| فهرس المبحث الأول | المؤلفات |
|
في الواجب والممكن والماهية |
|
وقسمة الموجود إلى الواجب والممكن ضرورية وردت على الوجود من حيث هو قابل للتقييد وعدمه، والحكم على الممكن بإمكان الوجود حكم على المهية لا باعتبار العدم والوجود. ثم الإمكان قد يكون آلة في التعقل وقد يكون معقولاً باعتبار ذاته. وحكم الذهن على الممكن بالإمكان اعتبار عقلي فيجب أن يعتبر مطابقته لما في العقل، والحكم بحاجة الممكن ضروري، وخفاء التصديق لخفاء التصور غير قادح. والمؤثرية اعتبار عقلي، والمؤثر يؤثر في الأثر لا من حيث هو موجود ولا من حيث هو معدوم وتأثيره في المهية، ويلحقه وجوب لاحق وعدم الممكن يستند إلى عدم علته على ما مرَّ، والممكن الباقي مفتقر إلى المؤثر لوجود علته والمؤثر يفيد البقاء بعد الاحداث. ولهذا جاز استناد القديم الممكن إلى المؤثر الموجب ـ لو أمكن ـ ولا يمكن استناده إلى المختار ولا قديم سوى الله كما يأتي ولا يفتقر الحادث إلى المدة والمادة وإلا لزم التسلسل. والقديم لا يجوز عليه العدم لوجوبه بالذات أو لاستناده إليه (الفصل الثاني في الماهية ولواحقها) وهي مشتقة عن (ماهو) وهو ما به يجاب عن السؤال بما هو وتطلق غالباً على الأمر المتعقل، ويطلق الذات والحقيقة عليها مع اعتبار الوجود الخارجي، والكل من ثواني المعقولات وحقيقة كل شيء مغايرة لما يعرض لها من الاعتبارات وإلا لما تصدق على ما ينافيها ويكون المهية مع كل عارض مقابلة لها مع ضده. وهي من حيث هي ليست إلا هي، ولو سُئِل بطرفي النقيض فالجواب السلب لكل شيء قبل الحيثية لا بعدها. وقد تؤخذ المهية محذوفاً عنها ما عداها بحيث لو انضمَّ إليها شيء لكان زائداً، ولا يكون مقولاً على ذلك المجموع وهو المهية بشرط لا شيء ولا توجد إلا في الأذهان، وقد تؤخذ لا بشرط شيء وهو كلي طبيعي موجود في الخارج هو جزء من الأشخاص وصادقة على المجموع الحاصل منه ومما أضيف إليه. والكلية العارضة للماهية يقال لها كلي منطقي، ويقال للمركب كلي عقلي وهما ذهنيان فهذه اعتبارات ثلاثة ينبغي تحصيلها في كل مهية معقولة. والماهية منها بسيطة وهي ما لا جزء له. ومنها مركبة وهي ما لهُ جزء وهما موجودان ضرورة ووصفاهما اعتباريان متنافيان وقد يتضايفان فيتعاكسان في العموم والخصوص مع اعتبارهما بما مضى. وكما يتحقق الحاجة في المركب فكذا في البسيط، وهما قد يقومان بأنفسهما وقد يفتقران إلى المحل. والمركب إنما يتركب عما يتقدمه وجوداً وعدماً بالقياس إلى الذهن والخارج. وهو علة الغناء عن السبب فباعتبار الذهن بيّن وباعتبار الخارج غني ويستحيل دفعه عما هو ذاتي له، فيحصل خواص ثلاث : واحدة متعاكسة واثنتان أعم. ولابد من حاجة ما لبعض الأجزاء إلى البعض ولا يمكن شمولها باعتبار واحد وهي قد تتميز في الخارج وقد تتميز في الذهن وإذا اعتبر عروض العموم ومضايفه فقد تتباين وقد تتداخل وقد تؤخذ مواد وقد تؤخذ محمولة فيعرض لها الجنسية والفصلية وجعلاهما واحد والجنس منهما كالمادة وهو معلول والفصل كالصورة وهو علة، وما لا جنس له فلا فصل له، وكل فصل تام فهو واحد ولا يمكن وجود جنسين في مرتبة واحدة لمهية واحدة. ولا تركيب عقلي إلا منهما، ويجب تناهيهما وهما إضافيان وقد يجتمعان مع التقابل، ولا يمكن أخذ الجنس بالنسبة إلى الفصل، وإذا نسبنا إلى ما يضافان إليه ـ أعني النوع ـ كان الجنس أعم والفصل مساوياً. |
|
(مسألة) (وقسمة الموجود إلى الواجب والممكن ضرورية) إذ الموجود إن كان مستغنياً عن الغير فهو واجب وإن كان محتاجاً إلى الغير فهو ممكن. وليس هذا التقسيم وارداً على الموجود من حيث هو هو ـ لأن الشيء بالنظر إلى نفسه وهو هو يستحيل أن يكون مقسماً ـ، وكذلك لم يرد على الموجود الواجب أو الممكن ـ لأن الواجب لا يمكن تقسيمه وكذلك الممكن، بل القسمة (وردت على الوجود من حيث هو قابل للتقييد) بالوجوب والإمكان (وعدمه) أي اللابشرط، كما هو شأن كل تقسيم فإن المقسم يلاحظ لا بشرط فتضاف إليه مفهومات أخرى، وحينئذ يصير المقسم مع كل مفهوم قسماً. (مسألة) (ربما قيل إن الإمكان لا يحمل على المهية، إذ المهية إما موجودة وإما معدومة والموجود واجب والمعدوم ممتنع، فيستحيل حمل الإمكان عليها). (و) الجواب : أن (الحكم على الممكن بإمكان الوجود حكم على المهية لا باعتبار العدم والوجود) فالمهية من حيث هي هي ممكن، وليس حال المهية منحصراً في حالتي الوجود والعدم لأنهما حالان يحصلان عند اعتبار المهية مع الغير وأما عند اعتبارها لا مع الغير فإنها يقبل أحدهما لا بعينه. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الكلام عند قوله : وعروض الإمكان عند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى المهية. (مسألة) (ثم الإمكان قد يكون آلة في التعقل وقد يكون معقولاً باعتبار ذاته) قد ينظر الإنسان إلى المرآة آلياً ليرى نفسه فيها فالمرآة آلة ينظر بها لا فيها، وقد ينظر الإنسان إلى المرآة استقلالياً ليعلم أنها جيدة أو ردية فالمرآة ينظر فيها لا بها، وهكذا الإمكان قد يكون آلة في التعقل بها يعرف حال الشيء في أن وجوده على أي الانحاء ممتنع الإنفكاك أو لازم الإنفكاك أو جائز الإنفكاك، وقد يكون معقولاً باعتبار ذاته فينظر إليه ليعتبر حال الإمكان نفسه وأنه موجود أو معدوم جوهر أو عرض. (وحكم الذهن على الممكن بالإمكان اعتبار عقلي) لا أمر خارجي فليس مثل حكم الذهن على الإنسان بالبياض، وعليه فلا خارج له حتى يجب مطابقة الحكم للخارج (فيجب أن يعتبر مطابقته لما في العقل). وقد تقدم الكلام فيه عند قول المصنف (ره) : وإذا حكم الذهن على الأمور الخارجية بمثلها. (مسألة) في بداهة احتياج الممكن إلى المؤثر (والحكم بحاجة الممكن) إلى المؤثر (ضروري) يجزم العقل به بمجرد تصور العقل أن الممكن هو الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم (وخفاء التصديق) بالاحتياج إلى المؤثر عند بعض (لخفاء التصور غير قادح) في الحكم بكونه ضرورياً، فإنه إذا مثل للشاك حال الوجود والعدم بالنسبة إلى المهية كحال كفتي الميزان وانه كما لا يمكن ترجيح إحدى الكفتين على الأخرى إلا بمرجح كذلك لا يمكن ترجيح انتساب المهية إلى أحد الأمرين إلا بمرجح جزم بالاحتياج، وكل بديهي كذلك فإنه إذا تصور الشخص معنى الواحد ومعنى الاثنين ومعنى النصف لم يجزم بأن الواحد نصف الاثنين. وذهب ذي مقراطيس وجماعة القائلون بكون وجود السماوات من الاتفاقيات إلى استحالة التأثير، ولهم أدلة: الأول بتقرير العلامة (ره) : إن الممكن لو افتقر إلى المؤثر لكانت مؤثرية المؤثر ـ لكونهما وصفاً محتاجاً إلى الموصوف ـ ممكناً محتاجاً إلى المؤثر في ذلك الأثر، فإن كانت وصفاً ثبوتياً في الذهن من غير مطابقة الخارج لزم الجهل، ولأنها ثابتة قبل الذهن ويستحيل قيام صفة الشيء بغيره، وإن كانت ثابتة في الخارج مغاير للمؤثر والأثر ـ لأنها نسبة بينهما ـ لزم التسلسل وهو محال ـ انتهى. (و) الجواب أن (المؤثرية اعتبار عقلي) فصدور شيء عن شيء موجب لانتزاع المؤثرية عن الصادر منه والمتأثرية عن الصادر، وليس له ما يطابق الخارج، ولا يلزم الجهل لأنه يلزم لو حكم بثبوته في الخارج ولم يثبت، وأما أنها ثابتة قبل الذهن ـ فمعنى قيامه بالذهن انه لو عقله عاقل حصل في عقله هذه النسبة والإضافة، وربما ينقض عليهم بأن هذا البرهان يقتضي عدمه أي أمر إضافي مع بداهة وجود الإضافات. الثاني ـ إن المؤثر إما أن يؤثر في الأثر حال وجوده أو حال عدمه، والقسمان باطلان فلا تأثير لأن أحوال المهية منحصرة فيهما. أما بطلان تأثير المؤثر حال وجود الأثر فلأنه إن أثّر وجوداً آخر لزم اجتماع وجودين وإن أثّر في الوجود الأول لزم تحصيل الحاصل وكلاهما حال، وأما بطلان التأثير حال عدم الأثر فلأنه جمع بين النقيضين. (و) الجواب أن (المؤثر يؤثر في الأثر لا من حيث هو موجود) كي يلزم اجتماع وجودين أو تحصيل الحاصل، (ولا من حيث هو معدوم) ليلزم الجمع بين نقيضين بل المؤثر وجوده ملازم لوجود الأثر. مثلاً كان الأثر معدوماً في الآن الأول فحيث وجد المؤثر التام وجد في الآن الثاني الأثر، فالتأثير غير مقيد بشيء من الوجود والعدم. نعم وجود الأثر في زمان التأثير، وهذا ليس من تحصيل الحاصل المستحيل إذ هو تحصيل ما كان حاصلاً في رتبة العلة. الثالث ـ إن التأثير إما أن يكون في المهية أو في الوجود أو في اتصاف المهية بالوجود : والأول محال لأن المهية مهية بنفسها، ولذا لا نشك في إنسانية الإنسان ولو شككنا في مؤثره، والثاني كذلك إذ حال الوجود حال المهية في أنه ليس وجوداً بالفاعل إذ الشيء ضروري الثبوت لنفسه، والثالث كذلك إذ الموصوفية أمر اعتباري والأمر الاعتباري ليس مجعولاً تكوينياً. (و) الجواب أن (تأثيره) أي تأثير المؤثر (في المهية) فيجعل المؤثر المهية موجودة وذلك بجعلها في الخارج لا أن يجعل المهية مهية. أقول : إيجاد الشيء في الخارج موجب لانتزاع المهية عنه فالمهية ليست أمراً متأصلاً قابلاً للجعل وعدمه، ولذا كان من الغلط ما اشتهر عن أبي علي من قوله : (الجاعل لم يجعل المشمش مشمشاً بل المشمش موجوداً) فتأمل. (ويلحقه وجوب لاحق) فالمهية لها وجوب بنفسها وهو أن كل شيء هو هو ويلحقها وجوب آخر وهو وجوبها بالنظر إلى وجودها أو وجود علتها، فالشيء بين ضرورتين. مثلاً : الإنسان ضروري الثبوت لنفسه وضروري بالنظر إلى وجوده أو وجود علته، ومفاد هذا الكلام مفاد قوله فيما سبق. وعند اعتبارهما بالنظر إليهما يثبت ما بالغير. الرابع ـ إن نسبة الوجود والعدم إلى المهية سواء فلو احتاجت إلى المؤثر في الوجود احتاجت إليه في العدم لكن العدم لا يحتاج إلى المؤثر فالوجود الذي هو عديله كذلك. مثلاً : لو كانت نسبة الرفع والوضع إلى كفتي الميزان متساوية لكان كل واحد منهما يحتاج إلى العلة، فلو فرض أن الوضع لم يحتج إلى العلة لم يحتج الرفع إليها. (و) الجواب أن (عدم الممكن يستند إلى عدم علته على ما مرَّ) فالمهية في وجودها تحتاج إلى علة وجودية وفي عدمها تحتاج إلى علة عدمية، ولذا يقال : إن عدم الإحراق لعدم النار، كما أن وجود الإحراق لوجود النار. (مسألة) في بيان أن الممكن كما يحتاج إلى العلة في حدوثه كذلك يحتاج إلى العلة في بقائه (والممكن الباقي مفتقر إلى المؤثر) لأن علة الاحتياج هو الإمكان لا الحدوث ـ كما تقدم ـ وهذه العلة موجودة إذ الممكن بعد الوجود باقٍ على ما كان عليه من الإمكان، وإلى هذا أشار بقوله : (لوجود علته) أي لوجود علة الإفتقار. (و) ربما قيل بأن الممكن الباقي لا يحتاج إلى العلة لأن العلة إما أن تؤثر في الوجود الذي كان حاصلاً له وهو محال لأنه تحصيل للحاصل، وإما أن تؤثر في شيء جديد فتكون العلة مؤثرة في الجديد لا في الباقي. والجواب أن (المؤثر يفيد البقاء بعد الاحداث) فهناك شيآن الحدوث والبقاء، فالمؤثر مؤثر في البقاء وهو أمر جديد غير الاحداث ولا يلزم منه تحصيل الحاصل. وأقرب مثال مثل للتأثير في البقاء : أن الإنسان لو تصور في ذهنه صورة فما دام كان ملتفتاً إليها كانت باقية وإذا صرف النظر عنها انعدمت، فإدامة النظر تأثير في البقاء وليست ايجاداً جديداً كما أنها تحتاج إلى الإدامة فلا بقاء بنفسها، (ولهذا) الذي ذكرنا من أن الممكن الباقي محتاج إلى المؤثر (جاز استناد القديم الممكن إلى المؤثر الموجب ـ لو أمكن ـ) القديم الممكن. وتوضيحه : أنا لما أثبتنا كون الممكن محتاجاً إلى المؤثر في أمرين الحدوث والبقاء لزم عليه أن يكون الممكن القديم ـ على فرضنا ـ محتاجاً إلى المؤثر، فإنه وأن لم يحتج إلى المؤثر في الحدوث ـ لفرض قدمه ـ ولكنه محتاج إليه في البقاء ـ لفرض إمكانه ـ وهذا بخلاف القول بأن الممكن لا يحتاج إلى العلة في البقاء، فإن مثل هذا الممكن القديم لا يحتاج إلى العلة أصلاً أما في الحدوث فلأن الفرض انه قديم لا حدوث له، وأما في البقاء فلأن الفرض عدم احتياج الممكن في البقاء إلى العلة. ثم إن القديم لا يعقل استناده إلى الفاعل المختار إذ المختار إنما يفعل بالقصد فيكون القصد متقدماً على المعلول فلا يكون قديماً، بل القديم إنما يستند إلى الفاعل الموجب لأن الموجب يلزمه معلوله كلزوم الزوجية للأربعة. وإلى هذا الفرق بين الموجب والمختار أشار بقوله : إلى المؤثر الموجب (ولا يمكن استناده إلى المختار) فلا تغفل. (مسألة) في نفي قديم غير الله تعالى (ولا قديم سوى الله تعالى كما يأتي) فإن كل ما سوى الله ممكن وكل ممكن محتاج إلى العلة والعلة لما كان هو الله تعالى وهو فاعل بالإرادة فمعلوله بعد الإرادة فلا قديم أصلاً سواه تعالى. وسيأتي الإشارة إلى ما ذكر في أدلة التوحيد. (مسألة) في أن الحادث لا يفتقر إلى المادة والمدة (ولا يفتقر الحادث إلى المدة) بأن تكون المدة ـ أي الزمان ـ سابقة عليه، (و) كذا لا يفتقر إلى (المادة) بأن يكون كل الحادث مسبوقاً بمادة كالكون المسبوق بمادته وهو الطين (وإلا لزم التسلسل) وهذا رد على الذاهب إلى احتياج الممكن إلى المدة والمادة. واستدلوا للأول بأن عدم الحادث متقدم على وجوده وهذا التقدم ليس بالعلية لأن العدم ليس علة للوجود، ولا بالطبع لأن العدم ليس جزء علة، ولا بالرتبة لأنه ليس هناك ترتب حسِّي بين الشيء وبين عدمه كترتب الإمام على المأموم، ولا ترتب عقلي كترتب الجنس على النوع، ولا بالشرف لأن العدم ليس أشرف من الوجود، فلم يبق إلا الترتب بالزمان. والحاصل أن عدم الحادث في زمان سابق على وجوده وذلك ينتج تقدم الزمان على كل موجود. والجواب : أن تقدم العدم تقدم بالذات لا بالزمان كما أن تقدم بعض أجزاء الزمان على بعض تقدم بالذات، مضافاً إلى أن الزمان حادث فهو أيضاً يحتاج إلى المدة ويلزم التسلسل. وللثاني بأن الحادث مسبوق بإمكانه وإمكانه ليس نفياً محضاً ـ وإلا لم يبق فرق بين نفي الإمكان والإمكان المنفي كما تقدم ـ وحينئذ إمكان الممكن سابق عليه وحيث إن الإمكان عرض يحتاج إلى المحل وليس محله المعدوم لانتفاء المعدوم فالمحل لابد وأن يكون ثبوتياً ـ وهو المادة ـ والجواب أن الإمكان أمر اعتباري وإلا لزم التسلسل، إذ لو كان الإمكان أمراً وجودياً كانت له مادة سابقة عليه وهكذا حتى يتسلسل. (مسألة) في أن القديم لا يجوز عليه العدم (والقديم لا يجوز عليه العدم لوجوبه بالذات أو لاستناده إليه) فإن القديم إما أن يكون واجب الوجود كالباري تعالى وهذا يستحيل عليه العدم لكونه واجباً بالذات ـ وقد تقدم استحالة انقلاب الواجب ممكناً أو ممتنعاً كالعكس ـ وإما أن يكون واجباً بالغير ـ كما زعمه بعض الفلاسفة بالنسبة إلى العالم ـ وحينئذ فمؤثره لا يجوز أن يكون مختاراً، لما تقدم من أن المختار يفعل بالقصد والإرادة فيكون معلول المختار مسبوقاً بالإرادة فلا يكون قديماً، فلابد وأن يكون مؤثر القديم موجباً والفاعل بالإيجاب لا ينفك معلوله عنه وحيث كان الفاعل دائمياً كان المعلول دائمياً. وإليه أشار بقوله : (أو لاستناده إليه). (الفصل الثاني في الماهية ولواحقها) كالوحدة والكثرة ونظائرهما (وهي) أي كلمة الماهية وقد تخفف فيقال لها مهية (مشتقة عن (ماهو)) فيكون تسمية المهية بالمهية بعلاقة التلازم في السؤال والجواب، فإنه كلما سُئِل عن الشيء بما هو أجيب بحقيقة ذلك الشيء (وهو) أي المهية وتذكير الضمير باعتبار الخبر لما تقرر في النحو من أن الضمير إذا وقع بين مبتدأ وخبر متخالفي التذكير والتأنيث جاز فيه الأمران (ما به يجاب عن السؤال بما هو) فإذا قيل : (الإنسان ما هو؟) كان الجواب : (حيوان ناطق)، وهذا الجواب هو مهية الإنسان. (وتطلق) لفظة المهية (غالباً على الأمر المتعقل) أي الحاصل في الذهن فلا تكون إلا كلية ولهذا كان المنصرف من قولنا : (مهية الإنسان كذا) حقيقته الكلية (ويطلق) لفظتا (الذات والحقيقة عليها) أي على المهية (مع اعتبار الوجود الخارجي) فالمهية الموجودة يقال لها الذات والحقيقة غالباً (والكل) من المهية والذات والحقيقة (من ثواني المعقولات) فإنها تعرض على الحقائق الموجودة في الذهن فقط فتعقل في المرتبة الثانية إذ المعقول الأولى هو معروض هذه الأمور وإلا فليس في الخارج شيء غير زيد وعمرو وبكر ـ كما لا يخفى. (مسألة) (وحقيقة كل شيء مغايرة لما يعرض لها من الاعتبارات) فحقيقة الإنسان من حيث هو إنسان مغاير للوجود والعدم والكلية والجزئية والوحدة والكثرة والزوجية والفردية وهكذا (وإلاّ) يكن كذلك، بأن كان في حقيقة الإنسان مثلاً الوجود أو الكلية وهكذا (لما تصدق على ما ينافيها) كالعدم والجزئية في المثال، فصدق الإنسان على كل من الوجود والعدم والكلية والجزئية وأشباههما دليل على عدم دخالة شيء منها في حقيقته وكذلك سائر المهيات باعتبار عوارضها (ويكون المهية مع كل عارض مقابلة لها مع ضده) فالإنسان مع الوجود مقابل مع الإنسان المعدوم، والتقابل باعتبار العارضين ـ أعني الوجود والعدم ـ لا باعتبار المهية نفسها. (مسألة) (وهي من حيث هي ليست إلا هي) فالإنسانية ـ مثلاً ـ من حيث هي هي ليست إلا الإنسانية وجميع ما يعرض لها من الاعتبارات خارجة عنها، وكذلك سائر المهيات (ولو سئل بطرفي النقيض) فقيل : (الإنسان كاتب أم ليس بكاتب) (فالجواب السلب لكل شيء) جاعلاً حرف السلب (قبل الحيثية لا بعدها) بأن يقال في الجواب : (الإنسان ليس من حيث هو إنسان بكاتب ولا غير كاتب) لا أن يقال : (الإنسان من حيث هو إنسان ليس بكاتب ولا غير كاتب) وذلك لأنه لو تأخر حرف السلب لتوهم كون القضية معدولة المحمول مثل الإنسان لا كاتب ـ فتأمل. (مسألة) في انقسام المهية إلى اللابشرط وبشرط شيء وبشرط لا (وقد تؤخذ المهية محذوفاً عنها ما عداها) كأن تكون الحيوانية المحذوفة عنها كل اعتبار وإضافة موضوعاً لشيء (بحيث لو انضم إليها شيء لكان زائداً) يعني لا ربط له (ولا يكون) المهية حينئذ (مقولاً على ذلك المجموع) وتذكير الضمير باعتبار مصاديق المهية (وهو المهية بشرط لا شيء ولا توجد إلا في الأذهان) فإن المهية المعراة من كل اعتبار لا توجد في الخارج، لأن كل موجود في الخارج مشخص وكل مشخــص محفوف بالاعتبارات والأعراض (وقد تؤخذ) المهية (لا بشرط شيء) فلا يعتبر فيها التجرد عن الاعتبارات، ولا عدم التجرد عنها بل ينظر إلى المهية بما هي هي سواء كان معها شيء أم لا (وهو كلي طبيعي) لأنه نفس طبائع الأفراد (موجود في الخارج) لأنه (هو جزء من الأشخاص)، فإن الحيوان بما هو حيوان موجود في الخارج وهو جزء هذه الأفراد من الحيوانات المحفوفة بالإضافات والأعراض (و) هذه المهية اللابشرط (صادقة على المجموع) أي الحيوان المشخص الخارجي (الحاصل منه) أي من الحيوان بما هو حيوان (وبما أضيف إليه) من المشخصات والأعراض، إذ الحيوان يصدق على هذه الأفراد من الحيوانات الخارجية. وهناك قسم ثالث وهو المهية بشرط شيء كأن يؤخذ الحيوان بشرط كونه أبيضاً أو غير ذلك من الاعتبارات. (مسألة) (والكلية العارضة للماهية) في قولنا : (الإنسان كلي) (يقال لها كلي منطقي) إذ المنطقي إنما يقصد من الكلي هذا المعنى وهو المفهوم غير الممتنع صدقه على كثيرين (ويقال للمركب) من العارض والمعروض (كلي عقلي) إذ ليس لقولنا : (الإنسان كلي) موطن إلا في العقل، فإن المعروض ـ وهو الإنسان ـ وإن أمكن وجوده في الخارج إلا أن المجموع منه ومن العارض لا يمكن وجوده كما لا يخفى. (وهما) أي الكلي المنطقي والكلي العقلي (ذهنيان) لامتناع وجود الكلي في الخارج، إذ كل ما وجد فيه فهو جزئي، فإن الشيء ما لم يتشخص لم يوجد وكل متشخص جزئي. (فهذه اعتبارات ثلاثة) الكلي الطبيعي ـ المتقدم في المسألة السابقة ـ والكلي المنطقي والكلي العقلي (ينبغي تحصيلها في كل مهية معقولة) لأنك إذا قلت : (الإنسان كلي) ـ مثلاً ـ فإذا نظرت إلى المبتدأ فقط بدون نظر إلى الخبر، فهو كلي طبيعي، وإذا نظرت إلى الخبر فقط بدون لحاظ المبتدأ، فهو كلي منطقي، وإذا نظرت إلى المجموع فهو كلي عقلي وكذلك إذا قلت : (الحيوان كلي) أو (الجسم كلي) وهكذا. (مسألة) (والماهية منها بسيطة وهي ما لا جزء له) كالجوهر ـ على المشهور ـ (ومنها مركبة وهي ما له جزء) كالإنسان المركب من الحيوان والناطق إلى غير ذلك (وهما موجودان ضرورة) إذ وجود المركب بديهي وهو لا يتركب إلا من البسائط. نعم وجود بسيط بانفراده في الخارج غير ضروري (ووصفاهما) أي وصفا البساطة والتركيب (اعتباريان) فليست البساطة شيئاً في الخارج وكذلك التركيب وإلا لزم التسلسل، فإنه لو كان في الخارج بسيط لكان لا يخلو إما أن يكون بسيطاً أو مركباً، وهكذا إلى ما لا يتناهى (متنافيان) فإن شيئاً واحداً لا يتصف بالإضافة والتركيب، لأنه لو اتصف بهما لزم أن يكون له جزء وأن لا يكون له جزء وهما نقيضان، وكذلك ليس هناك شيء لا يتصف بهما، فتحقق أن القضية حقيقية (وقد يتضايفان) فيكون البسيط بسيطاً بالنظر إلى المركب منه ومن غيره، وإن كان بالنظر إلى ذاته مركباً ـ كالحيوان الذي هو بسيط بالنسبة إلى الإنسان وإن كان مركباً في نفسه، وكذلك يكون المركب مركباً بالنظر إلى البسيط الذي تحته (فيتعاكسان في العموم والخصوص مع اعتبارهما بما مضى) يعني أن البسيط والمركب بالمعنى الإضافي يتعاكس في العموم والخصوص بالنسبة إلى البسيط والمركب بالمعنى الماضي ـ أي الحقيقي ـ فبسيط الإضافي أعم من بسيط الحقيقي ومركب الحقيقي أعم من مركب الإضافي. بيان ذلك : أن البسيط الإضافي له فردان : (الأول) البسيط الحقيقي كالجوهر، إذ هو مع كونه بسيطاً في نفسه بسيط بالنظر إلى المركبات. (الثاني) المركب الحقيقي كالجسم، فإنه بسيط إضافي بالنظر إلى الحيوان ومركب حقيقي بالنظر إلى نفسه وكذلك المركب الحقيقي له فردان : (الأول) البسيط الإضافي ـ كالمثال المتقدم وهو الجسم. (الثاني) المركب الإضافي كالإنسان الذي هو مركب بالإضافة إلى الحيوان. فتحصل أن البسيط الإضافي يشمل البسيط والمركب الحقيقيين فالبسيط الإضافي أعم من الحقيقي، والمركب الحقيقي يشمل البسيط والمركب الإضافيين، فالمركب الحقيقي أعم من الإضافي. (مسألة) (وكما تتحقق الحاجة) إلى العلة (في المركب فكذا) تتحقق الحاجة (في البسيط) إذ كل واحد من المركب والبسيط ممكن، وقد تقدم أن الممكن محتاج إلى العلة. قال العلامة (ره) : وقد منع بعض الناس احتياج البسيط إلى المؤثر لأن علة الحاجة إنما هي الإمكان وهو أمر نسبي إنما يعرض للمنتسبين فما لم تتحقق الاثنينية لم تتحقق الحاجة ولا اثنينية في البسيط ولا احتياج له. والجواب أن الإمكان أمر عقلي بعرض لشيئين عقليين هما الماهية والوجود، ويتحقق باعتبار الحاجة لكل واحد منهما إلى المؤثر. (مسألة) (وهما) أي البسيط والمركب (قد يقومان بأنفسهما) كالجوهر والحيوان اللذين لا يحتاجان إلى المحل (وقد يفتقران إلى المحل) كالكيف والسواد فإنهما يحتاجان إلى المحل لأنهما عرضان. (مسألة) في خواص الجزء (والمركب إنما يتركب عما يتقدمه وجوداً وعدماً بالقياس إلى الذهن والخارج) يعني ان أجزاء المهية تتقدم عليها بحسب الوجودين الذهني والخارجي وكذلك بالنسبة إلى العدمين الذهني والخارجي فوجود البيت في الخارج متوقف على وجود الجدران والسقف في الخارج، ووجوده في الذهن متوقف على وجود الجدران والسقف في الذهن، وعدم البيت في الخارج متوقف على عدمها في الخارج، وعدم البيت في الذهن متوقف على عدمها في الذهن. (وهو) أي تقدم الأجزاء على المهية (علة الغناء) للأجزاء (عن السبب) الجديد لأن الجزء لما كان متقدماً على الكل فهو مع سببه متقدم على الكل فلا يعقل احتياجه إلى سبب جديد حين تحقق المركب وإلا لزم تحصيل الحاصل. ثم إن الجزء الغني عن السبب الجديد، إن اعتبر في الجزء الذهني سمي الجزء بين الثبوت وإن اعتبر في الجزء الخارجي سمي الجزء غنياً، وإلى هذا أشار بقوله : (فباعتبار الذهن بيّن وباعتبار الخارج غني) فإذا قيل : (الجزء بين الثبوت) عنى به الجزء الذهني، وإذا قيل : (الجزء غني) عنى به الجزء الخارجي. (ويستحيل دفعه) أي دفع الجزء (عما هو ذاتي له) فلا يمكن وجود المركب بدون الجزء، كوجود البيت بغير جدار (فيحصل) للجزء (خواص ثلاث : واحدة) وهي التقدم بحسب الوجودين والعدمين (متعاكسة) أي خاصة مساوية للجزء فكل جزء مقدم على الكل في الوجودين والعدمين، وكل مقدم في الوجودين والعدمين جزء (واثنتان) وهما الاستغناء عن السبب الجديد وامتناع الرفع عما هو ذاتي له (أعم) من الجزء، فكل جزء مستغنٍ عن السبب الجديد ويستحيل دفعه عما هو ذاتي له وليس كل مستغنٍ عن السبب الجديد وكل ما يستحيل رفعه جزءاً، إذ اللازم مستغنٍ عن السبب الجديد ويستحيل رفعه وليس جزءاً. وإن شئت قلت : إن اللازم من تقدم الجزء في الوجود الذهني والخارجي أمران : (الأول) استغناؤه عن الوسط في التصديق ـ وهذا لازم تقدمه في الذهن ـ فلا يتوقف جزم العقل بثبوت الجزء للمهية إلى برهان. (الثاني) استغناؤه عن الواسطة في الثبوت ـ وهذا لازم تقدمه في الخارج ـ فلا يتوقف حصول الجدار للبيت إلى سبب جديد. (مسألة) (ولابد من حاجة ما لبعض الأجزاء إلى البعض) فإنه لو استغنى الأجزاء بعضها عن بعض لم يتألف المركب وكان من قبيل الحجر الموضوع بجنب الإنسان، وحينئذ فإما أن يحتاج الجزء الصوري إلى المادي دون العكس كاحتياج هيئة السكنجبين إلى السكر والخل دون العكس، ولذا لا تتحقق الهيئة بدونهما ويتحققان بدونها. وقد يكون الاحتياج من الجانبين (و) لكن (لا يمكن شمولها) أي شمول الحاجة (باعتبار واحد) وإلا لزم الدور. مثلاً : المادة محتاجة في وجودها إلى الصورة والمادة محتاجة في تشخصها إلى المادة ـ فتأمل. (مسألة) (وهي) أي أجزاء المهية (قد تتميز) بعضها عن بعض (في الخارج) كامتياز النفس عن البدن (وقد تتميز في الذهن) كامتياز الجنس عن الفصل. (مسألة) في بيان النسبة بين الأجزاء (وإذا اعتبر عروض العموم ومضايفه) وهو الخصوص للأجزاء وعدمهما (فقد تتباين) الأجزاء بعضها عن بعض كتباين السكر والخل للذين هما جزآ السكنجبين (وقد تتداخل) أي بينهما تصادق إما بالعموم المطلق كالجنس والفصل، وإما بالعموم من وجه كالحيوان والأبيض. وأما كون الجزءين متساويين فالظاهر عدم إمكانه لامتناع تركب المهية من أمرين متساويين. فتحصل أن ثلاثاً من النسب الأربعة تتحقق بين الأجزاء. (مسألة) في الأجزاء المتداخلة (وقد تؤخذ) الأجزاء المتداخلة (مواد) حقيقية بمعنى أخذها بشرط لا بأن يلاحظ الحيوان مثلاً بشرط الوحدة : أي الخلو عن كل شيء، ومثله لا يحمل على الإنسان إذ الجزء بلحاظ استقلاله ليس جزءاً ومحمولاً، (وقد تؤخذ) لا بنحو ـ بشرط لا ـ بل بما هو هو مع قطع النظر عن التجرد وعدمه فتكون حينئذ (محمولة). وإن شئت قلت : إن الجزء يلاحظ على ثلاثة أنحاء : (الأول) بشرط الجزء الآخر وهذا عين المركب. (الثاني) بشرط عدم الجزء الآخر. (الثالث) لا بشرط وهذا هو الذي يحمل. وفي المقام كلام طويل أضربنا عنه صفحاً (فيعرض لها) أي للأجزاء المحمولة ـ لا الأجزاء بما هي مواد ـ (الجنسية والفصلية) فإن الجزء إن كان تمام المشترك بين المهية وبين سائر الأنواع الأخر كالحيوان الذي هو تمام مشترك بين الإنسان والفرس والبقر ونحوها، فهو الجنس ـ وإن كان مختصاً بالمهية مميزاً لها عمّا عداها فهو الفصل كالناطق في المثال. ثم إن كلاً من الجنس والفصل إما قريب وإما بعيد كما ذكر في المنطق. (مسألة) (وجعلاهما واحد) يعني أن الجنس والفصل مجعولان بجعل واحد، فإن الجاعل لم يجعل حيواناً مطلقاً ثم يميزه ويفصله بالناطق بجعل واحد، ولذا جعلناهما جزءين ذهنيين لا خارجيين. (مسألة) (و) إذا نسبنا الجنس والفصل إلى المادة والصورة رأينا (الجنس منهما كالمادة) فكما أن الشيء المركب حاصل معها بالقوة كذلك المركب حاصل مع الجنس بالقوة (وهو معلول) بمعنى أن الطبيعة الجنسية إذا حصلت في العقل كانت أمراً مبهما متردداً بين أشياء كثيرة، غير منطبقة على تمام حقيقة واحدة منها، (والفصل كالصورة) فكما أن الشيء المركب حاصل مع الصورة بالفعل فكذلك المركب حاصل مع الفصل بالفعل (وهو علة) إذ بانضمام الفصل إلى الجنس المبهم يتعين ويزول عنه الإبهام والتردد، ويقبل الانطباق على تمام حقيقة خارجية، فالعلية والمعلولية إنما هو في الاميتاز والتعين، لا في الوجود الذهني والخارجي. (مسألة) (وما لا جنس له فلا فصل له) إذ الفصل هو الجزء المميز للشيء عما يشاركه في الجنس ـ كما تقدم ـ فإذا لم يكن للشيء جنس لم يكن له مميز فلا فصل له. والقول بأنه يمكن أن يتركب الشيء من فصلين كل واحد منهما يميزه عن سائر الموجودات باطل، إذ كل شيء فهو متميز عن سائر الموجودات بمهيته فكل شيء بنفسه متميز ولا يحتاج إلى مميز ـ فتأمل. (مسألة) في وحدة الجنس والفصل القريبين (وكل فصل تام) قريب (فهو واحد) إذ لو تعدد فإن حصل الامتياز بأحدهما دون الآخر، لم يكن الثاني فصلاً، وإن حصل الامتياز بهما معاً، كان المجموع فصلاً واحداً لا فصلين، وإن حصل الامتياز بكل واحد منفرداً لزم الخلف، إذ حصول الامتياز بهذا موجب للاستغناء عن الآخر، وحصول الامتياز بالآخر موجب للاستغناء عن هذا، فيستغنى عنهما معاً، فلا يكون أحدهما فصلاً، هذا خلف. وهذا مثلما استدلوا في بيان عدم إمكان استناد معلول إلى علتين. هذا كله في الفصل القريب. أما الأعم منه ومن البعيد فيمكن تعددها كما لا يخفى (ولا يمكن وجود جنسين في مرتبة واحدة لمهية واحدة) إذ الجنس هو تمام المشترك، أما للنوع كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، وأما الجنس النوع كالجسم النامي بالنسبة إلى الحيوان، وعلى كل تقدير فتمام المشترك ليس وراؤه شيء مشترك أصلاً، فكيف بتمام مشترك آخر ـ مثلاً ـ الحيوان الذي هو تمام مشترك للإنسان والفرس، ليس وراؤه شيء يشترك فيه الإنسان والفرس وإلا لزم الخلف، فكيف بتمام مشترك ثانٍ. نعم يمكن أن يكون للشيء أجناس بعضها فوق بعض كالحيوان، والجسم النامي، والمطلق، والجوهر، للإنسان. (مسألة) (ولا تركيب عقلي إلا منهما) أي من الجنس والفصل، وذلك لأن الجزء غير الخارجي، إما أعم، وإما مساو، والأول : هو الجنس، والثاني : هو الفصل. واحترز بقوله : (عقلي) عن التركيب الخارجي كتركيب البيت من الجدار والسقف، والعشرة من الآحاد، ونحوهما. ولا يخفى أنه كما لا تركيب عقلي إلا منهما كذلك لا تركيب خارجي إلاّ من غيرهما. (مسألة) في وجود تناهي الأجناس والفصول (ويجب تناهيهما) لما دل على أن غير المتناهي مطلقاً محال، خصوصاً في المقام إذ عدم تناهي الأجناس والفصول موجب لعدم الأنواع والضرورة قاضية ببطلانه ـ هذا في الأجناس والفصول المترتبة ـ أما تناهي غير المترتبة، فلما دل على تناهي الحوادث. وقد يكون منهما عقلي، وطبيعي، ومنطقي، كجنسهما، ومنهما عوال وسوافل ومتوسطات ومن الجنس الجنس ما هو مفرد وهو الذي لا جنس له فوقه ولا تحته. (مسألة) (وقد يكون منهما) أي من الجنس والفصل (عقلي، وطبيعي، ومنطقي)، فلو قلت : (الحيوان جنس) كان الموضوع فقط جنساً طبيعياً، والمحمول فقط ـ مع قطع النظر عن الموضوع ـ جنساً منطقياً، والمجموع جنساً عقلياً، وكذلك لو قلت : (الناطق فصل) فالموضوع فصل طبيعي، والمحمول منطقي، والمجموع عقلي (كجنسهما) يعني أن كل واحد من هذين ينقسمان إلى الثلاثة المذكورة كما أن جنسهما أي الكلي الصادق على الجنس والفصل صدق الجنس على فرديه ـ قد انقسم إلى هذه الثلاثة، بل قد تقرر في المنطق انقسام كل من النوع والخاصة والعرض العام إلى هذه الثلاثة قال في التهذيب : مفهوم الكلي يسمى كلياً منطقياً ومعروضه طبيعياً والمجموع عقلياً، وكذا الأنواع الخمس ـ انتهى. (مسألة) (ومنهما) أي من الجنس والفصل (عوال وسوافل ومتوسطات) فالجوهر جنس عال، والحيوان جنس سافل، والجسم النامي والجسم المطلق أجناس متوسطة، وكذلك الفصل، بل وكذا النوع والخاصة والعرض العام. (مسألة) الجنس على أربعة أقسام : (الأول) الجنس الذي فوقه فقط جنس كالحيوان. (الثاني) الجنس الذي تحته فقط جنس كالجوهر. (الثالث) الذي فوقه وتحته جنس كالجسم المطلق. (الرابع) ما أشار إليه بقوله : (ومن الجنس ما هو مفرد وهو الذي لا جنس له فوقه ولا تحته) كالعقل بشرط أن لا يكون الجوهر جنساً له، وأن يكون أفراده مختلفة الحقيقة فتأمل وهذه الأقسام الأربعة للنوع أيضاً. (مسألة) (وهما) أي الجنس والفصل (إضافيان) إذ الجنس ليس جنساً لكل شيء بل لنوعه، وكذلك الفصل ليس فصلاً لكل شيء بل لنوعه، مثلاً : الحيوان والناطق جنس وفصل بالإضافة إلى الإنسان وأما بالإضافة إلى الحجر فهما مباين (وقد يجتمعان) في شيء واحد لكن لا بالإضافة إلى شيء واحد بل (مع التقابل) في المضاف إليه. مثلاً : الحسّاس فصل للحيوان وجنس للسمع والبصر، ففصليته بالإضافة إلى شيء، وجنسيته بالإضافة إلى شيء آخر مقابل للشيء الأول. (مسألة) في النسبة بين الجنس والفصل (ولا يمكن أخذ الجنس بالنسبة إلى الفصل) فإن الحيوان ـ مثلاً ـ ليس جنساً للناطق وإلا لم يكن فصلاً لاحتياجه إلى ما يفصله عن بقية أفراد الحيوان، بل الجنس عرض عام للفصل والفصل عرض خاص له ـ بمعنى عروضه على بعض أفراده. (مسألة) في نسبة الجنس والفصل إلى النوع (وإذا نسبنا) الجنس والفصل (إلى ما يضافان إليه أعني النوع كان الجنس أعم) منه وإلا لم يكن جنساً له (والفصل مساوياً) وإلا لم يكن فصلاً له كما هو بديهي فالحيوان أعم من الإنسان والناطق مساوٍ له. |