبتدءاً ـ لأنه هو الموجود في الزمان الأول بعينه ـ وكان معاداً ـ لأن المفروض انه معاد ـ وحيث إن صدق المتقابلين: أي المبتدأ والمعاد، على شيء واحد مستحيل فإعادة المعدوم مستحيلة. (و) الخامس ـ انه (يلزم التسلسل في الزمان) إذ لو أعيد يوم الخميس ـ مثلاً ـ لم يكن فرق بين يوم الخميس المعاد ويوم الخميس المبتدأ إلا بأن أحدهما قبل والآخر بعد، والقبلية ليست بالمهية ولا بسائر أنحاء التقدم إلا بالتقدم الزماني فيكون ليوم الخميس المبتدأ زمان مقدم على زمان يوم الخميس المعاد فيكون للزمان زمان ويلزم إعادة الزمان الذي هو ظرف ليوم الخميس ـ وإلا لم يكن المعاد معاداً بجميع خصوصياته ـ ثم ننقل الكلام في الزمانين اللذين كانا ظرفاً ليوم الخميس المبتدأ والمعاد إلى أن يتسلسل. ثم إنه استدل القائلون بجواز إعادة المعدوم بأن امتناع الإعادة إن كان ناشئاً من المهية أو لوازمها لزم أن لا يعقل وجودها حتى في الزمان الأول، وإن كان ناشئاً من أمر خارج عنهما فالأمر الخارجي يمكن زواله فيمكن إعادة المعدوم. (و) الجواب : أن (الحكم بامتناع العود لأمر لازم للمهية) المتصفة بكونها بعد العدم لا أنه لازم للمهية مطلقاً. وتقريره : أن المهية حالة العدم وصفت بكونها مهية طرأت عليها العدم، والمهية الموصوفة بهذا الوصف ممتنع وجودها، وأما المهية في حالة الوجود الأول وقبله لم تكن متصفة بهذا الوصف ولذا أمكن وجودها. وهذا مثل قولنا : المهية حال وجودها لا يمكن وجودها ثانياً، وذلك ليس لأن المهية بذاتها غير قابلة بل المهية المتصفة بالوجود غير قابلة. |