الفهرس

فهرس المبحث الثالث

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

مقولة الكم والكيفيات المحسوسة

(الفصل الخامس في الأعراض) وتنحصر في تسعة : الأول الكم فمتصلة القار جسم وسطح وخط وغيره الزمان ومنفصلة العدد.

ويشملهما قبول المساواة وعدمها والقسمة وإمكان وجود العاد، وهو ذاتي وعرضي، ويعرض ثاني القسمين فيهما لأولهما.

وفي حصول المنافي، وعدم الشرط دلالة على انتفاء الضدية، ويوصف بالزيادة والكثرة ومقابليهما دون الشدة ومقابلها، وأنواع المتصل القار قد تكون تعليمية.

وإن كانت تختلف بنوع ما من الاعتبار، وتخلف الجوهرية عما يقال في جواب ما هو يعطي عرضيته، والتبدل مع بقاء الحقيقة وافتقار التناهي إلى برهان.

وثبوت الكرة الحقيقية، والافتقار إلى عرض والتقوم به يعطي عرضية الجسم التعليمي والسطح والخط والزمان والعدد، وليست الأطراف أعداماً وإن اتصفت بها مع نوع من الإضافة.

والجنس معروض التناهي وعدمه وهما اعتباريان. الثاني الكيف ويرسم بقيود عدمية يخصه جملتها بالاجتماع، وأقسامه أربعة: فالمحسوسات، إما انفعاليات أو انفعالات، وهي مغايرة للأشكال لاختلافها في الحمل.

والمزاج لعمومها، فمنها أوائل الملموسات وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والبواقي منتسبة إليها فالحرارة جامعة للمتشاكلات مفرقة للمختلفات.

والبرودة بالعكس، وهما متضادتان، وتطلق الحرارة على معانٍ أخر مخالفة للكيفية في الحقيقة.

والرطوبة كيفية تقتضي سهولة التشكل، واليبوسة بالعكس، وهما مغايران للين والصلابة، والثقل كيفية تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق مركزه على مركز العالم إن كان مطلقاً.

والخفة بالعكس ويقالان بالإضافة باعتبارين، والميل طبيعي وقسري ونفساني، وهو العلة القريبة للحركة، وباعتباره يصدر عن الثابت متغير، ومختلفه متضاد، ولولا ثبوته لساوى ذو العائق وعادمه وعند آخرين هو جنس بحسب عدد الجهات ويتماثل ويختلف باعتبارها ومنه الثقل وآخرون منهم جعلوه مغايراً، ومنه لازم ومفارق ويفتقر إلى محل لا غير، وهو مقدور لنا ويتولد عنه أشياء بعضها لذاته من غير شرط، وبعضها بشرط، وبعضها لا لذاته، ومنها أوائل المبصرات وهي اللون والضوء ولكل منهما طرفان، والأول حقيقة، وطرفاه السواد والبياض المتضادان.

ويتوقف على الثاني في الإدراك لا الوجود، وهما متغايران حساً.

إنهم ذكروا أن ما عدا البياض والسواد ليس نوعاً قائماً بانفراده بل يحصل من هذين وفيه نظر.

قابلان للشدة والضعف المتباينان نوعاً، ولو كان الثاني جسماً لحصل ضد المحسوس بل هو عرض قائم بالمحل معد لحصول مثله في المقابل، وهو ذاتي وعرضي وأولٍ وثانٍ، والظلمة عدم الملكة.

(الفصل الخامس في الأعراض وتنحصر في تسعة) على المشهور : الكم، والكيف، والأين، والوضع، والملك، والإضافة، والفعل، والانفعال، والمتى.

(مسألة) في الكم (الأول الكم) وهو ما يقبل القسمة لذاته ويكون على قسمين : متصل وهو ما كان أجزاؤه المفروضة متصلاً بعضها ببعض، ومنفصل وهو ما لا يكون كذلك. والمتصل إما قار يجتمع أجزاؤه في الوجود وإما غير قار لا يجتمع كذلك (فمتصلة القار) على ثلاثة أقسام : (جسم) وهو ما يقبل القسمة في الطول والعرض والعمق، (وسطح) وهو ما يقبل الإنقسام في الطول والعرض فقط، والمراد بالطول والعرض الجهتان مقابل العمق وإن كانا متساويين كما لا يخفى، (وخط) وهو ما يقبل الانقسام في الطول فقط (وغيره) أي غير القار من الكم المتصل هو (الزمان) لأنه لا يجتمع أجزاؤه في الوجود (ومنفصلة العدد) إذ ليست أجزاؤه متصلاً بعضها ببعض. وعلى هذا فأقسام الكم خمسة.

(مسألة) في خواص الكم (ويشملهما) أي يشمل قسمي الكم من المتصل والمنفصل (قبول المساواة وعدمها) أي اللامساواة، فإنه إذا نسب كم إلى آخر فإما أن يكون مساوياً له أو أزيد أو أنقص، وتعرض المساواة وعدمها لسائر الأشياء بتوسط الكم (و) قبول (القسمة) لذاته فإن سائر الأشياء تقبل القسمة بالعرض والكم يقبلها لذاته (وإمكان وجود العاد) أي اشتماله على أمر يغنيه بالإسقاط عنه مراراً. مثلاً : العشرون مشتمل على (واحد) لو أسقط عنه مراراً عشرين، أفناه، والخمسون متراً مشتمل على (متر) لو أسقط منه خمسون مرة أفناه وهكذا. وهذه الخواص الثلاث للكم أولاً وبالذات ولغيره ثانياً وبالعرض.

(مسألة) (وهو) أي الكم بأقسامه (ذاتي) ويسمى الكم بالذات وهو السطح والجسم التعليمي والخط والزمان والعدد (وعرضي) ويسمى الكم بالعرض وهو ما له ارتباط بالكم بالذات بحيث يصح إجزاء أوصاف الكم عليه كالجسم الطبيعي الذي هو محل للمقدار والعدد.

(مسألة) (ويعرض ثاني القسمين فيهما) أي في الذاتي والعرضي (لأولهما) أي لأول القسمين اللذين هما المتصل والمنفصل. توضيحه : أنّا حيث قسمنا الكم إلى المتصل والمنفصل فثاني القسمين هو الكم المنفصل، وهذا الكم المنفصل الذي هو ثاني القسمين يعرض للكم المتصل الذي هو أول القسمين سواء كان الكم المتصل المعروض ذاتياً أو عرضياً. والحاصل أن الكم المنفصل يعرض على الكم المتصل الذاتي والعرضي وذلك لأن العدد الذي هو كم منفصل يعرض للزمان الذي هو كم متصل ذاتي، وللجسم الذي هو كم متصل عرضي، وفي العبارة شبه قلب أي الأحسن تقديم (لأولهما) على (فيهما).

(مسألة) (وفي حصول المنافي، وعدم الشرط دلالة على انتفاء الضدية) يعني انه لا تضاد بين الكميات لأمرين : (الأول) إن المنافي للضدية حاصل فإن الضدية تقتضي عدم قيام بعض الأضداد ببعض والكم بالعكس فإن الخط قائم بالسطح والسطح قائم بالجسم وهكذا. (الثاني) إن شرط المضادة وهو الاتحاد في الموضوع منتفٍ في الكم فإن موضوع الثلاثة مغاير لموضوع الأربعة، وكذا موضوع الجسم التعليمي الجسم الطبيعي وهو مغاير لموضوع السطح الذي هو جسم تعليمي وهكذا.

(مسألة) (ويوصف) الكم (بالزيادة والكثرة ومقابليهما) أي النقصان والقلة، فيقال : هذا الخط أزيد من ذلك الخط وذلك الخط أنقص من هذا الخط وهذا العدد أكثر من ذلك العدد وذلك العدد أقل من هذا العدد. والوصف بالكثرة والقلة مختص بالكم المنفصل بخلاف الزيادة والنقصان فيعم المتصل والمنفصل ـ كما قيل ـ (دون الشدة ومقابلها) أي الضعف فلا يقال : هذا الخط أو هذا العدد أشد من ذاك فإن الوصف بهما يختص بالكيفيات فيقال : هذا السواد أشد من ذاك، وذاك أضعف من هذا.

(مسألة) (وأنواع) الكم (المتصل القار) أي الخط والسطح والجسم (قد تكون تعليمية) وذلك فيما إذا أخذت هذه الثلاثة من غير التفات إلى شيء من المواد، فالخط هو الممتد في جهة واحدة والسطح هو الممتد في جهتين والجسم هو الممتد في ثلاث جهات، وإنما سميت بالتعليمي حينئذ لأن علم التعاليم إنما يبحث عن الخط والسطح والجسم مجردة عن المواد وتوابعها. (وإن كانت تختلف) هذه الأنواع الثلاثة التعليمية (بنوع ما من الاعتبار) فإن الجسم يمكن أن يتخيل لا بشرط غيره أو بشرط عدم غيره، وأما السطح والخط فلا يمكن ذلك فيهما إذ لا يمكن أن يتخيل بعد ممتد في جهتي الطول والعرض مجرداً عن الامتداد العمقي بالمرة أو يتخيل بعد ممتد في جهة الطول فقط مجرداً عن الامتداد العرضي والعمقي.

(مسألة) في أن جميع هذه الأنواع أعراضاً (وتخلف الجوهرية عما يقال في جواب ما هو يعطي عرضيته) فإذا سُئِل عن الخط والسطح والجسم التعليمي والعدد والزمان بما هو أجيب بما ليس فيه الجوهرية. وهذا دليل على عدم جوهرية هذه الكميات وإلا لزم أن يكون معنى الجوهرية موجوداً في الجواب عنها، وقد تقدم تعريف كل واحد منها بما ليس معنى الجوهرية فيه فراجع.

ثم إن المصنف (ره) لما أقام البرهان على عرضية الكم مطلقاً استدل لعرضية كل واحد واحد من أقسام الكم فقال : (والتبدل) في الأبعاد الثلاثة (مع بقاء الحقيقة) الجسمية يفيد عرضية الجسم التعليمي، فإن الشمعة تزول عنها الأبعاد الثلاثة وتتبدل إلى أبعاد غيرها ومع ذلك حقيقتها باقية ولو كانت الأبعاد جوهراً لم يعقل زوالها. (وافتقار التناهي إلى برهان) يدل على عرضية السطح. توضيحه : أن السطح إنما يحصل للجسم بواسطة التناهي إذ لو كان الجسم غير متناهٍ لم يكن له سطح، والتناهي ليس من مقومات الجسم وإلا فلو كان مقوماً للجسم كان ذاتياً له والذاتي لا يحتاج إلى البرهان مع أنّا نرى احتياج إثبات التناهي للجسم إلى البرهان، وإذا لم يكن التناهي مقوماً للجسم فالسطح الحاصل للجسم بسبب التناهي أولى بأن لا يكون مقوماً للجسم.

(وثبوت الكرة الحقيقية) دليل لعرضية الخط، وبيانه : أن الخط غير واجب الثبوت للجسم وما كان كذلك كان عرضاً : أما الصغرى فلأن الكرة لا خط فيها إذ الخط نهاية السطح المستطيل ولا استطالة في سطح الكرة وأما الكبرى فلأنه لو كان جوهراً لكان مقوماً للجسم ولو كان مقوماً لم يعقل جسم بلا خط.

(والافتقار إلى عرض) يدل على عرضية الزمان لأن الزمان في تقومه مفتقر إلى الحركة لأنه مقدار لها والمقدار يفتقر في تقومه إلى المتقدر والحركة عرض والمفتقر إلى العرض عرض (والتقوم) للعدد (به) أي بالعرض الذي هو الآحاد (يعطي عرضية) العدد : أما تقوم العدد بالآحاد فواضح، وأما أن الآحاد عرض فلأنها تتوقف على المحل والمتوقف عليه ليس بجوهر، وأما أن المتقوم بالعرض عرض فلأن الجوهر غير قابل للزوال فلا يمكن قيامه بالعرض القابل له وبهذا كله ثبت عرضية (الجسم التعليمي والسطح والخط والزمان والعدد).

(مسألة) في أنه ليس السطح والخط والنقطة أعداماً (وليست الأطراف) أي طرف الجسم الذي هو السطح وطرف السطح الذي هو الخط وطرف الخط الذي هو النقطة (أعداماً) خلاف لمن قال بذلك (وإن اتصفت) هذه الأطراف (بها) أي بالأعدام (مع نوع) ما (من الإضافة). استدل القائلون بكونها أعداما بأمرين : (الأول) إن الأطراف نهايات والنهاية عدمية. والجواب أن الأطراف ليست نهايات بل أمور معروضة للنهايات. (الثاني) إن السطحين إذا التقيا عند تلاقي الجسمين فإما أن يكون أحدهما ملاقياً للآخر بالأس أم لا، وعلى الأول يلزم التداخل المحال، وعلى الثاني يلزم انقسام السطح عمقاً فما فرضته سطحاً لا عمق له ليس بسطح وهو خلف، وحيث إن كون السطح وجودياً يلزم أحد المحالين فهو ليس بوجودي، وكذا الخطان إذا تلاقيا عند تلاقي السطحين يلزم التداخل على تقدير الملاقات بالأس والانقسام عرضاً على تقدير الملاقات لا بالأس، وكذا النقطتان إذا تلاقيتا عند تلاقي الخطين يلزم إما التداخل أو الانقسام طولاً. والجواب أنّا نختار التداخل في الجميع ولا إشكال في هذا النحو من التداخل، إذ امتناع التداخل إنما هو بحسب الاتصاف بالعظم والصغر فحيث لا اتصاف بهما لا امتناع في التداخل إذ السطحين إنما يتداخلان لا من حيث الطول والعرض والسطح لا حصة له من العظم والصغر من جهة العمق فلا امتناع في تداخل السطحين. واستدل القائلون بكونها وجوديات بأن الأطراف نهايات الجسم والجسم ذو وضع فالأطراف كذلك وإذا كانت الأطراف ذوات أوضاع لا تكون أعداماً لامتناع الإشارة إلى المعدوم، وأما أنها متصفة بالأعدام مع نوع ما من الإضافة فلأن السطح ـ مثلاً ـ يوصف بأن الجسم ينتهي به والانتهاء أمر عدمي يعرض للسطح بالإضافة إلى الجسم ومثله الخط والنقطة.

(مسألة) (والجنس) لهذه الأقسام الخمسة : وهو الكم المطلق (معروض التناهي وعدمه) الذي هو عدم الملكة، فإن التناهي واللاتناهي من العوارض الذاتية للكم الذي هو جنس للكم المتصل والمنفصل بأقسامهما، ويوصف غير الكم بالتناهي واللاتناهي بالعرض. مثلاً : يقال للجسم انه متناهٍ أو غير متناهٍ باعتبار مقداره لا باعتبار ذاته وهكذا. (وهما) أي التناهي وعدمه (اعتباريان) فليس في الخارج تناهٍ مجرد أو لا تناهِ كذلك بل إنما يعقلان عارضين لغيرهما.

(مسألة) (الثاني) من الأعراض التسعة (الكيف ويرسم بقيود عدمية يخصه جملتها بالاجتماع) إذ لا طريق إلى تعريف الأجناس العالية بالحدود لعدم جنس لها وما لا جنس له لا فصل له كما تقدم ولذا يعرفونها بالرسم. ثم لم يجدوا للكيف خاصة شاملة مفيدة لأقل مراتب التعريف الذي هو التمييز عما عداه رسموها بأمور عدمية فقالوا : هو عرض لا يقتضي لذاته قسمة ولا نسبة، فخرج بقولنا : (عرض) الجوهر وبقولنا : (لا يقتضي لذاته قسمة) الكم وبقولنا : (ولا نسبة) سائر الأعراض النسبية. وهناك زيادة على هذا التعريف لبعض الفوائد ضربنا عنها اختصاراً.

(مسألة) (وأقسامه أربعة) : الأول : الكيفيات المحسوسة كالبياض والسواد والحرارة والبرودة والأصوات والخشونة والملامسة والروائح والطعوم. الثاني ـ الكيفيات المختصة بذوات الأنفس كالعلم والجبن والشجاعة والسخاء والبخل والعدالة ونحوها. الثالث : الكيفيات الاستعدادية كالصلابة واللين. الرابع : الكيفيات المختصة بالكميات كالزوجية والفردية والانحناء والاستقامة والموازاة وغيرها وهكذا.

(مسألة) في القسم الأول من الكيف وهو الكيف المحسوس وبدأ به لأنه أظهر الأقسام الأربعة (فالمحسوسات) تنقسم إلى قسمين: (إما انفعاليات) وهي الكيفيات الراسخة كصفرة الذهب وحلاوة العسل وحرارة النار وسميت انفعاليات لانفعال الحواس عنها، (أو انفعالات) وهي الكيفيات غير الراسخة كحمرة الخجل وصفرة الوجل وسميت انفعالات لأنها لسرعة زوالها شديدة الشبه بأن ينفعل.

(مسألة) (وهي مغايرة للأشكال لاختلافها في الحمل) ذهب جمع إلى أن الكيفيات المحسوسة نفس الأشكال. قالوا : إن الأجسام تنتهي إلى أجزاء صغار صلبة مختلفة الأشكال، فالجسم الذي ينتهي إلى أجزاء صغار يحيط بها أربع مثلثات تتفرق العضو فيحس منها الحرارة، والجسم الذي ينتهي إلى أجزاء صغار يحيط بها ست مربعات غليظة الأطراف غير نافذة في العضو فيحس منها البرودة، وما يقطع العضو إلى أجزاء صغار جداً وينفذ فيه هو الخريف، وما يقطعه ولا ينفذ فيه هو الحلو وما ينفصل منه شعاع مفرق للبصر هو الأبيض، وما ينفصل منه شعاع جامع للبصر هو الأسود وهكذا. والجواب أن الأشكال والألوان والطعوم والملموسات مختلفة في المحمول، فالأشكال غير متضادة لأنها من الكم. وقد تقدم عدم التضاد في الكم والألوان متضادة وكذا الطعوم والملموسات، فالحلو والحامض متضاد وكذا الأبيض والأسود والحار والبارد وهكذا، فاختلاف المحمولات دليل على اختلاف الموضوعات.

(مسألة) (و) هذه الكيفيات المحسوسة مغايرة لـ (المزاج لعمومها) خلافاً لجمع حيث ذهبوا إلى أن الكيفيات عبارة عن الأمزجة فحصول المزاج من اختلاط الحار والبارد هي الكيفية الملموسة وحصول المزاج من الحلو والحامض هي الكيفية المذوقة وهكذا. والجواب أن الكيفية أعم من المزاج، فإن البسائط لها كيفيات ولا مزاج لها كالنار ونحوها والعام يغاير الخاص بديهة. نعم كثيراً ما يكون الكيف تابعاً للمزاج.

(مسألة) في البحث عن الملموسات (فمنها) أي من الكيفيات المحسوسة الملموسات، وقدمها المصنف لعموم هذه القوة في غالب البدن وغالب الحيوانات وأنها لا تحتاج إلى توسط شيء بخلاف البصر فإنه يحتاج إلى توسط الضياء واللون والسمع يحتاج إلى توسط الهواء وهكذا. والملموسات على قسمين : الأول ـ (أوائل الملموسات) التي تدرك أولاً وبالذات (وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). الثاني ـ غير الأوائل وهي التي تدرك ثانياً، وإليه أشار بقوله : (والبواقي) من الملموسات (منتسبة إليها) والمراد بها اللطافة والكثافة والخشونة والملاسة واللزوجة والهشاشة والجفاف والبلة والثقل والخفة. وفيه نظر لا يخفى.

(مسألة) في الحرارة (فالحرارة جامعة للمتشاكلات مفرقة للمختلفات) فإن الأجسام لما كانت مركبة من اللطيف والكثيف وكان اللطيف أخف فإذا عملت الحرارة في المركب تصاعدت أجزاؤه اللطيفة وبقيت الكثيفة فإذا صعد الألطف جامع مشاكله وفارق مخالفه، وقد يمثل ذلك بما إذا ســخن الماء فإنه تصعد الأجزاء الهوائية الكائنة فيه فتجتمع مع مثلها وتفترق عن مخالفها.

(مسألة) في البرودة (والبرودة بالعكس) فإنها جامعة للمختلفات مفرقة للمتشاكلات فإنها إذا عملت في المركبات المتخالفة الأجزاء أوجبت تكاثفها والتصاق بعضها ببعض ولذا ينجمد الماء المدخول فيه الهواء بالبرودة فتجمع الهواء والماء المتخالفين وتفرق الهواء من الهواء المتماثلين، وربما قيل إن بياض الثلج هو بسبب أجزاء الهواء المتداخلة فيه.

(مسألة) (وهما) أي الحرارة والبرودة (متضادتان) أي أمران وجوديان بينهما غاية التباعد، خلافاً لمن ذهب إلى أن البرودة عدم الحرارة عما من شأنه أن يكون حاراً فهي عدم ملكة لا وجودية. والجواب أن البرودة محسوسة ولا شيء من العدم بمحسوس.

(مسألة) (وتطلق الحرارة على معانٍ أخر مخالفة للكيفية في الحقيقة). قالوا : الحرارة تطلق على أربعة معانٍ : (الأول) الحرارة المحسوسة في النار. (الثاني) المستفادة من الكواكب كالحرارة الحاصلة من الشمس. (الثالث) الحرارة الحاصلة من الحركة. (الرابع) الحرارة الغريزية الموجودة في بدن الإنسان، وإنما قلنا باختلافها لأن بعضها يفيد الإحراق والطبخ ونحوها وبعضها يفيد توليد النبات ونضج الفواكه ونحوهما وبعضها يفيد الهضم ونحوه وبعضها يفيد الحس والحركة واختلاف اللوازم يدل على اختلاف الملزومات. والظاهر اتحاد الجميع في الحقيقة والاختلاف بالمراتب والمقارن ونحوهما.

(مسألة) (والرطوبة كيفية تقتضي سهولة التشكل) وأشكل بأن ذلك يقتضي رطوبة النار لأنها أسرع تشكلاً. وأجيب بأن سهولة التشكل في النار التي تلينا إنما هي لمخالطة الهواء وأما النار الصرفة فلم يعلم أنها كذلك ـ وفيه تأمل. وربما قيل بأن الرطوبة عبارة عن سهولة الالتصاق والانفعال كما هو المشاهد في الماء. وهذا أقرب إلى العرف والصواب.

(مسألة (واليبوسة بالعكس) فإنها كيفية تقتضي عسر التشكل كالأرض أو تقتضي عسر الالتصاق والانفصال.

(مسألة) (وهما مغايران للين والصلابة) فإن اللين والصلابة من كيفيات الاستعداد فما يقبل الغمر ويكون للشيء قوام غير سيال ينتقل عن وضعه ولا يمتد كثيراً ولا يتفرق بسهولة هو اللين وعكسه الصلابة، فاللين الرطب كالطين المبلل، واللين اليابس كالذهب المذاب، والصلب الرطب كالحجر الرطب، والصلب اليابس كالحجر الجاف. هذا بناءاً على تفسير الرطب باليابس بالمعنى العرفي.

(مسألة) في الثقل والخفة (والثقل كيفية) ملموسة (تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق مركزه على مركز العالم إن كان) ثقل (مطلقاً) مقابل الثقل الإضافي، فإن الحجر إذا لم يكن له عائق ذهب إلى حيث ينطبق مركز ثقله على مركز العالم. والمراد بمراكز الثقل نقطة تتعادل ما على جوانبها في الوزن، مقابل مركز الحجم الذي هو نقطة تتعادل ما على جوانبها في الحجم. مثلاً : إذا صنع كرة نصفها من حديد ونصفها من خشب فمركز حجمه بين الحديد والخشب ومركز ثقله في أواسط الحديد، (والخفة) المطلقة (بالعكس) فهي كيفية ملموسة تقتضي حركة الجسم إلى فوق بحيث ينطبق سطحه على مقعر فلك القمر إن لم يعقه عائق (ويقالان بالإضافة باعتبارين) بمعنى أن لكل من الثقل والخفة معنيين إضافيين، فالثقل الإضافي يقال بمعنيين: (الأول) كيفية يقضي بها الجسم أن يتحرك في أكثر المسافة الممتدة بين المركز والمحيط حركة إلى المركز لكنه لا يبلغ المركز، ومثلوا له بالماء فإنه يطفو على الأرض ويرسب في الهواء. (الثاني) كيفية يقتضي بها الجسم أن يتحرك بحيث إذا قيس إلى الأرض كانت الأرض سابقة إلى المركز، ويمثل له بالخشب الذي إذا قيس إلى الحجر كان الحجر أسبق منه نزولاً. والخفة الإضافة تقال بمعنيين : (الأول) كيفية يقتضي بها الجسم أن يتحرك في أكثر المسافة الممتدة بين المركز والمحيط إلى المحيط لكنه لا يبلغ مقعر القمر، ومثّلوا له بالهواء فإنه يطفو على الأرض ويرسب في النار. (الثاني) كيفية يقتضي بها الجسم أن يتحرك بحيث إذا قيس إلى النار كانت النار سابقة إلى المحيط، كالنار والهواء فإن الأولى تسبق الثاني ـ فتأمل.

(مسلة) لما كان الثقل والخفة من أقسام الميل عقبهما بمباحث الميل مطلقاً فقال : (والميل طبيعي) كميل الحجر للنزول والهواء للصعود، (وقسري) كميل الحجر المرمي به إلى فوق إلى الصعود، (ونفساني) كميل الحيوان إلى الحركة حال إرادته الاختيارية، (وهو) أي الميل (العلة القريبة للحركة) أي سبب قريب يترتب عليه وجود الحركة فالحركة معلولة للميل والميل علة قريبة لها مقابل العلة البعيدة كالآمر الذي يأمر بإسقاط الحجر من السطح، (وباعتباره) أي باعتبار الميل (يصدر عن الثابت) أمر (متغير) يعني أن الحركة لها مراتب متفاوتة في الشدة والضعف، وهذه المراتب المختلفة لا يمكن أن تكــون هذه المراتب معلولة للطبيعة إذ الطبيعة الواحدة لا تصدر عنها أمور مختلفة لامتناع صدور الكثير عن الواحد، فلابد وأن يكون هناك ميل مختلف كامن في الطبيعة باعتبار كل واحد من تلك الميول المختلفة تصدر عن الجسم حركة خاصة، فبسبب الميل الشديد تصدر الحركة الشديدة وباعتبار الميل الضعيف تصدر الحركة الضعيفة.

(مسألة) (ومختلفه) أي مختلف الميل الذاتي كالميل إلى فوق والميل إلى تحت (متضاد) لا يمكن اجتماعهما بخلاف الميلين الفرضيين فإنهما يمكن اجتماعهما كالحلقة التي يجرها إثنان إلى جهتين، وكذلك الميل الذاتي والعرضي كالحجر المرمي إلى فوق فإن ميله الذاتي الهبوط وميله القسري الصعود ويغلب القاهر منهما، فأول الرمي حيث كان العرضي غالباً يصعد ثم الطبيعة والهواء يأخذان في تضعيف الميل القسري إلى أن يعدم أو يكون مغلوباً فيقف آناً ثم يرجع.

(مسألة) (ولولا ثبوته) أي ثبوت الميل الذاتي (لساوى ذو العائق وعادمه) وبيانه ما تقدم في مبحث الخلاء وحاصله : انه لو كان هناك ثلاثة أجسام فالأول لا ميل له لا طبيعي ولا نفساني وتحرك بالقاسر مقدار فرسخ في ساعة، والثاني له ميل مادي وعائق ما تحرك بالقاسر في مقدار فرسخ في ساعتين، والثالث له ميل وعائق بنسبة عدم الميل. والعائق إلى الجسم الثاني الذي فيه ميل وعائق فإنه لابد وأن يتحرك بالقاسر في مقدار الفرسخ في ساعة فيلزم تساوي الجسم الثالث الذي فيه ميل وعائق للجسم الأول الخالي عنهما في أن كلاً منهما تحرك في مقدار الفرسخ في ساعة وهو بديهي الاستحالة، وهذا المحال نشأ من عدم الميل وإلا فلو كان في الجسم ميل لم ينشأ هذا المحال ـ وفيه تأمل.

(مسألة) (و) الميل المصطلح عليه بالاعتماد (عند آخرين) وهم المتكلمون (هو جنس بحسب عدد الجهات) فتحته ستة أنواع الميل إلى فوق وإلى تحت وإلى اليمين وإلى اليسار وإلى الخلف وإلى الأمام (ويتماثل) كميلين إلى السفل مثلاً (ويختلف) كميل إلى فوق وآخر إلى أسفل (باعتبارها) أي باعتبار اختلاف الجهات. (ومنه) أي من الميل (الثقل) عند بعض المتكلمين (وآخرون منهم جعلوه مغايراً) فقالوا : الثقل مغاير للميل إذ الثقل معلول لكثرة الأجزاء وقلته فكلما كثر أجزاء الجسم كان أثقل وكلما قلّ كان أخف. وهو خطأ إذ كثرة الأجزاء علة لكثرة الميل لأن الميل كائن في كل جزء فأثقلية كثير الأجزاء لأكثرية ميله.

(مسألة) (ومنه) أي الميل (لازم) كالميل إلى السفل في الثقيل والميل إلى العلو في الخفيف فإنهما لازمان إذ لا يمكن مفارقة الميل إلى السفل من الأرض وإلى العلو من الهواء (ومفارق) كميل الحجر إلى فوق بالقاسر والهواء في الزق إلى السفل بالقاسر.

(مسألة) (ويفتقر) الميل (إلى محل) فلا يمكن أن يوجد الميل بنفسه بدون كونه في أرض أو هواء أو نحوهما لأن الميل عرض وهو يحتاج إلى محل (لا غير) أي لا يمكن أن يوجد ميل واحد في محلين إذ العرض الواحد لا يقوم إلا بالمحل الواحد.

(مسألة) (وهو مقدور لنا) أي أن الميل مقدور لنا، أما القسري فظاهر لأنّا نرمي الحجر إلى فوق وأما النفساني فأوضح لأنّا نتحرك إلى الجهات المختلفة. نعم الطبيعي ليس مقدوراً لنا كما لا يخفى.

(مسألة) (ويتولد عنه) أي عن الميل (أشياء) ثلاثة (بعضها لذاته من غير شرط) كالأكوان الأربعة ـ أعني الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ـ فإن الحجر يكون ساكناً إذا كان في الأرض وسكونه معلول الميل إذ لولا ميله لم يسكن، ومتحركاً إذا أُلقى من سطح وحركته معلولة للميل إذ لولا ميله لم يتحرك ووقف في الهواء، ومجتمعاً للأرض في الأول، ومفترقاً عن الهواء العالي في الثاني، (وبعضها) لذاته ولكن (بشرط) كالأصوات فإنها تتولد عن الميل الذاتي أو القسري أو النفساني ولكن بشرط المصاكة، فإذا وقع حجر على حجر بالميل الطبيعي أو ضرب بالآخر بالميل القسري وضرب إنسان يده على الأخرى بالميل النفساني حدثت الأصوات (وبعضها لا لذاته) لكن بواسطة كالألم فإنه يتولد عن الاعتماد والميل لكن لا عن ذاته بل عن التفريق للعضو المتولد عن الميل فالميل يفرق والتفريق يؤلم.

(مسألة) في البحث عن المبصرات (ومنها) أي من الكيفيات المحسوسة (أوائل المبصرات) أي المبصر أولاً وبالذات مقابل المبصر ثانياً وبالعرض (وهي اللون والضوء) فهما يدركان بالباصرة أولاً وبالذات، وأما الحجم والبعد والوضع والشكل والتفرق والاتصال والعدد والحركة والملامسة والخشونة والشفيفة والكثافة والظل والظلمة والحسن والقبح والتشابه والاختلاف وغيرها تدرك بواسطتهما (ولكل منهما) أي من اللون والضوء (طرفان) فطرفا اللون السواد والبياض، وطرفا الضوء أقوى الأضواء وأضعفها.

(مسألة) (والأول) أي اللون (حقيقة) خلافاً لمن قال : إن الألوان لا حقيقة لها. قالوا : البياض إنما يتخيل من مخالطة الهواء الأجسام الشفافة المركبة من الأجزاء الصغار كما في زبد الماء، فإذاً تلك الأجزاء أشعة وتراكمت الأشعة المنعكسة من الأجزاء أشبه البياض كما أن الشمس إذا أشرقت على حوض من الماء وانعكس شعاعها إلى جدار غير مستنير يرى ذلك الشعاع كأنه لون بياض، وكذا السواد إنما يحصل من عدم غمور الضوء والهواء في عمق الجسم وما بينهما سائر الألوان. والجواب أن تخيله اللون في بعض الأمكنة لا يستلزم عدم حقيقة له أصلاً إذ الموجبة الجزئية لا تثبت الموجبة الكلية ووجوده من البديهيات. وتفصيل ذلك في المفصلات.

(مسألة) (وطرفاه) أي طرفا اللون (السواد والبياض المتضادان) خلافاً لبعض حيث زعم عدم التضاد بينهما حيث إنهما يجتمعان كما في الغبرة. والجواب انه لون يحصل من تفاعلهما كما أن المرّ يحصل من تفاعل الحلو والحامض، مضافاً إلى أنه لو بقيا بعد المزج يلزم أن يرى الجسم أسوداً أبيضاً في حال واحد وهو مخالف الحس وإن عدم أحدهما أو كليهما كان خلفاً. ثم إنهم ذكروا أن ما عدا البياض والسواد ليس نوعاً قائماً بانفراده بل يحصل من هذين وفيه نظر.

(مسألة) (ويتوقف) اللون (على الثاني) أي الضوء (في الإدراك لا الوجود) يعني أن الألوان موجودة مطلقاً وإنما يتوقف إدراكها على الضوء، خلافاً لمن زعم أنها لا حقيقة لها أصلاً وإنما توجد الألوان بسبب الضوء ففي المحل المظلم لا لون أصلاً لا أن هناك لوناً غير مدرك. نعم الأجسام مستعدة لأن يحصل فيها اللون عند حصول الضوء، واستدلوا لذلك بأنّا لا نرى اللون في الظلمة فذلك إما لعدمه في نفسه أو لوجود العائق عن رؤيته وهو الظلمة إذ لا عائق غيرها، والتالي باطل لأن الظلمة غير مانعة عن الإبصار فإن الجالس في غار مظلم يرى جماعة في خارج الغار إذا أوقدوا ناراً. وردوا بأن عدم الرؤية لانتفاء شرطها وهو الضوء المحيط بالمرئي فإن كان محيطاً بالمرئي رؤى بسائر شرائطه من عدم القرب والبعد المفرطين وغيره وإن كان بينهما ظلمة وإلا لم يرَ وإن كان بينهما نور.

(مسألة) (وهما) أي اللون والضوء (متغايران حساً) فإن الجسم الأبيض إذا أشرقت عليه الشمس شهد الحس بأن هناك لوناً وضوءاً، خلافاً لمن زعم أن الضوء ليس موجوداً أصلاً بل الضوء عبارة عن ظهور اللون، ففي المثال ليس على سطح الجسم إلا لون البياض وإشراق الشمس يفيد ظهور الألوان فقط لا أن هناك نوراً. قالوا : الظهور المطلق هو الضوء، والخفاء المطلق هو الظلمة، والمتوسط بينهما هو الظل، وتتفاوت مراتب الظل بحسب التفاوت بين القرب والبعد من الطرفين. وهذا مخالف للحس كما لا يخفى.

(مسألة) اللون والضوء (قابلان للشدة والضعف) فإن بياض البيض أشد من بياض العاج، ونور الشمس أشد من نور القمر (المتباينان نوعاً) أي بالنوع فإن شديد السواد المخالف لضعيفه إن كان للاختلاف بينهما بالحقيقة والنوع فهو المطلوب وإن كان لأمر خارج لم يكن التفاوت في السوادية وهو خلف. وهذا في قبال مَن قال بأن اختلاف الشديد والضعيف ليس بالنوع بل يحصل الضعيف من اختلاط أجزاء الشديد بالضد. مثلاً : البياض الضعيف عبارة عن مثقال من جوهر البياض اختلط بنصف مثقال من جوهر السواد، والبياض الشديد عبارة عن مثقال من جوهر البياض محضاً، وكذا الضوء الضعيف عبارة عن مقدار مثقال من جوهر الضوء اختلط بنصف مثقال من جوهر الظلمة والضوء الشديد عبارة عن مثقال من جوهر الضوء محضاً. وهذا باطل إذ يلزم منه أن يكون البياض الضعيف سواداً شديداً والضوء الضعيف ظلمة شديدة بمقدار زيادة السواد والظلمة على البياض والضوء.

(مسألة) (ولو كان الثاني) أي الضوء (جسماً لحصل ضد المحسوس) ذهب جماعة إلى أن الضوء أجسام صغار تنفصل من المضيء وتتصل بالمستضيء واستدلوا لذلك بأنه متحرك بالذات وكل متحرك بالذات جسم أما تحركه فظاهر، وأما كونه بالذات فلأن الضوء ينحدر من المضيء بلا واسطة، وأما أن كل متحرك بالذات جسم فلأن العرض لا يتحرك بالذات بل بالعرض. والجواب أن الضوء لا يتحرك بل المضيء سبب معد لحصول الضوء في المقابل فلا يتحرك من جسم إلى جسم، وذلك كالإنسان المقابل للمرآة إذا انتقل من موضعه إلى موضع آخر فإن الصورة لا تنتقل بل بانتقال الشخص في كل مكان تأخذ المرآة صورته في النقطة المقابلة له، مضافاً إلى أن الضوء لو كان جسماً لحصل ضد المحسوس إذ الضوء إذا أشرق على الجسم ظهر وكلما ازداد ظهوره فلو كان جسماً لكان زيادة إشراقه سبباً لزيادة خفائه إذ تراكم الأجسام على الشيء يوجب خفاءه لا ظهوره. والمراد بضد المحسوس ضد الظهور (بل هو عرض قائم بالمحل) المشرق (معد لحصول مثله) أي الضوء (في المقابل) أو ما في حكمه.

(مسألة) (وهو ذاتي) وهو القائم بالمضيء نفسه كالشمس (وعرضي) وهو القائم بالمضيء بغيره كالقمر، ويسمى الأول ضياءاً والثاني نوراً لقوله تعالى : (هو الذي جعل الشمس ضياءاً والقمر نوراً) (وأول) وهو الحاصل من المضيء لذاته كضوء الهواء بالشمس قبل طلوعها (وثانٍ) وهو الحاصل من مقابلة المضيء لغيره كالأرض المقابلة للهواء والهواء مضيء للشمس قبل طلوعها.

(مسألة) (والظلمة عدم الملكة) لأنها عدم الضوء عما من شأنه أن يكون ذا ضوء، وذهب بعض إلى أن الظلمة وجودية تمسكاً بقوله تعالى : (جعل الظلمات والنور) وأجيب بأن جعل عدم الملكة بجعل الملكة كجعل العمى. استدل القائلون بكونها عدم ملكة بأنها لو كانت وجودية لوجد الفرق بين فتح العين في الظلمة وغمضها فعدم الفرق دليل على كونها عدم ملكة. قال العلامة : في هذا نظر فإنه يدل على انتفاء كونها كيفية وجودية مدركة لا على انتفاء كونها وجودية مطلقاً ـ انتهى. ويمكن أن يجاب بأن الظلمة موجودة داخل العين حال الغمض ولهذا لا نجد الفرق فتأمل.