الفهرس

المؤلفات

 الأ د يان

الصفحة الرئيسية

 

منطق الدليل

وبين ذاك وهذا، وضع(علم المنطق) فالاول تفريط، والثاني افراط، والمنطق هو الوسط الذي قادت اليه الفطرة الانسانية، وانساق اليه العقل البشري..

فكلما قام عليه دليل برهاني(كما ذكر في مبحث الصناعات الخمس)(1) فهو حجة، و يلزم القبول به.

وكلما لم يقم عليه مثل هذا الدليل، فاللازم ان لانقبله، ولاننفيه ايضا، الا اذا قام الدليل عليه او على خلافه.     

ومن هنا(لا يمكن اثبات شيء ولانفيه الا بالدليل).

قال ابن سينا: (كلما قرع سمعك من غرائب الزمان، فذره في بقعة الامكان، مالم يدررك عنه واضح البرهان). فلا كون العالم ـ بأسره ـ خيالا، حقا، ولا كون التجربة او المثال بوحده دليلا، صحيحا.

اعمل .. ثم اعمل

ان البعض في بلاد الإسلام وقع ضحية هذه النظرية(الفرويدية) وسائر النظريات المستوردة، وقد أدّت هذه النظريات مفعولها المرّ، فان هذه النظريات هي التي سلطت الاستعمار الحديث بكل اشكاله على بلاد الإسلام، وهي التي كبتت الحريات واهدرت الكرامات، وهي التي قتلت عشرات الالوف من ابناء المسلمين، في جبال العراق، وفي سيناء، وفي القنيطرة، وفي الاردن، وفي جنوب لبنان، وفي اليمن، وفي غيرها..

أنها نظرية.. فسلوك.. فنتائج!

ان اللص اولا يفكر في السرقة..

ثم يسير اليها..

ثم يسرق.

وهكذا بالنسبة الى سائر الجرائم.

فماذا اذن؟

ان الضرورة الملحة تقتضي ان نفضح هذه النظريات، بالمنطق والبرهان كما قال تعالى:

(وجادلهم بالتي هي احسن)(2) حتى لاتبقى من فلوها حتى مقدار حفنة، اذا أردنا انقاذ بلاد الاسلام من الاستعمار ومن الويلات والمأسي..

ويجب ان نجعل قاعدتنا في الانطلاق قاعدة: (اعمل، ثم اعمل، ثم اعمل، حتى تنجح).

والنصر النهائي للاسلام ولحملته، لان هذه النظريات والافكار، بالاضافة الى انها لم تستند الى منطق او دليل، اثبتت فشلها، في كل الميادين، وانها لاتفيد الا شقاءاً و تعاسة..

نعم الدعاية والاغراء هما مطيتا هذه النظريات، فاللازم ابداء زيفها، وبيان معاكساتها بالمنطق والبرهان، واظهار بشاعتها ونتائجها الوخيمة، حتى ينفض المغترون عن حولها، ويرجعوا الى صوابهم ورشدهم، وبذلك يعيد خيرهم وسعادتهم، والله المستعان.

منطق الوجدان

الانسان له جهتان:

1: جهة الجسد، والغالب انه مسيّر في هذه الجهة، ولا اختيار له فيها، فقد يكون طويلا، وقد يكون قصيرا، جميلا او قبيحا، ابيض او اسود، هزيلا او سمينا، وهكذا…

2: جهة الروح، وللروح ناحيتان:

الاولى: ناحية التلوّن، وهي الناحية التي تلونت بواسطة(الوراثة)، (التربية)، (المحيط) وما اشبه.

الثانية: ناحية التمكن، وهي الناحية التي تبقى بإختيار الانسان مهما اراد وكيفما اراد.

والناحية الاولى خاضعة للناحية الثانية، مهما كان التلون قويا، ولذا نرى الانسان يختار ما يريد، وان كان اختياره على خلاف  البيئة وعلى نقيض التربية والوراثة.

هذا هو منطق الوجدان في الانسان، و يؤيده القرآن الحكيم حيث يقول:

(انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا)(3) و: (وهديناه النجدين)(4).

كما يؤيده منطق عقلاء العالم، فالسجون والقوانين والانظمة والحكومات، انما وضعت وقررت لأجل ان يكون الانسان حراً مختاراً فيما يفعل و فيما يترك.

وكما ترى بشاعة قانون يقضي إدانة الانسان، لطوله او للونه الابيض  ـ مثلاـ كذلك كان قانون ادانته لانه سرق اوقتل بشعا اذا كان الانسان مسيّرا ولم يكن مخيرا..

لكن عقلاء العالم يرون بونا شاسعا و فرقا كبيرا بين(بياض اللون والطول) وبين(السرقة والقتل) فالاول لا يستحق اللوم او العقوبة، بينما الثاني يستحق اللوم والعقاب.

لندع العقلاء..

ولنرى اساتذة الغرب، ومعلمي شبابنا ماذا يقولون؟

1: فـ(ماركس) يرى ان عواطف البشر، واتجاهاتهم، وتصرفاتهم، انما هي ثمرة(العلائق الارتزاقية)، ومعنى ذلك: انه(لا عدل ولا ظلم) و(لا صدق ولا كذب) و(لا امانة ولا خيانة) و(لا حسن ولا قبح) و هكذا.. بل هناك(علاقة الارتزاق) فقط، وهي التي تحدد الحسن والقبح وسائر الاعمال والأقوال.

فتارة تقتضي علاقة الارتزاق، كون الامانة حسنة، وتارة تقتضي كون الخيانة حسنة، وهكذا.. الى سائر الامثلة.

والفرق بين هذا الرأي في العلائق .. وبين رأي السوفسطائيين في الكون هو:

 ان رأي ماركس في التشريعيات، ورأي السوفسطائي في التكوينيات، ماركس ينكر حقيقة الامور العقلية القائمة على الموازين الثابتة، والسوفسطائي ينكر حقيقة الامور الكونية المستمرة بموازين  لا تزحزح.

2: و(فرويد) يرى ان تصرفات البشر، واتجاهاتهم، وعواطفهم، ثمرة(الغريزة الجنسية)، فالغريزة الجنسية هي التي تحرك الانسان منذ ولادته الى حين مماته.

 فـ(ماركس) يقول : بأن الاقتصاد هو الذي يحرك الانسان ويحدد سلوكه.

و(فرويد) يقول: بان المرأة هي التي تحرك الانسان وتحدد   سلوكه.

ثم.. لنسأل الاساتذة الذين قالوا، والاتباع الذين قلّدوا: اية هذه الاقوال الثلاثة(5) المتناقضة هي الصحيحة؟

هل كلها؟

وكيف يمكن؟

ام احدها؟

وما هي؟

واذا كان احدها صحيحا، فما ذا يكون جوابكم عن القولين الآخرين؟

وبالجواب الذي تجيبون عن القولين الآخرين نجيب عن هذا القول الذي اخترتموه.

الفطرة والواقع

الانسان ـ كما عرفت في الفصل السابق ـ مركب من عواطف واتجاهات، وقد ذكر في الاخبار الواردة عن النبي والائمة الطاهرين، صلوات الله عليهم اجمعين، ان الله خلق في الانسان العقل، وخلق له جنودا خيرة، وخلق في الانسان الجهل، وخلق له جنودا شريرة.. فالصدق والأمانة و الوفاء – مثلا – من جنود العقل المخلوقة في الانسان، و الكذب و الخيانة و النكث – مثلا – من جنود الجهل المخلوقة في الانسان(6).

ثم ان الله تعالى أعطى الاختيار بيد الانسان، ان شاء رجح ما يأمر به العقل، فصدق(مثلا) وان شاء رجح ما يأمر به الجهل، فكذب(مثلا) فان رجح الاول كان له الاجر والثواب، وان رجح الثاني كان عليه الوزر والعقاب.

قال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)(7)

وقال سبحانه: (ان احسنتم احسنتم لانفسكم وان أسأتم فلها)(8).

ثم ان الوراثة و التربية والمحيط قد تمد جنود العقل، وقد تمد جنود الجهل.

والامور الثلاثة: (هواجس الخير والشر في الانسان)، (ارادة الانسان)، (امداد الوراثة والتربية والمحيط) كلها وجدانية فطرية..

فانا نجد في انفسنا تنازعا بين (ان نصدق او نكذب)، بين(ان نعدل او نظلم)، بين (ان نفي او ننكث)..

كما انا نرى وجدانا: انا نملك زمام الارادة، سواء شئنا هذا او ذاك..

كما انا نرى وجدانا: صعوبة ترك العادة و ترك ما خالف البيئة.

نقول: صعوبة ذلك، لا استحالته، والدليل على عدم الاستحالة  ما نشاهده بالالوف، من الذين يخالفون آباءهم وتربيتهم وبيئتهم، فيسيرون الى الصلاح من الفساد، ومن الفساد الى الصلاح.

لكن أساتذة الغرب، ومعلمي بعض شبابنا، يقولون ضمن بعض بنود(العلوم السيكولوجية)(9) التي اقحموا فيها النظريات الشاذة.. وهل لهم دليل؟

كلا.. غير الادعاء.

والغريب ان كل واحد منهم يقول شيئا غير ما يقوله الآخر، وان كانوا في بعض الخطوط العريضة يتلاقون.

فـ(فرويد) و(يونغ)(10) و(ادلر)(11) و(كوتشمر) و(بافلوف)(12) وغيرهم من(السيكولوجيين) يقول كل واحد منهم رأيا يخالف رأي الآخر، ويخالف رأيهم مجموعا رأي الواقع والوجدان.

 فـ(مثلا) يقول فرويد: اننا نحب ونكره، ونخاف ونشجع، ونشمئز ونقبل، ونفعل ونترك، بعواطف كمنت فينا منذ الطفولة، ولا ندري بها، الا بعد التحليل الشاق.

وهكذا يكون حال سائر الأساتذة السيكولوجيين، ممن تقدم اسمه او لم يتقدم.

دوافع السلوك البشري

للإنسان معدة تجوع، فتحركه نحو طلب الطعام.

وحالة جنسية تجوع، فتحركه نحو الجنس.

وحالة انحرافية – هي المرض – اذا وجدت، تحركه نحو الطبيب والدواء.

وحالة وراثية تدفعه الى السير بذلك الاتجاه.

وحالة ذهنية تدفعه لمعرفة المبدء والمعاد، تحركه نحو الدين.

وحالة اجتماعية تحركه باتجاه المجتمع.

وحالة عقلية تحركه نحو العدل والحق.

وحالة طارئة – ايا كان نوعها من غضب او فرح، حزن او سرور، او غيرها – تدفعه الى مسير اندفاع تلك الحالة او غيرها..

وحالة.. وحالة.. وحالة..

واتجاه الانسان يكون ثمرا ومفعولا، لهذه الحالات المتنوعة.

وهذا هو الذي يجده كل عاقل في قرارة نفسه، وهذا هو الذي يصدقه المنطق، وهذا هو الذي يصدقه المجتمع غير المنحرف، بافكار وآراء ونظريات أقحمت فيه اقحاما.

فكما انه اذا جاء انسان وقال: ان المسيّر للانسان(الدين) وحده، او(الغضب) وحده، (المرض) وحده.. يكون كلامه موردا  للنقد.

كذلك اذا جاء شخص وقال: ان الانسان يحركه(الارتزاق) فقط، او يحركه(الجنس) فقط، او يحركه(الاجتماع) فقط ..

الوراثة والتربية

النفوس البشرية تختلف في الملكات، وان كان زمام الارادة بيد الانسان، فبعض النفوس تخلق شجاعة، وبعضها تخلق جبانة، وبعض النفوس تكون سخية، وبعضها تكون بخيلة، وهكذا..

وهذا امر وجداني، نشاهده حتى في الاطفال، و تبقى آثاره الى حالة الكبر.

فالصفات والملكات قد تكون شبيهة بأقسام الالوان، حيث تختلط بالارواح منذ الولادة، فمثلا لو جعلنا (البخل: بلون اسود)  و(الكرم: بلون ابيض) و(الشجاعة: بلون احمر) و(الجبن: بلون اصفر) وهكذا.. فان الانسان الذي اختلط اللون الاسود بروحه ـ بمقدار غرام ـ يكون بخيلا، ومن اختلط اللون الاسود بروحه مقدار عُشر غرام، يكون اقل بخلا، وهكذا.. ولا مناقشة في الامثال.

نعم.. يبقى بعد ذلك زمام الإرادة بيد الانسان، فالبخيل فطرة يتمكن ان يهب الالوف، كما ان الكريم فطرة يتمكن ان يبخل،   فـ (الفطرة مقتضية، وليست علة تامة)(13).

هذا ما قام عليه المنطق، ودل عليه الوجدان.

ثم.. يأتي دور التربية، فيجعل من (ابي ذر) البدوي، الراعي، الغليظ، المشرك.. أنسانا يشبه عيسى بن مريم عليهما السلام، حتى قيل: (ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذر)(14).

فرويد يرى ان للسنين الاولى من عمر الطفل، أكبر الاثر في التوجيه الأخلاقي.

فان اراد تأثير التربية فلا كلام وان اراد غير ذلك فعليه الدليل.

 

1 ـ راجع(المنطق المظفر) للمرحوم المظفر(قدس سره) و(موجز في المنطق) لآية الله السيد صادق الشيرازي(دام ظله).

2 ـ النحل: 125.

3 ـ الإنسان: 3.

4 ـ البلد:10.

5 ـ قول السوفسطائيين وماركس وفرويد.

6 ـ راجع الكافي ج1 ص 20 ح 14: عدة من أصحابنا، عن احمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن سماعة بن مهران، قال: كنت عند ابي عبد الله    عليه السلام وعنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل والجهل، فقال ابو عبد الله عليه السلام: اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا…الحديث.   وبحار الانوار ج1 ص159 ب4 ح30 والبحار ج75 ص 318 ب 25 ح 1.

7 ـ الزلزلة: 7-8.

8 ـ الاسراء: 7.

9 ـ السيكولوجيا(علم النفس) علم يعني بدراسة السلوك والعمليات العقلية بدأ بمفهومه الحديث مع ولهم فوت الذي آمن بان الدراسات النفسية يجب ان تقوم على اساس من الاختبار والذي انشأ في ليبتزيغ بالمانيا اول مختبر لعلم النفس التجريبي عام 1879م. ومنذ ذلك الحين تطور علم النفس تطوراً كبيراً وتكاثرت مدارسه، فظهرت المدرسة الاستبطانية، والمدرسة السلوكية  وغيرها. وينقسم علم النفس الحديث الى فروع عديدة منها: علم النفس التجريب وهو يعني بدراسة الاحساس والادراك  والسلوك المختبر، وعلم النفس الفيسيولوجي وهو يدرس وظائف الجهاز العصبي وغيره من الاجهزة الجسدية وعلم النفس الشاذين وهو يدرس الانحرافات العقلية والسلوك غير السوي، وعلم نفس الطفل وهو يدرس سلوك الاطفال ومراحل نمو العقلي وعلم النفس التربوي وهو يدرس الحوافز وعمليات التعلم وغيرها من الموضوعات التي تعني بها التربية وعلم النفس الفردي وهو يعتبر حب السيطرة اقوى الدوافع الجسدية على الاطلاق، وعلم النفس السريري وهو يعد من نتائج فروع علم النفس المختلفة في تشخيص الامراض العقلية ومعالجتها ومن فروع علم النفس ايضاً: علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المهني وعلم النفس الصناعي وعلم النفس الجنائي و…

10 ـ يونع، كارل غوستاف: (1875-1961م) عالم النفس سويسري، عرف ببحوثه في حقل اللاوعي والميتولوجيا.

11 ـ ادلر، الفرد: (1870-1937م) طبيب نفساني نمساوي، موسس علم النفس الفردي(individual  psychology) الذي يعتبر حب السيطرة اقوى الدوافع   البشرية على الاطلاق، ومن اشهر أثاره(فهم الطبيعة البشرية)     understanding  human  عام 1927م .

12 ـ بافلوف، ايفان بيتفروفيتش: (1849-1936م) فيسيولوجي روسي عنى بادئ الامر بدراسة فيسيولوجيا القلب وضغط الدم ثم انصرف بعده الى دراسة(الارتكاس الشرطي) وهو الحقل الذي به اشتهر.

13 ـ اصطلاح علمي: راجع المنطق والاصول والحكمة.

14 ـ بحار الانوار ج 22 ص 398 ب 12 ح 4. وفيه: محمد بن سعد بن مزيد، ومحمد بن ابي عوف معاً، عن محمد بن احمد، بن حماد رفعه قال: ابوذر الذي قال رسول الله في شأنه: ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من أبي ذر … الخ.