الفهرس

فهرس المبحث الثالث

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

في الكيفيات النفسية الأخرى ومقولة الإضافة

ومصححة للفعل بالنسبة، وتعلقها بالطرفين، ويتقدم الفعل لتكليف الكافر ولتنافي ولزوم أحد محالين، ولا يتحد وقوع المقدور مع تعدد القادر، ولا استبعاد في تماثلها وتقابل العجز تقابل العدم والملكة، ويضاد الخلق لتضاد أحكامهما، والفعل. ومنها الألم واللذة وهما نوعان من الإدراك تخصصاً بإضافة، ويختلف بالقياس.

وليست اللذة خروجاً عن الحالة غير الطبيعية إلى الحالة الطبيعية لا غير، وقد يستند الألم إلى التفرق، وكل منهما حسي وعقلي وهو أقوى.

ومنها الإرادة والكراهة وهما نوعان من العلم، وأحدهما لازم مع التقابل ويتغابر اعتبارهما بالنسبة إلى الفاعل وغيره.

وقد تتعلقان بذاتيهما بخلاف الشهوة والنفــرة، فهذه الكيفيات تفتقر إلى الحياة وهي صفة تقتضي الحس والحركة مشروطة باعتدال المزاج عندنا فلابد من البنية، وتفتقر إلى الروح، وتقابل الموت تقابل العدم والملكة.

ومن الكيفيات النفسانية الصحة والمرض والفرح والحزن والغضب والخوف والهم والخجل والحقد.

والمختصة بالكمية، إما المتصلة كالاستقامة والاستدارة والانحناء والتقعير والتقبيب والشكل والخلقة، أو المنفصلة كالزوجية والفردية فالمستقيم أقصر الخطــوط الواصلة بين نقطتين وكما انه موجود فكذا الدائرة

والتضاد منتفٍ عن المستقيم والمستدير وكذا عارضيهما. والشكل هيئة إحاطة الحد أو الحدود بالجسم، ومع انضمام اللون يحصل الخلقة.

الثالث المضاف وهو حقيقي ومشهوري ويجب فيه الانعكاس والتكافؤ بالفعل أو بالقوة ويعرض للموجودات أجمع وثبوته ذهني وإلا تسلسل ولا ينفع تعلق الإضافة بذاتها ولتقدم وجودها عليه ويلزم عدم التناهي في كل مرتبة من مراتب الأعداد وتكثر صفاته تعالى ويختض كل مضاف مشهوري بمضاف حقيقي فيعرض له الاختلاف والاتفاق إما باعتبار زائد أو لا.

(مسألة) (و) القدرة (مصححة للفعل) لا موجبة له، فإن القادر هو الذي يصح منه الفعل والترك، وهذا التصحيح (بالنسبة) إلى الفاعل وأما صحة الفعل الذاتية ـ أي إمكانه في نفسه ـ فإنها لا تحتاج إلى الفاعل كما لا يخفى.

(مسألة) (و) القدرة (تعلقها بالطرفين) فإن القادر هو الذي يصح منه الفعل والترك فيتساوى نسبته إليهما. وذهبت الأشاعرة إلى أنها متعلقة بطرف واحد، لزعمهم أن القدرة مع الفعل لا قبله كما سيأتي مع بيان فساده. وحيث إنها مع الفعل لا يمكن أن تتعلق بالطرفين وإلا لزم اجتماع الضدين أو النقيضين ـ وذلك محال ـ فتعلق القدرة بالطرفين محال.

(مسألة) (ويتقدم) القدرة على (الفعل) كما ذهب إليه الحكماء والمعتزلة ـ خلافاً للأشاعرة فذهبوا إلى أن القدرة تقارن الفعل ـ ويدل على ما قلنا وجوه :

(الأول) ـ (لتكليف الكافر) فإن الكافر حال الكفر إما أن يكون مكلفاً بالإيمان أم لا، والثاني باطل بالضرورة حتى عند الأشاعرة فيبقى الأول فنقول : الإيمان إما أن يكون مقدوراً له في هذا الحال أم لا، فإن كان مقدوراً له ثبت المطلوب لتقدم القدرة على الإيمان وإن لم يكن مقدوراً له لزم تكليف ما لا يطاق وهو باطل بالضرورة ولقوله تعالى : (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).

(و) الثاني ـ (لتنافي) بين احتياج الفعل إلى القدرة وبين تقارن القدرة للفعل، وذلك لأن حال وجود الفعل يكون الفعل موجوداً فلا حاجة له إلى شيء، فاحتياجه إلى القدرة يستلزم تقدمها وعدم تقدمها يستلزم عدم حاجته إليها.

(و) الثالث ـ (لزوم أحد المحالين) من حدوث قدرة الله تعالى أو قدم الفعل (لولاه) أي لولا تقدم القدرة. وذلك لأن القدرة مقارنة للفعل فإما أن نقول بقدمهما ـ ويلزم قدم الحادث ـ أو نقول بحدوثهما ـ ويلزم حدوث القدرة القديمة لأنها عين الذات ـ إستدل الأشاعرة على مذهبهم بأن القدرة عرض والعرض لا يبقى زمانين فلو كانت قبل الفعل لانعدمت حال الفعل فيلزم وجود المقدور بدون القدرة وهو محال. وفيه انه لم يقم دليل على أن العرض لا يبقى زمانين بل الدليل على خلافه.

(مسألة) (ولا يتحد وقوع المقدور مع تعدد القادر) بأن يكون مقدور واحد شخصي معلولاً لقادرين كل واحد منهما مستقل بالتأثير. وقد تقدم دليل ذلك في مبحث عدم إمكان اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد، وحاصله أن يستلزم استغناؤه عن كل واحد منهما في ظرف احتياجه إلى كل واحد منهما. نعم يمكن أن يكون شيء واحد مقدوراً لقادرين كما لا يخفى.

(مسألة) هل يمكن أن تكون قدرة شخص على مقدور شخصي مثل قدرته على مقدور شخص آخر كأن تكون قدرة زيد على نجارة هذا الخشب مماثلة لقدرته على نجارة ذاك الخشب الآخر أم لا؟ إحتمالان : ذهب جمع إلى استبعاد ذلك واستدلوا بأنه لو كانت قدرته على هذا مماثلة لقدرته على ذاك لزم وحدة المقدور مع تعدد القدرة، لأن كلاً من القدرتين المماثلتين يصح أن تتعلق بكل واحد من ذين المقدورين، فكما امتنع اجتماع قدرتين لقادرين على مقدور واحد كذلك يمتنع اجتماع قدرتين لقادر واحد على مقدور واحد. (و) فيه نظر حيث إنه (لا استبعاد في تماثلها) فإنه لا يجتمع قدرتان على مقدور واحد،

أما إمكان تعلق قدرتين على سبيل البدل بمقدور واحد فلا امتناع فيه، فالقدرتان من قادر واحد كالقدرتين من قادرين. والحاصل انه يجوز وقوع التماثل في القدرة سواء كانت من قادرين أو قادر واحد كما يجوز التماثل في غيرها من الأعراض.

(مسألة) (وتقابل) القدرة (العجز) نحو (تقابل العدم والملكة)، فالعجز عبارة عن عدم القدرة عما من شأنه أن يكون قادراً وهذا بديهي لا يحتاج إلى الاستدلال، وقال قوم : إن العجز يقابل القدرة تقابل الضدين واستدلوا له بما لا يغني.

(مسألة) (ويضاد الخلق) القدرة. وفي بعض النسخ (ويغاير الخلق) وكيف كان فالقدرة شيء والخلق شيء آخر (لتضاد أحكامهما)، إذ القدرة تقتضي تساوي نسبتها إلى الضدين والخلق ملكة للنفس يصدر بها عنها فعل بلا روية وفكر، وتضاد الأحكام لازم تضاد المتعلق.

(مسألة) (و) يضاد الخلق (الفعل) لتضاد أحكامهما، فإن الفعل قد يكون تكليفياً بخلاف الخلق ـ فتدبر.

(مسألة) في الألم واللذة (ومنها) أي من الكيفيات النفسانية (الألم واللذة) وهما بديهيان كسائر الوجدانيات (و) قد يعرفان بأن (هما نوعان من الإدراك تخصصاً بإضافة) فاللذة إدراك الملائم والألم إدراك المنافي، فتخصص كل واحد منهما بإضافتهما إلى الملائمة والمنافرة، (ويختلف) كل واحد منهما (بالقياس) إلى المدرك، فربما يكون شيء ملائماً لشخص فيوجب

لذته ومنافراً لآخر فيستلزم ألمه، كما أنه قد يختلف بالنسبة إلى شخص واحد.

(مسألة) ذهب بعض إلى أن اللذة ليست شيئاً مستقلاً بل هي عبارة عن دفع الألم، فإن الجائع يلتذ بالطعام وليس ذاك إلا لرفعه ألم الجوع، وكذا من اجتمع في مثانته الألم ثم خرج إلى غير ذلك، (و) لكن الانحصار في ذلك باطل لبداهة انه (ليست اللذة خروجاً عن الحالة غير الطبيعية إلى الحالة الطبيعية لا غير) بل هي على قسمين : الأول دفع الألم، الثاني إدراك الملائم بدون سبق ألم، كما أنّا نلتذ بالمنظر الحسن وإن لم نكن قبل ذلك متألّمين لفقده لعدم سابقة إبصار أو سماع أو تصور. والمناقشة في مثل هذا من قبيل السفسطة.

(مسألة) قد يستند الألم إلى سوء المزاج المختلف. والمراد به ما يرد على العضو مع بقاء المزاج الطبيعي، كلسعة العقرب فإن الألم فيه ليس لتفرق الاتصال وإلا ساوت ألم الأُبرة وكذلك الحمى والصداع وغيرهما، ويقابل سوء المزاج المتفق وهو الذي يرد على العضو ويزيل مزاج الطبيعي فيكون كالمزاج الطبيعي، ككثير من الأورام خصوصاً داء الفيل ومثل داء الثعلب وغيرهما. (وقد يستند الألم إلى التفرق) للاتصال في العضو، فإن من قطعت يده يحس بالألم بسبب تفرق اتصالها عن البدن.

(مسألة) (وكل منهما حسّي) كالالتذاذ بأكل الحلو والتألم بالحريف، ووهمي كالالتذاذ بالجاه المترقب والتألم بالحبس المتوعد مع عدم حصولهما، (وعقلي) كالالتذاذ بالمعارف والتألم بالجهل (وهو أقوى). وهذه القسمة بديهية فلا يصغى إلى قول من زعم انحصار اللذة والألم بالحسّي.

(مسألة) في الإرادة والكراهة (ومنها) أي من الكيفيات النفسانية (الإرادة والكراهة و) قد اختلف فيهما فالمصنف (ره) على أن (هما نوعان من العلم) فإن نسبة قدرة القادر إلى طرفي المقدور أي فعله وتركه، فإذا اعتقد نفعاً في أحد طرفيه ترجح ذلك الطرف عنده وصار هذا الاعتقاد مع القدرة مخصصاً لوقوعه منه، فالإرادة اعتقاد النفع وبالعكس في الكراهة فهي اعتقاد الضرر وذهب آخرون ـ وهو الظاهر عندنا ـ إلى أن الإرادة والكراهة أمران زائدان على مجرد العلم بالنفع أو الضرر، فالإرادة ميل يعقب اعتقاد النفع والكراهة انقباض يعقب اعتقاد الضرر، ويدل على ما قلناه الوجدان. ثم إن الإرادة غير الشهوة فيجتمعان في الإرادة المقارنة للذة كمن يريد أكل الحلو مشتهياً وتفترق الإرادة عن الشهوة في المريض المريد لشرب الدواء مع عدم إشتهائه وفي المشتهي للأكل الممنوع منه لمرض ونحوه.

(مسلة) (وأحدهما لازم) فإن الشخص إذا تصور الشيء فإما أن يريده وإما أن يكرهه (مع التقابل) فلا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما، ويمكن أن يريد (ره) بذلك أن كل واحد من الإرادة والكراهة لازم للآخر فمريد الشيء كاره لضده وكاره الشيء مريد لضده فأحدهما يلزم الآخر لكن مع تعلقهما بالمتقابلين، كما قالوا في بحث الامتناع والوجوب أن امتناع الوجود يلازم وجوب العدم ووجوب الوجود يلازم امتناع العدم.

(مسألة) (ويتغاير اعتبارهما بالنسبة إلى الفاعل وغيره) يعني أن المريد والكاره إما أن يكون هو الفاعل فيريد فعل نفسه أو ترك فعلها، وإما أن يكون غيره الفاعل فيريد الفعل من غيره والترك من غيره. وهذان الاعتباران متغايران فإنهما بالنسبة إلى فعل المريد والكاره محركة ومسكنة له، بخلاف إرادة فعل الغير وكراهته فإنهما لا يوجبان شيئاً في المريد والكاره، وهذا بديهي.

(مسألة) (و) الإرادة والكراهة (قد تتعلقان بذاتيهما) إذ قد يريد الإنسان أن يريد الشيء ويكره أن يكره الشيء، ويكون التغاير حينئذ بين الإرادتين والكراهتين، إذ الإرادة الأولى متعلقة بالإرادة الثانية والثانية متعلقة بالمراد وهكذا في الكراهة. وخالف في تعلق الإرادة والكراهة بذاتيهما بعض بوجه لا يليق هذا المختصر. (بخلاف الشهوة والنفرة) فإن الشهوة ـ وهي توقان النفس إلى الأمور المستلذة ـ لا يعقل أن تتعلق بتوقان آخر وكذا في النفرة، ولذا لو قال أحد : (أشتهي أن أشتهي) لزم حمل كلامه على إرادة الاشتهاء.

ثم إن بين كل من الإرادة والشهوة، والكراهة والنفرة عموماً من وجه. مثلاً : يريد المريض شرب الدواء ولا يشتهيه، ويشتهي أكل الطعام اللذيذ المضرّ ولا يريده، وتجتمعان في إرادة الصحيح الطعام اللذيذ. وكذا لا يكره المريض شرب الدواء مع انه يتنفّر عنه، وفي اللذيذ الحرام توجد الكراهة بدون النفرة، وتجتمعان في الحرام المنفور عنه.

(مسألة) (فهذه الكيفيات) النفسانية التي ذكرناها من العلم والقدرة والإرادة وغيرها (تفتقر إلى الحياة) وهو ظاهر إذ لولا الحياة لم يوجد شيء منها، ثم فسر الحياة بقوله : (وهي صفة تقتضي الحس والحركة مشروطة باعتدال المزاج) أي أن وجود هذه الصفة في الإنسان مشروط بأن يكون له مزاجه الخاص به، إذ لكل نوع من المركبات مزاج خاص إذا وجد وجد ذلك المركب وإذا لم يوجد لم يكن ذلك المركب بل مركب آخر، فإذا حصل في المركب الإنساني هذا الاعتدال اللائق بنوعه على اختلاف مراتبه أوجد الله سبحانه فيه الحياة فانبعث عنها الحواس الظاهرة والباطنة والقوى المحركة نحو جلب المنافع ودفع المضار. ثم إن كون الحياة صفة تقتضي الحس والحركة بشرط الاعتدال إنما هو (عندنا) أما الحياة في الله سبحانه وتعالى فليس كذلك بل هي مقابل الموت بمعنى عدم العلم والقدرة وغيرهما من الصفات وإلا فالحياة فيه تعالى كسائر صفاته غير معلومة لنا كالذات المقدسة.

(مسألة) (فلابد من البنية) البنية هو البدن المؤلف من العناصر. والحاصل أن الكيفيات النفسانية تفتقر إلى الحياة، والحياة مشروطة بالمزاج والمزاج لا يكون إلا بالتأليف من العناصر ـ أي البنية ـ إذ لولا التأليف لا يتحقق المزاج.

(مسألة) (وتفتقر) الحياة مضافاً إلى احتياجها إلى (اعتدال المزاج) و(البنية) (إلى الروح) الحيواني، وهي أجسام لطيفة بخارية تتكون من لطيف الأخلاط الأربعة وتنبعث من القلب إلى سائر البدن بواسطة عروق نابتة من القلب.

(مسألة) (وتقابل) الحياة (الموت تقابل العدم والملكة) فالموت عدم الحياة عن محل وجدت فيه كالعمى الذي هو عدم البصر عن محل وجد فيه. وذهب بعض إلى أن الموت يقابل الحياة تقابل الضدين، واستدلوا بقوله تعالى : (هو الذي خلق الموت والحياة) وقد يُأوَّل بأن المراد بالخلق التقدير.

أقول : وفيه نظر.

(مسألة) (ومن الكيفيات النفسانية الصحة والمرض) فالصحة ملكة في الجسم الحيواني يصدر عنه لأجلها أفعاله الطبيعية وغيرها كالأفعال الإرادية غير مأوفة، والمرض مقابلها. وما في كشف المراد من الإشكال غير واضح الوجه، فإن ما ذكره من أقسام المرض كلها أسباب لطريان حالة هي سبب لعدم جريان الأفعال الطبيعية ونحوها غير مأوفة.

(مسألة) (و) من الكيفيات النفسانية (الفرح) وهو كسائر الصفات النفسية من الوجدانيات الغنية عن التعريف، لكن ذكروا في سببه انه : كيفية يتبعها حركة الروح إلى خارج البدن قليلاً قليلاً طلباً للوصول إلى الملتذ، (والحزن) وهو : كيفية يتبعها حركة الروح إلى الداخل قليلاً قليلاً هرباً من المؤذي، ولابد أن يكون المراد من الطلب والهرب أعم من الفعلي فإنه ربما يفرح الشخص بسبب علمه بأنه يكون بعد سنة أو أكثر أميراً ونحوه كما انه يحزن بسبب علمه بأنه يموت بعد سنة مثلاً، (والغضب) وهو : كيفية يتبعها حركة الروح إلى الخارج دفعة طلباً للانتقام، (والخوف) وهو : كيفية يتبعها حركة الروح إلى الداخل دفعة هرباً من المؤذي، (والهمّ) وحيث إن سببه خير يتوقع وشر ينتظر تتحرك الروح إلى الداخل والخارج من جهة تركبه من الرجاء والخوف، (والخجل) وينقبض الروح فيه أولاً إلى الباطن ثم يخطر بالبال انتفاء الضرر فينبسط ثانياً إذ هو مركب من فزع وفرح، (والحقد) وهو : تقرر صورة المؤذي في النفس وينتج منه غضب ثابت مع عدم سهولة الانتقام وعدم صعوبته، ولذا يقل الحقد في الضعفاء بالنسبة إلى الكبراء وفي الكبراء بالنسبة إلى الضعفاء.

(مسألة) (و) من الكيفيات (المختصة بالكمية) وهي التي لا يكون عروضها بالذات إلا للكم، فتعرض (إما) للكمية (المتصلة كالإستقامة والاستدارة والانحناء) العارضات للخط والسطح (والتقعير والتقبيب) العارضين للسطح (والشكل والخلقة) العارضين للسطح والجسم التعليمي وسيأتي تفسيرهما، (أو المنفصلة كالزوجية والفردية) للعدد فإن هذه الكيفيات عارضة للكم أولاً وبالذات وللجسم ثانياً وبالعرض.

(مسألة) (فالمستقيم) كما عرّفه ارخميدس (أقصر الخطوط الواصلة بين نقطتين)، فإنه لو فرض نقطتان أمكن إيصالهما بخطوط كثيرة منحنية ومتكسرة ومستقيمة : لكن أقصرها الخط المستقيم كما هو بديهي، والمناقش في ذلك كما عن بعض القدماء وأهل الغرب فعلاً تصادم للبداهة.

(مسألة) (وكما انه) أي الخط المستقيم (موجود) ضرورة (فكذا الدائرة) وهي على ما عرفوها سطح مستوٍ يحيط به خط واحد يفرض في داخله نقطة تسمى المركز، وتكون بحيث يتساوى جميع الخطوط المستقيمة الواصلة بينها وبين ذلك الخط المحيط. وقوله : (فكذا الدائرة) إشارة إلى رد من زعم أن الدائرة ليست موجودة، واستدلوا لذلك بأن الخط مركب من أجزاء صغار غير قابلة للتقسيم، ومن المعلوم أن الكرات الصغار إذا تلاقت وشكل منها دائرة لا تحصل منها الدائرة الحقيقية إذ يرتفع موضع القطب وينخفض موضع المنطقة. ولكن فيه ما ذكره العلامة (ره) بما لفظه: إن الدائرة المحسوسة موجودة. فإذا وصلنا بين المركز المحسوس منها وبين المحيط بخط ثم نقلنا طرف الخط الذي عند المحيط إلى جزء آخر فإن لم ينطبق عليه فإن كان لزيادة جزء أزلناه وإن كان لنقصان جزء أملأناه به وإن كان لنقصان أقل من جزء أو لزيادة أقل منه لزم انقسام الجوهر ـ انتهى. هذا مضافاً إلى أن الإشكال مبني على وجود جزء لا يتجزأ وقد أبطلناه سابقاً.

(مسألة) (والتضاد منتفٍ عن المستقيم والمستدير) وذلك لأن المتضادين لابد وأن يتواردا على موضوع واحد بعينه، والمستقيم والمستدير لا يتواردان على موضوع واحد، لأن موضوع الخط المستدير سطح مستدير وموضوع الخط المستقيم سطح مستوٍ، وإذا اختلف الموضوع انتفى التضاد (و) كما لا تضاد بينهما (كذا) لا تضاد بين (عارضيهما) أعني الاستقامة والاستدارة لما ذكر في انتفاء التضاد عن معروضيهما، وقد أشكل في الحكمين.

(مسألة) (والشكل هيئة إحاطة الحد) الواحد كما في الكرة (أو الحدود) المتعددة إثنين كما في نصف الكرة أو أكثر كالمثلث والمربع وغيرهما (بالجسم) وربما يزاد : أو بالسطح، لدخول شكل الدائرة (ومع انضمام اللون) إلى الشكل (يحصل الخلقة) فهي عبارة عن الشكل واللون جميعاً، فإنهم لما وجدوا لاجتماع اللون والشكل خصوصية باعتبارها يتصف الجسم بالحسن والقبح جعلوا للمركب منهما إسماً واحداً وهو (الخلقة). ثم إن الوضع الذي هو أحد المقولات غير الشكل والخلقة، إذ هو عبارة عن ملاحظة نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض ومجموعها إلى الخارج كما سيأتي.

(الثالث) من المقولات (المضاف) وهو النسبة المتكررة التي لا تعقل إلا بالقياس إلى النسبة الأخرى كما أن النسبة الأخرى لا تعقل إلا بالقياس إلى النسبة الأولى، (وهو حقيقي) إذا أُطلق على نفس الإضافة، (ومشهوري) إذا أُطلق على معروضها، وذلك كما يقال الأبيض الحقيقي هو البياض والأبيض المشهوري هو الجسم المتصف بالأبيضية، وقد يعكس الاصطلاح كما تقدم في بعض المباحث السابقة ولا مشاحة فيه.

(مسألة) (ويجب فيه الانعكاس) فكما أن الأب أب للإبن كذلك الإبن إبن للأب. وهذا إنما يكون فيما إذا نسب أحدهما إلى الآخر من حيث إن الآخر مضاف أيضاً بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، فإذا قيل الأب أب إنسان لم ينعكس فلا يقال الإنسان إنسان للأب.

(مسألة) (و) يجب في المضاف أيضاً (التكافؤ بالفعل أو بالقوة) فإذا كان أحد المضافين موجوداً بالفعل فلابد وأن يكون الآخر موجوداً بالفعل، وإذا كان أحدهما موجوداً بالقوة كان الآخر موجوداً بالقوة، فلا تتحقق الإضافة بين موجود بالفعل وبين موجود بالقوة.

(مسألة) (ويعرض) المضاف (للموجودات أجمع) فيعرض للجوهر كالأبوة والبنوة، وللكم كالأقلية والأكثرية، والكيف كالأحرية والأبردية، والأين كالأعلية والأسفلية، والمتى كالأقدمية والأحدثية، والإضافة كالأقربية والأبعدية، والوضح كالأشد من حيث الانتصاب والانحناء، والملك كأكسى وأعرى، والفعل كالأقطعية، والانفعال كالأشد من حيث التقطع والتسخن.

(مسألة) (وثبوته ذهني) فلا تحقق للإضافة في الخارج وفاقاً لجمهور المتكلمين وكثير من الحكماء (وإلا) يكن ذهنياً بل كان خارجياً لزم محذورات (الأول) ـ التسلسل، فإنها لو كانت موجودة في الخارج لكانت في محل وحلولها في المحل إضافة بينها وبين المحل وهذه الإضافة مغايرة للإضافة الأولى فننقل الكلام إليها وهكذا، وإليه أشار بقوله : (تسلسل). لا يقال زيد مثلاً يحتاج في كونه مضافاً إلى عمرو (بالأبوة) إلى الأبوة أما نفس الأبوة فلا تحتاج في إضافتها إلى زيد إلى إضافة أخرى، فزيد مضاف بغيره والأبوة مضافة بذاتها فلا يتسلسل، وربما يمثل له بأن المهية تحتاج في كونها خارجية إلى الوجود ولكن الوجود لا يحتاج إلى الوجود فالمهية موجودة بالوجود والوجود موجود بذاته أو يقال التزاق الورق يحتاج إلى الصمغ أما التزاق الصمغ بالورق فلا يحتاج إلى صمغ آخر حتى يتسلسل. (و) لكن هذا الجواب (لا ينفع) في رد التسلسل اللازم من كون الإضافة خارجية، إذ (تعلق الإضافة بذاتها) إنما ينفع في أن الإضافة لا تحتاج إلى إضافة أخرى في إضافتها إلى ذات المضاف. أما الذي ذكرنا من تقرير التسلسل بأن الأبوة مثلاً حالّة في محل وحلولها في ذلك المحل إضافة لها إلى ذلك المحل وهو يستدعي إضافة أخرى وهكذا فتعلق الإضافة بذاتها لا ينفع في رده. والحاصل أن التسلسل في المقام من جهتين والجواب إنما ينفع في رده من الجهة الأولى لا الثانية.

(و) الثاني ـ من أدلة عدم كون الإضافة خارجية ما أشار إليه بقوله : (لتقدم وجودها) أي الإضافة (عليه) أي على وجودها، فإنها لو كانت موجودة كان لها مهية ووجوداً فما لم تتصف المهية بالوجود لم توجد الإضافة لكن الاتصاف إضافة مخصوصة يتوقف وجودها على وجود مطلق الإضافة فيلزم تقدمه على نفسه، وهو بديهي الاستحالة (و) الثالث ـ (يلزم) من خارجية الإضافة (عدم التناهي في كل مرتبة من مراتب الأعداد) فإن الإثنين مثلاً ثلثا الثلاثة ونصف الأربعة وخمسا الخمسة وثلث الستة وهكذا وهذه كلها إضافات فيلزم أن يوجد بوجود الإثنين إضافات لا نهاية لها، والمفروض أنها موجودة والموجودات غير المتناهية محال.

(و) الرابع ـ (تكثر صفاته تعالى) إذ له سبحانه إضافات بالنسبة إلى كل موجود إضافة العلم والقدرة والخلق إلى غير ذلك. فيلزم أن تكون صفاته لا تتناهى، وهو محال ـ فتأمل.

(مسألة) إذا قلنا : (زيد أب) فذات زيد يسمى مضافاً حقيقياً، مشهورياً ومفهوم الأب يسمى مضافاً حقيقياً (و) إذا عرفت ذلك قلنا : (يختص كل مضاف مشهوري بمضاف حقيقي) فلا يمكن أن يتعدد المضاف الحقيقي في مضاف مشهوري. مثلاً : لا يعقل قيام أُبوتين بأب واحد، وكذلك العكس فلا يمكن أن يتعدد المضاف المشهوري ويتحد المضاف الحقيقي بأن تقوم أبوة واحدة بشخصين، وهذا أمر واضح وقد يستدل للأول بلزوم قيام المثلين بمعروض واحد وللثاني بلزوم قيام عرض واحد بمعروضين وكلاهما محال ـ فتأمل.

(مسألة) الإضافة على قسمين لأنــه إما أن لا تكون إضافة أحد الطرفين إلى الآخر كإضافة الآخر إليه (فيعرض له الاختلاف) كالأبوة والبنوة فإن نسبة الأب إلى الإبن بالأبوة ونسبة الإبن إلى الأب بالبنوة. (و) إما أن تكون الإضافتان بنحو واحد فيعرض له (الاتفاق) كالأخوة فإن نسبة أحد الشخصين إلى الآخر بالأخوة كنسبة الآخر إليه في الرجلين. أما في الرجل والمرأة فالإضافتان مختلفتان. ومن هنا نشأ اللغز المشهور أن شخصاً قام في جماعة وقال مشيراً إلى آخر : أيها الناس هذا أخي ولست بأخيه، وهذا أبي ولست بإبنه ـ فإن القائل كانت امرأة.

(مسألة) عروض المضاف الحقيقي على المضاف المشهوري (إما باعتبار زائد) في أحد الطرفين أو فيهما (أو لا) فالأقسام ثلاثة : (الأول) ما لا يكون في الخارج أمر حقيقي باعتباره حصل الإضافة بين الشيئين كالتيامن والتياسر، فإن اتصاف اليمين والشمال بهما لا يكون باعتبار صفة حقيقية في شيء منهما بل ليس في الخارج إلا ذاتا اليمين واليسار. (الثاني) ما يكون في الخارج صفة حقيقية في أحد المضافين باعتبارها حصلت الإضافة بين الشيئين كالعالمية والمعلومية، فإن اختصاص العالم بالعالمية من جهة العلم الذي هو صفة حقيقية في ذات العالم فهنا أمور ثلاثة : العالم والمعلوم والعلم واختصاص المعلوم بالمعلومية لا يفتقر إلى صفة حقيقية فيه وإلا لزم اتصاف المعدومات والممتنعات بالصفات الحقيقية. (الثالث) أن تكون الإضافة باعتبار صفة حقيقية في كل واحد من المضافين كالعاشقية والمعشوقية، فإن العاشق إنما يكون عاشقاً باعتبار إدراكه كيفية في المعشوق والمعشوق إنما يكون كذلك باعتبار وجود تلك الهيئة المدركة فيه.