الفهرس

فهرس المبحث الثالث

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

مقولة الأين وبقية المقولات التسع

الرابع الأين وهو النسبة إلى المكان وأنواعه أربعة عند قوم هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق فالحركة كمال أول لما هو بالقوة من حيث هو بالقوة أو حصول الجسم في مكان بعد آخر، ووجودها ضروري.

ويتوقف على المتقابلين والعلتين والمنسوب إليه والمقدار، فما منه وما إليه قد يتحدان محلاً وقد يتضادان ذاتاً وعرضاً ولهما اعتباران متقابلان أحدهما بالنظر إلى ما يقالان له، ولو اتحدت العلتان انتفى المعلول

وعم بخلاف الطبيعة المختلفة المستلزمة في حال ما.

والمنسوب إليه أربع، فإن بسائط الجواهر توجد دفعة ومركباتها تعدم بعدم أجزائها، والمضاف تابع وكذا متى والجدة دفعة.

ولا يعقل حركة في مقولتي الفعل والانفعال، ففي الكم باعتبارين لدخول الماء القارورة المكبوبة عليه ولصدع الآنية عند الغليان.

وحركة أجزاء المغتذي في جميع الأقطار على التناسب وفي الكيف للاستحالة المحسوسة مع الجزم ببطلان الكمون والبروز لتكذيب الحس لهما.

وفي الأين والوضع ظاهر. ويعرض لها وحدة باعتبار وحدة المقدار، والمحل والقابل واختلاف المتقابلين المنسوب إليه مقتضٍ للاختلاف.

وتضاد الأولين التضاد، ولا مدخل للمتقابلين والفاعل في الانقسام ويعرض لها كيفية تشتد فتكون الحركة سريعة وتضعف فتكون بطيئة ولا يختلف بهما المهية.

وسبب البطء الممانعة الخارجية أو الداخلية لا تخل السكنات وإلا لما أحس بما اتصف بالمقابل.

ولا اتصال لذوات الزوايا والانعطاف لوجود زمان بين آني الميلين.

والسكون حفظ النسب فهو ضد، ويقابل الحركتين وفي غير الأين حفظ النوع، ويتضاد لتضاد ما فيه. ومن الكون طبيعي وقسري وإرادي، فطبيعي الحركة إنما يحصل عند مقارنة أمر غير طبيعي ليرد الجسم إليه فيقف فلا تكون دورية، وقسريتها مستندة إلى قوة مستفادة قابلة للضعــف، وطبيعي السكون يستند إلى الطبيعة مطلقاً، وتعرض البساطة ومقابلها للحركة خاصة

ولا يعلل الجنس ولا أنواعه بما يقتضي الدور. الخامس المتى وهو النسبة إلى الزمان أو طرفه بالحصول فيه، والزمان مقدار الحركة من حيث التقدم والتأخر العارضان لها باعتبار آخر وإنما تعرض المقولة بالذات للمتغيرات وبالعــرض لمعروضها، ولا يفتقر وجود معروضها ولا عدمه إليه والطرف كالنقطة وعدم في الزمان لا على التدريج، وحدوث العالم يستلزم حدوثه.

السادس : الوضع وهو هيئة تعرض للجسم باعتبار نسبتين، وفيه تضاد وشدة وضعف. السابع : الملك وهو نسبة التملك. الثامن والتاسع : أن يفعل وأن ينفعل.

والحق ثبوتهما ذهناً وإلا لزم التسلسل.

(الرابع) من المقولات (الأين وهو النسبة إلى المكان) بالحصول فيه، أي كون الشيء في الحيز من غير فرق بين كونه أرضاً أو سماءاً أو ماءاً أو هواءاً، مثلاً : لو قلنا (زيد في الدار) كان الأين غير الجسم وغير المكان، ثم الأين حقيقي وهو نسبة الشيء إلى مكانه الخاص كالمثال، وغير حقيقي وهو نسبته إلى مكان عام.

(مسألة) في أنواع الأين (وأنواعه أربعة عند قوم) من المتكلمين (هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق) لأن الجسم في الحيز إما أن يعتبر بالنسبة إلى جوهر آخر أم لا، وعلى الأول فإن كان بينهما وسط فهو الافتراق أم لا فهو الاجتماع، وعلى الثاني فإن كان مسبوقاً بحصوله في ذلك الحيز فهو السكون وإن كان مسبوقاً بحصوله في حيز آخر وهو الحركة، وبهذا تبين أن الجسم يجتمع فيه أمران من الأربعة على سبيل الحقيقة لا يجتمعان ولا يرتفعان. نعم قد يلاحظ هذه الأمور اعتبارية، فزيد وعمر الجالسان في مجلس مجتمعان باعتبار المجلس وإن كانا مفترقين باعتبار الحقيقة، كما أن راكب السفينة ساكن باعتبار السفينة متحرك باعتبار السير.

(مسألة) في تعريف الحركة (فالحركة) عند الحكماء (كمال أول لما هو بالقوة من حيث هو بالقوة). أقول : يطلق الكمال بمعنيين : (الأول) الشيء الحاصل بالفعل، وإنما سمي كمالاً لأن في القوة نقصاناً والفعل تمام بالقياس إليها (الثاني) الأمر اللائق بالمحل. والمراد بالكمال في المقام المعنى الأول. إذا عرفت هذا قلنا : الجسم حال حصوله في المكان الأول يفرض له كمالان : الأول الحركة، الثاني الحصول في المكان الثاني لكن الحركة أسبق الكمالين، إذ ما لم تحصل هي لم يحصل الكون في المحل الثاني. وعلى هذا فالحركة كمال أول للجسم الذي هو بالقوة في المكان الثاني. والحاصل أن الحركة كمال أول والوصول كمال ثانٍ.

ولا يخفى أن حق العبارة أن يقال : الحركة كمال أول لما هو بالقوة في المكان الثاني. وقوله : (من حيث هو بالقوة) إشارة إلى أن الحركة تفارق سائر الكمالات إذ الكمالات إذا حصلت خرج ذو الكمال من القوة إلى الفعل، والحركة ليست كذلك إذ حصولها للجسم إنما يكون لحصول الجسم في المكان الثاني وهو ليس بحاصل فعلاً. وتوضيحه بلفظ القوشجي : فالحركة إنما تكون حاصلة بالفعل إذا كان المطلوب حاصلاً بالقوة فهي كمال أول لما هو بالقوة لكن من حيث هو بالقوة لا من حيث إنه بالفعل ولا من حيثية أخرى كسائر الكمالات، فإن الحركة لا تكون كمالاً للجسم في جسميته أو في شكله أو في نحو ذلك بل من الجهة التي هو باعتبارها كان بالقوة أعني الحصول في المكان الآخر ـ انتهى.

ولا يخفى أن مثالنا بالمكان من باب ذكر أحد أفراد الحركة وإلا فالحركة عند الحكماء تقع في المقولات الأخر. (أو) تعرف الحركة بما ذكره المتكلمون من أنها (حصول الجسم في مكان بعد آخر). وبعبارة أخرى : إنها عبارة عن الكون في المكان الثاني إذ ليست الحركة هي الحصول في المكان الأول لأن الجسم لم يتحرك بعد ولا واسطة بين الأول والثاني وإلا لم يكن ما فرضناه ثانياً بثانٍ فهي الحصول في المكان الثاني. وربما يعترض على ذلك بأن الحركة ليست هي الحصول في المكان الثاني إذ الحركة على الفرض تنتهي بالحصول في هذا المكان والجواب: إنها الحصول الأول في هذا المكان وإنما تنتهي في الآن الثاني لا في الآن الأول.

(مسألة) في كون الحركة ضرورية (ووجودها ضروري) خلافاً لزينون وأتباعه حيث قالوا : إنها ليست موجودة. واستدلوا لذلك بما تقدم من أن الحركة لو كانت حال حصول الجسم في المكان الأول فالمفروض أن الجسم لم يتحرك بعد، ولو كانت حال حصوله في المكان الثاني فالمفروض أن الحركة منتهية، ولو كانت حال توسط الجسم بينهما وهو خلف لأنه لا واسطة بين الأول والثاني وإلا لم يكن ما فرضناه ثانياً بثانٍ. والجواب ما عرفت.

(مسألة) (ويتوقف) وجود الحركة (على) ستة أمور فلابد في تحقق الحركة منها : (المتقابلين) أي ما منه الحركة وهو المبدأ وما إليه الحركة وهو المنتهى، وإنما سماهما متقابلين لتقابل المبدأ والمنتهى فلا يجتمعان في شيء واحد باعتبار واحد. (والعلتين) أي ما به الحركة وهو العلة الفاعلية وما له الحركة وهو العلة القابلية التي هي عبارة عن الجسم. (والمنسوب إليه) أي الذي فيه الحركة وهو المقولة لأن الحركة إنما تقع في المقولة كما سيأتي في قوله : (ففي الكم) الخ. (والمقدار) أي الزمان فإن الزمان مقدار الحركة.

(مسألة) (فما منه وما إليه قد يتحدان محلاً) فيكون محل بدء الحركة بعينه هو محل نهايتها كالنقطة في الحركة المستديرة فإنها مبدأ الحركة الاستدارية ومنتهاها لكن باعتبارين، (وقد يتضادان) إما (ذاتاً) فيكون مبدأ الحركة ومنتهاها متضادين بالذات كالحركة من السواد إلى البياض ومن الحرارة إلى البرودة وهكذا، (و) إما (عرضاً) كالحركة من اليمين إلى الشمال فإن ذات كل واحد من اليمين والشمال نقطة فليس بينهما تضاد بالذات بل تضاد بالمعروض، فإن هذه النقطة مبدأ للحركة وتلك منتهاها.

(مسألة) (ولهما) أي للمبدأ والمنتهى ـ الذين تقدما بلفظ: ما منه وما إليه ـ (اعتباران) : (الأول) ـ بالقياس إلى ذي المبدأ وذي المنتهى بالتضايف فإن المبدأ مضاف إلى ذي المبدأ والمنتهى مضاف إلى ذي المنتهى، إذ لا ينفك تصور المبدأ من ذي المبدأ والمنتهى من ذي المنتهى كما لا ينفك تصور الأبوة عن البنوة. (الثاني) بقياس كل واحد إلى صاحبه بالتضاد فإن المبدأ مضاد للمنتهى كالعكس. وهذان اعتباران (متقابلان) فإن التضايف مقابل للتضاد كما لا يخفى. وقد عرفت أن (أحدهما) أي أحد هذين الاعتبارين وهو التضائف إنما كان (بالنظر إلى ما يقالان له) وهو ذو المبدأ وذو المنتهى بخلاف الاعتبار الآخر الذي هو التضاد فإنه إنما كان بالنظر إلى الآخر.

(مسألة) لا يمكن أن تكون العلة الفاعلية للحركة ـ وهي المحرك ـ متحدة مع العلة القابلية للحركة ـ وهي المتحرك ـ بمعنى انه لا يجوز أن يكون الشيء محركاً لنفسه بل إنما يتحرك الجسم بقوة موجودة إما فيه كالطبيعة أو خارجة عنه كالقاسر (و) ذلك لوجهين :

(الأول) ـ انه (لو اتحدت العلّتان) الفاعلية والقابلية (انتفى المعلول) أي الحركة، لأن الجسم إذا كان علة لحركة نفسه لكان علة لأجزاء الحركة أي الواقعة منها في الآن الأول والثاني والثالث وهكذا. وحينئذ يكون الجسم مقتضياً لبقاء الجزء الأول وغيره إلى الأبد، إذ يستمر المعلول باستمرار علته ولو بقي الجزء الأول من الحركة اقتضى أن لا يوجد الجزء الثاني لامتناع اجتماع أجزاء الحركة في الوجود ومجرد الجزء الأول لا يوجب الحركة فيكون ما فرضناه موجوداً غير موجود وهو خلف.

وإن شئت قلت : إن الجزء الأول من الحركة إذا وجد فإما أن يبقى أو يعدم، فإن بقى فإما أن يتحقق الجزء الثاني أم لا، فإن تحقق الجزء الثاني لزم اجتماع الأجزاء للحركة التدريجية وهو محال. وإن لم يتحقق لم يكن هناك حركة إذ لا تكفي في تحققها جزء واحد فقط، وإن عدم لم يكن مستنداً إلى ذات الجسم إذ يلزم منه بقاء العلة وانتفاء المعلول وهو محال.

(الثاني) ـ ما أشار إليه بقوله : (وعم) المعلول ـ أي الحركة ـ جميع الأجسام، فإن الأجسام متساوية في المهية فلو اقتضى الجسم لذاته الحركة لزم عمومها لكل جسم ويلزم منه أن يكون كل جسم متحركاً وهو معلوم العدم.

لا يقال : هذان الدليلان غير تامين لما يرد عليهما من النقض بالقوة المودوعة في الأجسام. فإن القوة المودوعة أمر مستمر الوجود كالمتحــرك ولم يلزم من استمرارها انتفاء الحركة وكذلك هي في عامة الأجسام ولم يستلزم من عمومها عموم الحركة. وعلى هذا فلم لا يجوز أن يكون الجسم المتحرك أيضاً محركاً لذاته، ولا يلزم شيء مما ذكرتم في الدليلين من انتفاء الحركة وعمومها.

لأنّا نقول : فرق بين الجسم وبين القوة المحركة، فإن الجسمية في الجميع واحد بخلاف الطبائع فإنها مختلفة، فإذا كان الجسم علة للحركة لزم انتفائها لما تقدم (بخلاف الطبيعة المختلفة) فإن الطبيعة تقتضي الحركة في بعض الأحوال ـ وهو الخروج عن المكان الطبيعي ـ فتقتضي الطبيعة حينئذ الحركة ليحصل الجسم في ذلك المكان، فلا تكون الطبيعة لذاتها مقتضية للجزء الأول حتى يبقى الجزء الأول ببقائها بل تقتضي الجزء الأول ليحصل الجزء الثاني فلا يبقى الجزء الأول ببقاء الذات، وكذلك لو كان الجسم علة للحركة لزم عمومها لما تقدم، بخلاف الطبيعة (المستلزمة) للحركة (في حال ما) وهو حال خروج الجسم عن مكانه الطبيعي، أما حال بقائه في مكانه فلا تقتضي للحركة. هذا، والأقرب أن يكون قوله : (بخلاف الطبيعة المختلفة) جواباً عن النقض بالعموم وقوله : (المستلزمة) جواباً للنقض بانتفاء المعلول، وسوق الدليل على هذا لا يخفى.

(مسألة) (والمنسوب إليه) أي المقولة التي تقع الحركة فيها (أربع) الكم والكيف والأين والوضع، وأما باقي المقولات فلا تقع فيها الحركة، (فإن بسائط الجواهر توجد دفعة) وتعدم دفعة فلا تقع فيها الحركة، إذ الحركة في المقولة عبارة عن انتقال تلك المقولة من نوع منها إلى نوع آخر منها والجوهر البسيط لا يكون فيه التدريج، لما قلنا من أن وجوده دفعي وفساده دفعي. (ومركباتها) أي الجواهر المركبة (تعدم بعدم أجزائها) فلا يقع فيها الحركة، فإن المتحرك باقٍ حال الحركة والمركب ليس بباقٍ حال الحركة. إذ لو وقعت الحركة في جوهر مركب كان معناه زوال ذلك المركب تدريجاً حتى يحصل مركب آخر مكانه وانعدامه يكون بانعدام أحد أجزائه. وقد عرفت أن انعدام البسيط دفعي فانعدام المركب أيضاً دفعي.

هذا، ولكن اختار جماعة من المحققين تحرك الجوهر. (والمضاف) لا تقع فيه الحركة لأنه (تابع) لمعروضه، فإن كان معروضه قابلاً للحركة كان المضاف قابلاً لها وإلا فلا، لأنه لو بقي على حالة واحدة عند تغير الموضوع أو تغير مع عدم تغير موضوعه لكان المضاف مستقلاً بالمفهومية. وقد عرفت أنه ليس كذلك (وكذا متى) مقولة غير مستقلة بل تابعة لمعروضه فالحركة فيه بالتبعية فتحرك الكيف مثلاً من الصفرة ـ في التمر مثلاً ـ إلى الحمرة يكون في الزمان فزمان الأولى غير زمان الثانية فالحركة في الكيف ـ في المثال ـ وحيث إن الزمان لازم لذلك المتغير يقع في الزمان نفسه تبدل، (والجدة) تقع (دفعة) فلا تدرّج فيها حتى تقع فيها الحركة.

(ولا يعقل حركة في مقولتي الفعل والانفعال) لما عن الشيخ من أن المنتقل من التسخن إلى التبرد ـ مثلاً ـ لا يكون تسخنه باقياً وإلاّ لزم التوجه إلى الضدين معاً، لأن التبرد توجه إلى البرودة والتسخن توجه إلى السخونة، ومن المحال أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد متوجهاً إلى الضدين وإذا لم يكن التسخن باقياً فالتبرد لا يوجد إلاّ بعد وقوف التسخن فبينهما زمان سكون كما بين الحركتين الابينيتين المتضادتين، فلا يكون هناك حركة من التسخن إلى التبرد على الاستمرار وكذا الحال في التسخين والتبريد.

(مسألة) في بيان الحركة في المقولات الأربع (ففي الكم) تقع الحركة (باعتبارين) : الأول التخلخل والتكاثف، والثاني النمو والذبول. (أما الأول) فالتخلخل عبارة عن زيادة مقدار الجسم من غير أن ينضم إليه غيره، والتكاثف عبارة عن نقصان مقدار الجسم من غير أن ينفصل منه جزء، والدليل على وقوع الحركة بهذا الاعتبار وقوع ذلك في الخارج الذي هو أدل دليل على إمكانه (لدخول الماء القارورة المكبوبة عليه) أي على الماء. بيانه : أن القارورة إذا كبت على الماء لم يدخلها الماء فإذا مصت مصاً قوياً وسد رأسها بشيء بحيث لم يدخلها الهواء ثم كبت على الماء دخلها، فعدم دخول الماء في الحالة الأولى ليس إلا لممانعة الهواء الذي فيه عن دخول الماء ودخوله في الحالة الثانية لأن المص أخرج بعض الهواء، وحيث يمتنع الخلاء يصير الهواء الباقي متخلخلاً فلا بد وأن يكبر حجمه لأن يأخذ مكان البعض الخارج منها بالمص، فإذا كبت القارورة على الماء داخلها الماء فعاد الهــواء المتخلخل إلى مقداره الطبيعي. (ولصدع الآنية عند الغليان) فإن الآنية

المملؤة ماءاً إذا شد رأسها شداً محكماً ووضعت على النار حتى اشتد غليان مائها تنشق، وليس ذلك إلاّ لأن الغليان يفيد تخلخلاً في الماء وازدياد حجمه بحيث لا تسعه الآنية وليس ازدياد الحجم بتدخل النار أو الهواء لفرض عدم المنفذ فيها. (وأما الثاني) ـ أعني الحركة في الكم باعتبار النمو والذبول ـ فنقول : النمو عبارة عن ازدياد حجم الأجزاء الأصلية للجسم بما ينضم إليه ويداخله في جميع الأقطار الثلاثة بنسبة طبيعية، والذبول عكسه فهو نقصان حجم الأجزاء الأصلية للجسم بسبب ما ينفصل عنه في جميع الأقطار على النسبة الطبيعية. ومن ذلك يعرف الفرق بينها وبين السمن والهزال والورم والرجوع.

(و) كيف كان فـ (حركة أجزاء المغتذي في جميع الأقطار على التناسب) دليل لحركة الجسم في الكم، لأن الأجزاء الأصلية زاد مقدارها عند النمو على ما كانت عليه قبل ذلك ونقص مقدارها عند الذبول.

(مسألة) (و) تقع الحركة (في الكيف) وذلك (للاستحالة المحسوسة) فإن الماء البارد يصير حاداً بالتدريج وبالعكس، والحصرم ينتقل من الحموضة إلى الحلاوة ومن الخضرة إلى الحمرة وهكذا.

لا يقال : من المحتمل أن يكون في الماء أجزاء كامنة من النار ثم تظهر عند الحرارة، وكذا أجزاء كامنة من البرودة ثم تظهر عند العكس وهكذا، فتظهر كل جزء من الأجزاء الكامنة (مع) الحالة الملائمة لها. لأنا نقول : (الجزم ببطلان الكمون والبروز لتكذيب الحس لهما) كافٍ في إبطال هذا الزعم، فإنه لو كان في الماء أجزاء كامنة من النار لزم الحس بها عند إدخال اليد في الماء وهكذا في سائر الكيفيات، فيلزم الإحساس بالحلاوة عند مضغ الحصرم.

(مسألة) (و) تقع الحركة (في الأين) بديهة، فإن المتحرك يتحرك من مكان إلى مكان بل الحركة اللغوية والعرفية ليست إلاّ في هذه المقولة.

(مسألة) (و) تقع الحركة في (الوضع) وهو (ظاهر) أيضاً، فإن معنى الحركة فيه ليس إلا التغير من وضع إلى وضع بالتدريج من غير تبدل المكان وكذلك الحركات الدولية. ثم إن الفرق بين الحركة الآنية والوضعية ظاهر.

(مسألة) في تقسيم الحركة إلى الواحد والمتعدد. (ويعرض لها) أي للحركة (وحدة) إذا اتحد فيها أمور ثلاثة (باعتبار وحدة المقدار) وهو الزمان، فإن الزمان لو كان متعدداً كانت الحركة متعددة لبداهة أن الحركة في هذا اليوم غير الحركة في الغد. (والمحل) أي الموضوع، فإن الموضوع لو كان متعدداً كانت الحركة متعددة لوضوح أن حركة زيد غير حركة عمرو. (والقابل) أي المقولة التي فيها الحركة كالحركة الكيفية وغيرها، أما مع وحدة الموضوع والزمــان فيمكن تعد الحركة في المقولة كالجسم الواحد الذي يتحرك في الزمان الواحد حركتي الكيف والأين (واختلاف المتقابلين) أي مبدأ الحركة ومنتهاها (والمنسوب إليه) أي المقولة التي تقع فيها الحركة (مقتضٍ للاختلاف) في الحركة، فالمتحرك من اليمين إلى اليسار له حركة تخالف حركة المتحرك بالعكس وذلك لاختلاف المبدأ والمنتهى للحركة فيهما، بل مجرد اختلاف المبدأ أو المنتهى موجب لاختلاف الحركة، كما أن الاختــلاف في المقولة كالحركة في الكيف والحركة في الأين مقتضٍ لاختلاف الحركة.

(مسألة) (وتضاد الأولين) أي المبدأ والمنتهى مقتضي (التضاد) في الحركة، فالحركة من الأعلى إلى الأسفل تضاد الحركة من الأسفل إلى الأعلى والحركة من النمو إلى الذبول تضاد الحركة من الذبول إلى النمو وهكذا.

(مسألة) في أن انقسام الحركة ليس بالمبدأ والمنتهى ولا بالفاعل (ولا مدخل للمتقابلين) أي المبدأ والمنتهى (والفاعل في الانقسام) للحركة بل انقسام الحركة تارة بانقسام الزمان فإن الحركة في نصف يوم نصف الحركة في يوم مع التساوي في السرعة والبطء، وتارة بانقسام المتحرك فإن الحركة عرض حال في المتحرك وبانقسام المحل ينقسم الحال كانقسام البياض بانقسام الجسم الذي حلّ فيه البياض، وتارة بانقسام المسافة فإن الحركة إلى نصف فرسخ نصف الحركة إلى رأس فرسخ.

(مسألة) (ويعرض لها) أي للحركة (كيفية تشتد فتكون الحركة سريعة وتضعف فتكون بطيئة) وهذان أمران نسبيان غالباً، فالسريع بطيء بالنسبة إلى الأسرع، والبطيء سريع بالنسبة إلى الأبطأ. نعم لا تمكن السرعة بحيث تخرج الحركة عن الزمان والمكان ولا البطء كذلك، فالمرتبتين للتين بعدهما السرعة الخارجة عن الزمان والمكان أو البطء الخارج عنهما لا تكونان نسبتين بل حقيقيتين، ولهذا قيدنا النسبية بالغالب. (ولا يختلف بهما) أي بالسرعة والبطء (المهية) لأنّا نقسم جنس الحركة إلى البطيء والسريع كما نقسمها إلى الصاعد والهابط، وكما أن الصعود والهبوط واردان على مرتبة واحدة من المهية كذلك السرعة والبطء. وربما يستدل لذلك بأن الكيفيتين في الحقيقة واحدة وإنما تختلفان بالقياس، فما هو سريع بالنسبة بطيء بالنسبة، ولو كانت هناك مهيتان لزم صدقهما على مرتبة واحدة وهو محال إذ لا يعقل اجتماع المهيتين في وجود كما لا يعقل وجودان مع اتحاد المهية.

(مسألة) في سبب البطء (وسبب البطء الممانعة الخارجية) كرمي الحجر في الماء فإنه يسير بطيئاً لوجود الماء المانع عن السرعة (أو) الممانعة (الداخلية) كثقل الجسم فإنه سبب لبطء الحركة في الحجر المرمي إلى فوق. و(لا) يكون سبب البطء (تخل السكنات) كما عن المتكلمين، فالحركة السريعة تكون السكنات المتخللة فيها أقل من السكنات المتخللة في الحركة البطيئة. فلو فرض سهمان يقطع أحدهما نصف الميل في نصف ساعة ويقطع الآخر نصف الميل في ساعة، وفرض أن السكنات المتخللة في حركة الأول عشرون تكون السكنات المتخللة في حركة الثاني أربعين. لكن هذا الرأي غير صحيح (وإلا لما أحس بما اتصف بالمقابل) أي ما أحس بالحركة المتصفة بالسرعة المقابلة للبطء. بيان ذلك أن نسبة السكنات المتخللة بين حركات السيارة التي تمشي في الساعة الواحدة فرسخاً إلى حركاتها المغمورة في ذلك الوقت كنسبة فضل حركة الطائرة التي تمشي في الساعة الواحدة مائة فرسخ إلى حركات السيارة، فيلزم أن تكون السكنات المتخللة في حركة السيارة أكثر بمقدار مائة مرة تقريباً على حركات السيارة، ولازمه أن لا تكون حركة السيارة محسوسة لكونها قليلة مغمورة في سكنات تزيد عليها بمائة مرة تقريباً. وإن شئت قلت : يلزم أن تكون للسيارة حركة واحدة ومائة سكون تقريباً وهكذا، وهو بديهي البطلان.

(مسألة) كل حركة يكون لها رجوع سواء رجع في الخط الذي سار فيه ـ وتسمى بالحركة ذات الانعطاف ـ أم رجع في غير ذلك الخط ـ وتسمى بالحركة ذات الزوايا ـ لابد وأن يحدث سكون في انتهاء الحركة الأولى وابتداء الحركة الثانية، فلا تتصل الحركتان الذاهبة والراجعة. وإلى هذا أشار بقوله : (ولا اتصال لذوات الزوايا) وإنما سميت هذه الحركة بذوات الزوايا، إذ لابد لها من حدوث الزاوية عند الرجوع. مثلاً : لو رمينا حجراً إلى فوق ثم رجع نحو اليمين كان خط ذهابه ضلعاً للزاوية وخط رجوعه ضلعاً آخر ومحل اتصال الضلعين زاوية بديهة، (و) كذا لا اتصال لذوات (الانعطاف) وإنما سميت هذه الحركة بذلك لعطف الجسم الذاهب ورجوعه.

ثم إنما لزم أن يكون بين الحركتين سكون (لوجود زمان آني الميلين) أي آن الميل صعوداً وآن الميل هبوطاً مثلاً. بيان ذلك : أن الجسم له علة للصعود وهي القسر وعلة للنزول وهي الطبع، ففي آخر نقطة من نقاط الصعود تصحبه العلة القسرية ـ لامتناع انفكاك المعلول عن العلة ـ وفي أول نقطة من نقاط الهبوط تصحبه العلة الطبيعية ـ لذلك ـ وليس آن الوصول إلى المنتهى فهو آن الشروع في الهبوط لاستحالة اجتماع الميلين المضادين، فبين الآنين زمان لامتناع تتالي الآنات وذلك الزمان لا حركة فيه، وإلا لكانت إما إلى المنتهى وإما عن المنتهى وكلاهما خلاف المفروض فهو زمان السكون. وربما يستدل لذلك بدليل آخر وهو أن الحركة إلى فوق إنما تحدث بالقسر وكلما ازداد الجسم علواً ضعف القسر وقوى الطبع إلى أن يغلب الطبع على القسر فيرجع، وغلبة الطبع على القسر لا تكون إلا بعد تعادلهما ـ إذ لا ينقلب المغلوب من المغلوبية إلى الغالبية دفعة من غير تخلل تعادل للزومه الطفرة المستحيل، وحين التعادل لابد وأن يكون الجسم ساكناً وإلا لزم الترجيح بلا مرجح وهو محال.

(مسألة) في تعريف السكون (والسكون) عند المتكلمين (حفظ النسب) بين الأجسام الثابتة على حالها (فهو ضد) للحركة. وذهب الحكماء إلى كون السكون عدمياً وانه عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك. فالتقابل بينه وبين الحركة تقابل العدم والملكة (ويقابل) السكون (الحركتين) المراد إما الحركة إلى ذلك المكان المستقر فيه الجسم والحركة عنه، وإما الحركة الوضعية والآنية، وإما الحركة المستقيمة والمستديرة. وعلى أي حال فهذا كله تعريف للسكون في الأين، (و) أما السكون (في غير الأين) من سائر المقولات الكم والكيف والوضع فهو عبارة عن (حفظ النوع) الحاصل بالفعل من غير تغيير بأن يقف الجسم ـ في الكم ـ فلا ينمو ولا يذبل ولا يتخلخل ولا يتكاثف ـ وفي الكيف ـ لا يشتد ولا يضعف ـ وفي الوضع ـ من غير تبدل إلى وضع آخر.

(مسألة) (ويتضاد) بعض أفراد السكون مع بعض أفراده الآخر كما يعرض التضاد في الحركة (لتضاد ما فيه) أي المقولة التي يقع فيه السكون مثلاً : السكون في المحل الأعلى يضاد السكون في المحل الأسفل، وكذلك سكون الجسم في الحرارة يضاد سكونه في البرودة وهكذا السكون في الكم والوضع.

(مسألة) (ومن الكون) الذي هو عبارة عن حصول الجوهر في الحيز الذي هو جنس شامل للحركة والسكون (طبيعي) بأن يكون طبيعة الشيء تقتضي الحركة أو السكون (وقسري) يسكن أو يتحرك بالجبر على خلاف الطبيعة والإرادة (وإرادي) يسكن أو يتحرك بالإرادة. وقد ذكر في وجه الحصر أن مبدأ كل من الحركة والسكون إن كان خارجاً عن ذات الشيء فهو قسري وإلا فإن كان مقارناً للقصد فهو إرادي وإلا فهو طبيعي.

(مسألة) (فطبيعي الحركة إنما يحصل عند مقارنة أمر غير طبيعي) لأن الحركة أمر غير مستمر والطبيعة أمر مستمر، فلو كانت الطبيعة علة للحركة لزم أن يتحرك الجسم دائماً. وحيث إن الحركة الدائمة غير موجودة فليست الطبيعة وحدها علة للحركة بل شرط تأثير الطبيعة للحركة أن يقارن الجسم أمر غير طبيعي فتعمل الطبيعة حينئذ (ليرد الجسم إليه) أي إلى الأمر الطبيعي (فيقف) لزوال شرط الحركة. ومثال الطبيعة في الأين الحجر المرمي إلى فوق فإنه يرجع وفي الكيف الماء المسخن فإنه يبرد، وفي الكم الذابل للمرض فإنه ينمو، وفي الوضع ما لو كان أحد أطراف الدولاب أثقل ثم صار ذلك الطرف إلى اليمين مثلاً فإنه يتحرك حتى يصل الثقيل إلى التحت. (فلا تكون) الحركة الطبيعية (دورية) بأن يكون هناك جسم يتطلب بطبيعته حركة دورية، إذ الحركة الطبيعية تستدعي هرباً عن حالة غير طبيعية طلباً للحالة الطبيعية والحركة الدورية ليس كذلك إذ كل نقطة فرضناها مطلوبة بالحركة تكون مهروباً عنها بتلك الحركة ولا يعقل أن يكون المهروب عنه بالطبع مطلوباً بالطبع وعلى هذا تنحصر الحركات الطبيعية في الحركة المستقيمة.

(مسألة) (وقسريتها) أي الحركة القسرية (مستندة إلى قوة) في المتحرك (مستفادة) من مبدأ خارجي وتلك القرة (قابلة للضعف) كالحجر المرمي إلى فوق فلا تزال القوة القاسرة تضعف إلى أن تتعادل مع الطبيعة فيسكن الجسم آناً ـ كما تقدم ـ ثم تغلب الطبيعة فيرجع الجسم إلى نقطته المطلوبة.

(مسألة) (وطبيعي السكون يستند إلى الطبيعة مطلقاً) فليس له شرط بخلاف الحركة الطبيعية التي عرفت أنها تستند إلى الطبيعة بشرط مقارنة أمر غير طبيعي. ثم السكون منه قسري كالحجر الواقف في الهواء والزق المربوط تحت الماء، ومنه إرادي كسكون الحيوان في مكان، ومنه طبيعي كسكون الحجر على الأرض.

(مسألة) في تقسيم الحركة إلى بسيط ومركب (وتعرض البساطة ومقابلها) أي التركيب (للحركة خاصة) فبعض الحركة بسيط كحركة الحجر المرمي إلى فوق وبعضها مركبة كحركة النملة على الرحى إذ اختلفتا في المقصد كما لو أدير الرحى إلى اليمين وتحركت النملة إلى اليسار فحركة النملة مركبة من الإرادية والقسرية. ثم إن تساوت الحركتان بأن حركت كل واحد منهما في الدقيقة فتراً مثلاً رؤى النملة ساكنة وإن زاد أحد الحركتين تقدمت النملة إلى تلك الجهة بمقدار فضل حركة الزائد على الناقص، ثم إنه لا يعقل السكون المركب، ولذا قال المصنف (ره) : (خاصة) أما سكون الإنسان على الأرض الذي ربما يقال انه مركب من سكون إرادي للإنسان وسكون طبيعي للأرض ففيه أن السكون واحد وإنما يكون له سببان.

(مسألة) في أن جنس الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ـ الذي هو الحصول في الحيز ـ ليس له علة هي الكائنية حتى تعلل الحركة والسكون بذلك المعنى (ولا يعلل الجنس) أي الحصول في الحيز (ولا أنواعه) من الحركة والسكون والاجتماع والافتراق (بما يقتضي الدور) وهو الكائنية، وذلك لأن الكائنية معلل عندهم بالكون الذي هو حصول الجوهر في الحيز، فلو كان الحصول في الحيز أو أنواعه معللاً بالكائنية لزم الدور.

(مسألة) في المتى (الخامس) من المقولات (المتى وهو النسبة إلى الزمان أو طرفه) أي الحد من الزمان وهو الآن (بالحصول فيه) أي في الزمان كالصوم في اليوم أو في طرفه كالوصولات والمماسات، فإن الوصول يقع في طرف من الزمان ولذا يسأل عنه بمتى.

ثم إن المتى حقيقي إذا كان الزمان لا يفضل عن الشيء كوقوع الصوم في اليوم فإن اليوم لا يفضل عن الصوم، وغير حقيقي وهو ما يفضل الزمان عن الشيء كوقوع الصلاة في اليوم. نعم لو قلنا الصلاة وقعت في ساعة كذا إذا استغرقتها كان المتى حقيقياً. والفرق بين المتى الحقيقي والأين الحقيقي أن المتى الواحد يشترك فيه كثير لوقوع أشياء كثيرة في زمان واحد بخلاف الأين الواحد فلا يقع فيه إلاّ شيء واحد.

(مسألة) في تعريف الزمان (والزمان مقدار الحركة من حيث التقدم والتأخر العارضان لها) أي للحركة (باعتبار) ليس هو الاعتبار الـ (الآخر) الذي به يعرض التقدم والتأخر، فإن بالاعتبار الأول لا يجتمع المتقدم والمتأخر أما بالاعتبار الثاني فإنهما يجتمعان. قال العلامة : الحركة يعرض لها نوعان من التقدم والتأخر ويتقدر باعتبارهما، فإن الحركة لابد لها من مسافة تزيد بزيادتها وتنقص بنقصانها ولابد لها من زمان كذلك ويعرض لأجزائها تقدم وتأخر باعتبار تقدم بعض أجزاء المسافة على بعض، فإن الجزء من الحركة الحاصلة في الجزء المتقدم من المسافة متقدم على الحاصل في المتأخر منها، وكذلك الحاصل في المتقدم من الزمان متقدم على الحاصل في متأخره، لكن الفرق بين تقدم المسافة وتقدم الحركة أن المتقدم من المسافة يجامع المتأخر بخلاف أجزاء الحركة، ويحصل للحركة تعدد عدد بالاعتبارين فالزمان مقدر الحركة ويقدرها من حيث التقدم والتأخر العارضان لها باعتبار المسافة لا باعتبار الزمان وإلا لزم الدور. وإلى هذا أشار بقوله : (باعتبار آخر) أي باعتبار آخر مغاير لاعتبار الزمان ـ انتهى.

(مسألة) (وإنما تعرض) هذه (المقولة) عنى متى أولاً و(بالذات للمتغيرات) كالحركات ثم تعرض ثانياً (وبالعرض لمعروضها) فإن ما لا تغير فيه لا يعرض له متى إلاّ باعتبار صفة متغيرة له، فالجسم إنما يعرض له متى بواسطة عروض الحركة له.

(مسألة) في أن وجود الجسم الذي هو معروض المتغيرات لا يحتاج إلى الزمان (ولا يفتقر وجود معروضها) أي وجود معروض المتغيرات (ولا عدمه) أي عدم معروضها (إليه) أي إلى الزمان، وذلك لأن الزمان متأخر عن المتغيرات لأن الزمان مقدارها ـ والمقدار متأخر عن ذي المقدار ـ والتغيرات متأخرة عن المتغيرات لأن التغير وصف والوصف متأخر عن الموصوف، فالزمان متأخر عن المعروضات. فلو افتقر وجود المعروض وعدمه إليه لزم الدور المحال.

(مسألة) (والطرف) للزمان ويراد به الآن (كالنقطة) فكما أن النقطة ليست جزءاً من الخط كذلك الآن ليس جزءاً من الزمان لأنه لو كان جزءاً لزم أحد الأمرين إما عدم تناهي التقسيمات أو وجود الجوهر الفرد، فإنه لو كان غير قابل للتقسيم لزم وجود الجوهر الفرد وقد تقدم بطلانه. ولو كان قابلاً لزم عدم التناهي. وعلله في القوشجي بأنه حد مشترك بين الماضي والمستقبل من الزمان، والحدود المشتركة بين الكميات المتصلة ليست أجزاءاً لها وإلا لما أمكن تقسيمها إلى ما أريد إليه، لأن التنصيف يكون تثليثاً والتثليث تخميساً وعلى هذا.

(و) إن قلت : الآن جزء من الزمان لأن عدم الآن سواء كان تدريجياً أو دفعياً ثبت جزئيته : أما لو كان تدريجياً فلأنه إذا انعدم شيئاً فشيئاً يكون له امتداد فلا يكون آناً بل زماناً ممتداً وهو خلف، وأما لو كان دفعياً فلأنه يتصل حينئذ وجوده بعدمه، إذ لو لم يتصل لكان الآن في الزمان الذي بين وجوده وعدمه لا موجوداً ولا معدوماً وهو محال، وإذا اتصل وجوده بعدمه لزم تتالي الآنات المستلزم لتركب الزمان منها وهو باطل لعدم كون الزمان مركباً.

قلنا : (عدمه في الزمان) الذي بعده (لا على التدريج) ولا على الدفعة، فإن عدم الشيء قد يكون في آن كعدم الجسم وقد يكون في الزمان تدريجاً كعدم الحركة أو بدون تدريج كاللامماسة وعدم الآن ـ فتأمل.

(مسألة) (وحدوث العالم) الذي هو ما سوى الله تعالى (يستلزم حدوثة) أي حدوث الزمان، لما تقدم من أن كل ما سوى الله تعالى فهو حادث والزمان منه فهو كذلك.

(مسألة) في الوضع (السادس) من المقولات (الوضع وهو هيئة تعرض للجسم باعتبار نسبتين) نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض ونسبة أجزائه إلى الأمور الخارجة عنه، فالقيام من مقولة الوضع وهو هيئة تعرض لجسم الإنسان باعتبــار نسبة رأسه إلى رجله بهذه النسبة الخاصة ونسبة رأسه إلى فوق، ولهذا كان الانتكاس والجلوس وضعين آخرين لفقد النسبة الثانية في الانتكاس وفقد النسبة الأولى في الجلوس.

(مسألة) (وفيه) أي في الوضع (تضاد) كالقيام فإنه ضد للانتكاس (وشدة وضعف) فإن الشيء قد يكون أشد انتصاباً من غيره فيكون ذلك الغير أضعف انتصاباً وهكذا.

(مسألة) في الملك (السابع) من المقولات (الملك وهو نسبة التملك) المراد بالتملك الملك أي الحاصل من المصدر لا المصدر. وقد يعبر عن هذه المقولة بالجدة. وتعريفها أنها هيئة تحصل بسبب نسبة الجسم إلى ما يلاصق جميعه أو بعضه بحيث ينتقل بانتقاله كالتسلخ والتختم. ثم إن هذه المقولة قد تكون ذاتية كنسبة أهاب الكبش إليه وقد تكون عرضية كالتعمم والتقمص.

(مسألة) في مقولتي الفعل والإنفعال. (الثامن والتاسع) من المقولات (أن يفعل وأن ينفعل) وهما تأثير الشيء في غيره وتأثر ذلك الغير عنه كتأثير النار في الماء وتأثر الماء بها، (والحق ثبوتهما ذهناً) ولا ثبوت لهما في الخارج (وإلا لزم التسلسل) لأن ثبوتهما يستدعي علة مؤثرة فيهما فلتلك العلة نسبة الفعل فيهما ولهما نسبة الإنفعال إلى العلة. وهذا يستدعي ثبوت فعل وإنفعال آخر وهكذا إلى غير النهاية.