الفهرس

فهرس المبحث الثالث

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

الكيفيات المحسوسة والنفسية والاستعدادية

ومنها المسموعات وهي الأصوات الحاصلة من التموج المعلول للقرع والقلع بشرط المقاومة في الخارج، ويستحيل بقاؤه لوجوب إدراك الهيئة الصورية، ويحصل منه آخر، ويعرض له كيفية متميزة يسمى باعتبارها حرفاً إما مصوت أو صامت متماثل أو مختلف بالذات أو بالعوارض.

وينتظم منها الكلام بأقسامه ولا يعقل غيره ومنها المطعومات التسعة الحادثة من تفاعل الثلاثة في مثلها.

ومنها المشمومات ولا أسماء لأنواعها إلا من حيث الموافقة والمخالفة، والاستعدادات المتوسطة بين طرفي النقيض، والنفسانية حال أو ملكة، ومنها العلم وهو إما تصور أو تصديق جازم مطابق ثابت ولا يحد، ويقتسمان الضرورة والاكتساب بالنظر ولابد فيه من الانطباع في المحل المجرد القابل، وحلول المثال مغاير.

ولا يمكن الاتحاد ويختلف باختلاف المعقول كالحال والاستقبال ولا يعقل إلا مضافاً فيقوى الإشكال باجتماع الصورتين المتماثلتين مع الاتحاد وهو عرض لوجود حدّه فيه وهو فعلي وانفعالي وغيرهما، وضروري أقسامه ومكتسب وواجب وممكن، وهو تابع بمعنى أصالة موازنه في التطابق فزال الدور.

ولابد فيه من الاستعداد إما الضروري فبالحواس وإما الكسبي فبالأول.

وفي اصطلاح يفارق الإدراك مفارقة الجنس النوع، وباصطلاح آخر مفارقة النوعين، وتعلقه على التمام بالعلة يستلزم تعلقه كذلك بالمعلول ومراتبه ثلاثة، وذو السبب إنما يعلم به كلياً والعقل غريزة يلزمها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات، ويطلق على غيره بالاشتراك والاعتقاد يقال لأحد قسميه فيتعاكسان في العموم والخصوص، ويقع فيه التضاد بخلاف العلم، والسهو عدم ملكة العلم وقد يفرق بينه وبين النسيان، والشك تردد الذهن بين الطرفين.

وقد يصح تعلق كل من العلم والاعتقاد بنفسه وبالآخر، فيتغاير الاعتبار لا الصور، والجهل بمعنى يقابلهما وبآخر قسم لأحدهما.

والظن ترجيح أحد الطرفين وهو غير اعتقاد الرجحان ويقبل الشدة والضعف وطرفاه علم وجهل، وكسبي العلم يحصل بالنظر مع سلامة جزئيه ضرورة، ومع فساد أحدهما قد يحصل ضده، وحصول العلم عن الصحيح واجب.

(مسألة) في البحث عن المسموعات (ومنها) أي من الكيفيات المحسوسة (المسموعات وهي الأصوات الحاصلة من التموج المعلول للقرع والقلع) فإنه إذا قرع شيء شيئاً كقرع الحديد للحديد أو قلع شيء من شيء كقلع الكرباس حدث في الهواء تموج شبيه بتموج الماء حين يلقى فيه حجر ونحوه فيحدث في الهواء دوائر من صدم بعد صدم وسكون بعد سكون، وتختلف هذه التموجات حسب اختلاف أسباب القرع والقلع فإذا انتقل هذا التموج إلى الصماخ أدرك الصوت. وهذا إنما استفيد من الحدس الذي هو من مقدمات البرهان لأنّا نجد الصوت مستمراً باستمرار القرع والقلع بواسطة الفم وغيره وينقطع بانقطاعهما، ولكن إنما يحدث الصوت (بشرط المقاومة) بين القارع والمقروع والقالع والمقلوع منه، فإنك لو وضعت كفاً على كف لم يحدث الصوت ولو قلعت قطناً مندوفاً من قطن لم يحدث أيضاً وهذا بديهي.

ثم إن هذه الكيفية المعبر عنها بالصوت إنما تحدث (في الخارج) عن الخارج فإذا وصلت إلى الصماخ أدركت لا أنها تحصل عند الصماخ فقط فلا صوت في الخارج منه خلافاً لمن زعم ذلك. دليلنا : انه لم يوجد إلا في الصماخ لما أدركنا جهة الصوت من القرب والبعد والجهات الست، وكان حال الصوت حال ما إذا جاء شيء ملموس من إحدى الجهات البعيدة أو القريبة ثم لمسناه، فكما أن اللمس لا يدرك الجهات لأنه إنما يحصل حين الملاقاة كذلك لزم أن لا يدرك جهة الصوت ـ فتأمل.

(مسألة) في عدم بقاء الصوت (ويستحيل بقاؤه لوجوب إدراك الهيئة الصورية) خلافاً للكرامية حيث قالوا ببقاء الأصوات، والدليل على عدم بقائها وأنها كالحركة والزمان متصرمة الأجزاء لا يبقى الجزء الأول في زمان الجزء الثاني، وهكذا أن الصوت لو كان باقياً لم يكن إدراك ترتيب النطق أي تقدم الزاي على الياء وهي على الدال ـ في كلمة ـ زيد ـ أولى من إدراك باقي التراكيب الخمسة، لأن المفروض أن جميع التراكيب موجودة في الهواء. وفيه نظر إذ تموج الهواء بكيفية الزاي مقدم على تموجه بكيفية الياء وهكذا فهو كما لو أُلقي في الماء حجر وبعد أخذه في التموج أُلقي حجر آخر وهكذا فإن تموج السابق سابق.

(مسألة) في الصداء (ويحصل منه) أي من هذا الصوت صوت (آخر) لأنه إذا صادم الهواء المتموج الحامل للصوت جسماً كجبل أو جدار رجع الهواء المتموج إلى الخلف فيدرك الصوت مرة ثانية وهو المسمى بالصداء.

(مسألة) في حروف التهجي (ويعرض له) أي للصوت (كيفية متميزة) خاصة (يسمى باعتبارها) أي باعتبار تلك الكيفية (حرفاً) وهي حروف التهجي. والحرف (إما مصوت) وهو حرف المدّ واللين أي الواو والياء والألف وهي ساكنة أبداً (أو صامت) وهي ما عدا الثلاثة من سائر حروف التهجي. وتنقسم الحروف بتقسيم آخر إلى (متماثل) كجيم وجيم ودال ودال (أو مختلف) وهو على قسمين إما مختلف (بالذات) كجيم وحاء (أو بالعوارض) كجيم ساكنة وجيم متحركة أو أحدهما متحرك بحركة والآخر بحركة أخرى.

(مسألة) في الكلام (وينتظم منها) أي من الحروف (الكلام بأقسامه) من التام الخبري والانشائي والناقص التقييدي وغيره والمفرد (ولا يعقل غيره). الأشاعرة ذهبوا إلى أن الكلام على قسمين : لفظي وهو المؤلف من هذه الحروف المسموعة، ونفسي وهو المعنى القائم بالنفس الذي هو مدلول الكلام اللفظي كما قال الشاعر :

إن الكـلام لفي الفؤاد وإنما          جعل اللسان على الفؤاد دليلا

قالوا : وهذا الكلام مغاير للعلم ـ في الإخبار ـ لأن المتكلم قد يخبر بما لا يعلمه بأن علم خلافه أو ظن أو شك أو وهم، ومغاير للإرادة والكراهة وأمثالهما ـ في الإنشاء ـ لأنه قد يأمر بما لا يريد كالمختبر وينهى بما لا يكره كذلك ويسأل عما لا يجهل ويتمنى ما لا يحب وهكذا، ومغاير لتخيل الحروف لأن تخيلها تابع لها ومختلف باختلافها وهذا المعنى لا يختلف ومغاير لسائر الصفات كالحياة والقدرة ونحوهما. والمعتزلة نفوا ذلك ووافقهم المصنف (ره) لأنه ليس في صقع النفس بالوجدان غير هذه الأمور. والكلام طويل فمن أراد التفصيل فليطلبه من مظانه.

(مسألة) في البحث عن المطعومات (ومنها) أي ومن الكيفيات المحسوسة (المطعومات التسعة) التفه والحلاوة والحموضة والملوحة والحوافة والمرارة والعفوصة والقبض والدسومة وهذه التسعة هي (الحادثة من تفاعل الثلاثة) الفعلية أعني الحرارة والبرودة والمعتدلة بينهما (في مثلها) أي الكيفيات الثلاثة الإنفعالية وهي الكثافة واللطافة والمعتدلة بينهما.

قال العلامة (ره) : فإن الحار إن فعل في الكثيف حدثت المرارة، وفي اللطيف الحرافة، وفي المعتدل الملوحة، والبارد إن فعل في الكثيف حدثت العفوصة، وفي اللطيف الحموضة، وفي المعتدل القبض، والمعتدل إن فعل في اللطيف حدثت الدسومة، وفي الكثيف الحلاوة، وفي المعتدل التفاهة ـ انتهى. وأنت خبير بعدم دليل على ذلك مضافاً إلى عدم انحصار الطعوم فيها.

(مسألة) في البحث عن المشمومات (ومنها) أي من الكيفيات المحسوسة (المشمومات ولا أسماء لأنواعها إلا من حيث الموافقة والمخالفة) فيقال رائحة طيبة ورائحة خبيثة، أو من حيث إضافتها إلى المحل فيقال رائحة المسك ورائحة البول، أو من حيث إضافتها إلى ما يقارنه من الطعم فيقال رائحة حلوة ورائحة حامضة.

(مسألة) في البحث عن الكيفيات الاستعدادية (و) القسم الثاني من أقسام الكيف الأربعة (الاستعدادات المتوسطة بين طرفي النقيض) فإن الاستعداد إما شديد نحو الانفعال بمعنى أن الجسم متهيء لقبول أثرٍ ما بسهولة أو سرعة كالممراضية واللين فإن الممراض مستعد لقبول المرض بسرعة واللين مستعد للانغمار والتشكل بسهولة ـ وهذا يسمى اللاقوة ـ وإما شديد اللاانفعال بمعنى أن الجسم متهيء لعدم قبول الأثر الوارد عليه بسرعة وسهولة كالمصحاحية والصلابة. ثم إن بين هذين الطرفين كيفيات استعدادية متوسطة كثيرة فإن هناك صلب وأصلب ولين وألين وهكذا.

(مسألة) في الكيفيات النفسانية (و) القسم الثالث من أقسام الكيف الأربعة الكيفيات (النفسانية) وهي المختصة بذوات الأنفس وهي على قسمين : (حال) وهي الكيفية النفسانية غير الراسخة أي الزائلة بسرعة كمن حفظ شيئاً ولم يداوم عليه حتى يبقى في ذهنه، (أو ملكة) وهي الكيفية الراسخة الثابتة البطيئة الزوال كمن داوم على حفظ شيء حتى صار ملكة.

(مسألة) في العلم (ومنها) أي من الكيفيات النفسانية (العلم وهو إما تصور) وهو على ما عرفوه حصول صورة الشيء في العقل، (أو تصديق) وهو الحكم بنسبة أحد المتصورين إلى الآخر بالإيجاب كزيد قائم أو بالسلب كزيد ليس بقائم، ويشترط في التصديق الجزم فلا يسمى الحكم المظنون تصديقاً والمطابقة للواقع فغير المطابق جهل مركب لا تصديق والثبات لأن غير الثابت وهو الزائل بتشكيك المشكك تقليد لا تصديق وإليه أشار بقوله : (جازم مطابق ثابت) فإن هذا هو العلم دون ما سواه وإن أطلق على بعضها العلم لغة أو عرفاً (و) العلم (لا يحد) لأن العلم إن عرّف بالعلم لزم الدور وإن عرّف بغيره كان تعريفاً بالمبائن مضافاً إلى وضوحه، نعم كنهه مجهول فهو كالوجود الذي قال فيه السبزواري : (مفهومه من أعرف الأشياء* وكنهه في غاية الخفاء) نعم قد يذكر لتوضيحه تعاريف لفظية كما في الوجود.

(مسألة) (ويقتسمان) أي التصور والتصديق، والاقتسام هنا بمعنى القسمة على ما (على ما ورد في) أساس البلاغة (الضرورة) أي الحصول بلا نظر (والاكتساب) أي الحصول (بالنظر) فإن كل واحد من التصور والتصديق إما بديهي لا يحتاج إلى فكر ونظر كتصور الشمس والتصديق بأنها مشرقة وإما كسبي كتصور العقل والتصديق بأنه ليس بمجرد.

(مسألة) في كيفية العلم (ولابد فيه من الانطباع) أي انطباع شبح المعلوم في النفس فانّا نجد من أنفسنا أموراً ثلاثة : (الأول) الإدراك وهو حين الالتفات إلى المعلوم الخارجي كالابصار الفعلي والاستماع الفعلي وهكذا. (الثاني) الخيال وهو بعد الالتفات فإنّا إذا رأينا شيئاً ثم بعد مدة التفتنا إلى أذهاننا رأينا شبحه حاضراً عندنا. (الثالث) القدر الجامع المستفاد من الجزئيات فإنّا نتمكن من تصور الحيوان الكلي مع عدم وجوده في الخارج وفي جميع الصور ينطبع شبح ومثال من المعلوم ولو الخيالي منه كتصور الأشياء المعدومة في العالم وأشكل على الانطباع (أولاً) بأنه لو كان حصول صورة شيء في شيء موجباً لاتصاف المحل بالعلم بالحال لزم أن يكون الجدار الحال فيه السواد عالماً به والتالي باطل فالمقدم مثله، و(ثانياً) بأنه قد يعلم الإنسان بالجبل ونحوه ومن المعلوم عدم إمكان انطباع الكبير في الصغير لوجوب التطابق بين المنطبع والمنطبع فيه أو أكثرية الثاني من حيث المقدار. والجواب أن الصورة تنطبع (في المحل المجرد) والمجرد لا مادة له فلا يتصف بالمقدار (القابل) للإدراك والجدار غير قابل له، ونحن لا ندعي أن انطباع كل شيء في كل شيء موجب لإدراك المحل للحال. ولكن لا يخفى الإشكال في كون العاقل مجرداً فإنه لم يقم دليل على تجرده وإشكال التطابق بين الصغير والكبير غير وارد إذ يمكن أن يكون للمحل العاقل من المخ أو العصب أوراق في كمال الدقة بحيث لو نشرت وسعت ما بين السماء والأرض كما نرى في الشريط وأمثاله من المخترعات الحديثة فتنطبع الصورة في هذا المقدار الكبير.

(مسألة) (وحلول المثال) أي صورة الشيء (مغاير) لحلول ذات الشيء، فلا يلزم أن يحترق الذهن من حلول صورة النار أو يحلو من حلول صورة السكر وهكذا كما وانه يمكن اجتماع صورتي الضدين والنقيضين وإن لم يمكن اجتماع أعيانها.

(مسألة) (ولا يمكن الاتحاد) ذهب بعض إلى أن العلم يتحد بالمعلوم عند العلم، وآخرون إلى أن النفس الناطقة إذا علمت شيئاً اتحدت بالعقل الفعّال، وكلاهما باطل إذ قد تقدم استحالة اتحاد شيئين مطلقاً لأنهما إن بقيا بعد الاتحاد إثنين فلا اتحاد وإن عدما أو عدم أحدهما فلا اتحاد أيضاً، إذ المعدومان لا شيء والمعدوم لا يتحد بالموجود لاستحالة كون الوجود عدماً، نعم ينتزع من بعض الموجودات الأعدام فإن زيداً عدم عمرو مثلاً مضافاً إلى أن العقل الفعال كذب من أصله، على أنه لو اتحدت به لزم أن تدرك كل شيء لأن العقل الفعال ـ على زعمهم ـ كذلك.

(مسألة) (ويختلف) العلم (باختلاف المعقول) فإن العلم بزيد مغاير للعلم بعمرو ولذا يوجد أحدهما بدون الآخر خلافاً لبعض حيث قالوا بجواز تعلق علم واحد بمعلومين، وهو باطل إذ العلم كما تقدم عبارة عن حصول صورة المعلوم عند العالم. ومن المعلوم أن الصورتين لا تكونان صورة واحدة لما تقدم من استحالة الاتحاد، هذا كله في علمنا وأما علم الله تعالى فلا نعلم كيفيتـــه فالبحث فيه خارج عن محط عقولنا كما قال تعالى : (وأن إلى ربك المنتهى) (كالحال والاستقبال) إشارة إلى قول جماعة من المعتزلة حيث قالوا بإمكان وحدة العلم مع تعدد المعلوم، والذي دعاهم إلى ذلك ما رأوا انه لو كان العلم بالحال مغايراً للعلم بالاستقبال لزم التغيير في ذات الواجب والتالي محال فالمقدم مثله. بيان ذلك : انه لو علم الله تعالى بأن زيداً سيوجد ثم وجد فإن كان علمه بالاستقبال عين علمه بالحال ثبت المدعي وإن لم يكن كذلك فلا يخلو إما أن يحصل له العلمان أو لا، والثاني باطل للزوم الجهل تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، والأول مستلزم لتغيير الذات إذ العلم عين الذات فلو نال العلم بالمستقبل وجاء مكانه العلم بالحال لزم تغيير العلم المستلزم لتغيير الذات وهو محال أيضاً. والجواب أن العلم في الباري ليس بالانطباع وتعلق علمه بالمعلوم غير معلوم الكيفية كما يرشد إلى ذلك كونه عين ذاته فيمكن أن يكون مثل الأشياء التي تعبر عن الكرة التي يزعمها الناظر في الغرفة أن لها ماضٍ ومستقبل وحال والناظر في خارجها لا يكون له الأحوال الثلاثة، وأما ما زعمه بعض من أن الجزئيات هي بأنفسها علمه تعالى فسخافته كسخافة من زعم انه لا يعلم الجزئيات بل علمه بالكليات غير الزائلة.

(مسألة) (ولا يعقل) العلم (إلا مضافاً) إلى المعلوم فإن الكيفيات النفسية على قسمين : بعضها ذات إضافة كالعلم حتى انه لا يعقل إلا مضافاً، وبعضها غير ذات إضافة كالجبن ونحوه بل زعم بعض أن العلم نفس الإضافة (فيقوى الإشكال باجتماع الصورتين المتماثلتين مع الاتحاد). والحاصل انه يلزم من كون العلم مضافاً إشكالان : (الأول) ان الشخص إذا عقل نفسه يتحد العالم والمعلوم فيجتمع صورتان متماثلتان مع أن اجتماع المثلين محال. (الثاني) إن العلم كما قلتم ذو إضافة والإضافة لا تعقل إلا بين شيئين لا بين الشيء الواحد ونفسه فكيف يمكن علم الشيء بذاته، والجواب: أما عن الإشكال الأول بأنه لا مانع من اجتماع الأصل والصورة وليس هذا من اجتماع الضدين كما نرى من اجتماع المرآة وصورتها فيما لو أخذت بمرآة أخرى ثم انعكست إلى المرآة الأولى، وأما عن الإشكال الثاني بأنه يكفي في تحقق الاثنينية اختلاف الاعتبار، ومن المعلوم أن العاقل من حيث انه عاقل مغاير للعاقل من حيث إنه معقول.

(مسألة) في أن العلم عرض (وهو عرض لوجود حده فيه) أي أن العلم عرض لا جوهر لصدق تعريف العرض عليه إذ الصورة الذهنية ماهية إذا وجدت وجدت في الأعيان لا في الموضوع، وذهب بعض إلى أن العلم بالجوهر جوهر لصدق حد الجوهر عليه لأنه مهية إذا وجدت في الخارج وجدت لا في الموضوع، وفيه أنه مغالطة إذ الكلام في الصورة لا في ذي الصورة، هذا كله بناءاً على أن العلم صورة وأما بناءاً على أنه إضافة فلا إشكال في أنه عرض.

(مسألة) في أقسام العلم (وهو) إما (فعلي) وهو المحصل للأشياء الخارجية كما إذا تصورت شيئاً ففعلية (و) إما (انفعالي) وهو المستفاد من الأعيان الخارجية كعلمنا بالأشياء (و) إما (غيرهما) كعلمنا بالأشياء المستقبلة التي لا نوجدها (وضروري أقسامه ستة ومكتسب) أي أن العلم ينقسم بتقسيم آخر إلى كسبي يحتاج إلى نظر وفكر وضروري لا يحتاج إليهما كما تقدم ثم إن أقسام الضروري ستة، قال المولى عبد الله : ووجه الضبط أن القضايا البديهية إما أن يكون تصور طرفيها كافياً في الحكم والجزم أو لا يكون والأول هو (الأوليات)، والثاني إما أن يتوقف على واسطة غير الحس الظاهر والباطن أو لا، والثاني (المشاهدات) وينقسم إلى مشاهدات بالحس الظاهر وتسمى حسيات وإلى مشاهدات بالحس الباطن وتسمى وجدانيات، والأول إما أن يكون تلك الواسطة بحيث لا تغيب عن الذهن عند تصور الأطراف أو لا تكون كذلك والأول هي (الفطريات) ويسمى قضايا قياساتها معها.

والثاني إما أن يستعمل فيه الحدس ـ وهو انتقال الذهن الدفعي من المبادئ إلى المطلب ـ، أو لا يستعمل فيه، فالأول هو (الحدسيات) والثاني إن كان الحكم فيه حاصلاً بإخبار جماعة ممتنع عند العقل تواطئهم على الكذب فهي (المتواترات) وإن لم يكن كذلك بل حاصلاً من كثرة التجارب وهي (التجريبيات) وقد علم بذلك حد كل واحد منها ـ انتهى. فالأوليات كقولنا : الكل أعظم من الجزء، والمشاهدات الحسية كالشمس مشرقة، والوجدانية كأن لنا جوعاً، والفطريات كقولنا : الأربعة زوج، فإن الحكم بذلك بواسطة انقسامها إلى المتساويين الذي لا يغيب عن الذهن، والحدسيات كقولنا : نور القمر مستفاد من نور الشمس، لاختلاف تشكلاته، والمتواترات كقولنا : مكة المكرمة موجودة لمن لم يذهب إليها، والتجريبيات كقولنا : السقمونيا مسهل للصفراء. ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى مظانه كجوهر النضيد وغيره (و) ينقسم العلم بتقسيم آخر إلى (واجب) أي ممتنع الإنفكاك عن العالم كعلم الباري سبحانه (و) إلى (ممكن) كعلومنا.

(مسألة) في أن العلم تابع للمعلوم ومعنى ذلك (وهو) أي العلم (تابع) للمعلوم (بمعنى أصالة موازنه في التطابق) أي أن موازن العلم وهو المعلوم أصل والعلم فرع. بيان ذلك أن العلم وإن كان سابقاً على المعلوم في بعض الموارد إلا أن العقل إذا تصورهما رأى أن المعلوم هو الأصل بحيث لولا كونه في موطنه ولو بعد حين لم يتعلق العلم به من حيث السالبة بانتفاء الموضوع (فزال الدور) قال القوشجي ـ إشارة إلى مبحث بين المعتزلة والأشاعرة ـ : وذلك إلى أن الأشاعرة لما استدلوا على كون أفعال العباد اضطرارية بأن الله تعالى عالم في الأزل بصدورها عنهم فيستحيل انفكاكهم عنها لامتناع خلاف ما علمه الله تعالى فكانت لازمة لهم فلا تكون اختيارية. وأجابت المعتزلة : بأن العلم تابع للمعلوم فلا يكون علة له. وقالت الأشاعرة : كيف يجوز أن يكون علمه الأزلي تابعاً لما هو متأخر عنه فإنه يستلزم الدور. أجابوا عنه : بأنّا لا نعني بالتابعية ههنا التأخر حتى يلزم الدور بل نعني أصالة موازنه في التطابق. بيان ذلك : أن كل واحد من العلم والمعلوم موازن للآخر لأنهما متطابقان فكان كل واحد منهما موازن بالآخر فتوازنا : أي توافقا في الوزن والأصل في هذا التطابق هو المعلوم لأن العلم حكاية عن المعلوم ومثال له فنسبته إليه كنسبة صورة الفرس المنقوشة على الجدار إلى ذات الفرس، فكما يصح أن يقال : إنما كانت الصورة هكذا لأن ذات الفرس هكذا، ولا يصح أن يقال: إنما كان ذات الفرس هكذا لأن الصورة هكذا، كذلك يصح أن يقال : إنما علمت زيداً شريراً لأنه كان في نفسه شريراً، ولا يصح أن يقال : كان زيد في نفسه شريراً لأني علمته شريراً، فالله سبحانه إنما علمهم في الأزل كذلك لأنهم كانوا فيما لا يزال كذلك لا أن الأمر بالعكس حتى يتم دليل الأشاعرة ـ انتهى.

(مسألة) (ولا بد فيه) أي في العلم (من الاستعداد) فإن العلم يفيض على الإنسان من الله سبحانه والإفاضة تابعة للقابلية والاستعداد في القابل فلابد وأن يكون الإنسان قابلاً ومستعداً لذلك (أما) العلم (الضروري) كالمدرك بالحواس الخمس ونحوها (فبالحواس) أي أن استعداداتها باستعمال الحواس الظاهرة وهي معدة للعلم إذ لولا استعمالها لم يحصل العلم الضروري فإن كل حاسة سبب معد لقسم من العلوم، فالبصر سبب معد للعلم بالمبصرات، والسمع للعلم بالمسموعات وهكذا، ولذا كان المحكى عن أبي علي أنه قال : من فقد حساً فقدْ فقدَ علماً (وأما الكسبي) من العلوم (فبالأول) أي أنها حاصلة من الضروريات فإنه إذا أحس بجزئيات نوع ما وتوجه إلى مقايسة بعضها إلى بعض استعد لإفاضة العلم بكليها كما أنه إذا أحس بأنواع متعددة مع المقايسة المذكورة استعد للعلم بجنسها وهكذا، وكذلك بالنسبة إلى التصور المجهول فإنه يحصل بالمعرف، والتصديق المجهول فإنه يحصل بالحجة، وأما أن العلم بالنتيجة هل بالتوليد أو الإعداد أو التوافي ففيه خلاف سيأتي. قال السبزواري :

وهل بـــتوليد أو إعـــــداد ثبت          أو بالـــتوافي عادة الله جرت

وجـــرى عادة خــــــــطأ شديداً          وليست الـــعلية تولـــــــــيداً

وكيف كان فإفاضة العلوم تتدرج من الضعف إلى القوة حسب تفاوت مراتب الاستعدادات المختلفة الحاصلة بعضها عقيب بعض.

(مسألة) في النسبة بين العلم والإدراك (وفي اصطلاح يفارق) العلم (الإدراك مفارقة الجنس النوع) فالجنس هو الإدراك والنوع هو العلم (وباصطلاح آخر مفارقة النوعين) فكل من العلم والإدراك نوع تحت جنس هو الإدراك مطلقاً. والحاصل أن في الإدراك اصطلاحين : (الأول) أن يكون بمعنى الإدراك المطلق الأعم من الجزئي كإدراك الكون بالبصر، وهكذا، والكلي كالعلم بالكليات، وبهذا المعنى يكون الإدراك أعم من العلم.

(الثاني) أن يكون بمعنى الإحساس فقط. وبهذا المعنى يكون مبايناً للعلم.

(مسألة) (وتعلقه) أي العلم (على التمام بالعلة يستلزم تعلقه كذلك) على التمام (بالمعلول) فإنّا إذا علمنا العلة بذاتها وماهيتها ولوازمها وملزوماتها وعوارضها ومعروضاتها مفصلاً تعلق علمنا بالمعلول كاملاً إذ المعلول من لوازم العلة وقد فرض علمنا بلوازمها، أما لو لم نعلم إلا ذات العلة بما أنها ذات من الذوات أو علمنا العلة بما هي علة في الجملة فلا يلزم علمنا بالمعلول.

أما في الصورة الأولى فلا علم بالمعلول أصلاً، وأما في الصورة الثانية فالعلم بالمعلول مجمل.

(مسألة) (ومراتبه) أي العلم (ثلاثة) : (الأولى) أن يكون بالقوة المحضة وهذا هو الاستعداد، وإنما سمي علماً ـ مع أنه ليس بعلم ـ تجوزاً، وهذه المرتبة إما قريبة من الفعل كما في العقل بالفعل وإما بعيدة كما في العقل الهيولائي، وقد تكون متوسطة كما في العقل بالملكة. (الثانية) أن يكون بالفعل التام، وهو أن يعلم الأشياء تفصيلاً متمايزاً بعضها عن بعض. (الثالثة) العلم الإجمالي وهذه متوسطة بين الأولين لا قوة محضة ولا تفصيلي، وذلك كمن غفل عن شيء فإنه يمكنه حضوره عند الإرادة. وبهذا يفرق العلم الإجمالي في هذا الاصطلاح عن العلم الإجمالي في اصطلاح الأصوليين، إذ هذا عبارة عمن علم ثم غفل وذاك عبارة عن علم تفصيلي وجهل تفصيلي إنضمّا وصارا سبباً للترديد، كالعلم الإجمالي بأن النجس إما هذا الماء أو ذاك فإنه علم تفصيلي بالنجس في البين وجهل تفصيلي بعينه.

(مسألة) (وذو السبب) أي المعلول (إنما يعلم به كلياً) في هذا إشارة إلى أمرين : (الأول) إن العلم بشيء ذا سبب لا يمكن إلا بعد العلم بسببه، إذ الشيء ذو السبب ممكن فإذا نظر إليه من حيث هو مع قطع النظر عن سببه امتنع الجزم برجحان أحد طرفيه على الآخر، وإنما يحكم بأحدهما إذا عقل وجود السبب أو عدمه. لا يقال : قد يعلم الشيء ذا السبب بإحساس ونحوه فلا يتوقف العلم به على العلم بسببه. لأنّا نقول : ما تقدم إنما هو فيما لم يعلم به علماً ضرورياً فإنه يحتاج العلم به إلى العلم بسببه، أما ما كان ضرورياً كالمحسوس فلا. (الثاني) إن العلم بذي السبب ليس علماً به جزئياً بل إنما هو علم كلي، فلو علمنا أن النار علة للإحراق كان علمنا بالإحراق الكلي لا الجزئي، لأن نفس تصور الإحراق لا يمنع عن وقوع الشركة، وكذلك علمنا بصدوره عن النار لا يمنع الشركة. وسرّه أن الشيء ما لم يجد لم يتشخص إذ تقييد الكلي بألف كلي لا يوجد الجزئية إذ لا يرتفع احتمال الشركة.

(مسألة) في العقل (والعقل غريزة) أي طبيعة جبل عليها الإنسان (يلزمها العلم بالضروريات) الستة : الأوليات والمشاهدات والتجريبيات والحدسيات والمتواترات والفطريات (عند سلامة الآلات) أي الحواس الظاهرة والباطنة، إذ عند اختلالها لا يلزم العلم بالضروريات بل قد يقطع بخلافها كالأحول يرى الواحد إثنين. وهذا التعريف للعقل هو الذي اختاره المحققون وقال قوم : (انه العلم ببعض الضروريات) وآخرون (إنه العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات) ولكن العقل في الشرع قد يعرف بأنه (ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان). ويظهر من بعض الأدلة الدالة على أنه حجة باطنية أن المراد به المعنى العرفي ـ فتأمل.

(مسألة) (ويطلق) العقل (على غيره) أي غير هذا المعنى المتقدم (بالإشتراك) فالعقل في الإصطلاح مشترك بين الغريزة المذكورة وبين الموجود المجرد في ذاته وفعله المقابل للنفس التي هي مجردة في ذاتها لا فعلها. وقد تقدم الكلام عنهما وانه لم يثبت مجرد سوى الله سبحانه. وبين النفس باعتبار استكمالها واستفاضتها عما فوقها وتكميلها للبدن، وبين قوى النفس وتلك القوى إما علمية وإما عملية فالعلمية وتسمى بالعقل النظري لها مراتب أربع لأنها إما كمال وإما استعداد نحو الكمال قريب أو متوسط أو بعيد : (الأولى) البعيد ويسمى عقلاً هيولائياً وهو محض قابلية النفس للادراكات. (الثانية) المتوسط ويسمى عقلاً بالملكة وهو استعداد النفس لتحصيل النظريات بعد حصول الضروريات لها. (الثالثة) القريب ويسمى عقلاً بالفعل وهو اقتدار النفس على استحضار النظريات متى شاء لكونها مكتسبة مخزونة عنده. (الرابعة) الكمال ويسمى عقلاً مستفاداً وهو حصول تلك النظريات بالفعل. ولا يخفى أن هذه الأسماء قد تطلق على النفس في تلك المراتب وقد تطلق على قوى النفس كما أشرنا إليه. وأما العقل العملي فله مراتب أربع أيضاً (الأولى) تهذيب الظاهر باستعمال ظواهر الشرع. (الثانية) تهذيب الباطن من الملكات الردية. (الثالثة) ما يحصل له بعد الاتصال بعالم الغيب وهو تحلي النفس بالأمور القدسية. (الرابعة) ما يتجلى لها بعد ذلك من جلال الله تعالى وجماله فترى كل قدرة مضمحلة في جنب قدرته وهكذا. هذا ما ذكره جملة من الحكماء والمتكلمين، ولكن لا يخفى أن طريق السعادة الأبدية التي هي فوق ما يتصور منحصرة في التمسك بذيل الشريعة المطهرة في كل كبيرة وصغيرة (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلَّمهم الكتاب والحكمة)(1).

(مسألة) في الاعتقاد (والاعتقاد يقال لأحد قسميه) أي أحد قسمي العلم وهو التصديق اليقيني إذ العلم منقسم إلى تصور وتصديق، فبهذا الاعتبار بين الاعتقاد والعلم عموم مطلق. وقد يطلق الاعتقاد على مطلق التصديق جازماً كان أم لا، مطابقاً للواقع أم لا، ثابتاً كالمستند إلى البرهان أم لا كالتقليد. (فيتعاكسان في العموم والخصوص) فالعلم أعم من جهة باعتبار شموله للتصور، والاعتقاد أعم من جهة باعتبار شموله لغير المطابق الذي هو الجهل المركب. والحاصل أن بين العلم والاعتقاد بحسب الاصطلاحين عموماً من وجه، إذ بعض العلم اعتقاد كالتصديق المطابق الجازم الثابت وبعضه ليس باعتقاد كالتصور وبعض الاعتقاد ليس بعلم كالجهل المركب. ثم إن الظاهر أن الاعتقاد أخذ فيه معنى عقد القلب والبناء، ولذا لا يصح أن يطلق على الجاحد انه معتقد مع أنه كفر مع استيقان نفسه ـ فتأمل.

(مسألة) (ويقع فيه) أي في الاعتقاد (التضاد) فإن معتقد الإيجاب يضاد اعتقاده اعتقاد معتقد السلب (بخلاف العلم) فإنه لا يقع فيه التضاد إذ العلم عبارة عن المطابق للواقع، ومن المعلوم أن الواقع لا تضاد فيه.

(مسألة) في السهو والنسيان (والسهو عدم ملكة العلم وقد يفرق بينه وبين النسيان) السهو حالة متوسطة بين الإدراك والنسيان إذ الإدراك عبارة عن حضور المدرك عند النفس، والنسيان عبارة عن زواله عنها، والسهو عبارة عن زواله عن القوة المدركة مع بقائه في القوة الحافظة على ما قالوا والله العالم.

(مسألة) (والشك تردد الذهن بين الطرفين) أي طرفي التقابل كالشك في الوجود والعدم ووجود اللحية وعدمها والأبوة والبنوة والسواد والبياض، ويشترط فيه أن لا يترجح أحد الطرفين ولو مقدار شعرة وإلا كان الراجح الظن والمرجوح الوهم.

(مسألة) (وقد يصح تعلق كل من العلم والاعتقاد بنفسه وبالآخر) فإن العلم كما يصح تعلقه بكل شيء كذلك يصح تعلقه بنفسه بأن نعلم أنّا عالم بالشيء الفلاني، وهذا مقابل الجهل المركب. وكذلك يصح تعلقه بالاعتقاد بأن نعلم أنّا نعتقد برسالة محمد بن عبد الله (ص) مثلاً، وهكذا بالنسبة إلى الاعتقاد فيصح تعلق الاعتقاد بنفسه بأن نعتقد أنّا نعتقد نبوّته مثلاً، ويصح تعلقه بالعلم بأن نعتقد بأنّا عالم بقيام زيد (فيتغاير الاعتبار لا الصور) بمعنى أنّا إذا حصل لنا تصور أو تصديق وأردنا أن نتصور ذلك التصور أو التصديق يكفي لنا في ذلك حضور هذا التصور أو التصديق عندنا ولا حاجة إلى حضور صورة ذهنية أخرى. نعم يتغاير الاعتبار فإن العلم باعتبار كونه علماً منظور به وهو مأخوذ آلياً وباعتبار كونه معلوماً منظور منه وهو مأخوذ استقلالياً.

(مسألة) في الجهل (والجهل بمعنى يقابلهما وبآخر قسم لأحدهما) الجهل على قسمين : (الأول) الجهل البسيط وهو عدم العلم عما من شأنه أن يكون عالماً، وبهذا المعنى يقابل العلم والاعتقاد مقابلة العدم للملكة، وإنما سمي بسيطاً لأنه جهل واحد. (الثاني) الجهل المركب وهو جهل بالواقع مع الجهل بأنه جاهل به كمن يعلم أن زيداً في الدار والحال انه ليس فيها، وإنما سمي مركباً لأنه جهلان جهل بالواقع وجهل بالجهل. ومن المعلول أن الجهل بهذا المعنى قسم من الاعتقاد بالمعنى الأعم كما تقدم.

(مسألة) في الظن (والظن ترجيح أحد الطرفين) أي طرفي المقابلين من التضاد والسلب والإيجاب والعدم والملكة والمتضائف، ولا اختصاص له بالسلب والإيجاب كما في كلام بعض (وهو غير اعتقاد الرجحان) بداهة المغايرة بينه وبين رجحان الاعتقاد، مثلاً : إذا كان الراجح في نظره نبوة خاتم النبيين (ص) مع عدم المنع من النقيض كان هذا الظن، ولو اعتقد أنه (ص) أفضل من سائر الأنبياء كان هذا الاعتقاد الرجحان، (ويقبل) الظن (الشدة والضعف) فإن بعض الظنون أقوى من بعض ويتدرج القوة من بعد مرتبة الشك إلى أول مراتب العلم (و) لذا قال : (طرفاه علم وجهل) فإن المراد بالجهل هنا أعم من الشك كما لا يخفى.

(مسألة) (وكسبي العلم يحصل بالنظر) وهو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى المجهول (مع سلامة جزئيه) أي الجزء الصوري وهو صحة شكل القياس في التصديقات وصحة الترتيب في التصورات، والجزء المادي وهو أن يكون من البرهانيات ونحوها في التصديقات لا نحو الشعر والخطابة وكون الفصل القريب أو الخاصة معرفاً في التصورات (ضرورة) يعني أن مع سلامة الجزء الصوري والمادي يحصل المجهول ضرورة خلافاً لجماعة من السوفسطائية، ولو احتاج مثل هذا إلى الاستدلال احتاج كل ضروري إليه وهو مستلزم للدور أو التسلسل كما لا يخفى.

(مسألة) (ومع فساد أحدهما) أي الجزء المادي أو الجزء الصوري (قد يحصل ضده) أي ضد العلم بمعنى انه ينتج شيئاً مخالفاً للواقع الذي هو الجهل نحو (كل إنسان حجر وكل حجر جماد فكل إنسان جماد) وقد يحصل العلم أي تكون النتيجة مطابقة للواقع نحو (كل إنسان حجر وكل حجر ناطق فكل إنسان ناطق) وقد لا يحصل شيء أصلاً نحو (كل إنسان حيوان وبعض الحيوان صاهل) فإنه لا ينتج أصلاً لعدم كونه على طبق أحد الأشكال الأربعة.

(مسألة) (وحصول العلم عن) النظر (الصحيح) مادة وهيئة (واجب) اختلفوا في كيفية حصول النتيجة بعد النظر بعد الاتفاق على ضرورية هذا الحصول على ثلاثة أقوال : (الأول) ما ذهب إليه الأشاعرة من أن ذلك بجريان عادة الله تعالى، إذ الممكنات بأسرها مستندة إليه تعالى فليس للمقدمتين مدخلية في حصول النتيجة أصلاً، وهكذا قالوا في كل ما يرى سبباً ومسببــاً فالإحراق يحصل بإيجاد الله تعالى له بعد وجود النار بلا مدخلية لها في حصوله أصلاً. وهذا باطل إذ سيأتي أن كل الأشياء ليست مخلوقة لله تعالى. (الثاني) ما ذهب إليه المعتزلة من أن حصول النتيجة إنما هو فعل توليدي يصدر عنا، بناءاً على أن الأفعال الاختيارية صادرة عن الشخص إما بمباشرة إن لم يكن صدورها عنا بتوسط فعل آخر منا وإما بتوليد إن كان بالتوسط كالإحراق الحاصل عنا بتوسط الإلقاء في النار، وهذا هو ما أشار إليه المصنف. (الثالث) ما ذهب إليه بعض الحكماء مبنياً على أصلهم الفاسد من أن المبدأ الفياض لوجود الحوادث فاعل الجبر وأن فيضانها منه موقوف على الاستعداد التام، ولا شك أن العلم الحاصل عقيب النظر أمر حادث فيندرج في تلك القاعدة وهذا باطل أيضاً كما لا يخفى.

 

1 ـ قال بعض الوعاظ : (تلاوة للأبيات) عبارة عن توجيههم نحو آياته تعالى حتى يؤمنوا، و(التزكية) عبارة عن المساعدة معهم حتى يطبقوا الأمور العقلائية على أنفسهم، و(تعليم الكتاب والحكمة) عبارة عن تعليم قوانين العلم الدنيوية والأخروية.