الفهرس

فهرس المبحث الخامس

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

ملحقات المعاد

والعفو واقع لأنه حقه تعالى فجاز إسقاطه.

ولا ضرر عليه في تركه مع ضرر النازل به فحسن إسقاطه ولأنه إحسان وللسمع والإجماع على الشفاعة فقيل لزيادة المنافع ويبطل منافي حقه (ص).

ونفي المطاع لا يستلزم نفي المجاب وباقي السمعيات متأولة بالكفار وقيل في إسقاط المضار والحق صدق الشفاعة فيها وثبوت الثاني له (ص) لقوله : ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي والتوبة واجبة لدفعها الضرر ولوجوب الندم على كل قبيح أو إخلال بالواجب ويندم على القبيح لقبحه وإلا لانتفت التوبة، وخوف النار إن كان الغاية فكذلك.

وكذلك الإخلال بالواجب، فلا يصح من البعض، ولا يتم القياس على الواجب.

ولو اعتقد فيه الحسن لصحت التوبة، وكذا المستحقر والتحقيق أن ترجيح الداعي إلى الندم على البعض يبعث عليه خاصة وإن اشترك الدواعي في الندم على القبيح لقبحه كما في الدواعي إلى الفعل ولو اشترك الترجيح اشترك وقوع الندم فلا يصح وقوع الندم وبه يتأول كلام أمير المؤمنين (ع) وأولاده (ع) وهو أن التوبة لا تصح عن بعض دون بعض وإلا لزم الحكم ببقاء التائب منه المقيم على صغيرة، والذنب إن كان في حقه تعالى وكفى فيه الندم والعزم على العدم، وفي الإخلال بالواجب اختلف حكمه في بقائه وقضائه وعدمهما وإن كان في حق آدمي استتبع إيصاله إن كان ظلماً أو العزم عليه مع التعذر أو الإرشاد إن كان إضلالاً وليس ذلك جزءاً، ويجب الاعتذار عن المغتاب مع بلوغه، وفي إيجاب التفصيل مع الذكر إشكال وفي وجوب التجديد أيضاً إشكال، وكذا المعلول مع العلة ووجوب سقوط العقاب بها والعقاب يسقط بها لا بكثرة ثوابها لأنها قد تقع محبطة ولولاه لانتفى الفرق بين المتقدم والمتأخر والاختصاص ولا تقبل التوبة في الآخرة لانتفاء الشرط.

وعذاب القبر واقع للإمكان وتواتر السمع بوقوعه، وسائر السمعيات من الميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب ممكنة دل السمع على ثبوتها والسمع دل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، والمعارضات متأولة.

والإيمان تصديق بالقلب واللسان ولا يكفي الأول فقط لقوله تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) ولا يكفي الثاني لقوله تعالى : (قل لم تؤمنوا) والكفر عدم الإيمان أما مع الضد أو بدونه، والفسق الخروج عن طاعة الله تعالى مع الإيمان.

والنفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، والفاسق مؤمن لوجود حده فيه والأمر بالمعروف واجب وكذا النهي عن المنكر، وبالمندوب مندوب سمعاً وإلا لزم ما هو خلاف الواقع أو الاخلال بحكمته تعالى. وشروطهما علم فاعلها بالوجه وتجويز التأثير وانتفاء المفسدة.

(مسألة) في جواز العفو (والعفو) من الله تعالى على غير الكافر (واقع لأنه) أي العقاب (حقه تعالى فجاز إسقاطه) والقول بأن العقاب من لوازم الأعمال فيكون التفكيك بينه وبين العمل كالتفكيك بين الأربعة والزوجية غير ممكن باطل لا دليل عليه وخلاف الضرورة من دين الإسلام.

(و) أيضاً ان العقاب (لا ضرر عليه) تعالى (في تركه مع ضرر) الشخص (النازل) هذا العقاب (به فحسن إسقاطه)، القول بأن في الكافر أيضاً كذلك ولا تقولون به مردود بأن ذلك إنما يتم إذا لم يكن هناك مانع وفي الكافر المانع موجود وأنّا كنا لا نعلم ذلك لكنه مكشوف لنا بالآيات والأخبار (ولأنه إحسان) والإحسان حسن حتى بمن يتضرر به، ولا يخفى الفرق بين هذين الدليلين (وللسمع) كقوله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقوله تعالى : (وان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) وقوله تعالى : (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً) وقوله تعالى : (غافر الذنب) إلى غير ذلك من متواتر الآيات والأخبار، ومن أسماء الله تعالى العفو الغفور ونحوهما.

(مسألة) في الشفاعة (والإجماع) من المسلمين بل الضرورة من الدين واقع (على الشفاعة) ويدل عليه قوله تعالى : (لا يشفعون إلا لمن ارتضى) وقوله تعالى : (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) إلى غير ذلك من متواتر الآثار، وهذا مما لا خلاف فيه وإنما الكلام وقع في معنى الشفاعة (فقيل) أنها ليست لإسقاط العقاب بل (لزيادة المنافع) للمؤمنين المستحقين للثواب، فتكون درجة المؤمن بالشفاعة درجتان بعد ما كانت درجة واحدة مثلاً. (ويبطل) هذا القول لزوم وقوع الشفاعة (منافي حقه (ص)) إذ لو الشفاعة عبارة عن طلب زيادة المنافع لكنا شافعين للنبي (ص) حيث نطلب له من الله تعالى على الدرجات، والتالي باطل قطعاً لأن الشافع أعلى من المشفوع فيه فالمقدم مثله. والعمدة ورود الأخبار الكثيرة الدالة على إسقاط العقاب بالشفاعة.

ثم إن الظاهر وقوع سقط في العبارة ولو كانت هكذا : (ويبطله لزوم وقوعها منافي في حقه (ص)) لكانت تامة.

إستدل القائل بأن الشفاعة إنما هي في زيادة المنافع بقوله تعالى : (وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) فإن الآية دالة على نفي الشفيع للظالم ومرتكب الكبيرة ظالم لكونه فاسقاً. (و) الجواب ان (نفي المطاع لا يستلزم نفي المجاب) فإنه ليس في الآخرة شفيع يطاع لأن المطاع فوق المطيع، فلو كان الشفيع عند الله مطاعاً كان الله تعالى مطيعاً وهو باطل فالشفيع مجاب لا أنه مطاع. والحاصل ان الآية تدل على نفي الشفيع الخاص ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام، مضافاً إلى احتمال ان يكون المراد بالظالمين الكافرين جمعاً بين الأدلة.

(وباقي السمعيات) الدالة على نفي الشفيع كقوله : (وما للظالمين من أنصار) وقوله تعالى : (ولا تنفعها شفاعة) وقوله تعالى : (يوم لا تجزي نفس عن نفسٍ شيئاً) وقوله تعالى : (ولا تنفعهم شفاعة الشافعين) (متأولة بالكفار) جمعاً بين الأدلة (وقيل) إن الشفاعة في (إسقاط المضار) عن العصاة (والحق صدق الشفاعة فيها) فإنه يقال شفع فلان لفلان إذا طلب الزيادة له أو إسقاط الضرر عنه (وثبوت الثاني) وهو الشفاعة بمعنى إسقاط المضار (له (ص) لقوله : ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) ولغير هذا الحديث من السمعيات الكثيرة.

(مسألة) في وجوب التوبة (والتوبة) وهي الندم على المعصية المستلزم للعزم على عدم المعاودة في المستقبل ـ إذ لو لم يعزم لم يكن الندم حقيقياً (واجبة) بالإجماع عقلاً وسمعاً (لدفعها الضرر) الذي هو العقاب أو الخوف منه ودفع الضرر واجب (ولوجوب الندم على كل قبيح أو إخلال بالواجب) فإن العقلاء يقبِّحون من لم يندم وإن فرض ان هناك لم يكن عقاب. هذان دليلان من جهة العقل، وأما من السمع فيدل على ذلك متواتر الأخبار والآيات كقوله تعالى : (توبوا إلى الله جميعاً) وقوله تعالى : (توبوا إلى الله توبة نصوحاً) وغيرهما.

(و) اللازم في التوبة ان (يندم على القبيح لقبحه) ونهى الشارع عنه (وإلا) فلو ندم لضرره ببدنه حتى أنه لو لم يكن مضراً لارتكبه (لانتفت التوبة) لأن ذلك معناها شرعاً ولغةً (وخوف النار إن كان الغاية) بأن ندم من المعصية لخوف النار أو الشوق إلى الجنة لأن علم ان العاصي يدخل الأولى ولا يدخل الثانية (فكذلك) عند المصنف ليست هي توبة بل يكون من قبيل ترك المعصية لضررها، لكن المستفاد من الروايات كفاية ذلك وإنما التوبة التي هي خالصة لله تعالى حتى أنه لو لم يكن هناك ثواب ولا عقاب أصلاً لتاب فإنها مخصوصة بمن يعبد الله تعالى لا خوفاً من ناره ولا شوقاً إلى جنته بل لأنه أهل للعبادة جعلنا الله تعالى منهم (وكذلك الإخلال بالواجب) يكون الندم عليه توبة إذا لأنه إخلال بالواجب، وأما إذا كان لخوف ضرر كخوف ضياع ماله في ترك الزكاة وسقم بدنه في ترك الصوم فإنها لا تكون توبة صحيحة، وفي الخوف من النار والشوق إلى الجنة ما عرفت.

(مسألة) في أنه هل يصح التبعيض في التوبة أم لا؟ ذهب بعض إلى العدم لأن التوبة كما عرفت هي الندم على القبيح لأنه قبيح والندم على ترك الواجب لأنه ترك للواجب (فلا يصح من البعض) لأنه لو تاب عن بعض كشف ذلك عن كونه تائباً عنه لا لقبحه بل لأمر آخر يوجد في هذا دون ذاك، وقد تقدم ان التوبة لا تصح إلا إذا كانت لقبح الفعل أو ترك الواجب. وقد خالف في ذلك أبو علي فذهب إلى صحة التبعيض واحتج عليه بأن الندم علىقبيح دون قبيح صحيح كما أن الإتيان بواجب دون واجب صحيح، والجامع بين الأمرين أنه كما يجب عليه ترك القبيح لقبحه كذلك يجب عليه فعل الواجب لوجوبه ولو لزم من اشتراك القبائح في القبح عدم صحة الندم على قبيح دون قبيح لزم من اشتراك الواجبات في الوجوب عدم صحة الإتيان بواجب دون واجب، لكن التالي باطل بالضرورة فتصح الصلاة ممن لا يصوم وبالعكس فالمقدم مثله.

(و) أجاب المصنف (ره) عنه بأنه (لا يتم القياس على الواجب) لأن ترك القبيح لكونه نفياً لا يحصل إلا بترك جميع القبائح بخلاف الإتيان بالواجب فإنه لكونه إثباتاً يحصل بإتيان واجب دون واجب. وقد يمثل لذلك بأن تارك أكل رمانة لحموضتها لا يقدم على أكل كل حامض بخلاف أكل رمانة لحموضتها فإنه لا يلازم أكل كل حامض، لكن الأقرب في النظر صحة مذهب أبي علي إذ كل حرام مستقل برأسه كما أن كل واجب مستقل برأسه فكما أن الآتي بواجب دون واجب آتٍ بحسن دون حسن كذلك التارك لحرام دون حرام تارك لقبيح دون قبيح هذا مضافاً إلى ما هو بديهي من أن غالب التائبين يتوبون عن القبائح لقبحها مع إصرارهم على قبائح أخر لسهولتها بنظرهم دون ما تاب منه، فالذي عادته الاغتياب إذا زنى يندم على زناه أشد الندم ومع ذلك فهو مستمر على اغتيابه ويأتي اختيار المصنف لهذا المذهب.

(و) أما (لو اعتقد) التائب عن بعض القبائح (فيه) أي في بعض القبائح الأخر (الحسن) كما لو اعتقد التائب عن الزنا حسن اغتياب زيد لكونه مضلاً ـ وإن كان اعتقاده خلاف الواقع ـ (لصحت التوبة) بالاتفاق لحصول شرطها وهو الندم على القبيح لقبحه (وكذا) تصح التوبة عن قبيح دون قبيح من (المستحقر) لأحد الفعلين المستعظم للآخر فإنه تصح توبته عن العظيم وإن لم يتب عن الصغير لأنه تاب عن العظيم لقبحه (والتحقيق ان ترجيح الداعي إلى الندم على البعض) أي بعض المعاصي (يبعث عليه) أي على الندم عن هذا البعض (خاصة وإن اشترك الدواعي في الندم على القبيح لقبحه).

والحاصل ان الداعي على ترك القبائح وإن كان مشتركاً بين الكل ـ لأن الداعي هو القبح المفروض اشتراكه بين الجميع ـ إلا أن ترجيح الداعي بيد الفاعل فما يرجحه من الداعي يتركه وما لا يرجحه لا يتركه (كما في الدواعي إلى الفعل) فإن الأفعال تقع بحسب الدواعي فإذا كانت داعية بعض الأفعال راجحة على داعية البعض الآخر اختص الفعل الذي تكون داعيته أرجح بالوقوع، وإن اشترك الكل في أصل الداعي مثل حسن التصدق داعي للتصدق على جميع الفقراء لكن من بيده الداعي يرجح هذا الفقير على غيره. (و) لو كانا متساويين في جميع الجهات.

نعم (لو اشترك الترجيح) بأن رجح الفاعل جميع الدواعي (اشترك وقوع الندم فلا يصح وقوع الندم) عن بعض دون بعض (وبه) أي بما ذكرنا من أنه مع اشتراك الترجيح يشترك وقوع الندم (يتأول كلام أمير المؤمنين (ع) وأولاده (ع) وهو أن التوبة لا تصح عن بعض دون بعض وإلا لزم الحكم ببقاء التائب منه المقيم على صغيرة) أو يؤل بالتوبة الكاملة وهو الأظهر.

(مسألة) في أقسام التوبة وهي أربعة لأن الذنب إما يتعلق بحق الله تعالى أو حق الناس والمتعلق بحق الله إما أن يكون له تدارك أم لا والمتعلق بحق الناس إما أن يكون له تدارك أم لا.

(و) تفصيل أحكام الأقسام الأربعة أن (الذنب إن كان في حقه تعالى) ولم يكن له تدارك كترك صلاة العيدين وشرب الخمر والاستمناء ونحوها سواء كان ترك واجب أو فعل محرم (وكفى فيه الندم والعزم على العدم في الإخلال بالواجب) الذي له تدارك أو الإتيان بالقبيح الذي له تدارك يجب التدارك مضافاً إلى الندم و(اختلاف حكمه في بقائه وقضائه) فالتارك للزكاة يجب عليه أداؤها والتارك للصلاة وصوم رمضان يجب عليه قضائها هذا في ترك الواجب وأما في فعل القبيح المحتاج إلى التدارك فكالوطي في الحيض المحتاج إلى الكفارة وأما قوله : (وعدمهما) أي الإخلال بالواجب الذي لا قضاء له ولا كفارة كترك العيدين في المثال المتقدم فهو داخل في القسم الأول كما عرفت، (وإن كان) الذنب (في حق آدمي) فإن لم يكن له تدارك كإهانة الميت كفى فيه الندم أيضاً، وإن كان له تدارك (استتبع إيصاله) أي إيصال ذلك الحق إلى صاحبه (إن كان ظلماً) كسرقة أمواله وقطع بعض أطرافه ونحو ذلك فإنه يجب رد ماله عليه وطلب العفو أو القصاص أو المراضاة أو نحو ذلك (أو العزم عليه مع التعذر) بأن لا يتمكن فعلاً من الإيصال مع تمكنه بعد ذلك (أو الإرشاد إن كان) الذنب (إضلالاً) كما ورد في الروايات وحكم به العقل، (وليس ذلك) الذي ذكرنا من تسليم النفس المجني عليه ورد السرقة ونحوهما (جزءاً) من التوبة بل هي واجبات خارجية مكملة فإذا تاب عن السرقة مثلاً لكن لم يرد المال إلى صاحبه كان ذلك ذنباً جديداً وذلك سبب لعدم كمال توبته، (و) إذا كان الذنب الذي يتعلق بحق الآدمي هو الاغتياب (يجب الاعتذار عن المغتاب مع بلوغه) كما في بعض الروايات وفي بعضها إطلاق وجوب الاعتذار ومحل تفصيل هذه المباحث في الفقه.

(مسألة) ذهب بعض إلى أن التائب إن كان عالماً بذنوبه مفصلاً وجب التوبة عنها واحداً واحداً على التفصيل، وإن كان عالماً بها مجملاً وجب التوبة مجملاً، وإن كان عالماً ببعضها مفصلاً وببعضها مجملاً وجب تفصيل التوبة في المفصل وإجمالها في المجمل. (و) لكن (في إيجاب التفصيل مع الذكر) للذنوب مفصلاً (إشكال) إذ لا دليل على ذلك، مع أن الاطلاقات شرعاً والدليل العقلي على وجوب الندم تدل على كفاية الإجمال.

(مسألة) (و) لو تاب المكلف عن ذنب ثم ذكرها فـ (في وجوب التجديد) للتوبة (أيضاً إشكال) لعدم دليل شرعي أو عقلي على الوجوب وما ذكره بعض القائلين بوجوب التجديد من انه لو لم يجدد التوبة حين الذكر يكون فرحاً بالمعصية وهو إصرار على الذنب ورضاء به في غير محله لإمكان أن يكون ضرب عنها صفحاً من غير ندم عليها ولا اشتهاء لها كحالنا في كثير من الأعمال السابقة المباحة.

(مسألة) (وكذا) في إيجاب التوبة عن (المعلول مع العلة) كليهما إشكال فإنه لو رمى فقتل نفساً كان الرمي علة والقتل معلولاً ولا تجب التوبة على واحد منهما بل يكفي لأحدهما خصوصاً المعلول لأنه الذنب حقيقة وأما الرمي فهو مقدمة، وذهب بعض إلى وجوب توبتين ولا دليل عليه.

(مسألة) (و) في (وجوب سقوط العقاب بها) أيضاً إشكال، وقد اختلفوا في ذلك فذهب بعض إلى وجوبه عقلاً وآخرون إلى وجوبه سمعاً وثالث إلى عدم وجوبه.

إستدل الأولون بأمرين (الأول) ـ انه لو لم يجب إسقاط العقاب بالتوبة لم يحسن تكليف العاصي به والتالي باطل إجماعاً فالمقدم مثله. بيان الملازمة أن التكليف بالتوبة بدون سقوط العقاب لغو واللغو لا يصدر عن الحكيم. وفيه ان المحسن لوجوبها يمكن أن يكون كون التائب في معرض سقوط العقاب عنه وفرق بين الإيجاب وبين كونه في معرض ذلك وان لم يسقط فإن العقلاء يستحسنون الذهاب إلى دار الأمير إذا كان الذاهب في معرض الغفران.

(الثاني) ان من أساء إلى غيره واعتذر بأنواع الاعتذارات التي يتمكن منها وعرف منه الإقلاع عن تلك الإساءة رأوا العقلاء قبح عدم قبوله والقبيح لا يقع من الحكيم تعالى. وفيه ان من أساء إلى غيره وهتك حرمته ثم جاء معتذراً لا يوجبون العقلاء قبول اعتذاره بل رأوا الخيرة في ذلك إلى الغير إن شاء صفح وإن شاء عاقب.

واستدل للقول الثاني وهو الأقوى بأن الله سبحانه وعد الغفران بقوله تعالى : (وإنى لغفار لمن تاب) الآية وبغير ذلك والوفاء بالوعد في حكم العقل لازم.

واستدل للقول الثالث بأن من أساء إلى غيره ثم اعتذر منه خيّره العقلاء في القبول والرد. أقول : هذا وإن كان تاماً إلا أنه يدل على عدم الوجوب عقلاً فلا مانع من دلالة الشرع على القبول.

(مسألة) اختلفوا في أن التوبة هل هي لذاتها تسقط العقاب أم لكثرة ثوابها فيكون ثوابها أكثر من عقاب المعصية فيسقط بها عقاب المعصية (و) اختار المصنف (ره) الأول فـ (العقاب يسقط بها) لذاتها (لا بكثرة ثوابها) واستدل لذلك بأمور :

(الأول) ـ (لأنها) أي التوبة (قد تقع محبطة) للذنب بغير ثواب كتوبة الخارج من الزنا فإنه يسقط بها عقابه من الزنا ولا ثواب لها لأن عمل الخارج لا ثواب له.

(الثاني) ـ إنه لو اسقطت العقاب لكثرة ثوابها لم يكن فرق بين التوبة المتقدمة والمتأخرة، إذ المفروض أن لها ألف ثواب ـ مثلاً ـ وللمعصية خمسمائة ومن المعلوم ان الخمسمائة تضمحل في الألف سواء كان الألف متقدماً أم متأخراً لكن التوبة المتقدمة لا معنى لها فلا معنى لكونها تحبط المعصية بأكثرية ثوابها وإلى هذا الدليل أشار المصنف (ره) بقوله : (لولاه) أي لولا كون التوبة مسقطة للعقاب بذاتها، بأن كانت تسقط العقاب بأكثرية ثوابها من عقاب الذنب (لانتفى الفرق بين المتقدم والمتأخر).

(والثالث) ـ انه لو كانت التوبة تسقط العقاب بكثرة ثوابها لم تكن التوبة عن ذنب مسقطة لعقاب ذلك الذنب خاصة بل احتمل إسقاطها لذلك ولغيره لتساوي نسبة الذنبين إليها وإليه أشار بقوله : (والاختصاص) أي لولاه لانتفى الاختصاص.

(و) إن قلت : لو كانت التوبة تسقط العقاب بذاته لأسقطته في حال المعاينة وفي الآخرة لكن التالي باطل فالمقدم مثله. قلت : (لا تقبل التوبة في الآخرة لانتفاء الشرط) الذي هو وقوعها في الدنيا.

أقول : الظاهر من أدلة التوبة السمعية أنها بذاتها مسقطة للعقاب وأما ما ذكره المصنف (ره) من الأدلة على ذلك فلا يخفى ما فيها فلا تصلح للاستناد.

(مسألة) (وعذاب القبر واقع) خلافاً لشرذمة لا يعبأ بقولهم (للإمكان وتواتر السمع بوقوعه) فإنه أمر ممكن أخبر الصادق بوقوعه فيجب تصديقه.

(مسألة) (وسائر السمعيات من الميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب ممكنة دل السمع على ثبوتها) فيجب تصديقها.

(مسألة) (والسمع دل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن) فلا وجه لرفع اليد عنه. وذهب بعض إلى عدم كونها مخلوقتين وإنما تخلقان يوم الجزاء واستدلوا بأن خلقها قبل يوم الجزاء عبث لا يليق بالحكيم وانهما لو خلقتا لزم فنائها لقوله: (كل شيء هالك إلا وجهه) لكن الفناء باطل لقوله تعالى : (أكلها دائم) فخلقها باطل وان الله تعالى قال في وصف الجنة : (عرضها السماوات والأرض) وذلك لا يتصور إلا بعد فناء السماوات والأرض، (و) الجواب أما عن حديث العبث فبوضوح أنه لا اطلاع لنا على الجهات المخرجة عن العبث ولعل فيها بعضهاً بل الأدلة الدالة على خلقها دالة على ذلك إنّاً.

وأما عن (المعارضات) التي ذكروها فبأنها (متأولة) إذ لا نسلم منافاة هلاكهما لقوله تعالى : (أكلها دائم) فإن المراد بدوام الأكل ان من يذهب إليها أكله دائم، مضافاً إلى احتمال ان يكون المراد بالعام ذوي الأرواح والفضاء وسيع جداً فلا يلازم كون الجنة عرضها السماوات والأرض كونها في مكانهما.

(مسألة) في الإيمان والكفر (والإيمان) لغة هو التصديق مطلقاً قال تعالى حكاية عن أولاد يعقوب (ع): وما أنت بمؤمن لنا أي بمصدق، وشرعاً (تصديق بالقلب واللسان) ولا يكفي الأول فقط لقوله تعالى : (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) فإنه تعالى أثبت للكفار الاستيقان الذي هو التصديق القلبي مع فرض أنهم كافرون (ولا يكفي الثاني) أي الإقرار باللسان فقط (لقوله تعالى) : (قالت الأعراب آمنا (قل لم تؤمنوا)) فإن الإيمان لو كان هو الإقرار باللسان لم ينفه عن المقرّين باللسان ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين).

أقول : لكن الظاهر ان التصديق باللسان كافٍ في ترتب أحكام المؤمنين

في الدنيا كما هو المعلوم من ترتيب النبي (ص) أحكامهم على المنافقين كأبني أبي وحرب وغيرهما (والكفر عدم الإيمان) مما من شأنه أن يكون مؤمناً فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة وهو (إما مع الضد) للإيمان بأن يكذب ويجحد (أو بدونه) بأن لا يؤمن ولا يكذب فهو خالٍ عن الطرفين الإيمان والتكذيب.

(مسألة) في الفسق والنفاق (والفسق الخروج عن طاعة الله تعالى مع الإيمان) هذا في الإطلاق الغالب عند المتشرعة، وقد يطلق عندهم على مطلق الخروج عن طاعته ولو كان بدون الإيمان كما أن معناه اللغوي مطلق الخروج.

(والنفاق إظهار الإيمان) لساناً (وإخفاء الكفر) جناناً من النفاق بمعنى الرواج كأنه يروج أمره بين الطائفتين، وقيل غير ذلك. وربما يقال : إنه اصطلاح شرعي قرآني لم يسبقه إليه العرب.

(مسألة) (والفاسق مؤمن لوجود حده فيه) لأن حدا المؤمن ـ وهو كونه مصدقاً بقلبه ولسانه في جميع ما جاء به النبي (ص) ـ موجود فيه فيكون مؤمناً، وخالف في ذلك بعض فقال : إن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر فأثبت منزلة بين المنزلتين وهو خلاف ظواهر السمع ومرتكز المتشرعة.

(مسألة) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (والأمر بالمعروف) والمراد منه حمل الغير على الطاعة قولاً أو فعلاً، وربما يطلق على حب المعروف قلباً ـ توسعاً ـ (واجب وكذا النهي عن المنكر) والمراد منع الغير عن المعصية قولاً أو فعلاً وربما يطلق على بغض المنكر قلباً ـ توسعاً ـ (و) الأمر (بالمندوب) والنهي عن المكروه (مندوب) وذلك مما لا إشكال فيه كما لا إشكال في استحباب الأمر بالمندوب والنهي عن المكروه لقيام النبي (ص) والأئمة (ع) بذلك وفعلهم حجة، وإنما الإشكال في أنهما واجبان (سمعاً) أو عقلاً، والحق الأول لدلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه قال تعالى : (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وقال (ص) : (لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله تعالى شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم) وربما قيل بوجوبهما عقلاً وهو غير تام (وإلا) فلو وجبا عقلاً (لزم) أحد الأمرين إما (ما هو خلاف الواقع أو الإخلال بحكمته تعالى). بيان ذلك : أنهما لو كانا واجبين عقلاً وجبا حتى على الله سبحانه لوجود الشرائط فيه فإن كان فاعلاً لهما لزم عدم وجود وقوع منكر وعدم ترك معروف في الخارج وهو خلاف الواقع، وإن لم يكن فاعلاً لهما لزم إخلاله تعالى بالواجب وهو خلاف الحكمة لكن التالي بكلا شقيه باطل فالمقدم ـ أي وجوبهما عقلاً ـ كذلك. أقول : لا يخفى ما في هذا الدليل من الخلل فتأمل.

(مسألة) في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وشروطهما) ثلاثة :

(الأول) ـ (علم فاعلها) أي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر (بالوجه) بأن يعلم ان هذا الذي يتركه الطرف واجب وهذا الذي يرتكبه محرم والا لم يجب. أقول : يحتمل أن يكون مراد المصنف (ره) بهذا الشرط علم المرتكب بالحرمة والتارك بالوجوب، فلو شرب الخمر بدون علم بحرمة الخمر لم يكن نهيه من باب النهي عن المنكر بل من باب إرشاد الجاهل وكذا في طرف ترك الواجب ـ فتأمل.

(و) الثاني ـ (تجويز التأثير) بأن يحتمل ارتداع الفاعل عن المنكر وعمل التارك بالمعروف فلو علم عدم الفائدة لم يجبا.

(و) الثالث ـ (انتفاء المفسدة) الداخلة في الضرر المنفي فلو غلب على ظنه انه لو نهاه عن المنكر أو أمره بالمعروف حصلت له مفسدة أو لأحد من المؤمنين لم يجبا، وإنما قيدنا المفسدة لأن المفسدة اليسيرة غير مانعة عن الوجوب.

ثم إن مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : (القلب) وهو واجب مطلقاً بلا شرط إلا الشرط الأول. و(اللسان) وفي حكمه تقطيب الوجه ونحوه. (واليد) وفي جواز البلوغ إلى حد القتل والجرح خلاف ولكل واحد من الأخيرين مراتب يلزم التدرج من الدنيا إلى العليا. وتفصيل ذلك كله في الفقه.

هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الشرح. سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد وآل محمد والعن أعداءهم ووفقنا لما تحب وترضى.

 

وقع الفراغ عن ذلك في الليلة العاشرة من شهر رمضان المبارك سنة 1377 هـ 

على يد مؤلفه المحتاج إلى رحمة ربه محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي