الفهرس

المؤلفات

المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

الإطعام

كما أن أهالي كربلاء المقدسة، يبذلون كثيراً في الإطعام، في مختلف المناسبات بشكل عام فريد، فلهم في كل مناسبة ضيافات ضخمة، تكلف أموالاً طائلة، في كل ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك، وفي أيام مواليد النبي (صلى الله عليه وآله وسلمّ) والزهراء والأئمة الطاهرين وفي أيام وفياتهم، وبمناسبة زيارات الإمام الحسين (عليه السلام) من محرم، وصفر، ورجب وشعبان، وذي الحجة، وغيرها. فمثلاً يطعمون أكثر من نصف مليون إنسان في مناسبة عاشوراء كما أنهم يضيفون بالمناسبات الشخصية، كمناسبة (الاختتان) و (الزفاف) و (سفر الحاج) و (وقدوم الحاج) و (موت أحدهم) و (موت عالم أو خطيب) و (قدوم عالم أو خطيب) وبمناسبة (ختم مجلس عزاء الحسين) وما أشبه، وفي الحقيقة، لو تجمع هذه الضيافات، لتشكل شيئاً هائلاً، لا يكاد يصدق.

مواكب الحج والزيارة

كما أنهم يواظبون على الحج، وعلى زيارات الأئمة الطاهرين، وأولادهم مواظبة كبيرة، بحيث لا يكاد يصدقها إلا من يعايشهم، وفي أيام الحج كربلاء موسم متحرك من أقصاها إلى أقصاها، كما أن في بعض الزيارات، تغلق الحوانيت بصورة عامة، ولأهالي كربلاء المقدسة مواكب خاصة للحج، ولزيارة الإمام الرضا، ولزيارة الإمام أمير المؤمنين، ولزيارة الإمامين الكاظمين ولزيارة سامراء ولزيارة السيدة زينب، كما أنهم يزورون سامراء في كل ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك بشكل جماعي ومنتظم وقد هيء لهم بعض المحسنين طعام الفطور هناك، فيشكل ذلك في سامراء كل ليلة، ضيافة حافلة تنبض بالحركة والنشاط.

النشاط الاقتصادي

أما موارد اقتصاد أهالي كربلاء المقدسة، والذين يعتمدون عليه في هذا البذل الكبير طيلة السنة... فهي كما يلي: -

1 ـ التجارة: فكربلاء المقدسة سوق تجاري رابح، باعتبار القرى والعشائر المحيطة بها، وباعتبار كونها مقصد الوفود والزوار.

2 ـ الصناعة: فكربلاء المقدسة تعد بلدة صناعية باعتبار كثرة الصناعات اليدوية الخفيفة فيها.

3 ـ الزراعة: فكربلاء واحة خصبة وفيها من الثمار الشيء الكثير الكثير وهي تزود كثيراً من البلدان بالثمار وبمنتجات الأشجار، أمثال ما يؤخذ من النخل مثل المروحة، والسلال والخوان وغيرها.

4 ـ واردات أهل العلم: فإن البلاد تبعث بحقوقها الشرعية من الخمس والزكاة وما أشبه إلى كربلاء حيث أن فيها حوزة علمية قوية، كما قدمنا، بالإضافة إلى أن الخطباء الكثيرين الذين يخرجون إلى البلاد بقصد الوعظ والإرشاد، يدرون على كربلاء مبالغ لا يستهان بها.

5 ـ الزوار والوفود: فإن كربلاء المقدسة مقصد للزائرين طول السنة، وهم يدرون على كربلاء أموالاً كبيرة وكثيرة، فكربلاء كالبلدان السياحية بالإضافة إلى التبرعات والنذور.

6 ـ الوظائف: فكربلاء باعتبار كونها مركز (محافظة) فيها موظفون كثيرون، وبقربها حامية عسكرية في المسيب وكل هذه الموارد تجعل من كربلاء بلدة تموج بالنشاط الاقتصادي.

البلدة المقدسة

وكربلاء باعتبارها بلدة مقدسة، فإنها خالية من المنكرات والموبقات، فلا سينماءات فيها ولاحانات، ولاقمار، ولاغيرها من المنكرات التي نهى عنها الإسلام، وأحياناً يحاول (مسؤول) أو جهة منحرفة، أن يأتي إلى كربلاء بهذه الأمور لكن رجال الدين والمتدينين يقفون دون ذلك.. ليس هذا فحسب، بل كربلاء المقدسة، تشكل ـ دائماً ـ قوة كبيرة أمام الإلحاد والميوعة والانحراف بالنسبة إلى كل العراق، بل سائر البلاد القريبة أيضاً فهي- إلى الآن ـ تمثل صوت الحسين (عليه السلام) الذي يدوي في مختلف الأرجاء، فإن الخطباء المجاهدين والعلماء الشجعان، والأثرياء الباذلين، وخدمة الروضتين الشرفاء ورؤساء العشائر والقبائل البواسل، ومن ورائهم طبقات الناس المتدينين، دائماً يقفون مناصرين للإسلام والمسلمين في كل مكان.

من بركات الإمام الحسين

وأهالي كربلاء ـ بحكم بلدتهم المقدسة ـ وبحكم الوعظ المستمر الذي يشع منهم عبر المنابر الحسينية، وبحكم وجود الحوزة العلمية فيها، وبحكم كون مدينتهم مقصد الوفود والزوار.. يتصفون بصفات سامية نادرة في هذه الأيام، كالإلفة والمحبة، والهدوء، والنضج، والذكاء، والنبل، والسماح، وحب الخير والنشاط، والتجنب عن الإثارة والاختلاف، والتعاون في الخير وما أشبه ذلك.

وهذه كلها من بركات الإمام الحسين (عليه السلام) فهو الذي جعل من كربلاء مدينة مقدسة يتجه إليها الناس بنياتهم الخيرة من قريب أو بعيد. ويعاملون أهالي كربلاء بالحسنى تكريماً لجوار الإمام الحسين (عليه السلام).

وكل بلدة اتجه الناس إلى أهاليها بالنيات الخيرة تجاوب معهم أهاليها بالنيات الخيرة، وكل بلدة اتجه الناس إلى أهاليها بالبينات الشريرة، فالناس ـ غالباً- يعاملون بالمثل، ويربون في أطرافهم النزعة التي ينطلقون منها ومن هنا يظهر السبب في أن الوفود والزوار يعاملون - غالباً ـ في كربلاء معاملة حسنة، ويرجعون منها راضين معجبين.

خدمة الزائرين

وفي كربلاء المقدسة عدد كبير من الحسينيات ودور الاستراحة والفنادق الأهلية وشبه الرسمية، المعدة لاستقبال الزائرين، والغالب في خدمة الروضتين، القيام بخدمات الزائرين، عن رغبة وطواعية، لأجل كسب الثواب، أما إجارة المنزل فإنما يتقاضونها من الزائرين لأجل تمشية المعاش، وغالبهم قانعون بلقمة العيش، ولذا لا تجد مستوى معيشة الأكثرية منهم إلا دون المتوسط، نعم هناك أفراد قلائل من خدمة الروضتين يتمتعون برفاه وسعة، والحقيقة أني كلما أرى تاجراً كبيراً، أو إنساناً ثرياً، أو عالماً ذا جاه، أو خطيباً موفقاً، أحمد الله على ذلك، وأسأله أن يكثر أمثاله من المسلمين، حتى ينطبق (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) في هذا المجال أيضاً، فلا يكون الكفار أعلى من المسلمين، في أي مجال، ومن الحديث (نعم العون على الدين الغني)، ومن الواجب الأخلاقي علي أن أشكر خدمة الروضتين بصورة عامة، لمشاركتهم لنا في مأساة وفاة الوالد (ر ه) ولوقوفهم الصلب في مكافحة المد الأحمر، واحتفال الإمام أمير المؤمنين، فإنهم بصورة خاصة، وسائر الأهالي بصورة عامة، أبدوا من الجرأة والإقدام والبسالة، وقد جمع بعض ما يرتبط بالأمر الأول في كتاب خاص باسم (حياة الإمام الشيرازي) وما يرتبط بالأمر الثاني في كتاب خاص بالاحتفال في عامه الأول.

هذا بعض ما خطر بذهني حول كربلاء المقدسة، سجلته لأجل الذكرى، وإني لأرجو إخواني أهالي كربلاء المقدسة مخلصاً أن ينبهوني إلى ما ينبغي تعديله في هذا الكتاب، لتداركه في المستقبل، والله المسؤول أن يوفق أهالي كربلاء المقدسة لكل خير، ويجزل لهم الثواب، ويسعدهم في الدنيا والآخرة، وهو الموفق المستعان.

الكويت 27- رمضان ـ 91 13هـ

محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي

 

[1] هجر: الهَجْرُ: ضد الوصل، هَجَره يَهْجُرُه هَجْراً وهِجْراناً: صَرَمَه، وهما يَهْتَجِرانِ ويَتَهاجَرانِ، والاسم الهِجْرَةُ.