الفهرس

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

ما نحذره قد وقع

يقول الشاعر :

أيّتها النفس أجملـي جزعاً        إنّ الذي تحذرين قد وقعا

وقد لا ينفع الصراخ ولا النياحة ، وإنّما العمل وحده هو النافع ، وبدونه قد تدوم المحنة إلى قرن آخر وقرنٍ آخر والعياذ بالله .

والعمل بسيط جدّاً وهو التوعية، قال الصادق (عليه السلام) :(ليت السياط على رؤوس أصحابـي حتّى يتفقّهوا)(1)، والمراد بالفقه ، اللغوي لا الاصطلاحي ، والفقه اللغوي هو فهم الدنيا والدين(2). قال سبحانه : (ومنهم من يقول ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب ممّا كسبوا)(3).

وفـي الحديث : (ليس منّا من ترك دنياه لآخـرته ، ولا آخرته لدنياه)(4) .

فأمّتنا اليوم هي أحوج ما تكون إلى الوعـي والتوعية وبحاجة إلى حشد كـلّ الوسائل الممكنة مـن إذاعـة وتلفـزة وجرائد ومجلاّت وشبكات فضائية وشبكات الانترنيت ، وأخيراً وليس آخراً الكتب .

وبعد كلّ هذا الحشد من الأعمال المكثّفة لعل الله يُحدث بعده أمراً.

وقد ذكرنـا حكاية «آجاثا كريستي» الكاتبة البريطانية التي ناهز عدد ما طبع لها المليار كتاب ، ولا نبالغ أبداً لو قلنا بأننا بحاجة إلى ثلاثة مليارات من الكتب لنشر الوعي الإسلامي ليس بين المسلمين وحسب بل بين غير المسلمين أيضاً .

فمليار كتاب لتفهيم الإسلام بالصورة الصحيحة ، ويجب أن ينطلق هذا الفهم من المصادر السليمة وهي الكتاب والسنّة المتواترة .

ومليار كتاب غايته احتواء البشرية في نطاق الإسلام .

ومليـار كتاب باللغـات الأجنبية المختلفـة ليفهم الغرب ما هو الإسلام وليميزوا بـين الإسلام الصحيح وإسلام بني أميّة وبني العبّاس وبني عثمان .

عند ذلك سيتحقّق لنـا ما نصبـوا إليه ، يرافقنا في مسيرتنا الوعد الإلهي الحقّ : (ادعوني أستجب لكم)(5).

فلنبدأ من القطرة ..

لنبدأ من الكلمة ..

لنبدأ من الخطوة ..

فالقطرات تتجمّع لتكوّن البحار ..

والكلمات تلتقي لتكوّن الملاحم ..

والخطوات تتجمّع لتكوّن المسيرة ..

وهذه سنة الله في الكون .

أزمة الحضارة

اختلف الغربيون والمحللون السياسيون في سبب أزمّة الحضارة إلى أقوال ، وإنْ كان الكلّ متّفقين على وجود أزمة خطيرة يمكن أن تؤدي بالحضارة إلـى الانهيار إن لم تعالج ، ولكنّ كلّ ما ذكروه من أسباب تعد جزئية وعللاً غير واقعية .

إنّ أزمة الحضارة واقعاً هي في الابتعاد عن الدين والقيم السماوية.

إنّ الحضارة الفعلية وإن استندت إلى العلم لكن هذا الاستناد غير كافٍ في حفظها ، لأنّ العلم إنّما يكفي فـي الرقابة الظاهرة ، لكن الحياة غير قائمة على الظاهر فقط بل الأمـر بحاجة إلى الباطن أيضاً ، والدين والإيمـان بالله واليوم الآخر هـو وحده الذي يكون رقيباً في الظاهر والباطن ، وأما غيره من القانون والشرطة والرقابة ـ بالأحزاب وغيره ـ لا يمكن أن يحفظ الباطن .

وقد قرأت فـي تقريرين منفصلين أنّ أكثر فتيات بريطانيا وتايلند تُزال بكارتهنّ في الثانية عشرة من عمرهنّ نتيجة عوامل سوء التربية ، وربّما كان الآباء والأخوة هم أوّل مـن يفض بكارتهنّ ، وهذا هو المشهور في غالب بلاد الغرب نتيجة الإباحة الجنسية قانوناً أو واقعاً وكذلك السرقات المخفية والقتل الكثير والإضرابات العديدة التي هي آخذة في الزيادة يوماً بعد يوم كما يعترفون هم بذلك ولم يتمكّنوا من إيقافها عند حدّهـا بسبب عـدم وجود رادع يمنعهم من ذلك ، فلا الدين المسيحي قـادر على ردّ المسيحيين عـن ارتكاب أبشع الجرائم بعـد أن تحوّل كتابهم إلى كتاب لترويج هـذه المفاسد ، فلوط يزني ببناته ـ والعياذ بالله ـ والسيّد المسيح يسقي الناس الخمـر ـ والعياذ بالله ـ هذا ما تضمنه كتابهم المقدّس ، وقـد نقلتُ قسماً من تحريف كتابهم المقدّس في كتاب «ماذا في كتب النصارى ؟» ، فكيف يمكن أن يكون هناك رادعٌ لمن يؤمن بهذه الكتب المحرّفة .

فالعامل الأقوى الذي يحصّن الناس من الانزلاق في متاهات المفاسد هو الدين ، لأنّه يؤجج في الإنسان مشاعر الخوف مـن الله ومن اليوم الآخر ، وهذا ما يمنحه الإسلام للمؤمنين .

فالسلطة مهما كانت قاسية لا يمكنها أن تكون رادعـة ومانعة من انهيـار روح الإنسان وانسياقه وراء الملذّات . وسوف لـن يمرّ وقتٌ طويل حتّى تكتشف المجتمعات الغربية أنّ فـي الإسلام خلاصها وفي الإسلام مقومات نهوضها الحضاري .

فبالإسلام يمكن أن يتحصّن الغرب من الآفات والكوارث ، ويمكنه أن يسدل الستار علـى حربين عالميتين وحرب ثالثة قادمة . وقد نوّه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة قائلاً : (ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكاً) (6).

وما نشاهده اليوم فـي الغرب والشرق من عوامل الانهيار ليس إلاّ مصداقاً لهذا الضنك .

الإيديولوجية

يتحدّث الكثير عن مساوئ الإيديولوجية ، لأنّ المتبادر إلى الذهن هو الإيديولوجيـة الشيوعية والبعثيـة والنازية والشوفينية والفاشية ، لكـن ليست كـلّ إيديولوجيـة شريـرة ، فالإسـلام يمتاز على الإيديولوجيات بأنّ مصدره الوحـي وأنّ المطبِّق لـه هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمـير المؤمنين (عليه السلام) حيث إنّهما قاما بنشر العـدل والإخاء ، بتطبيقهما الصحيح للإسـلام ، خلافاً لممارسات البعض ممّن شوّهوا الإسلام بتطبيقهم الفاشل .

فقـد بلـغ التسامح برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه جعل اليهود أمّة مع المسلمين، كما ورد فـي الصحيفة التي هي أوّل دستور للدولة الإسلامية ، وكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليّناً حتى مع أعدائه الذين شهروا السلاح بوجهه .

وفي مجال الحرّية قال تعالى : (لا إكراه في الدين)(7)، وقال السيّد المسيـح (عليه السلام) : (ولا تكونـوا علمـاء جبّـارين فيذهب باطلكم بحقّكم)(8)، فقد طبَّق بنو أميّة وبنو العبّـاس وبنو عثمان الإسلام على أهوائهم، ولذا ظنّ الناس أن الإسلام هو ما طبّقه هؤلاء الحكام ، وإذا راجعنا إسلام الكتاب والسنّة وتطبيق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رأينا إسلاماً فـي كمال الحرّية والرفاه والواقعيّة كما أشرنا إلى بعض بنوده في كتبنا الأخرى .

فالإيديولوجية الإسلامية بالمعنى الذي أوردناه هـي الموافقة للعقل والفطـرة ؛ وكلّ إنسان عاقل يميل إلـى هـذه الإيديولوجية خلافاً للإيديولوجيات الأخرى كالشيوعية وأضرابها التي لـم تطابق الفطرة؛ والكلّ نافرٌ متبرمٌ منها .

والإسلام يعلو علـى إيديولوجيات الغـرب الـتي تتّسم بالفساد والتحلّل الاجتماعي والأسري . فعلاج هذه الإيديولوجيات هو الفناء حتّى تتخلّص البشرية من شرورها .

وبنظرة فاحصة إلـى التاريخ ينكشف لنا ذلك ، فإنّي أذكر إبان الحرب العالمية الثانية إنّ علاج النازية كـان يكمن بذهاب هتلر الذي كان يمثل رمز وقوّة النازية الألمانية، وبعده استقامت الأوضاع في ألمانيا وأخذت تسير سيراً تصاعدياً في مناحي الاقتصاد .

فلو افترضنا بقاء النازية أو الفاشية إلـى يومنـا هذا ، فماذا كان سيحدث ؟ كان العالم لا يزال يعاني من ويلات الحروب والفتن .

فبموت هتلر انهارت النازية وتعافت ألمانيا .

وبموت موسوليني برصاص الشعب الإيطالي تعافت إيطاليا .

وبموت ســتاليـــن بواســطة طبــيــبه الـــخاص الـــذي حقنه بحقـــنة سامــــة أخـــذت روسيا تشق طريقهـا ، وسارت حتّى التقت بـ‍ـ «غورباتشيف» أخر رئــيـــس للاتّحاد السوفياتي السابق .

وهنا لابدّ من التنويه إلى أنّ ستالين اكتشف أنّه لا يستطيع مقاومة سطوة الرأسمالية الدولية بالاقتصاد وحده ، فحاول جاهداً إعطاء بعض الحرّيات القليلة ، فمنـح الشعب حرّية العبادة وسمح بظهور الإسلام والمسيحية فـي بلاده ، وكان ذلك نكسة للشيوعية التي تعتبر الدين أفيون الشعوب .

إنّ عصرنا هذا هـو عصـر سقوط الإيديولوجيات ، فقد شاهدنا سقوط الماركسية(9)، وشاهدنا عجز الإيديولوجية القومية في صراعها المرير مـع إسرائيل ، وكان يفترض بالقومية أن تترك مكانها للإسلام حتّى يمكن فتح جبهة عريضة في قِبال الصهيونية العالمية(10).

وقد شاهدنا كذلك الإيديولوجية البعثيّة التي لم تتمكّن من مقاومة الدين الطبيعـي للناس الذي هـو الإسلام ، وازداد العراق بهذه الإيديولوجية تأخراً وتحطّماً مما هو مستمرٌ إلى الآن .

فالإسلام الوارد في الكتاب والسنة وحده قادر على دفع المسلمين إلى الأمام وتحـرير أراضيهم لا الإسلام الـذي يتخذه الحكّام ذريعة لاستبدادهم .

الإسلام كما نزل

قـال النبي عيسى (عليه السلام) : (ولا تكونـوا علماء جبّارين فيذهب باطلكم بحقّكم)(11) .

وقد رأيت العراق بنفسي قبـل خمسين عاماً ، لم يكن فيها معشار هذه المنكرات ، فالحجاب كان كامـلاً ومعالم التديّن كانت ظاهرة على الناس ، والربا كان مرفوضاً ، أمّا عن الخمر والبغاء فـلا وجود لهما .

وفي شهر رمضان كانت علائم الصوم سائدة فـي جميع الأرجاء ، فلا تجد من يُقدم على المجاهرة بالإفطار . وكلّ الناس كانـوا يؤدّون الصلاة ، وهذه كلّها مظاهر التديّن التـي كانت قائمة ثم تبدّل ذلك الأمر إلى العكس تماماً(12).

فلماذا حدث ذلك والإسلام هـو الإسلام والقـرآن هو القرآن والمسلمون هم المسلمون ؟

لقد نشروا فـي صفوف الــمسلميـــن المبـادئ الهدامـــة من الـــشيوعية الشرقيـة والرأسمالية الغربيـّة ، أضف إلـى ذلك الصهيونية وأتباع الحكومتين كالبهائيـة والقاديانيـة ، وتلاحقت الأحزاب الكافرة في البـلاد الإسلامية ، وأصبح للغـرب والشرق موطـئ قدم في البلاد الإسلامية ، وفـي هذا النطاق يمكن مراجعة «مذكرات مستر همفر» و«مذكرات الداكوركي» حيث تُرجمتا إلى العربية ، وكان من نتائج تحوّل المسلمين فـي إيمانهم وعقيدتهم أن تبدّلت السلطة بينما كانت السلطة في البلاد الإسلامية بأيدي أمينة فتحوّلت إلى أيدي شريرة .

ومن المؤكّـد أنّ الناس عرضة للتغيير ، فمن ناحية نجـد ضعف المقتضي ومن ناحية أخرى قوّة المانع ممـا سبّب عدم تمكّن الدين من القلوب ، وعلى أثره عدم تمكنه في الأعمال .

ولا طريق لعودة الإسلام إلـى الوجود إلاّ بتقوية الإيمان في نفوس المسلمين مـن جانب والوقوف قِبال الثقافة الشرقية والغربية ونتائجها من جانب آخر .

إنّ امرأة بريطانية واحـدة اسمهـا «آجاثا كريستي» نشرت كتباً جاوزت عدد نُسَخِها المليار كتاب ، وقـد قرأتُ عنها أنـها كتبت «114» كتاباً وتم ترجمة أحد كتبها إلى «103» لغات ، وناهز عدد ما طبع في إحدى الترجمات زهاء «150» مليون نسخة .

ومن الواضح إن هذا الزخم الهائل من الثقافة الغربية التي تنتشر في بلاد الإسلام عبر الكتاب وغيره من الوسائل لا تدع الإسلام يأخذ بالقلوب والأعمال . وإذا تغير السلطان تغير الزمان والــعكس صحيـــح أيضـــاً حيث ورد : (كما تكونوا يـــُولّى عليكم)(13)، فكل من السلطة والشعب يؤثِّر أحدهما في الآخر .

ونحن فـي عالمنا الإسلامي نحتاج هذا السيل مـن الوعي والنشر والطبع ؛ فمشكلة الأمّة الإسلامية هي مشكلة الوعي ، وطريق علاج هذه المشكلة هو نشر الوعي ، ومن وسائل النشر هو الكتاب .

وهذا هو طريق التغيير المطلوب لمجتمع إسلامي زاهر . 

سبحـان ربّك ربّ العزّة عمّـا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين .

قم المقدسة       

محمد الشيرازي   

جمادى الأولى 1419هـ

1 ـ بحار الأنوار : ج1 ص213 ح12 ب76 . وفـي المحاسن : ج1 ص229 ح165 ، إضافة (في الحلال والحرام) ، وقد وردت روايات كثيرة تحث على التفقه، قال الإمام الصادق عليه السلام : (لوددتُ أنّ أصحابي ضُربت رؤوسهـم بالسياط حتى يتفقهوا) أصول الكافي ج1 ص31 ح8 ، وقال أيضاً: (عليكم بالتفقه في دين الله تعـالى ولا تكونوا أعراباً ، فإنه من لم يتفقه في دين الله لـم ينظر الله إليه يوم   القيامة ولم يُزكّ له عملاً) .

2 ـ جاء في القاموس للفيروز آبادي ج4 ص291 : «إنّ الفقه في اللغة هو الفهم» وكذا في التهذيب للأزهري ج5 ص405 .

3 ـ سورة البقرة : الآية 201 .

4 ـ وسائل الشيعة : ج17 ص76 ب28 .

5 ـ سورة غافر : الآية 60 .

6 ـ سورة طه : الآية 124.

7 ـ سورة البقرة : الآية 256.

8 ـ وسائل الشيعة : ج15 ص276 ب30  .

9 ـ وقد تنبأ الإمام المؤلف بسقوط الماركسية قبل سقوطها بعشرة أعوام وقد ذكر ذلك في كتابه : «ماركس ينهزم» وقد طُبع عام 1400ه‍ .‍

10 ـ وهذه فلسطين خير شاهد علـى ذلك فقد عملت الإيديولوجيات المختلفة في فلسطين لكنّها لـم تستطع أن تقدم شيئاً للشعب الفلسطيني بينما ومنـذ انطلاق  «حماس» في جهادها ضدّ إسرائيل شاهدنا التحوّلات والتنازلات الإسرائيلية ، لأنّ حماس استطاعت أن تفرض واقعاً جديداً على الأرض الفلسطينية وأن تجنّد الشعب الفلسطيني ضدّ الاحتلال . ذلك لأنّ الشعب مسلمٌ بطبيعته ، كذلك بقيّة الشعوب الإسلامية التي تنتهج طريق الإسلام، وقد ذكر الإمام المؤلف مؤاخذاته على القومية  في كتابه : «القوميات في خمسين سنة» .

11 ـ وسائل الشيعة : ج15 ص276 ب30 . كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) : (اطلبوا العلم وتزيّنوا معه بالحلم والوقار ، وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم ، وتواضعوا  لمن طلبتم منه العلم ، ولا تكونوا علماء جبّارين فيذهب باطلكم بحقّكم) . الكافي (أصول) : ج1 ص36 ح1 .

12 ـ وقد ناشد الإمام المؤلف «دام ظله» الحكّام في العراق لإصلاح ما أفسدوه، من خلال حواراته ونقاشاته ، وقد ذكر جملة منها في كتابه «تلك الأيام» . 

13 ـ نهج الفصاحة : ص462 ح2182 .