الفهرس

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الثاني :فترة الشيوعيين

الشيوعيون

بعد انقلاب عبد الكريم قاسم سيطر الشيوعيون على العراق.

وكان عبد الكريم قاسم رجلاً غربياً سبب سيطرة الشيوعيين على الشعب العراقي، وكان شعار الشيوعيين:

لا إله..

ولا أخلاق..

ولا مال..

ولا دين..

ولا عائلة..

وتحت هذه الشعارات كانوا يعملون كل فساد وإفساد، مما إذا رآه الإنسان أذعن بواقعهم الفاسد، فانه لا تأتي أعمالهم حسب الموازين العقلية ولا الشرعية ولا العرفية إطلاقاً.

حسن الركاع

وقد سلّطوا شخصاً يسمى بـ(حسن الركاع) وكان ركاعاً قبل الانقلاب في المسيب..

فكان يعمل كل ما أراده هواه كأنه الحاكم المطلق..

وكان يملأ القناني بالعقارب ثم يأخذ بريئاً ويجعله عارياً ويربطه بالأرض ثم يصبّ العقارب على جسم الضحية حتى يكثروه لدغة فيموت.

نماذج من التوحش

وهكذا كانوا يعملون ظلماً وجوراً واستبداداً ويقتلون الناس الأبرياء بمختلف أقسام القتل..

إلى غيره من هتك العرض والتعذيب الغريب، فكانوا يضعون العصى الغليظة في عقب بعض أصحاب المال ثم يسحبونه على الأرض مسافة طويلة.

وذات مرة نهبوا شارع الإمام علي (عليه السلام) في كربلاء المقدسة حتى أعمدة الحديد الثقيلة التي كانت هناك، وقد وفق الله الحاج صالح عوز بان يجعل محله ذاك مسجداً.

وكانوا يجرون الناس بالحبال أحياءً في الشوارع، في كربلاء المقدسة وغيرها.

وربما ربطوا رجله بسيارة وجروه في الشارع حتى يتقطع.

وربما ربطوا رجليه بسيارتين متخالفتي الاتجاه وجروه حتى ينشق نصفين!

وقد نقل لي بعض الأصدقاء انهم شاهدوا في شفاثة وهو محل قريب من كربلاء المقدسة أن الشيوعيين قتلوا معلماً بهذه الكيفية، ثم جعلوا جثته في منطقة وأخذ العشرات من شبابهم يأتون الجثة ويلطخون أيديهم بدمائه ويهتفون بهذا الشعار: (هذا جزاء الخونة).

وربما أخرجوا المظاهرات وأخذوا يهتفون بالأباطيل فكانوا يقولون في مظاهراتهم كما رأيناهم في كربلاء المقدسة:

(ماكو مؤامرة تصير.. والحبال موجودة).

وكانوا يخرجون البنات بالألوف في شوارع كربلاء ليهتفن:

(بعد شهر.. ماكو مهر.. انذب القاضي بالنهر).

وكان أعداد من الشباب الفاسقين يجتمعون في مقرات الحزب وتجمعاتهم ويزنون بالنساء ويلوطون بعضهم ببعض على مرآى الأشهاد...

ومن كثرة الزنا في أيام قاسم وكثرة الأجنة غير المشروعة أرسل قاسم ليأتوا من الغرب بسبعة أطباء جاءوا لإجهاض البنات فكانوا ليل نهار يجهضون البنات الحوامل.

من مواقف الوالد (رحمه الله)

وقد أرسل والدي(رحمه الله)(1) رسولاً إلى متصرف لواء كربلاء المقدسة يمنعه عن هذه الأعمال التي تهين كرامة المرأة وعزتها وشرفها..

فقال المتصرف: قولوا للسيد الشيرازي: إن لم يحب مثل هذه الأمور فليخرج، فان البلد ليس بلده.

فقال والدي (رحمه الله) للرسول: قل للمتصرف انه إذا أراد مثل هذه الأمور فليخرج هو من البلد، فإن البلد بلدنا ونحن أبطال الاستقلال في ثورة العشرين، حيث ان المرحوم الشيخ محمد تقي(2) قائد الاستقلال كان خالاً لوالدي (رحمه الله)، وكان والدي معه مضافاً إلى مجموعة أخرى من العلماء والمجاهدين.

الاستهزاء بالدين

وكان المدراء والمتصرفون ومن أشبههم من الشيوعيين ينكرون الله ويستهزئون بالقيم والمبادئ..

فإذا راجعهم إنسان مؤمن لقضاء عمل.. امتنعوا عنه، فإذا قال ذلك المؤمن: أيها الرئيس أو المدير أو المتصرف أو المعاون أو القائم مقام أو من أشبه، اعمل هذا بحق الله أو في سبيل الله، كان يجيبه مستهزئاً: (الله في إجازة) وذلك بتعبيرهم الجلفي العامي.

ولما صار الانقلاب على قاسم وقتل، جاء عبد السلام عارف(3) إلى الحكم فأرسل جلاوزته ـ وكان يسمون بـ(الحرس الوطني) بينما جلاوزة قاسم كانوا يسمون بالمقاومة الشعبية ـ لاعتقال هؤلاء فجمعوهم في بغداد وجرّدوهم عن ملابسهم ثم جعلوا المنافخ في أدبارهم ونفخوا بطونهم حتى انشقت، فقتلوا بهذه الكيفية.

مع متصرف كربلاء المقدسة

وذات ليلة ذهبت أنا والأخ السيد حسن (رحمه الله) وجماعة من خدمة الروضة المباركة كالسيد سعيد زيني، والسيد عبود الشروفي، وجماعة آخرون من الشخصيات والوجهاء.. إلى المتصرف، لنقول له بأن الشيوعيين يعملون في هذه المدينة هذه الأعمال الشائنة وهذا لا يجوز ولا يناسب قداسة كربلاء المقدسة..

وقال له السيد محمد علي الطباطبائي (رحمه الله): هل أنت متصرف الليل أو متصرف النهار، فان كنت متصرفاً في الليل والنهار فلماذا يعملون الشيوعيين هذه الأعمال المشينة؟!.

فلم يكن للمتصرف جواب..

قتل الأبرياء

إن الشيوعيين كانوا يقتلون الناس اعتباطاً وبلا سبب، وكانوا ينهبون المحلات ويرعبون الناس.. ولذلك اضطر العديد من رجال الدين ومن خدمة روضة الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام) وغيرهما من الوجهاء أن يحملوا السلاح دفاعاً عن أنفسهم، وقد أصرّوا عليّ بحمل السلاح لكنني أبيت ذلك، حيث لا أعتقد بالعنف وكان رأيي (السلام) وذلك في قصة طويلة.

وقد قال لي الشيخ عبد الزهراء (رحمه الله)(4): احمل (مقص سنجر) فانه ليس بسلاح وتتمكن أن تدافع به عن نفسك، قلت له: لا أفعل.

الأسرة في عهد الشيوعيين

وقد كان الشيوعيون يعملون لإلغاء دور الأسرة في المجتمع وترك الحديث والبحث عن دعمها وتقويتها، حيث كانوا يرون أنها لا تؤثر في تطور المجتمع، بل إنها مصدر من مصادر الاستغلال والتخلف! فيجب تحطيمها.

كما كانوا يرون لزوم تحويل مسائل الإنتاج إلى الملكية العامة وإلغاء الملكية الفردية، فتصبح إدارة المنزل الخاصة صناعة، وتصبح العناية بالأطفال وتربيتهم قضية عامة، فيأخذ المجتمع على عاتقه تربيتهم دون الأسرة.

كما إن المرأة تكون عند الشيوعيين مشتركة بين الجميع ولا تختص بزوجها، فيستفيد منها من يشاء..

فأباحوا مقاربة جميع النساء من دون استثناء، كيف ما شاءوا، سواء أكان ثمة زوج أم لم يكن، وقالوا: بأن ذلك يكون سبباً لاختفاء الخجل الذي يساور قلب الفتاة من جرّاء الارتباط بكل الرجال والنساء، وهذا من أهم عوامل نمو الاقتصاد ـ حسب زعمهم ـ.

فأباحوا للمرأة أن تسلم نفسها لمن تشاء، سواء أكان أباً، أو أخاً، أو ابناً، أو زوجاً، أو غير ذلك.

ومن المعلوم أن هذه الطريقة دعوة صريحة إلى هدم العائلة وتحطيمها، وتقليص تأثيرها الإيجابي إلى الحدّ الذي توكل فيه رعاية الأطفال للمؤسسات الاجتماعية العامة دون الأبوين، وهذا يوجب إشاعة الإباحة الجنسية والفساد الخلقي، والحث على نزع لباس الحياء والعفة والدعوة إلى التحلل من جميع المسؤوليات العائلية لكل من الرجل والمرأة، وقد قال أحدهم بكل فخر!: جعلت زوجتي مباحة لمن شاءت من الرجال، كما إن امرأتي جعلتني مباحاً لمن شئت من النساء.

وقد أدخل قاسم إلى العراق ـ بالإضافة إلى الشيوعية ـ الإباحية الصرفة، حتى انه كان في ليالي الجمعة يجلس هو وبعض ضباطه أمثال العبدي والمهداوي والوصفي ومن أشبههم وراء التلفزيون مع راقصات عاريات حتى من ورق التوت ويرقصون أمام الناس، مما كان يسبب ان ينجر الشباب إلى الفساد وأقل ذلك انهم يحتلمون عند النظر إلى تلك المناظر المثيرة اللاأخلاقية، وهكذا كان يعمل قاسم كل الأعمال المنكرة.

وقد قال لنا مدير شرطة كربلاء واسمه (عبد الملك): إن مسؤولا في بغداد أمره بأنه إذا نازع شيوعي وشخص آخر، فاللازم إعطاء الحق دائماً وأبداً للشيوعي، وإن كان الحق واقعاً مع خصمه فاللازم الحكم لصالح الشيوعي وان يسجن من يكون معارضاً له، وذلك دعماً للشيوعية والشيوعيين.

مع سلطان الواعظين الشيرازي

وقد نقل لي المرحوم سلطان الواعظين صاحب (ليالي بيشاور)(5) وكان من أصدقائنا:

انه ذات مرة في أيام قاسم، جئنا إلى العراق للزيارة، وذهبنا في الكاظمية إلى الحمام، وقد كنا جماعةً من الإيرانيين وإذا بشرطة (عبد الكريم قاسم) يقتحمون الحمام وكان البرد شديداً، فأخذونا بدون ملابس ونحن عراة إلا بفوطة الحمام فقط، ثم أركبونا السيارات الكبار والناس ينظرون إلينا وذهبوا بنا إلى الدفاع، وكان تحت الدفاع ـ كما رأيت ذلك بنفسي أيضاً ـ سراديب تدخل فيها السيارات الكبار..

قال: فأدخلونا ونحن عراة في تلك السراديب.. ورأينا هناك خلقاً كثيراً أيضاً من النساء والرجال معتقلين.

قال: وكنت أنا مريضاً ولم يكن لنا شيء يمنعنا من البرد، وبعد فترة جاءوا بملابسنا من الحمام..

وكان السبب في اعتقالنا ما كانوا يقولونه من أن هؤلاء ـ أي الإيرانيين ـ أعداء الثورة، لأنه كان بين الشاه(6) وعبد الكريم قاسم نزاع، حيث إن قاسم كان انكليزيا والشاه كان أمريكياً.

قال: وبعد ثلاث ساعات من مضي الظهر ادخلوا إلينا عربات من التمن والمرق وكانوا يصبون التمن والمرق في أي شيء يجدونه هناك، فكان هناك بعض ظروف النفط فصبوا فيها ذلك، أما أنا فلم أتمكن من الأكل.. ثم تركونا حتى وقت متأخر من الليل وبعد ذلك أمروا بإخراجنا فركبنا السيارة وجئنا إلى كربلاء المقدسة، وقد تمرضنا بسبب ذلك..

فكان (رحمه الله) يراجع الطبيب، وقد ذهبت إلى زيارته، ومن أثر ذلك بقي في كربلاء المقدسة مدة يعاني من المرض.

نعم لم يكن للإنسان كرامة في عهدهم.. فهذا السيد على جلالته وعلى خدماته الكبيرة في كتاباته ومنابره.. هكذا يهان، لأن سياسة بلادنا لا تعرف المنطق وتعمل ما تشاء.

ضرب الزوار حتى الإدماء

ونقل لي شخص آخر: إنه قد خرج هو وجماعة من إيران قاصدين زيارة العتبات المقدسة في العراق، وفي الطريق أمر الشرطي بإنزالهم من السيارة، فأنزلوهم وأخذوا يضربونهم بالعصا ضرباً مبرحاً، حتى أدموهم، ثم أركبوهم السيارة وأمروهم بالرحيل..

فلم يكن للأمر حساب ولا رقابة، ولا معادلات منطقية للثواب ولا للعقاب، وإنما مجرد أن راديو إيران كان يسب العراق وراديو العراق يسب إيران والشعب هو الضحية، وكان الواقع هو النزاع بين أمريكا وبريطانيا لكنه يظهر بهذه المظاهر.

والمرحوم الأخ السيد حسن (رحمه الله) كان له دور كبير في التصدي لهذه المنكرات، فكان يذهب مع عدد من الوجهاء لملاقاة الحكام والمتصرفين في لواء كربلاء المقدسة، أو الوزراء في بغداد لأجل الضغط عليهم للصد عن هذه المنكرات أو التخفيف من هذه الحدة..

وقد ذهب أكثر من مرة إلى بغداد مع الشيخ عبد الزهراء الكعبي(رحمه الله)، والسيد ناجي العميدي، والسيد صادق الشهرستاني، والشيخ حمزة الزبيدي، ومن أشبههم لأجل ذلك.

وقد ذهبت،أنا مع السيد سعيد الزيني (رحمه الله) إلى بغداد والتقينا بعبد الكريم قاسم، وتكلّمت معه ثلاثة أرباع الساعة إتماماً للحجة، وكان يظهر الوطنية وانه يعمل كل ذلك لأجل الوطن ولأجل إعزاز المسلمين! وأخذ يتظاهر باحترامنا وقال: إني أرتاح لرؤيتكم لأني أحب الصالحين!

نهاية مطاف الشيوعيين

وكان الذي أودى بقاسم أخيراً القومية، حيث انه اعدم ثمانية عشر من الضباط المسمين بالأحرار عند (ام الطبول) وهو على مشارف بغداد، فظهرت حركة الشواف في الموصل، فحاربها عبد الكريم قاسم، ثم ظهرت حركة الأكراد وان كانت لحركتهم جذور قبل قاسم، لكن في زمانه اشتدت الحركة، فان الشاه كان يدعمهم، فكانوا يقومون بتحركات ضد عبد الكريم قاسم..

وهكذا.. إلى إن انتهى الأمر بإخراج الإيرانيين من العراق، وكان ذلك موقفاً ضد الشاه.

فقد صودرت أموال الإيرانيين ودورهم وسائر ما يتعلق بهم، وأخرجوا من العراق بطريقة مؤذية، حيث استعملوا العنف في إخراجهم، وقد حدث ذلك عدة مرات..

علماً بأن العديد من الذين أخرجوا لم يكونوا إيرانيين، بل كانوا عراقيين، لكن أخرجوا باسم الإيرانيين لأن الحركة هذه كانت في الواقع خطة بريطانية ضد الشيعة.

الفتوى ضد الشيوعيين

ولمحاربة الشيوعية والصد عن جرائمهم أفتى الوالد(رحمه الله)(7) مع السيد محسن الحكيم (رحمه الله)(8) والسيد عبد الهادي الشيرازي (رحمه الله)(9) وغيرهم: بان الشيوعية كفر والحاد..

وكان اجتماع السيد الحكيم (رحمه الله) مع الوالد في دارنا، وقد نظّم بعض الشعراء بهذه المناسبة أبياتا قال فيها:

وترى الحكيم يحدث الشيرازي***هذا هو المهدي يسمع محسناً

وأخذت بعض الصور عنهما وهي موجودة إلى اليوم.

الفصل الثالث:فترة القوميين

القوميون

القوميون والبعثيون قتلوا عبد الكريم قاسم، لأن البريطانيين انتهت استفادتهم من قاسم وأخذ لا يطيعهم حرفياً في كل شيء، فعجزوا عنه وقتلوه..

وجاء القوميون إلى الحكم بزعامة (عبد السلام عارف)(10) وكان ثائراً على اصطلاحهم مع عبد الكريم قاسم، لكنه حيث كان قومياً وعبد الكريم شيوعياً عزله عن وزارة الداخلية التي مُنحت له في أول الثورة وتركه وشأنه يُفسد كما يشاء.

ولما جاء إلى الحكم وأخذ يفعل من الظلم والاستبداد، ذهب إليه الأخ السيد حسن (رحمه الله) والمرحوم الشيخ عبد الزهراء (رحمه الله) وجماعة آخرون من العلماء والوجهاء ليتكلموا معه في إصلاح المفاسد، لكنه لم يصلح شيئاً.. وكان ضد الشيعة بما للكلمة من معنى.

وجاء يوماً إلى كربلاء المقدسة وذهب إلى النجف الأشرف وأراد ملاقاة السيد الحكيم (رحمه الله)..لكن السيد (رحمه الله) لم يسمح له بذلك وكلما أصرّوا على السيد بلقائه رفض أن يلتقي به احتجاجاً على ما كان يفعله من الجرائم.

وهكذا كان عارف غاضباً على الشيعة عامة وعلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة خاصة.. إلى أن رأى الغربيون أن يغيروه فأمروا بحرقه في البصرة حينما أسقطوا طائرته.. وقد نُظم بيت حوله:

نزل فحم***صعد لحم

رؤيا الشيخ الكعبي (رحمه الله)

وقد حدثني الشيخ عبد الزهراء (رحمه الله) قبل احتراق عارف: إنه رأى في المنام انه تشرف لزيارة مشهد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) وكان الإمام (عليه السلام) جالساً في الضريح.

قال: وإذا بي رأيت ان الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) يتكلم مع شخص، فتوجّهت وإذا بأمير المؤمنين (عليه السلام) داخل في الحرم، فقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لأمير المؤمنين: انه قد ضاق صدري من هذا الرجل، وأشار الإمام إلى جهة فرأيت فيها عبد السلام عارف، فأشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عبد السلام فصعد إلى السماء واحترق ونزل.

هذا ما حدثني الشيخ عبد الزهراء الكعبي (رحمه الله) قبل قصة احتراق عبد السلام، وصار الأمر كما كان حيث صعد الطائرة في البصرة ثم احترق ونزل، في قصة مشهورة.

عبد السلام والاشتراكية

ثم إن بعض الناس فرحوا أول مجيء (عبد السلام) لأجل إبادته الشيوعيين، لكن خابت آمالهم بقوانينه غير الشرعية وبظلمه وجوره، حيث جاء بأمر من عبد الناصر(11) وأسياده المستعمرين بالاشتراكية إلى العراق..

وقد ذهبنا نحن وجماعة من العلماء كالسيد محمد صادق القزويني(12)، والسيد مرتضى القزويني(13)، والشيخ جعفر الرشتي(14)، والسيد حسن الأخ، وآخرون، إلى النجف الأشرف إلى السيد الحكيم (رحمه الله) لنأخذ منه التوجيه في عملنا ضد الاشتراكية.

واذكر أن السيد الحكيم (رحمه الله) قال للسيد مرتضى القزويني: اذهب وقل فوق المنبر: إني مخالف للاشتراكية، فان أصابك شيء فأنا أضمن نجاتك.

وهكذا رجع السيد مرتضى القزويني وذكر الكلام فوق المنبر في صحن الإمام الحسين (عليه السلام) وذلك في مجلس حاشد: إن السيد الحكيم والسيد الشيرازي وغيرهما يخالفان الاشتراكية، وأخذ يبين للناس التفصيل.

وبعد هذه القصة، ألقي القبض عليه بأمر من (عبد السلام عارف)، وأبعدوه إلى بغداد والى تكريت، وقد عمل السيد الحكيم(رحمه الله) لنجاته حتى نجّاه الله.

كما قمنا أيضاً ببيان الحقائق للناس وبان الاشتراكية على خلاف الإسلام، وكان الناس يتقبلون ذلك وينظرون إلى حكومة (عبد السلام عارف) كحكومة استعمارية ضد الإسلام.

إلى أن هلك عارف بالصورة المذكورة، وجيء بفحم بدنه إلى بغداد باعتبار جنازته ودفنوه.

هذا وقد ذهبنا يوماً مع جماعة من العلماء كالشيخ جعفر الرشتي، والسيد صادق القزويني، والسيد مرتضى القزويني، والسيد حسن الأخ وغيرهم إلى بغداد لزيارة الشيخ محمد رضا الشبيبي(15) لدراسة الأمور ومناقشتها، ولكي يعمل على الحدّ من الظلم والجور الموجود، حيث كان فترة نائباً، وفترة في مجلس الأعيان، وفترة رئيس المجلس العلمي العراقي وغير ذلك، وكان طيب النفس..

فرأيناه وتكلّمنا معه حول الأوضاع، فقال: إني لا أملك شيئاً حيث ازداد الأمر سوءاً يوماً بعد يوم..

ثم قال: تذكرت الآن كلام نوري السعيد، فإني ذات مرّة قلت له في مجلس الأمة:إنك دكتاتور..

فقال: أيها الشبيبي إذا ذهبت أنا وجاء غيري ذاك الوقت تعرف من هو الدكتاتور، أنا أو الذين يأتون من بعدي.

قال الشيخ محمد رضا الشبيبي: والآن أفهم معنى كلامه ـ ولا يخفى ان هذا لا يدل على أن نوري السعيد لم يكن مستبداً، بل ان الاستبداد ذو مراتب كما هو واضح ـ.

ثم قال الشبيبي: إن في أيام الشيوعيين جاء إلى دارنا جماعة من الشباب الذين كانوا يسمون أنفسهم بالمقاومة الشعبية وطلبوا بنتي وكانت في الدار.

فقلت لهم: لماذا تريدونها؟

قالوا: إنها متآمرة ونريد محاكمتها (وكان من سياسة الشيوعيين ذلك حيث كانوا يذهبون إلى الدور ويأخذون البنات الأبرياء باسم المؤامرة ويفعلون بهنّ ما يشاؤون ثم يتركونها وشأنها).

قال: قلت: لا بأس، فأجلستهم برانية الدار، وجئت إلى الداخل واتصلت بعبد السلام عارف وذكرت له القصة.

فقال: الآن أرسل الحرس، فأرسل جماعة من الحراس الوطنيين، فأخرجوا أولئك بالقوة والشدة.

الفصل الرابع :فترة البعثيين

البعثيون

بعد القوميين واحتراق عارف، جاء البعثيون إلى الحكم..

وقد قال (علي صالح السعدي) في إذاعة بغداد وكان وزير الداخلية: جئنا إلى العراق بقطار انكلو أمريكي..

وأضفت أنا (حين السماع): واسرائيلي أيضاً.

لأن هؤلاء البعثيين هم ولائد الأمريكان والانكليز والإسرائيليين وإن كانت الحصة الأكثر للبريطانيين.. وقد قال الأخ السيد حسن (رحمه الله) قصيدة جميلة في مهرجان ميلاد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) الشهيرة، وصف فيها البعثيين، وسيأتي ذكرها في خاتمة الكتاب بإذن الله تعالى.

وقد مكر البكر وهو مركز المكر والفجور لأخذ السيد حسن (رحمه الله) أخذاً طبيعياً بأمر من عفلق(16)، فأرسل بعض الوجهاء وهم يطلبون من السيد حسن ملاقاة البكر(17) للمشاورة في بعض المواضيع..

فذهب الأخ إلى بغداد بصحبتهم إتماماً للحجة، وهناك وقعت المشكلة بأخذه فوراً وإيداعه (قصر النهاية) تحت أشد أنواع التعذيب، حتى انه بعد ما خرج من سجن النهاية إلى سجن بعقوبة، ذهبت الوالدة (رحمة الله عليها) لرؤيته، لكنها لم تعرفه لتغيّر ملامحه تغيراً غريباً على أثر التعذيب القاسي، وقد رأيت تصويره بعد كونه في سجن بعقوبة فلم يكن يظهر انه السيد حسن السابق.

وقد اهتمّ أصدقاؤنا وعلي رأسهم السيد الحكيم (رحمه الله) لنجاته من سجن البعثيين، هذا مضافاً إلى كثرة الدعاء والتوسل، وإلا فقد كان مصيره الإعدام حيث حكم البعثيون بإعدامه.

وقد طلب السيد الحكيم (رحمه الله) من البعثيين اطلاق سراح نفرين: السيد حسن، وكاظم شبّر، وكان كاظم شبر الطبيب الخاص للسيد الحكيم (رحمه الله)، وأطلق سراحهما بعد أشهر من التعذيب..

وكانت هذه القصة في المرة الثانية التي جاء البعثيون إلى الحكم، أما المرة الأولى فقد سقطوا في قصة مفصلة..

وقد قام البعثيون في العراق بظلم واستبداد غريب لم يسبق لذلك مثيل، فأخذوا الأبرياء من كل حدب وصوب.

أما الفترة الأولى التي سقط البعثيون فيها.. فأخذوهم وذهبوا بهم إلى السجن أو الإعدام.

وفي كربلاء المقدسة أخذوهم إلى المكتبة العامة حيث المحاكمة أو فالسجن أو الإعدام، وقد أخذوا من محلة السعدية رجلاً كان يسمى بصاروخ السعدية وكان من أشد المنافقين، كما أخذوا آخر من باب الخان، وغيره من بعض الأحياء الأخرى، وكانت عدتهم قليلة جداً.

التعذيب في السجن

قال الأخ السيد حسن (رحمه الله): ان في السجن كان البكر بنفسه يحضر بعض أنواع التعذيب، وكذلك أستاذه عفلق المشهور، وكان عفلق هو الرابط بين البريطانيين وبين البعثيين، وأخيراً قتله الله سبحانه ودفن في بغداد.

وذكر الأخ الشهيد (رحمه الله): انه حينما كان في سجن البعث وتحت التعذيب القاسي، نذر لله (عزوجل) وتوسل بالإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه) إذا نجاه من ذلك السجن الرهيب يكتب كتاباً حوله (عليه السلام)..

فلما خرج من السجن وفرّ من العراق إلى سوريا ولبنان، حيث كان من المتوقع أن يغير البعثيون رأيهم فيه ويسجنونه مرة ثانية أو يقضوا عليه، انشغل مدة، فرأى الإمام المهدي (صلوات الله عليه) في المنام فطلب (عليه السلام) منه الكتاب الذي نذره..

قال الأخ: كنت قد نسيت نذري ذلك، فلما رأيت الإمام (عجل الله تعالى فرجه) في المنام تذكرت النذر.. فكتب كتابه (كلمة الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه)).

كما كتب جملة من الكتب باسم (الكلمة)(18)، لكل معصوم ابتداءً من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) إلى الإمام المهدي (عليه السلام).. وقد أضاف إلى ذلك كتاباً في كلمات الله سبحانه وتعالى من الأحاديث القدسية باسم (كلمة الله) وبعض الكتب الأخرى، وكل كتبه جميلة ومنتخبة انتخاباً حسناً، فجزاه الله خير جزاء المحسنين.

الشهادة

غادر الأخ الشهيد (رحمه الله) العراق فراراً من البعثيين وذلك فور إطلاق سراحه من السجن، فركب طائرة من بغداد إلى بيروت، وبعد إقلاع الطائرة والخروج من سماء العراق أرسل البكر برقيّة إلى الطائرة بالرجوع إلى بغداد، لاعتقال الشهيد مرة ثانية، لكن الطائرة لم تكن بأمره حتى ترجع.. وهكذا نجاه الله عزوجل.

فهاجر الشهيد إلى لبنان وسوريا، وبدء بصفحة جديدة من النشاط الديني في العديد من دول العالم(19)..

وأخيراً كان مصيره القتل في سبيل الله على يد طغاة العراق (فرضوان الله تعالى عليه).

آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي بن حبيب الله الشيرازي، ولد في كربلاء المقدسة عام 1304هـ اشترك في ثورة العشرين لطرد الاستعمار البريطاني، توفي في 28 شعبان 1380هـ ودفن في الصحن الحسيني الشريف.

آية الله العظمى الشيخ محمد تقي الشيرازي، سبقت ترجمته.

عبد السلام عارف (1921 ـ 1966م) ضابط عراقي قام بانقلاب عسكري على عبد الكريم قاسم، رئيس الجمهورية عام (1963م) قتل في حادث سقوط طائرة، خلفه أخوه عبد الرحمن (1966 ـ 1968م).

الشيخ عبد الزهراء الكعبي، مرت ترجمته.

السيد محمد بن علي أكبر بن قاسم الموسوي الشيرازي المعروف بسلطان الواعظين، يصل نسبه إلى السيد إبراهيم المجاب ابن الأمير محمد العابد بن الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) توفي في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري عن عمر ناهز التسعين عاماً. وكتاب (ليالي بيشاور) يقع في أكثر من الف ومائة وخمسين صفحة وطبع عدة مرات.

رضا بهلوي (1878-1944م) شاه ايران 1925م، حكم بالظلم والجور والاستبداد، ونشر الفساد، تنازل لابنه محمد 1941م.

آية الله العظمى السيد ميرزا مهدى الشيرازي، سبقت ترجمته.

آية الله العظمى المرجع الديني الكبير السيد محسن الحكيم، ولد في النجف الأشرف 1306هـ ، وتوفي سنة 1390هـ ، أصدر فتواه الشهيرة بتكفير الشيوعية والكشف عن صبغتها الإلحادية في 17 من شعبان عام 1379هـ (آيار 1960م) واعتبر إن الشيوعية كفر وإلحاد، ونشر الفتوى في جريدة العراق آنذاك.

آية الله العظمى السيد عبد الهادي بن اسماعيل الحسيني الشيرازي، ولد في مدينة سامراء عام 1305هـ آلت اليه المرجعية الدينية بعد وفاة السيد أبو الحسن الإصفهاني، له مواقف مشرفة ضد الاستعمار البريطاني، اشترك مع الشيخ الشيرازي في ثورة العشرين، ووقف بوجه المد الشيوعي وأصدر فتواه الشهيرة بضلالتهم، أعماه الأنجليز عام 1369هـ و توفي عام 1382هـ.

10ـ سبقت ترجمته.

11ـ جمال عبد الناصر (1918ـ 1970م) رجل دولة مصري، قلب الحكم على الملك فاروق (1952م) رئيس الجمهورية عام (1958م) حتى وفاته

12ـ آية الله السيد محمد صادق بن السيد محمد رضا بن السيد هاشم القزويني الموسوي الحائري، من أسرة علوية مجدها شامخ وشرفها باذخ، لها تاريخ حافل بالمكارم وجلائل الأعمال.اعتقلته السلطات الظالمة في العراق إلى يومنا هذا، ولم يكن منه خبر ولا أثر، وعمره يناهز المائة سنة..

13ـ سبقت ترجمته.

14ـ آية الله الشيخ جعفر الرشتي، ولد في رشت الإيرانية عام 1310هـ 1892م ثم هاجر إلى العراق ودرس على كبار علمائها، توفي في كربلاء المقدسة رجب عام 1394هـ تموز 1974م.

15ـ الشيخ محمد رضا جواد الشبيبي من عشيرة بني اسد ولد عام 1307هـ 1889م في النجف الاشرف، شارك في ثورة العشرين وكان رابطاً مع بعض شيوخ العشائر في الفرات الأوسط وأحد الأعضاء البارزين في حزب الاستقلال الذي ترأسه السيد محمد الصدر، تقلد وزارة المعارف في خمس دورات وأصبح عضواً لمجلس النواب في ثمان دورات، توفي في بغداد عام 1386هـ 1966م.

16ـ ميشيل عفلق مسيحي تخرج من فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، من مؤسسي حزب البعث.

17ـ أحمد حسن البكر (1916-1982م) رئيس الجمهورية العراقية (1968-1979).

18ـ موسوعة الكلمة تشمل على 25 مجلداً، طبع أكثرها، والباقي على شرف الطبع بإذن الله تعالى، وسنذكر القائمة التفصيلية لمؤلفات الشهيد (رحمه الله) في آخر الكتاب. الناشر.

19ـ للتفصيل راجع كتاب (حضارة في رجل) و(الشجرة الطيبة).