الفهرس

المؤلفات

المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

مدينة الزيارة

ثم إنه بحكم كون كربلاء المقدسة مركزاً هاماً من مراكز الزيارة،لأنها مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) ومضاجع آله الأطهار وحججه الأخيار، فإن الوفود تنهال عليهم عدة مرات كل عام في مناسبات معينة، مثل زيارة عاشوراء، والأربعين، وأول رجب، والنصف من رجب، والنصف من شعبان، وأول رمضان، وليالي الإحياء من شهر رمضان المبارك، وأيام عيد الفطر، ويوم عرفة، وعيد الأضحى، وأحياناً يصل عدد هؤلاء الوفود إلى المليون كما في زيارة الأربعين، هذا بالإضافة إلى عيد يوم النيروز، وليالي الجمعة، وفي مناسبات زيارة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإن الوفود تجعل طريقها إلى النجف من كربلاء ذهاباً وإياباً أو في كلتا الحالتين، وكذلك في أيام الحج حيث وفود الأتراك والأكراد والهند والباكستان والأفغان وإيران وسوريا ولبنان تتقاطر على كربلاء إما للزيارة وإما حيث أنها طريق طبيعي لحجاج البر، وهذا الاتصال الدائم بمختلف الجنسيات واللغات والثقافات رفع من ثقافة كربلاء كما رفع من آداب الأهالي، وهناك العديد من الأهالي يعرفون اللغات المتعددة أو لغتين على الأقل، ولذا فإن الوارد إلى كربلاء المقدسة يدهش لما يراه من الآداب والمعرفة ولما يلمسه من معرفة الأهالي بأمور مختلف الجنسيات وقدرتهم على تلبية ما يتطلبه الزائر من الكيفية والمزايا.

المدينة الملجأ

وبمناسبة تواتر الوفود إلى كربلاء المقدسة، فإن أهالي البلاد يشكلون أكبر عدد ممكن من الجنسيات، إذ أن الكثير من الزائرين مقيمين في كربلاء، فيختلطون بالأهالي، وبقائهم، إما لأجل مجاورة الإمام الحسين (عليه السلام)، أو لأجل الفرار من أماكن الضغط في الأقطار المجاورة، وإما لأجل التجارة، حيث تشكل كربلاء سوقاً رابحاً، وأما لأجل أن أهالي كربلاء تزوجوا بعض كريمات الزائرين، ولذا فإن أهالي كربلاء يشكلون من العراقي، واللبناني، والخليجي، والسعودي، والهندي والباكستاني، والإيراني، والأفغاني، والأفريقي، والتركي، والسوري، وحتى المغربي.. وغيرهم، كما أن هناك مناسبة أخرى توجب بقاء غير الكر بلائي في كربلاء المقدسة، وهي مناسبة كون كربلاء مركزاً علمياً في العراق، فإن في كربلاء جامعة علمية كبيرة، تحتوي على زهاء ألف طالب علم دين، أخذاً من المجتهد إلى الطالب البدائي، وفيهم العالم والخطيب والمؤلف والشاعر والكاتب والواعظ والمرجع وغيرهم، وهؤلاء نازحون من مختلف بلاد العراق، ومن مختلف البلاد الإسلامية وغير الإسلامية.

نواة الحوزة العلمية

وينبغي أن نتكلم عن الحوزة العلمية الدينية، في كر بلاء، فكر بلاء المقدسة، منذ ألف سنة تحتوي على الحوزة العلمية الدينية الشيعية، فقطنها كبار رجال العلم والدين، وأعاظم المراجع والفقهاء، ومشاهير الأدباء والكتاب، والآن توجد فيها أضرحة جملة منهم، مثل ابن حمزة صاحب الوسيلة الذي كان من تلاميذ الشيخ الطوسي والكفعمي ـ على أحد القولين ـ والآغا باقر البهبهاني، وصاحب الفصول، وصاحب الضوابط، وصاحب الرياض، وصاحب البرهان القاطع في الفقه، وشريف العلماء، وابن فهد الحلي، والشيخ محمد تقي الشيرازي، والسيد ميرزا هادي الخراساني، ووالدي (رحمه الله)، وغيرهم وغيرهم، كما أن فيها عدداً من مدارس علمية ودينية، ومدرسة أهلية باسم مدرسة الإمام الصادق، ومدارس ستة لحفظ القرآن الحكيم، وعدة جمعيات خيرية، وعدداً كبيراً من المكتبات، سواء منها ما هي للمطالعة أو ما هي للتجارة، كما أن فيها مطابع ومؤسسات إسلامية تربو على مائة مؤسسة منها ثقافية، ومنها صحية، ومنها اجتماعية ومنها غير ذلك.

مدينة الخطباء

وباعتبار كون كربلاء مرقداً للإمام الحسين (عليه السلام)، فهي مصدر من مصادر خطباء الشيعة، وفيها أكثر من مائتي خطيب، يرقون المنبر في كربلاء، وفي غيرها من البلاد في مختلف المناسبات، وفيها هيئات للخطابة والإرشاد. ثم بمناسبة كون كربلاء مزاراً لمختلف البلاد الإسلامية وغير الإسلامية وبمناسبة وجود الحوزة العلمية الدينية في كربلاء، وبمناسبة تخريج كربلاء للخطباء، واحتياج البلاد إليها في استيراد الخطيب منها، فإن الكتب لها سوق رائج في هذا البلد، والغالب على بيوتها أنها تحتوي على مكتبة، أو كتب، مما رفع - بدوره ثقافة الأهالي، كما أن كثيراً من المساجد في كربلاء، تحتوي على المكتبة.

الهيئات

وهناك شيء آخر تمتاز بها كربلاء المقدسة، على كثير من المدن، وهي الهيئات، ففي كربلاء تجد مختلف الهيئات التي تعمل لصالح الدنيا والدين، والهيئة عبارة عن جماعة من الناس، يشكلون وحدة، لأجل إنجاز مهمة دينية أو دنيوية، مثلاً هناك هيئة لأجل زواج العزاب، وهيئة لأجل التبليغ السيار في مختلف البلاد والقرى، وهيئة لأجل إدارة المستوصف الصحي، وهيئة لأجل بعث الكتب إلى مختلف بلاد العالم، تسمى برابطة النشر الإسلامي، وهيئة لأجل مساعدة الفقراء والمعوزين، إلى غيرها، كما أن هناك هيئات كثيرة يصل عددها إلى مائة هيئة، لأجل جمع الشباب، أخذاً من الابتدائية إلى خريجي الجامعة، وكل هيئة لها اسم خاص، مثل هيئة الرسول الأعظم، وهيئة الإمام علي، والهيئة الجعفرية، والهيئة الحسينية وغيرها، وبعض هذه الهيئات تضم تسعمائة شاب، وبعضها أقل، وبعضها أكثر، وكل هيئة من هذه الهيئات تجتمع في الأسبوع مرة في النهار أو في الليل، ومنهجهم قراءة القرآن أولاً، ثم إلقاء كلمات إسلامية، ومناقشات في مختلف الشؤون الدينية والدنيوية،كما أن في كربلاء المقدسة قسماً آخر من الهيئات، وهي الهيئات العزائية، التي هدفها إقامة عزاء الإمام الحسين في وقت من أوقات السنة وهي كثيرة أيضاً، أمثال الهيئة الحسينية،الهيئة الفاطمية، والهيئة الحيدرية وهيئة شباب الطف وغيرها.

التأسيس المدرسي

ولا بأس إذا عدت إلى استعادة شيء من ذكرياتي، عطفاًعلى ما سبق ـ حيث أنها تعكس أيضاً، جانبا من صور كربلاء المقدسة، فقد قمت ـ ومنذ عشرين سنة تقريباً ـ بأول باكورة أعمالي في حقل الخدمة العامة، بمعونة جملة من علمائنا الا علا م والتجار المحترمين، بتأسيس مدرسة الإمام الصادق الأهلية في كربلاء المقدسة، وحيث أن التأسيس كان أول عملنا في مثل هذا الحقل، فقد واجهتنا جميعاً صعوبات مرهقة، فالحكومة لم تمنحنا الإجازة لفتح المدرسة، إلا بعد جهد طويل، ومراجعات كثيرة، طالت ستة أشهر وأكثر، وتأمين المال للمدرسة بصورة مستمرة، حيث جعلناها مجانية لكل من يرغب، وعدم معرفتنا بهذا اللون من المشروع، وما يتطلبه من برامج وأنظمة، لأننا لم نكن أتقناها من ذي قبل، وخصوصاً حيث كان الواجب يحتم علينا أن نطبع المدرسة بطابع الدين وخاصة في البرامج، حيث أن هدفنا كان ذلك، وفي نفس الوقت، كان لابد للمدرسة أن تساير البرنامج الحكومي الذي لم يحفل بالدين، وكنا مضطرين إلى اتباعه حتى لاتغلق المدرسة، بجرة قلم.

[1] هجر: الهَجْرُ: ضد الوصل، هَجَره يَهْجُرُه هَجْراً وهِجْراناً: صَرَمَه، وهما يَهْتَجِرانِ ويَتَهاجَرانِ، والاسم الهِجْرَةُ.