الفهرس

المؤلفات

المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

مشكلة الحكومات

أن أهم مشكلة تعانيها البلاد الإسلامية عامة هي مشكلة الحكومة والشعب، فالحكومات غالباً لا تلتزم بالإسلام منهجاً ونظاماً، والشعوب غالباً تلتزم بالإسلام، ولذا فإن هناك تدافعاً هائلاً بين الجهتين، ينتهي غالباً بالمظاهرات، والثورات، وأحياناً بالحروب الأهلية، وإذا تمت الثورة ظهر التدافع من جديد وبمظهر جديد، صحيح أن الأطماع والحكومات الكافرة وراء الثورات، ولكن وقودها الوحيد هو التدافع الذي ذكرت، فإنك تجد أن أكثر قطاعات الشعب من كل بلد إسلامي يتشردون من القوانين المخالفة للإسلام، وترى أن الحكومة المطبقة لهذه القوانين، حكومة غير إسلامية لقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) بينما ترى غالب الحكومات مصرة أشد الإصرار على تطبيق هذه القوانين، والذي أدى أن لا يجد الاستقرار سبيلاً إلى بلاد الإسلام، إلا بعد أن تعود الحكومات إلى العمل بالإسلام شريعة ونظاماً.

المهمة الناجحة

وبعد تلك الباكورة التي تكللت بالنجاح، بآن فتحت مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) والتي عاشت إلى الآن ـ حال كتابة الكتاب 23/ رمضان /91هـ ـ قمنا نحن المؤسسين لمدرسة الإمام الصادق، بفتح أول مكتبة أهلية عامة في كربلاء المقدسة لأجل المطالعة، في المدرسة الهندية الكبرى، والتي سميت (بالمكتبة الجعفرية) والتي عاشت إلى الآن تؤدي رسالتها التثقيفية، كما شرعنا بتأسيس مجلة تجيب على كل الأسئلة الإسلامية التي توجه إليها، وسميت المجلة باسم (أجوبة المسائل الدينية) والتي عاشت أيضاً إلى الآن، وقد أثارت إصدار هذه المجلة موجة من الشكوك وعلامات الاستفهام، كان ورائها بعض الأغراض، لكن المجلة شقت طريقها إلى الحياة، حيث جعلت الشكوك والأوهام تذوب مع الأيام أمام الشمس، كما شرعنا في تأسيس جمعية باسم (الجمعية الخيرية الإسلامية) ولاقينا أيضاً في تأسيسها الرهق لنفس السبب الذي لاقيناه في مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) أما النواة المركزية لهذه المؤسسات الأربع، والتي تعد باكورة أعمالنا، فقد كانوا جملة من رجال الدين، إلى جانب بعض الأخيار من التجار وشباب مثقف من المدارس الرسمية، وحيث أني لا أعلم ما إذا يرضى أولئك بذكر أسمائهم في هذا الكتاب، لظروف خاصة يعيشونها الآن، أكتفي بذكر أسماء رجال الدين الذين كنت عضواً معهم في هذه المؤسسات وهم الشيخ جعفر الرشتي والسيد محمد صادق القزويني، والشيخ محمد الكلباسي، والسيد عبد الرضا الشهرستاني، والسيد مرتضى القزويني، وهناك كانوا آخرين من رجال الدين آزرونا في هذه المشاريع، لكنهم كانوا في الدرجة الثانية أو كانوا مربوطين ببعض المشاريع دون بعضها.

الانتشار الثقافي المبارك

وهذه المشاريع الأربع، التي لاقت من النجاح والازدهار والتقدم، فتحت الطريق أمام سيل من المشاريع، التي قمنا نحن أو قام غيرنا بتأسيسها لا في كربلاء المقدسة فحسب بل في سائر المدن والبلاد الإسلامية وغير الإسلامية، وحيث أنا الآن بصدد عرض شيء من ذكرياتي في كربلاء المقدسة، نكتفي بالقول: لقد وفق الله سبحانه وتعالى جماعة من أهالي الخير والإحسان إلى فتح مشاريع كثيرة، كنت أنا عضواً في جملة منها، وكإشارة إلى هذه المشاريع، يكفي الإنسان أن يعلم أن مؤسسة واحدة، هي مؤسسة حفاظ القرآن الحكيم، كان لها ثلاثون مؤسسة، تزاول مختلف أنواع النشاط الثقافي، والصحي، والاجتماعي، والتربوي، والصناعي، وغيرها، وقد ذكر قسم من تفاصيل ذلك في كتاب خاص باسم (مدارس حفاظ القرآن الحكيم) كما ألمع إلى هذه المؤسسات، في (التقويم الإسلامي) الذي كان يصدر عن مدارس الحفاظ، مع العلم أن النشاطات التي كانت تزاولها مدارس الحفاظ كانت أكثر، ولعلها كانت تبلغ الخمسين، أمثال (النشرة المدرسية) و (إعلان المناسبات) وغيرها. كما أن مؤسسة أخرى في كربلاء المقدسة وهي مؤسسة (طبع ونشر الكتب الدينية) كان لها من الفروع أكثر من سبعين فرعاً، فإذا ضمت هاتين المؤسستين إلى مؤسسة (هيئات الشباب) التي ألمعنا إليها سابقاً، يجد الإنسان، أن ثلاث مؤسسات فقط كانت تدير ما يقارب مائتي وخمسين فرعاً، ناهيك بسائر المؤسسات، التي منها رابطة النشر الإسلامي، والتي أسسها السيد محمد كاظم القزويني، لاجل تنوير الرأي العام العالمي بالإسلام وأهل البيت عليهم السلام، والتي تشتري الكتب أو تطبعها بنفسها، لتوزعها على مختلف بلاد العالم مجاناً، وقد تمكنت هذه المؤسسة الواحدة من نشر ما يقارب من نصف مليون كتاب في مدة لاتزيد عن عشر سنوات، وفيها الكتب الكبيرة ذو المجلدات العديدة، والكتاب الصغير ذو الصفحات المعدودة.

كما أن كربلاء المقدسة أخذت تصدر مجلات شهرية كثيرة أهمها: (القرآن يهدي) و (أعلام الشيعة) و (أجوبة المسائل الدينية) و (منابع الثقافة الإسلامية) و (مبادئ الإسلام) Islamic Rudiments وهذه باللغة الانكليزية و (صوت المبلغين) و (صوت العترة) و (الأخلاق والآداب) و (ذكريات المعصومين) و (نداء الإسلام) و (صوت شباب التوحيد) وإذا أراد الإنسان أن يعلم مدى خدمة هذه المجلات في البلاد، فيكفيه أن يعلم أن مجلة واحدة منها وهي (منابع الثقافة) نشرت في مدة عشر سنوات، أكثر من نصف مليون كتاب... وكانت في كربلاء المقدسة حركة ثقافية أخرى، هي حركة نشر الكتب المجانية، وقد كنت أنا أدير دفتر هذه المؤسسة، ومما يصلني من التبرعات والحقوق، وهذه المؤسسة تمكنت في ظرف عشر سنوات تقريباً. أن تنشر قرابة خمسة ملايين كتاب في شتى العلوم ومختلف المجالات، ومختلف البلاد: العراق، وإيران، ولبنان، وبلاد الخليج،والهند والباكستان، والأفغان، والسعودية، وتركيا، وأفريقيا، وأوربا، وأمريكا، كما أنها كانت بمختلف اللغات والتي بلغت خمس عشرة لغة. منها الانكليزية والفرنسية والتركية، ويكفيك أن تعلم أن هذه المؤسسة كانت تنشر في بعض الزيارات أكثر من مائة ألف كتاب، وكانت في كربلاء المقدسة مؤسسة ثقافية أخرى، هي مؤسسة نشر المناشير، لمختلف المناسبات كالأعياد، وأيام الوفيات، وشهر رمضان وأيام الحج وما إلى ذلك، وكانت في كربلاء المقدسة مؤسسة ثقافية أخرى باسم شباب التبليغ كانت تطبع الكتب وتنشرها بيعاً أو مجاناً، وقد تمكنت هذه المؤسسة في خلال ثلاث سنوات، أن تطبع وتوزع ما يقارب المأة ألف كتاب إلى غيرها من المؤسسات، ولعل الإنسان تأخذه الدهشة، إذا تصور هذه الأرقام الهائلة، والمؤسسات الكثيرة، لكن إذا علم الإنسان مدى طيبة نفوس أهالي كربلاء المقدسة وعلم مدى حبهم للعلم والدين ومدى اهتمامهم بنشر الإسلام وولائهم لأهل البيت عليهم السلام، رأى أن الأمر طبيعي بالنسبة لهم.

بين التأليف والدراسة

وقد وفقت أنا مدة كوني في كربلاء المقدسة، أن أؤلف ما يقارب الثلاثمائة كتاب، بين كبير يقع في خمسمائة صفحة، وبين صغير يقع في صفحات وطبع منها إلى الآن أكثر من مائة وعشرين كتاباً ترجم بعضها إلى عدة لغات[1] وهذا الأمر أ حسبه منحة من الإمام الحسين (عليه السلام)، ولطفاً منه بالنسبة إلي.

كما أني منذ أواخر حياة والدي (ر ه) كنت أقيم الصلاة الجماعة بأمره، في مكانه في الجانب الغربي من صحن الإمام الحسين (عليه السلام) وقبل إقامتي للصلاة كنت أدرس (درس الخارج)[2]. فكنت أدرس الفقه صباحاً، والأصول عصراً، وأحياناً كنت أدرس فقهاً ثانياً عصراً، وقد درست في هذه المدة (دورتين) في أصول الفقه، وكتاب (الطهارة، والصلاة، والخمس، والمكاسب، والصوم، والنكاح) في الفقه، وبعد انتقال الوالد (ر ه) إلى جوار رحمة ربه، وفقني الله لأن أقوم بأعباء الحوزة العلمية في كربلاء وإدارة شؤون معاشها وأمورها الأخيرة ثم أضفت إلى ذلك قسماً من النجف الأشرف والكاظمية وسامراء وبغداد، وبعض بلاد لبنان، وبعض بلاد إيران، وبعض بلاد باكستان، كل ذلك بفضله سبحانه، وبهمة أهالي كربلاء المقدسة، الذين آزروني أحسن المؤازرة، صحيح أن المال لم يكن كله من كربلاء وحدها، وإنما من مختلف البلاد التي يتواجد فيها المسلمون، ولكن كان لكربلاء المقدسة حصة المؤازرة والمساعدة، وقد خرجت رسالتي العملية، وذلك تعليقاً على رسالة المرحوم الوالد (ر ه) في سنة 1382 ولا بأس أن أذكر هنا موضوعاً هو:

أنه جرت منذ زمن الوالد (ر ه) عادة جميلة هي (امتحان طلاب العلوم الدينية).

المعارك السياسية

ثم أني قد خضت المعارك السياسية، سواء في زمن الوالد أو بعده، لكن الخوض كان بقصد التقويم والإرشاد والإصلاح، والإيقاظ، فكنت أتصل بالمسؤولين الكبار مباشرة، بواسطة أو وفوداً أو برقيات أو رسائل، سواء من ذلك مسؤولي العراق وغيرهم، ربما لو وفقني الله لجمع تفاصيلها لصار مجلداً ضخماً، وقد لقيت من هذا العمل شدائد وصعوبات، لكني لم أبديها. وكان علماء كربلاء المقدسة، بصورة عامة، يساعدونني في هذه المعارك، فإنهم رحم الله الأموات منهم، وحفظ الأحياء، أبدوا أفضل أنواع البسالة والشهامة في الذب عن كيان الإسلام ورد غائلة الكفر والنفاق عن حريمه، كما أنه كان للأخ السيد حسن الشيرازي نصيب وافر في هذا الحقل، ولاقى بسبب ذلك مصائب معروفة.

مناظرات مع أهل الأديان

كما أن الله من علي في مدة إقامتي في كربلاء المقدسة، بإسلام وهداية جمع من مختلف الإنحرافات على يدي وكان فيهم (المسيحي) و (الصابئي) و (علي اللاهي) و (الملحد) و (المنحرف عن أهل البيت) وكان فيهم العراقي والإنكليزي والإيطالي والألماني والأمريكي، وغيرهم، لكن ظروفاً خاصة حالت دون توسعة هذا النشاط، وإلا فإني أرى أن الإسلام والاستقامة، مما يقبلهما كل الناس، بإستثناء المعاند وهم ثلة قليلة جدا، ثم أنه قد جرت بيني وبين جماعة منهم مناقشات جميلة، لا بأس أن أنقل إحدى تلك المناقشات، ليعلم الناس كيف يفكر هؤلاء قال لي أحدهم: بأي دليل تقولون بنبوة محمد؟

قلت: بنفس الدليل الذي تقولون به للاستدلال على نبوة المسيح.

قال: دليلنا معاجز المسيح.

قلت: دليلنا أيضا معاجز محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال: من أين تثبتون أن لمحمد كانت معاجز؟

قلت: أنتم من أين تثبتون أنه كانت لعيسى معاجز؟

قال: بالتواتر.

قلت نحن أيضاً نثبته بالتواتر..

قال: وما الحاجة إلى محمد بعد رسالة المسيح!

قلت: وما الحاجة إلى رسالة المسيح بعد رسالة موسى؟

قال: لكن محمداً كان يتزوج كثيراً.

قلت: ومن أعلمك فلعله لو لم يرفع عيسى كان يتزوج أيضاً ثم إذا لم يتزوج الصالحون، أليس معنى ذلك انقطاع نسل الصالحين الذي هو أفضل نسل؟

قال: إني لا أتمكن أن أسلم لأن معنى ذلك أني لو أسلمت. أهملت المسيح ومريم.

قلت: بالعكس إنك لو أسلمت يجب عليك أن تحترم المسيح احتراماً أكثر، وقد أنزل الله سبحانه في القرآن الكريم سورة باسم (سورة مريم) وأطرى على المسيح ومريم إطراءً بالغاً، ثم قرأت له بعض الآيات في هذا الشأن وأريته السورة، فتعجب الرجل تعجباً بالغاً.

وقال: لم أكن أعلم أن للمسيح هذا الشأن في الإسلام، ولو أن الإسلام لا يأمرني بإهمال المسيح وأمه فأنا مستعد أن أسلم.

فقلت له: إذا تبين لك الحق، فأسلم.. وتردد الرجل لحظة، ولكنه أسلم أخيراً- والحمد لله-

المشاركة الوطنية

وقد شاركت كربلاء المقدسة في قضية فلسطين، ونكبة حزيران، فقدمت خيرة شبابها فدائيين في الجبهة، بطوع رغبتهم، وبمحض إرادتهم، ولأجل انتصار كلمة الحق على الباطل، واسترجاع أراضي الإسلام من أعدائه، بالإضافة إلى المشاركة الإعلامية، وذلك بطبع المناشير وإقامة الاحتفالات بهذا الشأن، وطبع الكتب، صحيح أني كنت قد كتبت (هؤلاء اليهود) وطبعته قبل النكسة، لكن كربلاء أعادت طبعها بعد النكسة أيضاً، ولما حرفت اليهود القرآن الكريم، ووزعته في إفريقيا، استنكرت أوساط كربلاء هذا العمل، وأبرقوا إلى المسؤولين حول هذا الشأن، كما أن مجلة (منابع الثقافة) وبعض المجلات الأخرى، طبعت مناشير حول هذا التحريف، وأرسلتها إلى مختلف بلاد العالم، وبعد النكسة، ساعدت كربلاء النازحين والفدائيين بكميات كبيرة من المساعدات، وأرسلتها مع أمناء من مدارس الحفاظ والخطباء ومن التجار المحترمين، كما أن كربلاء المقدسة أقامت سوقاً خيرية في بناية المكتبة المركزية في شارع الإمام علي، لإغاثة الفدائيين والنازحين، وكذلك تبرع تجار كربلاء المقدسة، بمبالغ محترمة، لأجل ذلك، وأرسلوها بواسطة متصرف اللواء إلى وزارة الدفاع لترسلها إلى الفدائيين والنازحين إلى غير ذلك من الأعمال الكثيرة التي قاموا بها في هذا المجال.

ولا غرابة في الأمر، فإن كربلاء المقدسة، بلد التضحية والفداء، منذ أن استشهد فيها الإمام الحسين (عليه السلام)، وقبل نصف قرن فجرت كربلاء ثورة العشرين، بقيادة المرجع الإسلامي الأعلى المجاهد الحاج الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي، فقد حارب العراق تحت لواء هذا العالم الديني ضد المستعمرين، حرباً لا هوادة فيها، وبذل الكثير حتى انتزع استقلاله من الأجنبي، في قضايا مفصلة، مذكورة في كتاب (الحقائق الناصعة) وفي كتاب (كربلاء تفجر ثورة العشرين).

مقاومة الانحراف

وفي إبان المد الأحمر بعد ثورة (14) تموز كانت كربلاء تقاوم الإلحاد والانحراف، بكل صلابة وقوة، ووقفت الموقف المشرف الذي بسببه انحسر المد عن كل العراق، وحيث أن آية الله الحكيم (ر ه) أضطهد في النجف الأشرف بسبب بعض الأشرار، أرسل والدي (ر ه) إليه بعض ذويه،يدعوه للنزوح إلى كربلاء والإقامة فيها، حتى يفرج الله سبحانه، ولبى السيد الحكيم دعوة الوالد ولما جاء إلى كربلاء، قدم الوالد مكان صلاته في صحن الحسين (عليه السلام) إليه، حيث صلى هناك، واحتفى الكربلائيون الكرام بالسيد، وأخص بالذكر منهم خدمة الروضتين المطهرتين، فقد أبدوا جزاهم الله خير الجزاء كل بسالة وشهامة، وأذكر منهم السادة الأعزاء آل زيني، وآل الشروفي، وآل طعمة، والسادة الأفاضل آل ثابت، والسادة الأفاضل آل نصر الله، وغيرهم وغيرهم، حتى هدأت العاصفة ورجع السيد الحكيم إلى النجف الأشرف، ولم يزل يشكر الكربلائيين إلى حين وفاته.

احتفالات المدينة

وفي ذلك الحين حين (المد الأحمر) أقام أهالي كربلاء المقدسة الاحتفال الفريد من نوعه في مولد الإمام أمير المؤمنين، ثالث عشر من رجب، ولعل الاحتفال بهذه المادية والمعنوية الضخمة، لم يكن ممكناً لولا سهر المدينة وجهدها المتواصل طيلة خمسة أشهر، ابتداءً من ربيع الأول وإلى آخر رجب، - وإن كانت قمة الاحتفال في الثالث عشر ـ فقد نقلت أخبار الاحتفال الإذاعات العالمية عامة وقدرت جملة من الإذاعات مصارف الاحتفال بخمسة ملايين دينار ـ والمراد بذلك، طبعاً، المال والجهد معاً ـ كل ذلك قام به أهالي كربلاء الكرام، وهذا القدر يكفي لأن يعرف الإنسان كم كان جمال الاحتفال الذي عم كل المدينة، والطرق الموصلة إليه، كما أنه يكفي لمعرفة ضخامة الاحتفال المعنوية من الناحيتين الدينية والسياسية ـ أن يعلم الإنسان أن من المشتركين في الاحتفال، والذين كانت لهم الكلمات، كان السيد الوالد (رحمه الله)، والسيد الحكيم (رحمه الله) ورئيس مجلس السيادة، ورئيس الوزراء، ونظرة خاطفة إلى كتاب (المهرجان العالمي) الذي طبع بهذا الشأن تكفي لأن يعلم الإنسان، مدى أهمية هذا الاحتفال الذي قام على أثره احتفال النجف الأشرف، والحلة، وبغداد، والكاظمية، وسامراء، وبعض البلدان الأخرى، والذي يقام إلى هذا العام، ففي كل سنة يقام الاحتفال في كربلاء المقدسة على غرار ذلك الاحتفال في (13 رجب) وإن لم تبلغ الاحتفالات المتأخرة تلك الضخامة.. ونرجو أن يأتي يوم يجمع بعض أدباء كربلاء المقدسة كتاباً بشأن هذه الاحتفالات، حتى يستفيد العالمان الديني والأدبي من النثر والشعر ـ الراقيين - الذين ألقيا في الاحتفال.

التقدير السياسي إزاء القمع

وهنا سؤال يفرض نفسه، أنه إذا كان الكربلائيون بهذه الهمة الرفيعة والمواقف الصلبة أمام القوى الكافرة والغازية، فلماذا تقاعسوا عن نصرة المرجعين الدينيين الكبيرين السيد أبو الحسن الأصفهاني، والشيخ محمد حسن النائيني وزملائهما حين أبعدتهم السلطات عن كربلاء المقدسة؟ ولماذا لم ينبس أحد ببنت شفة في ذلك الوقت العصيب؟ والجواب على ما بينه أحد علماء كربلاء وكان مسفراَ أيضاً برفقة السيد الشيخ، قال: إن السلطة أرهبت الناس أشد الإرهاب، حتى أن أحداً لم يجرأ على المقاومة، ومن المعلوم ما يكون مفعول الإرهاب إذا بلغ مداه ثم أن المقاومة تحتاج إلى القيادة، فإذا لم يرض القائد نفسه، أن يقاوم الجماهير، كانت الجماهير معذورة، إن القيادة في ذلك اليوم كانت للسيد، والجماهير كانت مستعدة للتضحية، لكن القائد لم ير في التضحية مصلحة للإسلام، حيث أن الأمر لم يعدو التسفير إلى إيران، والناس بعد لم يندمل جرحهم، عن ثورة العشرين، فلم يشأ القائد أن يزجهم في أتون المقاومة، مما قد يؤدي إلى حرب أهلية.. وقد جربت صدى هذا الكلام، ففي أيام المد الأحمر ـ بعد قيام الجمهورية بقليل ـ وحيث كنا نكافح كفاحاً سليماً، لأجل إرجاع الأمور إلى نصابها، ولوضع حد للتطرف، جائني ـ أنا بالذات ـ بعض شيوخ الفرات الأوسط، وأبدى إستعداده لتزويدنا نحن المكافحين بالسلاح اللازم لأجل الكفاح المسلح، لكني اعتذرت عنه، بان الأمر لم يصل إلى هذا الحد. وإن خوضنا هذه المعركة في هذا المستوى يؤدي إلى نشوب حرب أهلية، تكثر فيها التضحيات على أقل تقدير.. ومرة ثانية في إبان ذلك المد جائنا من لديهم الرجال والسلاح يبدون استعدادهم لجعل ما عندهم من سلاح ورجال، تحت تصرفنا، إذا أردنا المكافحة المسلحة، وكان جوابنا لهؤلاء نفس جوابنا لأولئك الشيوخ، وقد تقدم أهالي كربلاء المقدسة، إلي ـ في جملة من المناسبات الحرجة ـ للتظاهر والإضراب، واستخدام السلاح والمتفجرات لكني رأيت أن الأمر لا يستوجب ذلك، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية، فإن الإقدام في أمر لا تعلم عاقبته ليس من الحزم، وكما يقول الشاعر (وأحزم الناس من لو يرتكب عملاً) (حتى يفكر ما تجني عواقبه).. إن القضايا المذكورة، والتي كنت أنا طرفاً فيها ألقت بعض الضوء على سبب سكوت أهالي كربلاء، عن تسفير أعلام العلم، كما حدثني بذلك العالم الآنف الذكر.

حب العلم والعلماء

إن أهالي كربلاء المقدسة ـ بنظرتهم، وبحكم كونهم بجوار الإمام الحسين (عليه السلام) وبحكم شلال التوجيه الديني، الذي يتلقونه من الحوزة العلمية، والخطباء ـ يحبون العلم والعلماء ويعظمون الدين وأهله، ويبذلون في سبيل ذلك الكثير الكثير من المال والوقت والنشاط، ولذا تجد المجالس الدينية عامرة، في كربلاء المقدسة بشكل يقل نظيرها في سائر البلاد، والمجالس الدينية عبارة عن:

1 ـ الاحتفالات الدينية في مناسبات المواليد وماأشبه.

2 ـ ومجالس العزاء والوعظ، التي تعمر كربلاء طول السنة.

3 ـ الفواتح التي تقام باسم الأموات ولأجل الثواب.

4 ـ والمجالس التي تعقد لتوديع واستقبال العلماء والحجاج.

5 ـ والاحتفالات التي تقام بمناسبة تكريم إنسان كبير عالم أو خطيب أو ما أشبه.

[1] بلغت اللغات التي ترجم إليها مؤلفات الإمام الشيرازي حتى الآن عشر لغات تجدها مع أسماء مؤلفاته المطبوعة على غلاف رسالته العملية (أحكام الإسلام).

[2] (درس الخارج) هو أعلى مستويات الدراسات الدينية التي يحضرها رواد الاجتهاد، والإمام الشيرازي يدرس (الخارج) منذ خمسة عشر عاماً.