الفهرس

فهرس المبحث الثالث

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

في وجوب النظر والقياس

ولا حاجة إلى المعلم، نعم لابد من الجزء الصوري وشرطه عدم الغاية وضدها وحضورها، ولوجوب ما يتوقف عليه العقليان وانتفاء ضد المطلوب على تقدير ثبوته كان التكليف به عقلياً.

وملزوم العلم دليل والظن امارة، وبسائطه عقلية ومركبة لاستحالة الدور وقد يفيد اللفظي القطع، ويجب تأويله عند التعارض وهو قياس وقسيماه، فالقياس اقتراني واستثنائي، فالأول باعتبار الصورة القريبة أربعة.

والبعيدة إثنان، وباعتبارالمادة القريبة خمسة والبعيدة أربعة، والثاني متصل وناتجه أمران.

وكذا غير الحقيقي من المنفصل وفيه ضعف، والأخيران يفيدان الظن وتفاصيل هذه الأشياء مذكورة في غير هذا الفن. والتعقل والتجرد متلازمان.

لاستلزام انقسام المحل انقسام الحال فإن تشابهت عرض الوضع للمجرد وإلا تركب مما لا يتناهى.

ولاستلزام التجرد صحة المعقولية المستلزمة لإمكان المصاحبة.

ومنها القدرة، وتفارق الطبيعة والمزاج بمقارنة الشعور والمغايرة في التابع.

(مسألة) (ولا حاجة إلى المعلم) في حصول المعارف (نعم) لا يكفي في حصولها صرف وجود المقدمات في الذهن غير مرتبة بل (لابد من الجزء الصوري) أعني ترتيبها بالنحو المنتج، إذ لولا الترتيب لحصل العلوم الكسبية لجميع العقلاء ولم يقع خلل لأحد في الاعتقاد. وخالف في عدم الاحتياج إلى المعلم جماعة فقالوا : إن النظر لا يكفي في حصول المعارف. وغاية ما استدل لهم أن ذاته تعالى وأحوالها لكونها مجرداً غائباً عن الحواس لا يوجد مقدمات ضرورية تناسب العلم بذاته وأحوالها حتى يستنتج منها بالنظر فلابد من معلم مؤيد من عند الله تعالى يبين المقدمات المناسبة من التصورات والتصديقات حتى تحصل مادة النظر. واستدل القائلون بعدم الحاجة إلى المعلم بأنه لو احتيج إليه دار أو تسلسل، لأن العلم بالله يتوقف على المعلم والعلم بصدقه إن توقف على معلم آخر تسلسل وإن كفى هذا المعلم دار لأن المعلم بصدقه يتوقف على العلم بتصديق الله له بسبب المعجزة والعلم بتصديق الله يتوقف على العلم بالله. أما التوقف الأول فلأنه المفروض والتوقف الأخير بديهي، وأما التوقف الوسط فلأنه لولا العلم بتصديق الله لم يعلم صدقه أقول : والظاهر أن النزاع بين الطرفين لفظي إذ المشهور القائلون بعدم الاحتياج إلى المعلم مرادهم انه مع النظر بتمام المقدمات الصحيحة مادة وهيئة لو حصل لم يحتج إلى المعلم وهذا بديهي، والقائلون بالاحتياج إليه يقولون بأنه لا يحصل النظر بمقدمات صحيحة مع تسليمهم انه لو فرض حصوله كفى فتأمل. وأما أدلة الطرفين فمخدوشة كما لا يخفى.

(مسألة) (وشرطه) أي شرط النظر أمور ثلاثة : الأول ـ (عدم) العلم بالمطلوب الذي هو (الغاية) للنظر، إذ لو كان المطلوب حاصلاً كان النظر لأجل تحصيله تحصيلاً للحاصل، (و) الثاني ـ عدم حصول (ضدها) في الذهن فإن ضد الغاية الذي هو الجهل المركب لو كان حاصلاً في الذهن كان الشخص معتقداً لحصول العلم له فلا ينظر حتى يحصل العلم، (و) الثالث ـ (حضورها) أي حضور الغاية التي هي المطلوب في الذهن بمعنى أن لا يكون غافلاً عن النتيجة إذ الغافل عن الشيء لا يطلبه.

(مسألة) في أن وجوب النظر عقلي لا سمعي وإليه أشار بقوله : (ولوجوب ما يتوقف عليه العقليان) أي لوجوب المعرفة التي يتوقف عليها أمران عقليان : (الأول) شكر المنعم، (الثاني) دفع الخوف عن النفس (وانتفاء ضد المطلوب على تقدير ثبوته) المطلوب هو كون المعرفة واجبة عقلاً، وضد هذا المطلوب هو كونها واجبة سمعاً. والمعنى انه على تقدير ثبوت كون الوجوب سمعياً يلزم عدم الوجوب (كان التكليف به) أي بالنظر (عقلياً) والحاصل أن وجوب النظر عقلي لا سمعي. والدليل على ذلك أمران : (الأول) ما يثبت كونه عقلياً وإليه أشار بقوله : (ولوجوب) إلخ، (الثاني) ما يثبت انه ليس بسمعي فيثبت انه عقلي من باب قياس الخلف الذي هو إثبات المطلوب وإبطال نقيضه وإليه أشار بقوله : (وانتفاء) الخ.

أما الأول فلأن شكر المنعم ودفع الخوف عن النفس واجبان عقلاً وهما يتوقفان على معرفة الله تعالى والمعرفة متوقفة على النظر، فالنظر مما يتوقف عليه الواجب العقلي وكل ما يتوقف عليه الواجب العقلي واجب عقلاً، فهنا أربع مقدمات:

(الأولى) ـ وجوب شكر المنعم ودفع الخوف، أما شكر المنعم فيدل على وجوبه انه لولا الشكر لخيف زوال النعم فالعقل يلزم الشكر لئلا تزول. إن قلت : العقل لا يلزم لأنه يرى عدم الزوال عن الكفار والدهريين غير الشاكرين. قلت : لا نقول باحتمال الزوال في الدنيا بل يكفي الخوف في الآخرة، واحتمال وجود آخرة كافٍ في المطلوب، فلا يقال : إن الآخرة للكافر مشكوكة. أما دفع الخوف فلأنه يحتمل توجه الضرر مع عدم المعرفة وهذا الاحتمال موجب لقلق النفس فالعقل يلزم بدفعه. ومن المعلوم أن دفع الخوف غير خوف زوال النعم إذ الأول خوف سلب النفع والثاني خوف توجه الضرر.

(الثانية) ـ توقف الشكر ودفع الخوف على المعرفة، أما توقف الشكر فلأنه يلزم أن يعرف المشكور حتى يؤتى بالشكر الملائم له، مثلاً : الشكر الملائم للعالم إعطاؤه الكتاب والسؤال عنه، والشكر الملائم للجاهل ليس ذاك إذ اعطاؤه الكتاب لغو والسؤال منه إيذاء وتفضيح له، وعلى هذا فيلزم أن يعرف المشكور حتى يعرف كيفية الشكر له. وأما توقف دفع الخوف فلما تقدم في المقدمة الأولى.

(الثالثة) ـ توقف معرفة الله على النظر. وذلك واضح فإن أصل احتياج العالم إلى المحدث في الجملة ـ وإن كان بديهياً على المختار ـ إلا أن الخصوصيات الزائدة متوقفة قطعاً.

(الرابعة) ما يتوقف الواجب المطلق عليه فهو واجب. وهذا وإن كان محل الكلام بالنسبة إلى الوجوب الشرعي وأما الواجب العقلي فلا إشكال فيه إذ العقل يلزم تحصيل ما يتوقف عليه الواجب العقلي إذ لولا تحصيله مع بقاء الوجوب على وجوبه ـ كما هو المفروض ـ لم يحصل ذو المقدمة، فتترتب المحاذير التي فرضها العقل كما لا يخفى. هذا تمام الكلام في الأمر الأول وهو إثبات كون وجوب النظر عقلياً.

وأما الأمر الثاني وهو عدم كونه سمعياً فنقول : ذهبت الأشاعرة إلى كون الوجوب سمعياً، واستدلوا بأمرين : (الأول) ـ قوله تعالى : (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) دل على عدم التعذيب بدون بعث الرسول، وهو ظاهر في الرسول الخارجي لا الأعم من الداخلي الذي هو العقل والخارجي، وكذا قوله تعالى : (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) أي أن إهلاكنا المتضمن لسلب النفع وإيجاب الضرر متوقف على أمرنا بالطاعات ثم يفسقون فنهلكهم فلا هلاك بدون الأمر والنهي المتوقفين على الرسول. وفيه انه هذا الدليل يثبت أن بعد إرسال الرسول يكون التعذيب، والكلام ليس في ذلك بل في أن قبل معلومية أن المدعي رسول هل يجب النظر أم لا؟ وإلى هذا يرجع ما ذكروه من أنه لو لم يجب النظر يلزم إفحام الأنبياء، إذ إذا جاء النبي وادعى النبوة لم يلزم على المكلف الذهاب والنظر في دليله وبرهانه لا عقلاً، لفرض أن النظر ليس بواجب عقلاً ولا سمعاً لفرض أن الوجوب السمعي يتوقف على النبي وهو غير معلوم للمكلف فعلاً.

(الثاني) ـ من أدلة الأشاعرة أنه لو وجب النظر عقلاً فذلك إما لفائدة عاجلة والمفروض خلافها لأنه موجب لترك العادات والعرفيات والشهوات ومشقة النفس بالتكاليف، وإما لفائدة آجلة ومن الممكن حصولها تفضلاً بدون اتباع الرسول. وفيه أن الفائدة عاجلة وهي زوال الخوف والاضطرابات التي تحصل بدون الرسول كما في زمان الجاهلية، وآجلة وهي الثواب الذي لا يمكن الابتداء به في الحكمة.

(تنبيه) قد ورد في جملة من الروايات ما يدل على أنه ليس لله على خلقه أن يعرفوه بل التعريف على الله ثم على الخلق القبول كما في الكافي عن أبي عبد الله (ع) قال : ليس لله على خلقه أن يعرفوه وللخلق على الله أن يعرفهم ولله على الخلق إذا عرفهم ان يقبلوا. وعنه (ع) أيضاً : ليس على الخلق أن يعرفوا قبل أن يعرفهم وللخلق على الله أن يعرفهم ولله على الخلق إذا عرفهم ان يقبلوا… إلى غير ذلك، ولكن لا يعارض ما ذكرنا من وجوب المعرفة عقلاً، مضافاً إلى لزوم توجيهها بما لا ينافي ما ورد عنهم (ع) من درك العقول له تعالى بالمصنوعات كقول أمير المؤمنين (ع) : بشهادة العقول ان كل من حلته الصفات فهو مصنوع وشهادة العقول انه جل جلاله صانع ليس بمصنوع. بصنع الله يستدل عليه وبالعقول يعتقد معرفته وبالفكر تثبت حجته ـ الخطبة.

(مسألة) (وملزوم العلم دليل و) ملزوم (الظن امارة) أي ان المقدمات التي تتعلق بها النظر إما تلزم العلم بالمطلوب فهي ملزومة للعلم أي أن العلم لازم لها، وحينئذ تسمى تلك المقدمات دليلاً. وإما تلزم الظن بالمطلوب فهي ملزومة للظن أي أن الظن لازم لها، وحينئذ تسمى تلك المقدمات امارة.

(مسألة) (وبسائطه) أي كل واحدة من المقدمات التي تتألف منه القياس الذي يلزم العلم أو الظن (عقلية) محضة كقولهم: (العالم متغير وكل متغير حادث) (ومركبة) من العقلية والنقلية كقولهم : (الوضوء عمل ولا عمل إلا بالنية) لقوله (ص) : (إنما الأعمال بالنيات) ولا يمكن أن تكون المقدمات نقلية محضة (لاستحالة الدور) اللازم من كونها نقلية صرفة، وذلك لأن النقلي المحض ليس بحجة إلا بعد معرفة صدق الرسول فلو كان معرفة صدقه أيضاً سمعية دار. نعم يمكن أن تكون المقدمات القريبة كلها سمعية نحو (صلاة الليل مستحبة وكل مستحب على فعله الثواب).

(مسألة) ذهب جمع إلى أن الدليل النقلي لا يفيد القطع أصلاً لتوقفه على أمور ظنية لعدم العلم بإرادة المتكلم الظاهر من هذه الألفاظ لاحتمال المجاز ونحــوه، والشيء المتوقف على الظن ظني. (و) المصنف (ره) وآخرون على أنه (قد يفيد اللفظي القطع) لأنه كثيراً ما يقطع بدلالة المقدمات اللفظية على معانيها المرادة، وهذا يتضح بالمراجعة إلى العرف. وأما الدليل العقلي فلا خفاء في إفادة القطع واليقين.

(مسألة) لا يعقل تعارض دليلين عقليين حقيقة ولو تعارضا فهو صوري، والواقع أن أحدهما خطأ يلزم التدقيق للإطلاع عليه مادة أو هيئة ولو تعارض نقليان فإن كان أحدهما نص أو أظهر أخذ به وترك ظاهر الآخر وإلا تعارضاً وكان أحدهما خلاف الواقع لامتناع تناقض الأدلة الصادرة من الحكيم. ولو تعارض عقلي ونقلي كقوله تعالى : (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) مع ما دل من العقل على امتناع رؤيته تعالى المؤيد بالنقل أيضاً فحينئذ يسقط ظاهر النقل (ويجب تأويله عند التعارض) ولا يمكن العكس إذ العقلي أصل للنقلي فلو أبطل الأصل بطل الفرع وهو موجب لبطلان الدليلين، مضافاً إلى بداهة ذلك. فلو ورد دليل على أن الاثنين فرد لم يتوقف العقل في تأويله إن لم يتمكن من طرحه.

(مسألة) (وهو) أي ملزوم العلم والظن المراد به الدليل مطلقاً على ثلاثة أقسام : (قياس) ينتقل فيه من الكلي إلى الجزئي كقولنا : (العالم متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث) فقد انتقلنا إلى النتيجة الجزئية من الكبرى الكلية (وقسيماه) أي الاستقراء والتمثيل، فالاستقراء هو الانتقال من الجزئي إلى الكلي نحو الانتقال من تصفح جزئيات الحيوانات المتحركة فكها الأسفل عند المضغ إلى قولهم: (كل حيوان يتحرك فكه الأسفل عند المضغ) فالتمثيل هو الانتقال من جزئي إلى آخر كقولهم : (النبيذ حرام لأن الخمر حرام) ثم لا يخفى أن التمثيل في اصطلاح المنطقيين هو القياس في اصطلاح الفقهاء.

(مسألة) (فالقياس) على قسمين الأول : (إقتراني) وهو أن يقترن حدود المطلوب أي مبتدأه وخبره بالمقدمتين فيكون مبتدأه في إحداهما وخبره في الأخرى، فإن المطلوب ـ وهو العالم حادث ـ إقترن موضوعه بالصغرى ـ وهي العالم متغير ـ ومحموله بالكبرى وهي كل متغير حادث. والحاصل أن المطلوب مذكور فيه بمادته لا بهيئته. (واستثنائي) وهو أن يكون المطلوب أو نقيضه مذكوراً في القياس بالفعل أي بمادته وهيئته، وإنما سمي استثنائياً لاشتماله على كلمة (لكن) التي هي من حروف الاستثناء، مثلاً قولنا : (أن كان هذا إنسان كان حيواناً، لكنه إنسان، فهو حيوان) قد اشتملت الصغرى على النتيجة : لأن ضمير كان هو موضوع النتيجة وخبره هو محموله. هذا في صورة الاشتمال على النتيجة، ومثال الاشتمال على نقيضها قولنا : (إن كان هذا حيواناً فهو متحرك لكنه ليس بحيوان، فليس بمتحرك).

(مسألة) (فالأول) أي القياس الاقتراني (باعتبار الصورة القريبة) أي شكل المقدمتين (أربعة) لأن الحد الأوسط إما موضوع في الكبرى محمول في الصغرى فهو الشكل الأول، أو عكسه وهو الشكل الرابع، أو محمول فيهما وهو الشكل الثاني، أو موضوع فيهما وهو الشكل الثالث. (و) باعتبار الصورة (البعيدة) أي صورة كل واحدة واحدة من المقدمتين بلحاظها منفردة (إثنان) لأنه إما حملي أو شرطي (الأول) من الحملي كل (ج ب) وكل (ب أ)، ومن الشرطي كلما كان (أ ب) (فج د) وكلما كان (ج د) (فع ن) (الثاني) من الحملي كل (ج ب) ولا شيء من (أ ب)، ومن الشرطي كلما كان (ج د) (فاب)، وليس البتة إذا كان (هـ ز) (فاب) (الثالث) من الحملي كل (ج ب) وكل (ج أ)، ومن الشرطي كلما كان (ج د) (فاب)، وإذا كان (ج د) (فع ن). (الرابع) من الحملي كل (ج ب) وكل (دج)، ومن الشرطي كلما كان (ج ب) (فدع) وإذا كان (ن ر) (فج).

(مسألة) (و) ينقسم آخر القياس (باعتبار المادة القريبة) أي مادة مجموع المقدمتين بلا نظر إلى كون حد الوسط في أي موضعها (خمسة) وهي المسماة بالصناعات الخمس : (البرهان) و(الجدل) و(الخطابة) و(الشعر) و(السفسطة) (و) باعتبار المادة (البعيدة) وهي مواد هذه الصناعات (أربعة) : (المسلّمات) وهي مادة البرهان والجدل و(المظنونات) وهي مادة الخطابة و(المخيلات) وهي مادة الشعر و(المشبهات) وهي مادة السفسطة.

(مسألة) (والثاني) وهو القياس الاستثنائي إما (متصل و) إما منفصل، فالمتصل وهو الحكم بثبوت نسبة على تقدير أخرى أو سلبها (ناتجة أمران) (وضع المقدم وينتج وضع التالي) نحو (كلما كانت الشمس طالعة فالغرفة مضيئة لكن الشمس طالعة فالغرفة مضيئة) أما رفع المقدم فلا ينتج رفع التالي لاحتمال وجود التالي بعلة أخرى كإضاءة الغرفة بالسراج، (ورفع التالي وينتج رفع المقدم) كقولنا في المثال : (لكن الغرفة ليست مضيئة فالشمس ليست طالعة)، أما وضع التالي فلا ينتج وضع المقدم لاحتمال كون التالي موجوداً بعلة أخرى كإضاءة الغرفة بالسراج، (والمنفصل) وهو الحكم بتنافي النسبتين أو لا بتنافيهما على ثلاثة أقسام:

الأول (الحقيقية) وهي ما لا يمكن جمعهما ولا رفعهما والقياس المؤلف منها له نتائج أربع (وضع المقدم وينتج رفع التالي) نحو (العدد إما زوج وإما فرد لكنه زوج فهو ليس بفرد) (ورفع المقدم وينتج وضع التالي) نحو (لكنه ليس بزوج فهو فرد) (ووضع التالي وينتج رفع المقدم) نحو (لكنه فرد فهو ليس بزوج) (ورفع التالي وينتج وضع المقدم) نحو (لكنه ليس بفرد فهو زوج).

الثاني (مانعة الجمع) وهي ما لا يمكن جمعهما مع إمكان رفعهما، والقياس المؤلف منها له نتيجتان : (وضع المقدم وينتج رفع التالي) نحو (هذا إما شجر وإما حجر لكنه شجر فليس بحجر) (ووضع التالي وينتج رفع المقدم) نحو (لكنه حجر فليس بشجر). أما رفع المقدم نحو (لكنه ليس بشجر) أو رفع التالي نحو (لكنه ليس بحجر) فلا ينتجان شيئاً لاحتمال أن يكون شيئاً آخر غير الشجر والحجر.

الثالث (مانعة الخلو) وهي ما لا يمكن رفعهما مع إمكان جمعهما، والقياس المؤلف منها له نتيجتان : (رفع المقدم وينتج وضع التالي) نحو (الشي إما لا شجر وإما لا حجر لكنه ليس بلا شجر فهو لا حجر) (ورفع التالي وينتج وضع المقدم) نحو (لكنه ليس بلا حجر فهو لا شجر) أما وضع المقدم نحو (لكنه لاشجر) أو وضع التالي نحو (لكنه لا حجر) فلا ينتجان شيئاً لاحتمال أن يكون اللاشجر حجر أو غير حجر، وكذا يحتمل أن يكون اللاحجر شجراً وغير شجر.

وإلى نتائج هذه الأقسام الثلاثة من القياس الاستثنائي المنفصل أشار المصنف (ره) بقوله : (وكذا) ناتجه أمران القياس الاستثنائي (غير الحقيقي من المنفصل) سواء كان مانعة الجمع التي ناتجها مع كل من وضعي التالي والمقدم أو مانعة الخلو التي ناتجها مع كل من رفعي المقدم والتالي. (و) بهذا تبين أن القياس الاستثنائي مطلقاً غير الحقيقي منه (فيه ضعف) إذ لا ينتج أربعاً أما الحقيقية فلا ضعف فيها وأبدل في القوشجي مكان (وفيه ضعف) قوله (ومنه) أي من المنفصل (حقيقية).

(مسألة) (والأخيران) وهما الاستقراء والتمثيل (يفيدان الظن) لا العلم إذ تصفح غالب لا يفيد اليقين بالكلي، ولذا قالوا ورود النقض على كل حيوان يتحرك فكه الأسفل عند المضغ، بعدم تحركه من التمساح. والتمثيل مبني على كون علة الحكم في الأصل هو الأمر الموجود في الفرع بلا وجود معارض ككون العلة في حرمة الخمر الإسكار. ومن المحتمل اقترانها في الأصل بوجود شرط مفقود في الفرع أو اقترانها في الفرع بوجود مانع مفقود في الأصل كما لا يخفى (وتفاصيل هذه الأشياء مذكورة في غير هذا الفن) وهو المنطق وإنما ذكر ههنا استطراداً.

(مسألة) (والتعقل والتجرد متلازمان) فكل عاقل مجرد وكل مجرد عاقل. وقبل الاستدلال على ذلك نذكر مقدمة، وهي أن التعقل عبارة عن الوجود إدراك شيء لم تعرضه العوارض الخارجية المادية. مثلاً : تعقل النار عبارة عن إدراك مهية النار بدون الاحتراق والضوء والوضع ونحوها كما تقدم في الذهني، والتجرد عبارة عن عدم كون الشيء مادة أو مقارناً للمادة كمقارنة الصور والأعراض.

إذا عرفت هذه قلنا : أما أن كل عاقل مجرد فلأن العاقل ـ أي المدرك للصور المعقولة ـ لو لم يكن مجرداً كان مادياً فيكون منقسماً وإذا كان العاقل منقسماً كان المعقول كذلك (لاستلزام انقسام المحل) انقسام الحال. والقول بأنه يمكن أن ينقسم المحل ولا ينقسم الحال بأن يحل الحال في جزء غير منقسم من المحل باطل، إذ يلزم منه الجزء الذي لا يتجزأ وهو محال. وحيث انقسم الحال أي الصورة المعقولة فإما أن ينقسم إلى أجزاء متشابهة من حيث الوضع وإما أن ينقسم إلى أجزاء غير متشابهة (فإن تشابهت عرض الوضع للمجرد) وهو باطل لأنّا فرضنا أن الصورة المعقولة مجردة فلا يعرضها الوضع والمقدار (وإلا) يكن كذلك بأن انقسم الحال أي الصورة المعقولة إلى أجزاء غير متشابهة عرض الوضع للمجرد أولاً بالبيان المذكور في شقّه الأول و(تركب مما لا يتناهى) ثانياً. بيانه : أن المحل لكونه مادياً يقبل القسمة إلى غير النهاية بحسب الممكن من الانقسامات فالحال أيضاً يقبلها كذلك، وحيث إن الأجزاء متخالفة في الحقيقة فلابد أن تكون حاصلة بالفعل في المركب. وتركب شيء من أجزاء غير متناهية بالفعل محال. هذا وإنما خص المصنف (ره) عروض الوضع للمجرد بالصورة الأولى مع اشتراك هذا المحذور بين الشقين لأن التركب مما لا يتناهى مختص بالشق الثاني وكان الأجود أن يقول : وإلا لزم المحذور الأول وتركب الحال مما لا يتناهى. وكيف كان فهذا الدليل باطل من وجهات لا تخفى.

(و) أما أن كل مجرد عاقل فتقريره يتوقف على مقدمات:

(الأولى) ـ إن كل مجرد يصح أن يكون معقولاً (لاستلزام التجرد صحة المعقولية)، وذلك لأن المجرد خالٍ عن شوائب المادة وكلما هو كذلك فشأن مهيته أن تكون معقولة لعدم معاوق له عن التعقل.

(الثانية) ـ إن كل ما صح أن يكون معقولاً وحده صحّ أن يكون معقولاً مع غيره، وإلى هذا أشار المصنف (ره) بقوله : صحة المعقولية (المستلزمة لإمكان المصاحبة) وذلك لأن كل ما يعقل فتعقله يلازم الحكم عليه ولو بالأمور العامة ككونه موجوداً أو واحداً أو نحوهما، فإذا كل معقول وحده معقول مع غيره.

(الثالثة) ـ إن كل ما يصح أن يكون معقولاً مع غيره يصح أن يكون مقارناً لمعقول آخر، وهذا ظاهر لأن المعقولية معاً عبارة أخرى عن المقارنة.

(الرابعة) ـ إن كل ما يصح أن يكون مقارناً لغيره من المعقولات يصح أن يكون عاقلاً إذا كان مجرداً، وذلك لأن ما يصح أن يقارن غيره إذا وجد في الخارج صح مقارنته لذلك الغير، والمقارنة للغير هو معنى تعقل التجرد إذ تعقل المجرد لا يخلو إما أن يكون بحلول المجرد في معقوله أو حلول المعقول في المجرد أو حلولهما في ثالث أو تقارنهما. والثلاثة الأول باطلة لامتناعها بالنسبة إلى الجوهر فتعين الرابع وهو المطلوب. وفي هذا الدليل أيضاً نظر من وجوه أقلَّها منع المقدمة الرابعة إذ صحة المقارنة في التعقل لا يستلزم صحة المقارنة في الخارج. هذا مضافاً إلى ما تقدم سابقاً من عدم ثبوت مجرد سوى الله تعالى وكونه - عز شأنه - مدركاً مما قام عليه العقل والسمع كما سيأتي، فلا نحتاج في الإثبات إلى مثل هذا الدليل.

(مسألة) (ومنها) أي من الكيفيات النفسانية (القدرة) وهي حالة موجبة لتأثير المتصف بها على وفق إرادته في الجملة، (وتفارق) القدرة (الطبيعة) التي هي عبارة عن الصفة المؤثرة بغير شعور مع تشابههما في التأثير كالنار التي طبيعتها الإحراق، (و) تفارق أيضاً (المزاج) وهو عبارة عن الكيفية المتوسطة بين الحرارة والبرودة. واستدل لمغايرة القدرة للطبيعة (بمقارنة) القدرة (الشعور) بخلاف الطبيعة فإنها تؤثر بلا شعور (و) لمغايرتها للمزاج بـ (المغايرة في التابع) إذ يتبع القدرة ما ليس من جنسها ويتبع المزاج ما هو من جنسه، أي أن تأثيره من جنس تأثير الحرارة والبرودة بخلاف تأثير القدرة.

ثم إنهم قسَّموا الصفة المؤثرة إلى أربعة أقسام لأنها إما أن تؤثر مع الشعور أو بدونه، وعلى كل تقدير إما أن يتشابه التأثير أو يختلف : (الأول) المقترنة بالشعور المتشابهة في التأثير، وهي القوة الفلكية - ولكن لم يقم عليها عندنا دليل ـ (الثاني) المقترنة بالشعور غير المتشابهة في التأثير، وهي القدرة الحيوانية (الثالث) غير المقترنة بالشعور المتشابهة في التأثير، وهي القوة الطبيعية (الرابع) غير المقترنة بالشعور المختلفة في التأثير، وتسمى النفس النباتية.