الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

أقسام الحكم وكيفيته في الإسلام

الحكم إما أن يكون وراثياً يرثه الأقرباء عن أقربائهم، وإما أن يكون انقلابياً، حيث تقوم جماعة بالإنقلاب على الحكام السابقين والحلول محلهم، وإما أن يكون انتخابياً ينتخبه الناس وأسوأ أقسام الحكم هو الأول، إذ الوارث لا يهتم بالناس، لأنه لم يأت من طريقهم، بل محوره هو نفسه، وهو يعمل للناس بقدر ما يستفيده منهم، ولذا تجد في الحكومات الوراثية مختلف ألوان الظلم والاضطهاد والسلب والنهب وما أشبه ذلك.

نعم، قد يكون الحكم الوراثي مكبلاً بإرادة الأمة التي يقودها العلماء والمصلحون، فيكون الحكم وراثياً شكلاً، لا محتوى، وهذا القسم من الوراثي وإن وجد أحياناً، لكنه قليل، بالإضافة إلى أن مثل هذا الحكم ينتهي في النهاية إلى الدكتاتورية أيضاً، مما يسبّب زوال الحكم من الدكتاتور.

والحكم الإنقلابي أيضاً سيئ، وأحياناً يجمع بين سيئات الحكم الوراثي وسيئات الانقلاب، فإن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلّة.

أما وجه سيئات الانقلاب، فهو أنه يستند الحكام الجدد فيه إلى السلاح عوض استنادهم إلى الأمة، والحكم المستند إلى السلاح لا يستند إلى رغبات الأمة وإرادتهم، فليست الأمة هي المحور، بل المحور السلاح، وهذا الحكم يسحق إرادة الأمة وكرامتها.

ولا نقصد بالانقلاب الانقلاب العسكري فحسب، بل قد يأتي الحاكم الانقلابي إلى الحكم بإرادة الأمة، ثم يستند إلى السلاح الذي حازه بسبب الأمة، كما هو الحال في حكم بني العباس، حيث جاؤوا إلى الحكم بسبب الانقلاب، ثم انقلبوا سبعاً ضارياً على الأمة.

وإنما اللازم أن يكون الحكم مستنداً إلى اختيار الأمة، وإرادتها بدءاً وختاماً، وذلك بأن يأتي الحاكم الأول إلى الحكم بإرادة الأمة، ثم يتبدل الحكام كل حين بإرادة الأمة واختيارهم، من دون تصنّع ومن غير أجواء مكذوبة مصطنعة من قبل الحكام السابقين، وإلا دخل الحكم (الأجوائي) في قسم الحكم الدكتاتوري. فاللازم ألاّ يدخل (التضليل، والترهيب، والترغيب) الميدان، وإلا كان الحكم دكتاتورياً.

أما ما هي سمة الحكم الاقتصادي؟ فهي في زماننا عبارة عن أحزاب حرة، وصحف حرة، وتكون الإذاعة والتلفزيون خاضعة لكل الفئات، والحاكم ينتخب في كل ثلاث أو أربع أو خمس سنوات، فإذا رأيت حاكماً جاء الىالحكم بالانتخابات، ثم لم تكن العلائم السابقة فيه، فاعرف أن الحكم تحول إلى الاستبداد، مهما قيل لذلك من مبررات.

والحكم الاستبدادي يحوّل البلاد إلى طُعمة للحكام، وأحياناً لأسيادهم المستعمرين أيضاً ـ إذا وجد هناك مستعمرون ـ كما نشاهد اليوم في بلاد الإسلام، حيث إن الحكم إما ملكي وراثي، أو انقلابي دكتاتوري، وكلاهما يستمدان من الشرق أو من الغرب، ولذا نجد التأخر الفضيع لألف مليون مسلم.

أما الحكم في الإسلام فهو مستند إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، وإلى الإمام المعصوم (عليه السلام) المنصوب من قبل الله تعالى، وعصمته تمنع من ارتكاب أية مخالفة ولو صغيرة.

وإذا لم يكن الإمام المعصوم (عليه السلام) حاضراً، فالحاكم يلزم أن يتوفر فيه أمران:

الأول: أن يكون جامعاً لشرائط الفتوى، وهي العلم بأمور الدين والدنيا، والعدالة، والذكورة، والإيمان، وغير ذلك مما ذكروه في الكتب الفقهية والأصولية.

الثاني: أن يكون مختاراً من قبل الناس بأكثرية الآراء، ومثل هذا الحاكم هو السلطة العليا في الدولة.

ويأتي بعده (الهيئة التطبيقية) أي التي تطبق الإسلام على الظروف المعبر عنها بـ(مجلس الأمة الإسلامية) و(الهيئة القضائية)، و(الهيئة التنفيذية) .

ولعل من الأفضل ـ للابتعاد عن الدكتاتورية إطلاقاً ـ أن يكون للأمة ثلاث انتخابات:

الأول: انتخابات السلطة العليا من الفقهاء الذين هم مراجع تقليد الأمة (حقيقةً لا صورياً أو أجوائياً) فيكون لهم مجلس الشورى، فإذا كانوا في مجلس الشورى تزعموا الحكم والتقليد معاً، وحكموا بأكثرية الآراء، وإذا خرج بعضهم عن الحكم، ليأتي آخر مكانه، تزعم الخارج التقليد، بدون الحكم.

الثاني: انتخاب رئيس الدولة، مما يصطلح عليه في الزمن الحاضر بـ(رئيس الجمهورية) ولعل الأفضل أن يسمى بـ(رئيس الدولة الإسلامية)، إذ الأحسن أن تسمى حكومة البلد الإسلامي بـ(الدولة الإسلامية) وهكذا ينتخب بالموافقة بين (السلطة العليا) و(مجلس الأمة) و(جماهير الأمة) .

الثالث: انتخاب (مجلس الأمة) لنواب الأمة في انتخابات حرة (كما ذكرناه) وعلى هذا يكون الفارق بين (الحكم الإسلامي) و(الحكم الديمقراطي) :

1 ـ وجود سلطة عليا من الفقهاء.

2 ـ تقييد الحكم بأن يكون في الإطار الإسلامي، ولذا فمجلس الأمة إنما هو للتطبيق، لا للتشريع.

وعليه، فالحكم الإسلامي أفضل من الحكم الديمقراطي، حيث تشرف الأمة على السلطة أولاً من ناحية مراجع التقليد، وثانياً من ناحية نواب الأمة ورئيس الدولة، بينما الحكم الديمقراطي فيه أشراف الأمة من الناحية الثانية فقط... ومن الواضح أن وجود وكيلين لإنسان مشرِفَين على أموره، أفضل من أن يكون له وكيل واحد.

هذا بالإضافة إلى أن حكم الإسلام فيه من العدالة والحرية، ما لا يوجد مثله في الحكم الديمقراطي الذي يكون التشريع فيه بيد الأمة.

ثم إن للسلطات الثلاث (العليا، والرئاسة، والمجلس) أن يختاروا مجلساً لكبار الأمة علماً وخبرةً ونزاهةً، ليكونوا بمنزلة (مجلس الأعيان) في الدول الديمقراطية، وتمر الأمور التي يراد تنفيذها عليهم، ليكون الأمر أتقن (إذا عمل أحدكم عملاً فليتقن)(1).

وعليه، فالأسلوب الطبيعي للحكم الإسلامي هو ان الناس ينتخبون مراجع تقليدهم، بملء إرادتهم، من الفقهاء العدول، وتتكون من هؤلاء (سلطة عليا) وباستشارة هؤلاء ينتخب الناس نواب الأمة (ومجلس الشورى) وباستشارتهم معاً ينتخب الناس (رئيس الدولة) .

وعليه، فلا حق للسلطة العليا، أن تستبدّ بانتخاب النواب، أو الرئيس، سواء استبدّوا صريحاً مما يسمى بـ(الانتصاب) أو استبدوا واقعياً بتهيئة الأجواء المكذوبة لمجيء النواب والرئيس حتى تكون إرادة الأمة صورية وخداعاً فإن الإسلام يجعل أمرهم شورى بينهم، كما أنه لا حق لأحد ـ مهما كان قدره ـ أن يستبد بالسلطة العليا، بأي اسم كان، بل اللازم وجود شورى المراجع للأمة الذين اعترفت الأمة بهم وقلدتهم.

صعوبات الحكومة الجديدة

للحكومة الجديدة صعوبات، إذا لم يتجنّبها الحكام الجدد وقعوا في مشاكل تنتهي إلى إحدى نتيجتين:

1- تنحية الأمة إياهم عن الحكم بالقوة ـ بسرعة -.

2- كُرهُ الأمة لهم مما يُسبّب أن تقوم الأمة بعزلهم عن الجماهير، ويلتجئ الحكام حينئذٍ إلى تحصين أنفسهم ـ خوفاً من الأمة - بالسلاح، ويقع التحارب بينهم وبين الأمة، بفتح السجون والمعتقلات ونصب المشانق، وأخيراً ينتهي الأمر بإسقاط الأمة لهم وإبادتهم عن آخرهم.

ومن أهم المشاكل التي تقع فيها الحكومة الجديدة هي:

(أ) إن الحكومة الجديدة إنما قامت لأن الأمة رأت السوء من الحكومة السابقة، فأرادت تحسين حالها، بتنحية الحكومة السابقة وتبديلها إلى الحكومة الجديدة، فإن لم تر الجماهير في الحكومة الجديدة ما كانت تريد وتأمل ثارت على الحكومة الجديدة.

(ب) لمّا لم تكن للحكومة الجديدة خبرة كافية في الحكم، فلا بدّ وأن تسيء التصرف، وإساءة التصرف يوجب استفزاز الأمة.

(ج) الحكام القدامى وذووهم يخلقون المشاكل للحكومة الجديدة ويضعون العراقيل في عجلة تقدمها.

(د) الحكام الجدد يختلفون فيما بينهم، ممّا ينتهي بذهاب بعضهم إلى المقابر، وذهاب بعضهم إلى السجون، وذهاب بعضهم إلى المنافي ـ كما حدث ذلك في العديد من البلاد الأوربية ـ وهذا يوجب أولاً تضعيف الحكومة وثانياً سوء نظر الأمة إليها.

والعلاج لهذه المشاكل منحصر في (الشورى) حقيقة مع الأمة:

(أ) فإن الأمة إذا اشتركت في الحكم (كل الأمة، لا الفئة المفضلة التي يستقطبها الحاكم حول نفسه بالترغيب والترهيب والتضليل) لم تَثُر على الحكم الجديد، وعرفت المشاكل التي هي قابلة للحل فحلّتها، والمشاكل التي تحتاج إلى مدة من الزمن في حلّها، فلم تتوقع من الحاكم الجديد حلّها بسرعة، حتى تقع المنافرة بين الحاكم والأمة.

(ب) وبانعدام الخبرة الكافية خاصة بالحكام الجدد، وإلا فالشورى توجب مجيء الأكفاء إلى الحكم، وهم لهم خبرة كافية، وحتى فيما لا خبرة لهم فيه لا يغضبون على الحاكم الجديد، لأنهم شركاء في الحكم، فلا فَصْلَ حتى يكون غاضب ومغضوب عليه.

(ج) والحكام القدامى:

(أولاً) يدخل الصالح منهم في الحكم، لكن تحت نظام جديد وإشراف من الأمة، كما رأينا كيف أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يفوّض أمر القبيلة إلى رؤسائها وكيف خرط حكّام مكة في قيادة الجيش وغيرها، وكيف أشرك الأوس والخزرج في الإستشارة والقيادة وغيرهما.

(ثانياً) لا شأن للحكام القدامى أمام كثرة الجماهير، بينما إذا استبدّ الحكام الجدد بالحكم، وانفصلوا عن الجماهير كان الحكام القدامى وأنصارهم الذين كانوا ينتفعون بهم فئة في قبال فئة الحكام الجدد، والأولون لهم الخبرة، والآخرون لهم الجِدة، وبذلك يتمكن الحكام القدامى من إيجاد المشاكل للحكام الجدد.

(د) واختلاف الحكام الجُدد بين أنفسهم ينشأ من الدكتاتورية، وإلاّ فلماذا الاختلاف؟ والحال أنّ الطريق لحلّ الاختلاف لاحبُ، وهو التحاكم إلى أكثرية الآراء للحكام، بالشورى، وإذا تساوت الآراء فالمرجع القرعة لأنها لكل أمر مشكل، أو الرجوع إلى الأمة باستفتاء عام ليظهر أحد الرأيين على الآخر.

وإذا لم يمكن جمع مراجع الأمة في مكان، أمكن أن يجعل كل مرجع نائياً عن نفسه، فهم نواب مجلس السلطة العليا، وإذا اتفقوا على شيء بأكثرية الآراء نُفّذ.

الدولة الإسلامية الواحدة

الرسول (صلى الله عليه وآله) أسس الحكومة الواحدة، والأمة الواحدة، وجعل لها القانون الواحد، وقد جعل ضغط الخلفاء وسوء تصرفهم الحكومة الواحدة مبعضة، فإن الرسول (صلى الله عليه وآله) دخل الحجاز تحت لوائه، واليمن، والبحرين، والكويت (حين كانت أراضي ذات قبائل) كما أسلم في زمانه ما يقارب سبعة ملايين، من العرب والفرس والروم والحبشة وغيرها وكان الجميع متساوين أمام القانون. ولم يمرّ نصف قرن، إلاّ وشرعت الحكومة في التفتّت، حيث عصى الوالي القاطن في الشام، وارتبط بالروم ضد المسلمين الذين بَقوا على الأغلب في جانب الإمام (عليه السلام) .

وبعد يزيد أُسست في الكوفة حكومة المختار، وفي زمن هارون انفصلت المغرب، وهكذا وصلت الحالة إلى ما نشاهد من عشرات الحكومات وعشرات القوانين السائدة في البلاد، وعشرات الحواجز النفسية، بالإضافة إلى ما قُطِّع من دولة الإسلام، فصار تحت ظل غير المسلمين، كفلسطين ولبنان وأرتريا ومورو، ومسلمي الهند والاتحاد السوفياتي والصين. فاللازم في إعادة حكم الإسلام:

1 ـ إزالة الحواجز النفسية: فالمسلمون كلّهم أخوة، لا في اللفظ والإعلام فحسب، بل في الواقع المعاش.

2 ـ إزالة الحواجز القانونية: فالقانون واحد هو المستقى من الكتاب والسنة في كل بلاد الإسلام، وإنما الفارق ـ إذا كان ـ اختلاف الاجتهاد، مع حفظ إطار الأدلة الأربعة.

3 ـ إزالة الحواجز الجغرافية: فالبلد كله واحد من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، حتى يكون المسلم يسير إلى مكة، إلى النجف، إلى خراسان، إلى كراجي، إلى القاهرة، إلى دمشق، إلى الخرطوم... وكلّه بلده، بدون هوية، أو جواز، أو تأشيرة، أو حدود، أو غيرها.

وإذا حدث هذا ـ وسيحدث بإذن الله تعالى- سكن أهل كل بلد في أيّ بلد آخر، فمن شاء منهم النزوح نزح، حتى يختلط الكلّ، كما هو الشأن الآن بالنسبة إلى بلد واحد ـ ذي حدود مخترعة ـ فكما أنه في الوقت الحاضر يسكن البغدادي البصرة والكربلائي النجف، والحليّ الناصرية، كذلك سيسكن المغربي الحجاز، والأردني طهران، والسوداني كابل، وهكذا، وهذا من لوازم رجوع الأمة إلى الوحدة المترقبة، وقد كان كذلك في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله) وخلفائه الطاهرين (عليهم السلام) .

وهذا الأسلوب غير أسلوب الاستعمار، حيث يجعل الحاميات والجاليات ويهجّر المواطنين بالقسر إلى غير بلدهم، ليأمن قيام الأهالي ضده، وفي التاريخ القديم والحديث أمثلة كثيرة، مما فعله المستعمرون بالبلاد التي دخلت بالقوة تحت استعمارهم.

وقد فعل ذلك بنو أمية، حيث جاؤوا بجيش من الشام إلى العراق وأسكنوه (واسط) قرب الكوفة، ليضمنوا بذلك إطاعة العراقيين بالقسر، وكذلك هُجّر الأشعريون من اليمن وأجبروا على الإقامة في إيران ـ في (قم) بالذات- ليأمنوا ثورتهم ضد الحكم الطاغي، إلى غير ذلك.

وفي العصر الحديث جاء البريطانيون بجمع كبير من الهنود إلى العراق وإلى الخليج لإرغام أهلهما على الطاعة، وكذلك جاؤوا باليهود إلى فلسطين لغرض الإبقاء على تشتيت المسلمين، وفي أيامنا جاء الأمريكيون بجملة من المصريين إلى العراق لإرغام الأهالي على قبول الاستعمار، وفعلت مثل ذلك الشيوعية بالمسلمين في قصص مشجية مؤلمة.

وعلى أيّ حال، فاللازم توحيد الأمة، قانونياً، وجغرافياً، ونفسياً.

كيفية تعامل الدولة الإسلامية

في الدولة، أقوياء، وضعفاء، وأقليّات، كما أن في خارج الدولة أجانب يكيدون فإن كل ذي نعمة محسود، قال سبحانه: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)(2).

أما الأقوياء فاللازم إبقاءهم على قوتهم، بل والاهتمام لزيادة قوتهم، مع توجيه عملهم إلى الصراط المستقيم، وتربيتهم نفسياً، قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)(3).

وأما الضعفاء، فاللازم على الدولة تقويتهم، وبذلك تضمن الدولة ولاءهم وتبعث حب الدولة فيهم، وإذا كثر الأقوياء في الدولة، قويت في قبال الأجانب وفي قبال كيد الكائدين، وقوة الدولة بقوة أفرادها.

ومن الواضح، أن أصحاب الامتياز من الأقوياء لا يرضون بالتنازل عن امتيازاتهم، ليشترك معهم الضعفاء في تلك الامتيازات التي كان من جملتها استغلال الضعفاء، إلاّ أن تهذيب الأنفس من ناحية، وكثرة الحريات في الإسلام يجعلان الأقوياء يمشون في الطريق السويّ بدل الانحراف والاعوجاج، هذا بالإضافة إلى تيار الجماهير.

ويكفي شاهداً لذلك ما نراه في بعض الدول الديمقراطية ـ ولو بقدر- من أنه كيف يتنازل الحكام عن الحكم، أمام تيار الجماهير، مع أن الحكام لم يكونوا مستعدّين للتنازل إذا كان بأيديهم، ولو بقدر يوم، ولو من جزء من ألف جزء من حكمهم.

وأما الأقليات، فاللازم احترامهم في إطار قانون خاص بهم مذكور في الإسلام. وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (ومن آذى مؤمناً فقد آذاني)(4). وحيث يرى هؤلاء الاحترام من الإسلام، إلى جانب منطق الإسلام الصحيح، لابدّ وأن يدخلوا في دين الله أفواجاً، كما دخلوا في أول الإسلام، فإن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يُجبر أحداً على الإسلام، فأهل المدينة دخلوا في الإسلام طوعاً، وأهل مكة ـ بعد سلطة الرسول (صلى الله عليه وآله) عليها ـ دخلوا في دين الله تدريجاً بدون إكراه، والذي فعله الرسول (صلى الله عليه وآله) بمكة هو إزالة العائق الذي كان يحول دون إسلام الناس فقط، ولذا لم يجبر الطلقاء وغيرهم على الإسلام، وأهل اليمن دخلوا في الإسلام بملء إرادتهم، بعد أن بلّغ لهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهكذا، وإنما كانت حروب الرسول (صلى الله عليه وآله) كلها دفاعية، وقد ذكرنا بعض تفصيل ذلك في كتابنا (كيف انتشر الإسلام؟).

ولقد أخطأ أمراء المسلمين حيث شهروا السيوف وأساءوا المعاملة مع الذميين، حيث سبّب ذلك أن تدخل أوربا الوثنية في المسيحية فراراً من سيف الإسلام وسوء معاملته ـ بزعمهم انه ذلك من عمل الإسلام - وإلا لتوقفت المسيحية عند روما، ولم تتغلغل لا في أوربا، ولا في الصين، ولا في الهند، ولو لم يخطأ أولئك الحكام في ذينك العملين، بل كانوا اتبعوا سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) لشمل الإسلام كل العالم اليوم.

وكيف كان فإذا شاهد العالم بعد قيام الدولة الإسلامية، حسن معاملة حكام المسلمين مع بلاد الإسلام، بعدم السجن والتعذيب والقتل والمصادرة وكبت الحريات، وترفيع طبقة على طبقة، ورأوا حسن الإسلام وكونه يلائم الفطرة والمنطق، ورأوا حسن معاملة المسلمين مع الذين هم في حمايتهم من الذميين، هرعوا إلى اعتناق الإسلام، ودخلوا في دين الله أفواجاً كما دخلوا في دين الله أفواجاً أول الإسلام فإن الإحسان إلى غير المسلمين ـ بالإضافة إلى منطق الإسلام الإنساني ـ من أقوى المحفـــّزات على دخول غير المسلمين في الإسلام.

وقال سبحانه: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلا ذو حظٍ عظيم)(5).

قال علي (عليه السلام): (عجبت ممن يشتري العبيد بماله، كيف لا يشتري الأحرار بإحسانه)(6)، فإن الإنسان عبد الإحسان.

واللازم على الدولة الإسلامية:

1 ـ إعطاء الحريات المعقولة حسب ما أعطاها الإسلام، وحسب ما هو مذكور في سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وعلي (عليه السلام)، بل وغيرهما من بعض الحكام الذين ساروا على طريقتهما، فإن الحرية صمّام أمان، فلا كبت ولا ضغط، لأنّ الضغط يولّد الإنفجار.

2 ـ دراسة المستقبل، للتنبؤ بما سيحدث من الاضطرابات المحتملة، لعلاجها قبل الوقوع، فإن الاضطراب لا يكون إلا بجذور، فإذا وقفت الدولة دون نمو الجذور، لم يحدث الاضطراب، وفي المثل: (قيراط من الوقاية خير من قنطار من العلاج) فإن الإضطراب كالمرض، لا يظهر فجأة بدون استعداد وسابق إنذار.

3 ـ تكوين لجنة لحلّ المشاكل قد تسمّى بـ(لجنة المصالحة) حيث تكوّن الدولة، لجنة من الحكماء والشيوخ، لأجل المصالحة مع الأمة، بل مع الدول، كلما تعقدت حالة تُنذر بالانفجار، فإن تواضع الدولة أمام المشكلات خير من تصلبها حتى تتورط فيها، بما يفني الضرع والزرع، وقد تقدم ذكر الآية الشريفة: (ادفع بالتي هي أحسن) .

وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان)(7).

وقال (صلى الله عليه وآله): (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(8).

الحكومة الإسلامية أفضل الحكومات

أفضل الحكومات هي الحكومة الإسلامية، وذلك لأنها جمعت بين الحكم على القلب، والحكم على الجسد، ولذا فيها تُشبع حاجات الإنسان، الروحية والجسدية، والمراد بالحكومة الإسلامية، هي ما أسّسها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعمل بها علي (عليه السلام)، وما أشبه ذلك، لا أيّة حكومة سمّيت بالإسلام، وإن لم تكن تعمل بقوانين الإسلام، حتى ولو كانت تدعو إلى الإسلام، وإلى انضمام البشر تحت لوائها.

فإن قسماً من تلك الحكومات، أمثال حكومة بني أميــة وبني العباس، كان منطقها الدعوة إلى الإسلام، وفي واقعها تقول تعالوا إلى حكومتنا، لنقتل شبابكم، ونيتّم أولادكم، ونرمّل نساءكم، ونملأ المقابر بكم، ونقيدكم بالسجون ونبني بأموالكم القصور لنا ولجيوشنا، ونصادر ممتلكاتكم، ونعمل بالاستبداد فيكم، ونذل صلحاءكم وعلماءكم، ونقلل من مدارسكم، ونخنق أصواتكم، ونُشيع فيكم المنكرات، ونشهّر برؤوس قتلاكم من بلد إلى بلد، ونملأ قصورنا بالفتيات والخمر والقمار، ونقضي بينكم بالجور، و...

وأية حكومة سمّت نفسها إسلامية، عملت ببعض هذه الأمور ـ فضلاً عن كلها ـ فهي حكومة غير إسلامية، والإسلام والمسلمون منها براء، وإن ذكرت لذلك ألف تبرير، فإن الإسلام منهجه موجــود في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وعشرات الألوف من الكتب، كما أن الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) والحسن (عليه السلام) طبّقوا الإسلام تطبيقاً عملياً، فكلّ حكومة خالفت ذلك فهي في اسم الإسلام وليس في واقعه.

وإنما كانت حكومة الإسلام أفضل حكومة، لأنها تعطي حاجات القلب، حيث إن الأمة التي تعيش في ظلها تعتقد بحكامها، وترى أن طاعتها طاعة الله ورسوله، وأن فيها الثواب والأجر، وتعطي حاجات الجسد، حيث يتمكن الإنسان تحت ظل قوانين الإسلام من العيش الهنيء والتقدم الصادق.

ومن علائم استقامة الحكومة (والتي في قمتها الحكومة الإسلامية) كثرة المساجد والمدارس والحريات، وقلّة اليباب والسجون والعزّاب، وعدم ازدحام الدوائر بالمراجعين، ووجود قدرٍ يكفي من المستشفيات والمعامل وما أشبه.

فالمساجد للعبادة، والمدارس للدراسة والحريات، لأنها الأصل في رفاه الإنسان وتقدّمه، وقد قال سبحانه في وظيفة الرسول (صلى الله عليه وآله): (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(9).

ولا يخفى أن هناك أربعة أمور:

(أ) الفوضى، وهي الحريات الضارة للإنسان، سواء للمباشر لها أو لغيره، فإن القفز من مكان مرتفع يوجب كسر العظام، وقيادة السيارة بسرعة توجب الاصطدام، وشرب الأفيون والهيروئين، وضرب العين والأذن بما يوجب العمى والصمم، والبطالة بعدم العمل، إلى غير ذلك، كلها ممارسة للحرية، لكنّ هذه الحرية فوضى، وكذلك اغتصاب الفتيات، وقتل الناس، وسرقة الأموال، ومخالفة الأنظمة العقلانية الموجبة لأذى الناس، كسدّ المعبر وإرهاب الناس، وما أشبه ذلك، حرية، لكنها حرية الفوضى.

(ب) الكبت الصريح، وذلك بمصادرة الحريات في التجارة والزراعة والصناعة، والعقيدة، والرأي، والعمارة، والسفر، والإقامة، والكتابة والاجتماع والوصول إلى المراتب العالية فــي الحكم، والدراسة، ونحوها، كما نشاهده في البلاد الشيوعية.

(ج) الكبت المُغلّف، وذلك بأن تهيّئ الأجواء، بما يتوهم الإنسان معها أنه حر، ولكنه ليس بحرّ حقيقة، لسيطرة رأس المال، والدعاية، وملء الأسواق بالحاجات، وملء الفراغ بوسائل اللهو الباطلة، مما يتلخص في أن الإنسان يتوهم الحرية، فيستغني عن الحرية، ويكون مثله كالنائم، يرى في المنام أوهاماً، وهو بتلك الحالة يزعم أنها حقائق، فإذا انتبه عرف أنها كانت أوهاماً، كما نشاهده في البلاد الرأسمالية، وقد ذكرنا بعض تفاصيل الكبت في كتب الفقه (الاقتصاد، السياسية، الاجتماع).

(د) الحرية، وهي كون الإنسان حراً حقيقة، فلا فوضى، ولا كبت صريح أو مغلّف، وهي لا توجد إلاّ في الأنظمة الإسلامية.

ففي الإسلام التحرر العقيدي، حيث لا تبتلى العقيدة بالخرافة، وإنما تُقدم الأدلة على التقاليد، مع حرية البحث والنقد، مما يعبّر عنه بـ(حرية الكلمة).

والتحرر الاقتصادي، حيث لكلّ أن يعمل حسب كفاءته، وما ربح في كيسه فلا كبت في العمل، ولا تذهب بعض أرباحه في كيس الرأسمالي، أو في كيس الدولة، مع تحديد العمل بعدم كونه ضاراً لنفسه أو لمجتمعه.

والتحرر السياسي، فلكلّ أن يصل حسب كفاءته إلى أرقى مناصب الدولة بدون أجواء مكذوبة، توجب جري الإنسان في مجرى خُطِّط له سلفاً، وأوهم ذاته بأنه حر، فإنه بعبارة أخرى: عن أنك عبد لكنك حرّ في اختيار السادة!

والتحرر الثقافي، فلكلّ إنسان أن يصل إلى ما يريده من العلم والثقافة، فليس أمام فرد حاجز من المال، أو من غيره يمنعه من الوصول إلى الجامعة، أو ما فوق الجامعة، وغيرها من مجالات الثقافة.

والتحرّر الاجتماعي، حيث لا توجد الامتيازات الطبقية، المكفولة بسبب القوانين المفرّقة بين الجنسيات والقوميات واللغات والألوان والأقليميات إلى غير ذلك.

الاحتفاظ بالحكومة الإسلامية

لقد دلّ الاستقراء والمنطق، على أن احتفاظ الحكام الجدد بالحكم، تابع لحالة البلاد السابقة، فإن البلد قبل الحكام الجدد على نوعين:

الأول: أن يكون الحكم فيه على نحو الدكتاتورية، بحيث يكون الحاكم الأعلى كل شيء، والباقي من أعضاء الحكم أعوانه وأنصاره المنصّبين بأمره.

الثاني: ألا يكون البلد كذلك، بل كان يدار من قَبلُ، على نحو الاستشارة و(الديمقراطية) وكذلك الحال إذا كان الحكم يدار من قبل حكام متعددين وأمراء، لكلٍّ أنصارٌ وأعوانٌ وأصدقاءٌ، والنتيجة في القسمين واحد، وهو وجود رؤوس متعددة، لا رأس واحد.

ففي الأول: تحطيم الحكم صعب بالنسبة إلى الحاكم الجديد، لوحدة البلاد ومركزية الحكم، فمن يريد إسقاط مثل هذا الحاكم لا بدّ وأن يواجه كلّ القوى.

لكن بعد التحطيم، يكون الاحتفاظ بالحكم أسهل ـ إذا كان للحاكم الجديد قدر من الحنكة والحزم ـ لأن الأمة التي تعودت الدكتاتورية والعبودية، لا يهمها أن يتبدل الدكتاتور، وهي طائعة، لا فرق عندها بين الحاكم الجديد والحاكم القديم.

وفي الثاني: عكس الأول، إذ سيكون التحطيم سهلاً، لتفرّق الحكم في البلد، فيتمكن الحاكم الجديد أن ينقض الحكام الصغار، حاكماً حاكماً.

والاحتفاظ بالحكومة ـ بعد ذلك صعب- حيث إن للرؤساء السابقين وأنصارهم قدرات متعددة خرجت عن الميدان، كلما أطفأ الحاكم الجديد نار بعضها اشتعل البعض الآخر ضد الحاكم الجديد، وكلما رَتَقَ جانباً من البلاد، حصل الفتق في جانب آخر.

وربما يجمع البلد بين الدكتاتورية في الحكم، والرؤساء المتعددين في الدين ـ مثلاً- فالحاكم الجديد أمام أمرين صعبين، صعوبة تحطيم الحاكم الدكتاتور (أولاً) ثم مواجهة الزعماء الدينيين الذين لكل واحد منهم استقلال وأنصار (ثانياً).

ولذا رأينا بريطانيا العاتية، كيف واجهت مشكلة الحكم العثماني في العراق، حيث الدكتاتورية كانت طابع الحكم، ولما أن أزاحت العثمانيين، قام في وجهها علماء الدين، بقيادة الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي (قدس سره) مما اضطرّوهم إلى الانسحاب.

وعلى هذا، فتوحيد بلاد الإسلام تحت حكم إسلامي واحد، يواجــه مشكلة النوع الثاني، حيث إن بلاد الإسلام في الحال الحاضر، دويلات، ولكل دولة حاكم وأنصار فالحاكم الإسلامي الذي يريد توحيد هذه البلاد، لا يرى العَنَت الكثير، بمقدار ما كان يراه لو كانت البلاد تحت حكم حاكم واحد.

نعم، لا بدّ من أن يَحْسَب الحاكم الجديد احتمال توحد حكام البلاد، واحتمال ما إذا ساعد كل حاكم استعماري قوي من الخارج. فاللازم أن لا يترك حكام البلاد يتّحدون، في قبال الإسلام الزاحف وفي قبال الشعب الإسلامي المضطهد، كما يلزم أن لا يترك الاستعمار الخارجي يساعد الحاكم الذي أخذت شمسه في الأفول.

وإذا قام الحكم الإسلامي في البلاد ـ حكماً واحداً- فالمهم ألاّ يجعل الحاكم الجديد، منهج الحكم الاستبداد، وإقصاء كافة الحكام القدامى وأنصارهم، الصالح وغير الصالح جميعاً، حتى يجدوا المجال للمؤامرة، بل اللازم أن يفعل فعل الرسول (صلى الله عليه وآله) في إشراك الصالح من الحكام السابقين في الحكم، وإلاّ كان عليه أن يختار أحد أمرين:

إما الاستعداد الدائم لمواجهة الحكام السابقين، وتلوّث سمعته، وسمعة الإسلام ـ حيث يرون الناس أنه ممثله ـ وإما إبادة الحكام السابقين وكل أنصارهم، وهذا أسوأ، حيث إن الحكم يفقد رواءه وجماله من أول يوم، ويجد أولئك الحكام من يثأر لهم، فتكون المواجهة الدائمة أيضاً.

وعلى أي حال، فأفضل الحلول الثلاثة، هو حل الإسلام الذي طبقه الرسول (صلى الله عليه وآله) إن هذا الحل بلا شك يضغط على الحاكم الجديد أكبر قدر من الضغط، إلاّ أن ضغط الأصدقاء أهون وأحسن عاقبة من ضغط الأعداء، وقد قال الإمام علي (عليه السلام): الحق مرٌّ هنيء والباطل حلو وبيء.

ثم إن إشراك من يصلح من السابقين وأنصارهم في الحكم يعطي للحاكم الجديد راحتين مهمتين:

الأولى: راحة الخبرة، حيث إن إدارة الحكم بحاجة إلى أكبر قدر من الخبرة، والخبرة لا يمكن إيجادها بين عشية وضحاها، وإذا لم تتوفر الخبرة في الحاكم الجديد، ساءت الأوضاع وتدهورت الأمور، بما يوجب أن يرى الناس الحكم السابق ـ على مفاسده - خيراً من الحكم الجديد ـ على حسناته-.

الثانية: أنه حيث تتوفر الخبرة وحسنات الحكم الجديد، يُقبل كل الناس عليه، فلا تكثر الاضطرابات في الحكم الجديد. والاضطرابات التي رافقت الثورة تختفي بسرعة. واستقرار الحكم وحسناته، يوجبان بقاء الحكم حتى بعد فقد الحاكم الجديد، فإن الناس يلتفّون حول الحكم الحسن ويضمنون بقاءه.

كيف يتعامل الحاكم الإسلامي؟

الحاكم الإسلامي لا بدّ له أن يلاحظ أمرين مهمين عند حكمه للبلاد، سواء صار حاكماً لكل البلاد الإسلامية، أو بعضها.

الأول: حريات الناس، فإن المسلم بطبعه حر، لأن الإسلام جعل ضميره حراً، حتى إذا حَكَم بلده من استعبده مدة مديدة، فإذا أراد الحاكم سلب حريته، ثار، فإن لم يتمكن من الثورة في بداية الأمر لشدة الإرهاب، فإنه لا بدّ وأن يثور في أول فرصة تسنح له بذلك، وبقدر سلب الحاكم للحرية، يكون عنف الثورة على نفس الحاكم وأنصاره جسدياً وسمعة.

ولذا رأينا كيف حطمت إيران البهلويين، ونسفت تركيا أتاتورك، وانتقمت مصر من عبد الناصر، والعراق من قاسم، إلى غير ذلك.

والمراد بالحرية، حرية الرأي وحرية العمل، فإن البدن كما يحتاج إلى النشاط والغذاء، يحتاج الفكر إلى النشاط والحركة. وعلامة حرية الفكر أن تقف في الشارع على رؤوس الأشهاد وتقول كلمتك، وقد أعطى الإسلام هذه الحرية إلى أبعد حد، فقد رجع من بعض حروب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثمائة، ولم يشتركوا في الحرب، فتركهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشأنهم.

صحيح أن الفرار كان مُحرماً على الفار، لكن صحيح أيضاً، أن الرسول (صلى الله عليه وآله) علّمهم على الحرية، وبتلك الحرية التي لم يشاهد مثلها التاريخ، دفع الرسول (صلى الله عليه وآله) المسلمين إلى ذلك التقدم الهائل، لأن العالم لم يكن حراً، والعالم الحر يتمكن من اجتياح العالم غير الحر، كما أن غير المغلول يتمكن من التصرف في الإنسان المغلول كيف شاء.

ولا يغر الحاكم أن بإمكانه أن يأمر الناس بالخروج إلى المظاهرات بالألوف، وأن ذلك علامة حب الناس له، بل بالعكس كثيراً ما يكون تمكن الحاكم من ذلك دليل الإرهاب، والإرهاب لا بدّ أن يزول، ويسقط الحاكم بزواله.

ويذكر العراقيون، كيف أن قاسم كان يُخرِج الناس إلى الشوارع وكذلك ناصر في مصر، ومع ذلك أسقطا سقطة نمرود وفرعون، إنه إذا كانت حرية لا يخرج كل الناس، ولا يُغلقون أبواب حوانيتهم، بإشارة الحاكم، وإنما يخرج ويغلق جماعة منهم، لا يصل عددهم على الأغلب إلى ربع الناس، نعم في حالات نادرة جداً يغلق كل الناس محلاتهم ليخرجوا في مظاهرات صاخبة عن عقيدة راسخة وإيمان عميق واعي.

ولذا لا نجد مثل هذه المظاهرات في بلد فيه شيء من الحرية، بينما نجدها في بلاد الدكتاتورية، أمثال روسيا، وصين ماو، وفيتنام هو شيء منه وما هي النتيجة؟ إنها حرق ستالين بعد إقباره، فقد أخرجوه من القبر وأحرقوه جزاءاً لبعض عمله، ولعن ماو وعصابته بعد موته، وكره الفيتناميين لهوشي مِنّه، بمجرد استقلال فيتنام عن أمريكا ـ وإن وقعت في استعمار آخر-.

وعليه يلزم أن لا يغر الحاكم التهليل والتصفيق له، والمظاهرات والإضرابات الصاخبة بمجرد إشارته، فإن كل ذلك علامة سقوطه، قريباً أو بعيداً، لا علامة حب الناس ونجاحه.

الثاني: أموال الناس، فقد ورد في الحديث: (ينام الرجال على الثكل ولا ينام على الحرب)(10). وهذا أمر مجرب، فالناس ليسوا مستعدين لتلاعب الحكام بأموالهم بأي اسم كان. وقد يحتال بعض الحكام، يفرض الضرائب على الناس تحت ستار مجلس الأمة، وأنه رأي نواب الأمة أو باسم أنهم في حالة أزمة وحرب، وأنهم يريدون بهذه الضرائب طرد العدو وإخراج البلاد عن الأزمة.

إن مثل هذه الحيلة ناشئة عن البساطة، كما أن كل حيلة وخداع ناشئة عن البساطة، ولذا قال الإمام (عليه السلام)، في جواب من سأل: ما الحيلة؟ قال: (ترك الحيلة)(11) وقد صدق (عليه السلام)، ولذا نرى كيف افتضح معاوية المحتال، وبقي علي (عليه السلام) التقي كالطود الشامخ، لا يزيده مرور الزمان إلاّ تلألؤاً وشموخاً.

إن الناس يسألون الحاكم ـ الذي يعتبر نفسه إسلامياً وهو على وتيرة معاوية بن أبي سفيان، كرؤساء بعض بلاد الإسلام: - عندما يأخذ الضرائب تحت ستار مجلس الأمة، هل المجلس حر أو مستعبد تحت استبدادك، فإن زعمت أنه حر، فلماذا لا ينتقدك علناً ولو مرة؟ وهل يمكن ألاّ ينتقد مجلس حر الحاكم الأعلى، وإذا كان المجلس تحت استعبادك، فالستار مهلهل تبدو من خلاله سوآتك، فلم تنطل الحيلة على الأمة، وإنما كما قال الله تعالى: (يخادعون الله وهو خادعهم)(12)، (وما يمكرون إلاّ بأنفسهم)(13)، (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)(14).

كما يسأل الناس الحاكم الذي يأخذ الضرائب، باسم الأزمة والحرب، هل الناس لهم رأي في كيفية علاج الأزمة وعلاج الحرب؟ فإن كان لهم رأي فأين صحفهم الحرة؟ وأين أحزابهم الحرة؟ وأين إذاعتهم الحرة؟ وإن لم يكن لهم رأي، فالأزمة إنما أحدثها الحاكم، والحرب إنما صارت بسوء تصرف الحاكم، والحرب والأزمة، إذا كانتا بافتعال الحاكم، فالناس غير مستعدين لبذل أموالهم لأجل شيء مفتعل.

هذا بالإضافة إلى أن الحاكم الإسلامي يجب أن يكون مقيداً بالشريعة، ولا ضرائب في الشريعة، باستثناء الخمس والزكاة والجزية والخراج، وإن حدثت أزمة واقعية، فالأخذ يكون للضرورة (والضرورات تقدَّر بقدرها) بالإضافة إلى لزوم اشتراك الناس في حدود الضرورات، لا الاستبداد بالحدود فإن (أمرهم شورى بينهم) .

والتدخل في شؤون الناس المالية ليس خاصاً بأخذ الضرائب الاعتباطية، بل يشمل المصادرة وتقييد التجارة والزراعة والصناعة والعمارة، ونحو ذلك مما يمارسه العديد من حكام البلاد الإسلامية.

وهنا سؤال، هو أنه كيف تقوم الدولة بنفقاتها الكثيرة في العصر الحالي، بدون ضرائب إضافية عمّا أقرَّه الإسلام؟، وقد أجبنا عن ذلك في كتاب (الفقه: الاقتصاد) وغيره، بما حاصله يرجع إلى ثلاثة أمور:

الأول: يلزم على الدولة تقليل الموظفين، فلا حاجة إلى كثير منهم، وبذلك يخفّ الحمل على كاهل الدولة.

الثاني: تترك الدولة غالب الشؤون على عاتق الأمة، أمثال المستشفيات والمدارس والمواصلات والماء والكهرباء والبريد والهاتف، وغيرها، وإنما تشرف الدولة على الأمور لأجل تكميل النواقص، ولأجل عدم التعدي والإجحاف.

الثالث: إذا اضطرّت الدولة لفرض ضرائب إضافية، تجبيها بموافقة الناس وأخذ آرائهم، فإن الناس إذا اشتركوا في فهم الاحتياج، واشتركوا في إعطاء الرأي لكيفية العلاج حقيقة في أجواء حرة، لا صورية بتهيئة الأجواء المكذوبة كما يفعلها الديكتاتوريون من الحكام قبلوا الضرائب بكل ترحاب ولا تكون كلاًّ عليهم وثقلاً على كاهلهم.

السير في طريق الرسول (صلى الله عليه وآله)

لا يمكن إرجاع الإسلام إلى حياة المسلمين ـ بتجميع بلادهم في حكومة واحدة تستوعب ألف مليون مسلم ـ إلاّ بالسير في طريق الرسول (صلى الله عليه وآله)، فحكومات الإسلام في هذا اليوم، حالها حال القبائل المتنافرة والبلاد المتشتتة في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله)، فقد جمع (صلى الله عليه وآله) القبائل قبيلة قبيلة، والبلاد بلداً بلداً وحيث رأوا في الرسول خير قائد، وفي الإسلام خير منهج، أسرعوا في الدخول في الإسلام والانضواء تحت لوائه.

وهكذا اللازم اليوم تجميع الحركات الإسلامية، كالأحزاب والمنظمات والجمعيات والهيئات، واستقطاب النشاطات الإسلامية، كالمكتبات، والمدارس، ودور النشر، والمجلات والجرائد، وغيرها في تيار واحد.

والقول بأن حكومات الاستعمار لا تدع ذلك منقوص بأنه في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) كانت حكومة الشرق والغرب (الفرس والروم) بمنزلة حكومات الاستعمار في هذا اليوم، هذا بالإضافة إلى ما نرى من أن الهند والصين مع تعدد حكوماتها، واستعمار المستعمرين لبلادهما، تمكنتا من الخروج من نير المستعمرين، ولا نريد بذلك صحة حكومتهما بالنظر الإسلامي، بل نريد بيان إمكان ذلك حتى في العصر الحاضر، وفي المثل المشهور: حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.

والتمكن من جمع البلاد بحاجة إلى كفاءات كبيرة، وتعقّل واسع، وحزم عميق، وإذا لم يتوفر كل ذلك في الحركة، لم تتمكن من الوصول إلى الهدف.

وبالعكس إذا تمكنت فقد وصلت إلى مبتغاها، كما ظهرت مقدرتها الفائقة، فإن حلّ الصعاب يظهر قدرة الحلاّل، وقوة كفاءته.

والأمر المهم أن تتجمع القوى بكل صبر ومثابرة وحكمة، وتعقل وخُلق حسن وحزم، حتى تصل إلى الهدف، وتنقذ البلاد، وتخلّص العباد.

ومن المهم أن نعرف كيف تقوم الدولة وكيف تبقى البلاد تحت حكم الإسلام بعد تغلّبه، وقد نرى في التاريخ القريب أن الآخوند (رحمه الله تعالى) تمكن من إنقاذ إيران من الاستبداد لكنه استشهد، ولم يكن المسلمون من بعده في مستوى أن يحافظوا على المكسب الكبير الذي حصل، وكذلك نرى أن الشيرازي (رحمه الله تعالى) استطاع إنقاذ العراق من الاستعمار البريطاني (حيث كانت بريطانيا أكبر دولة ووراءها ألف مليون من البشر وبأحدث الأسلحة وأحسن تنظيم، والعراق نفوسها بضع ملايين، بلا سلاح ولا جيش ولا نظام) لكنه استشهد (رحمه الله تعالى) والذين أتوا من بعده لم تسنح لهم الظروف لحفظ الاستقلال، وإن جاهدوا لأجله مشكورين في جهادهم وجهودهم حتى أُبعدوا.

ونرى في سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) :

أولاً: كيف جعل الأسس للسير البطيء الذي لا يخشى سقوطه بعد الوصول، فإن السير السريع يسرع زواله، وفي المثل: (بطيء النمو بطيء الزوال، وسريع النمو سريع الزوال)، ولذا اشتغل الرسول (صلى الله عليه وآله) طيلة رسالته من أول يومها إلى يوم وفاته، بتربية الناس لا تربية قولية فحسب، بل عملية أيضاً، حتى كوّن (أمةً وسطاً)، و(خير أمة أخرجت للناس) .

وبذلك تمكن (صلى الله عليه وآله) من جلب ثقة العالم إلى نفسه كرسول، وإلى دينه كمنهاج حياة، فإن الناس إذا عرض عليهم مبدأ، يجرّبون من أتى به، ونفس المبدأ، هل الآتي بالمبدأ يصلح لأن ينضووا تحت لوائه؟ وهل مبدأهُ يصلح أن يكون بديلاً عما بيدهم من المبدأ؟ لا هذا فحسب، بل اللازم أن يروا الآتي بالمبدأ خيراً ممن هم تحت لوائه الآن، وأن يروا المبدأ خيراً من مبدئهم الذي هو بيدهم الآن، وإلاّ فأي داع لأن يغيّر الإنسان سيده إلى سيد مساوٍ له؟! وأي داع لأن يغير الإنسان منهاجه إلى منهاج مساوٍ لذلك المنهاج؟

ولا ينتهي الأمر بخصوص تأييد بعض الغوغاء ممن يصفّقون له، ويمدحون مبدأه، يتركون السيئات ويذكرون الحسنات.

فإن الغوغاء والشعار لا يزيدان العقلاء إلاّ بعداً ونفوراً، فإذا لم يتمكن العقلاء من هدم المبدأ الجديد ذي الشعارات الزائفة، وإخراج صاحبه ذي التصفيقات الفارغة، عن الميدان بصورة سريعة، فإنهم يأخذون في هدمها بكل صبر وتوده، فلا يمرّ زمان، إلاّ وترى حامل المبدأ في قائمة العتاة، ومبدأه في قائمة المبادئ المرمية في مجاهل التاريخ.

وثانياً: كيف تمكن من الاستيلاء على القبائل والبلاد، حيث حوّل (صلى الله عليه وآله) قوّته الأخلاقية ومبادئه السامية إلى ترجمة عملية، فتمكن (صلى الله عليه وآله) بذلك من الاستيلاء أولاً، والإبقاء ثانياً.

فمثلاً: نرى في فتحه (صلى الله عليه وآله) لمكة أكبر حكمة ممكنة، مما لا يُرينا التاريخ مثل تلك الحكمة، لا قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا بعده، فمكة عاصمة الشرك والعتاة والفجرة، الذين حاربوا الرسول أقسى حرب باردة وحارة منذ إظهاره (صلى الله عليه وآله) الدعوة إلى يوم الفتح، وقد تمكن الرسول (صلى الله عليه وآله) من الاستيلاء عليها بكل سهولة، وتمكن من إبقاء سيطرته عليها، فلم تضطرب مكة من بعد الفتح أقلّ اضطراب، مع أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يجعل فيها حامية، ولم يُسكن في ربوعها جالية، ولم يُبد رجالها، ولا صادر أموالها.

وإنما كانت الحكمة في ذلك النجاح الهائل بدءاً واستمراراً، رهين حكمة الرسول (صلى الله عليه وآله) التي تجلّت في:

1- أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لما فتح خيبر أرسل بمالٍ كثير إلى مكة ليقسم بين أهلها ـ وهم على حربهم مع الرسول وشركهم - .

2- عفا عن أبي سفيان حين جاء به العباس إلى خبائه قبل الفتح.

3- جعل (صلى الله عليه وآله) يوم الفتح يوم المرحمة وحفظ الحرمة، لا يوم الملحمة وسبي الحرمة.

4- جعل (صلى الله عليه وآله) دار المناوئين لهم أمناً، وأعطاهم الأمان إذا ألقوا أسلحتهم ودخلوا دورهم، أو دخلوا المسجد الحرام. وبقي (صلى الله عليه وآله) على عهده، فلم يغدر بعد أن تسلّط بأن ينتقم منهم، كما هي عادة الحكام حيث يظهرون العفو، حتى إذا تم لهم الاستيلاء، أخذوا في الانتقام.

5- أطلق ســـراح المجرميـــن، بكل جلاء فقــــال لهم: (أقول لكم كما قال أخي يوسف لإخوانه لا تثريب عليكم اذهبوا فأنتم الطلقاء)(15).

6- لم يستردّ دور المسلمين التي صادرها الكفار، وحين قيل له (صلى الله عليه وآله) ألا تنزل دارك؟ قال: وهل أبقى فلان لنا داراً؟

7- لم يصادر شيئاً من أموالهم.

8- ردّ مفتاح الكعبة إلى ذلك المشرك، لكي يظهر للناس أنه (صلى الله عليه وآله) لا يطمع في الاستيلاء على امتيازاتهم.

9- ردّ أسلحة صفوان، مع أنه كان من مجرمي الحروب التي كانت تُشنُّ ضد رسول الله، فقد كان في مكة بمنزلة وزير الدفاع، حتى أن صفوان بنفسه تعجب من هذا الخلق الرفيع.

10- أعطى زعماء المعارضة الذين كانوا يستحقّون القتل ومصادرة الأموال، وإلغاء الامتيازات، شيئاً كبيراً من غنائم حنين.

11- لم يُحمّلهم خسارات الحروب التي شنّوها على الرسول، ولا ديّة أصحابه وأقربائه الذين قتلوهم، ولم يكن ذلك لأنهم أسلموا (والإسلام يجبّ ما قبله)(16) بل لم يسلم أكثرهم.

12- لم يجبرهم على الإسلام، وعمل بقوله سبحانه: (لا إكراه في الدين)(17).

13- أشركهم في الحكم، حيث جعل بعضهم من قادة جيشه، حيث توجّه (صلى الله عليه وآله) ـ مباشرة ـ إلى حنين.

14- قال (صلى الله عليه وآله) لحاكمه عتاب بن أسيد: (أحسن إلى محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم) .

ولم يكن ذلك مجرد لفظ، كما اعتاد الحكام أن يطلقوه، ثم يتآمرون في تصفية المناوئين، وذلك كي يجمعوا بين الانتقام وبين إظهار أنفسهم في مظهر الشهم الكريم.

بل كان قوله (صلى الله عليه وآله) وعمله متطابقين، فقد رأى أسيد كيف عفا (صلى الله عليه وآله) عن المتآمرين لقتل حمزة (هند) والتي لاكت قلبه، وجعلت أذنيه وأنفه وأصابعه و.. قلادة، تفتخر بها على النساء المشركات، وقد رأى أسيد كيف عفا (صلى الله عليه وآله) عن (هبّار) الذي ألقى ببنته (زينب) من الهودج، مما سبّب قتل جنينها وقَتْلها بعد أن مرضت مدة، والتحقت بعد ذلك بالرفيق الأعلى، إلى غير ذلك.

الحرب والدولة

ربما يُتوهم أن الحرب حاسمة، فلا بدّ للدولة من الحرب، سواء لأجل الوصول إلى الدولة أو لأجل توسعتها، أو لأجل إبقائها. إنه لا شك في أن الحرب حاسمة، لكن الكلام في أربعة أمور:

الأول: هل السلاح يأتي إلى يد الحركة الإسلامية بالحرب أو بالتنظيم والتوعية؟

الثاني: هل إذا تمكّنت الحركة الإسلامية من قيادة الجماهير، تتمكن من إسقاط النظام السابق بالحرب، أو بِشلّ قوى النظام بدون حرب؟

الثالث: هل إذا اضطرت الحركة ـ ولو بعد الوصول إلى الحكم ـ إلى الحرب، مع من يريد اجتثاث جذوره، الأفضل ألاّ تبدأ بالحرب حتى لا يقال إن الحركة الإسلامية غير محبّة للسلام، حتى تكون السمعة للحركة الإسلامية، أو أن تكون الحركة هي البادئة حتى تظهر بمظهر الظالم المعتدي؟

الرابع: إذا كان لا بدّ من الحرب، فهي اضطرار يُقدّر بقدره، فإن ثلاثة أرباع الانتصارات تعتمد على الأعمال الدبلوماسية، فهل انتزاع الانتصار بجعل الربع الأخير عملاً حربياً، وثلاثة أرباعها الدبلوماسية أفضل أو جعل الجميع عملاً حربياً؟

وإذا كانت الأجوبة على هذه الأسئلة واضحة، فالحركة الإسلامية تبدأ بجمع الأنصار والتنظيم والتوعية، ثم تسقط الأنظمة الاستعمارية مباشرة، والأنظمة العملية بالإضرابات والمظاهرات والتمردات، وإذا اضطرت إلى الحرب، تبادر بها هي لكي لا تكون للمعتدي حجة عليها أمام العالم، وإن أمكن أن تدفع الحرب بالطرق السلمية فذلك خير، وإذا لم تنفع الطرق السلمية، تجعل العمل الحربي ربعاً للحرب، وثلاثة أرباع للحلول السلمية.

والى كل ذلك، تشير سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وسيرة علي (عليه السلام) مما هو معروف للناس.

وبهذه المناسبة لا بأس إلى أن نشير إلى أمر آخر، وهو أن اللازم على التيار الإسلامي قبل الوصول إلى الدولة، والدولة الإسلامية، أن يتجنب القتل ـ بكل قوة ـ فإن القتل يثير الناس إثارة بالغة، ولا ينسى الناس مَن قتل أولادهم وأقرباءهم وأصدقاءهم، وذلك إذا لم يؤثر في الخط القريب إبان قدرة التيار أو قدرة الدولة، فإن ذلك يؤثر في الخط البعيد.

فأولاً: القتل يوجب رد الفعل في سائر الشعوب، حيث يقولون: (إن الإسلام دين القتل) فإن الناس يرون عمل حكام كل مبدأ تجربة عملية لذلك المبدأ، ولذا ينظرون إلى النازية والفاشية والشيوعية، بمنظار قتلى هتلر وموسيليني وستالين، وإذا حصل رد الفعل في الشعوب فمن الأكيد أنهم يكيدون لإسقاط مثل هذا النظام، وكيد الشعوب ينتج، وما الداعي لأن يعمل الإنسان عملاً يوجب سقوطه وسقوط مبدئه؟.

وثانياً: القتل يوجب تأليب الأمة ضد الحكم القائم، فإنهم وإن كانوا ضعفاء حين قدرة التيار، أو قدرة الدولة، إلاّ أن الميزان سينقلب، إلى قوة الأمة وضعف التيار والدولة، وحين ذاك يكون السقوط، بل الإبادة الكاملة، كما رأينا كيف أبادت الأمة بني أمية، وغيرهم من الذين امتهنوا القتل.

ولذا نرى في سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) التجنب عن القتل إلى أبعد حد، فقد عفا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كفار مكة، وعن الذين تآمروا على قتله في ليلة العقبة، وعلله (صلى الله عليه وآله) بأنه لا يريد أن يقول الناس أن محمداً قتل أصحابه وعلي (عليه السلام) قال بعد أن ضُرب وقد تآمر على ضربه جماعة: (لا ألفينكم يا بني عبد المطلب تخوضون دماء المسلمين، تقولون قُتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ألا لا يقتل بي غير قاتلي)(18).

وقد ذكر بعض المحققين من المؤرخين أن قتلى الرسول (صلى الله عليه وآله) في كل حروبه من الجانبين ـ المسلمين والكفار- ألف وثمانية، وقد كان علي (عليه السلام) يخطو خطى الرسول (صلى الله عليه وآله) فعفا عن أهل الجمل والنهروان بعد أن ظفر بهم، وكان إذا أخذ أحد أصحاب معاوية حلّفه بان لا يساعد معاوية، ثم تركه وشأنه، وقضايا عفوه كثيرة.

ولذا تبوّأ هذان القائدان الإلهيان، أعظم مكانة في نفوس المسلمين، وفي نفوس سائر البشر، مما أوجب تقدم الإسلام، تقدماً عظيماً، وقد أحصى بعضهم أن كل الذين قتلهم علي (عليه السلام) بسبب الجنايات في تلك الدولة الشاسعة الأطراف، - والتي قال بعضهم عنها أنها على خريطة اليوم، تحتوى على خمسين دولة، وكانت أكبر دولة في عالم ذلك اليوم- كانوا زهاء مائة شخص فقط، في مدة خمس سنوات تقريباً، مع العلم أن الجريمة والفوضى، كانت ضربت بأطنابها في ربوع البلاد الإسلامية من جرّاء سوء تصرف الحاكم السابق.

ومن هنا نرى بُعد مدى سياسة الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) في هذا الشأن، كبعد مدى سياستهما في كل الشؤون، كما قال ضرار لمعاوية يصف الإمام علياً علي (عليه السلام): (كان والله بعيد المدى)(19) كما يتجلى ذلك في عمق الأشعار التي قالها بعضهم عن لسان النبي وآله:

ملكنا فكان العفو منـا سجيـة          ولمــا ملكتم ســال بالــدم أبطــحُ

وحلّلتم قتل الأُسارى وطالما          ظللنا عن الأسرى نعفّ ونصفحُ

فحسبكمُ هذا التفـاوت بيننـــا          وكــلُّ إنــاء بالــذي فيــه ينضـح

ويأتي الكلام أخيراً، في أن التيار الإسلامي أو الدولة الإسلامية، ماذا تعمل بالحدود الشرعية التي فيها القتل؟

والجواب: القتل غالباً يمكن تفاديه:

1 - فالقصاص يمكن تفاديه بإرضاء ذوي المقتول، وقد توسّط الإمام السجّاد (عليه السلام) في إرضاء ذوي المقتول.

2 - واللواط والزنا الموجبان للقتل، لا يحصل الشهود عليهما، (أربعة عدول، رأوا كالميل في المكحلة) إلاّ نادراً ندرة كبيرة وإقرار المرتكب أربع مرات قليل ونادر جداً.

3 - والارتداد لا يُوجب القتل إذا كان عن شبهة، والارتداد لا عن شبهة قليل جداً.

4 - أما أن يرتكب إنسان المعصية الكبيرة مرات ويُحدّ ثلاث مرات، ثم يعود فذلك إن وقع فهو في غاية الندرة.

5 - والذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً، فللحاكم نفيهم، وتبديل النفي بالسجن، كما ذكرناه في كتاب (الحدود والتعزيرات) وغير هذه الموارد، أقل منها عقوبة كما هو في الفقه.

وربما يزعم زاعم أن الرسول (صلى الله عليه وآله)، لو كان يقتل المنافقين، لم يصل الأمر بعده إلى تلك المشاكل، ولو كان يقتل علي (عليه السلام) المناوئين، لم يتسلّط على الأمر من تسلط من بعده؟

وكلا الزعمين لا يصدران إلاّ عمّن لا اطلاع له على الأوضاع الاجتماعية ولا على التاريخ، فإن قتل المنافق يولّد منافقين وأحياناً محاربين، وقتل المناوئ يولّد مناوئين وأحياناً مقاتلين.

نعم إذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يقتل المنافقين، لتحطّم الإسلام في يومه الأول كما أشار إلى مثل ذلك علي (عليه السلام) حين قال لفاطمة (عليها السلام): (لا تسمعين هذا الاسم) أي اسم محمد (صلى الله عليه وآله) كما أن علياً (عليه السلام) لو كان يقتل المناوئين، لأبادوا آله في أوّل فرصة، كما أبادوا آل أمية في أول فرصة، فلم يصل الأمر إلى وجود الباقر والصادق والكاظم والرضا وغيرهم (صلى الله عليهم وآلهم وسلم) والى ذلك أشار بعض الأئمة (عليهم السلام) في بيان وجه عفو علي (عليه السلام) عن أهل الجمل.

هذا بالإضافة إلى أنه لم يكن التاريخ، يضع الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلياً (عليه السلام) في قمة البشرية المثالية التي ينحدر عنها السيل ولا يرقى إليها الطير.

إذن فمن الضروري على التيار الإسلامي والدولة الإسلامية، أن يجعلا القتل في قائمة (لا) لا في قائمة (نعم) وبذلك يمكن التقدم والازدهار المطلوبان.

نظام الدولة الإسلامية

وإبداء التيار الإسلامي لنظام الدولة الإسلامية ضروري قبل الشروع في الحركة العامة، فإن الناس لا ينضوون تحت لواء حتى يعرفوا أبعاد التحرك تحته، فلا ينفع أن يقول الزعماء للناس: إننا نريد توحيد بلاد الإسلام تحت قيادة إسلامية صحيحة، ولا إننا نريد تحرير المسلمين من نير الاستعمار والطغيان، فإنهم يتساءلون: وكيف ذلك؟ وكم المدة المترقبة للوصول إلى الهدف؟ وما هو الميثاق الذي تعمل به الحركة إلى حين الوصول؟ فاللازم أن تجعل الحركة (المبدأ) و(المنتهى) و(الكيفية) .

هذا بالنسبة إلى التيار، أما بالنسبة إلى الأطروحة، فالمهمّ أن يبين كيفية الحكم في الإسلام؟ وكيفية الاقتصاد والاجتماع؟ خصوصاً وقد اتهم الإسلام ـ حتى عند جمهرة من المثقفين المسلمين ـ بأنه دين الاستبداد واستعباد المرأة ودين القتل والسوط، ودين سلب الحريات، وقد وجد المتهمون تبريرات كافية للاتهام في أعمال جملة من الخلفاء والسلاطين والأمراء، الذين لوّثوا سمعة الإسلام بأعمالهم الوحشية (اللاإنسانية واللاإسلامية).

ومن الطبيعي أن الناس لا ينضوون تحت لواء جديد، إلاّ بعد أن يتيقّنوا أنه أفضل من اللواء القديم.

ومن يراجع التاريخ، يرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف تقدم إلى الأمام، حيث عُرف دينه بأنه دين التحرر، ودين التوحيد بين الناس، ودين المساواة أمام القانون، ودين العقل، ودين الرفاه، ودين إعطاء كل ذي حق حقه.

وقد طبق بنفسه (صلى الله عليه وآله) كل ذلك، حتى صار خير قائد يراه الناس، فلم يكن لهم مانع من أن يستبدلوا قيادته بقياداتهم السابقة.

إذن اللازم أن يكون المنهج بحيث يرى المثقفون في العالم الإسلامي، بل في كل العالم، أن حرياته أفضل من حريات العالم المعاصر، وأنّ حكمه أحسن من حكم الديمقراطيين، وأن اقتصاده خير من اقتصاد الشيوعيين والرأسماليين والاشتراكيين، وأن رفاهه أوفر من رفاه ما يسمى بالعالم الحر، هذا من ناحية.

ومن ناحية ثانية، يرون في القائمين بالحركة أنهم يصلحون لأن يكونوا قادة لهم، عوض قياداتهم القديمة، وأن يروا نظام الحكم المترقب يعطي لهم الفرص الكافية لأن يصعدوا إلى أعلى الدرجات، إذا كان عندهم الكفاية أما أن يروا أنهم سيظلون في الدرجة الثانية، مهما كانوا ذوي كفاءات، فذلك مما يزهدهم في الإقبال على مثل هذه الحركة ومثل هذا النظام.

ولذا فمن الضروري في (الحركة) أن تكون دورية انتخابية، لا أن يظل الرؤساء رؤساء، وغيرهم في درجة ثانية، كما أن من الضروري أن يكون (الحكم) كذلك، فلا وراثة ولا استخلاف، كما لا بقاء يدوم لأحد في الحكم.

وحينئذٍ فمن الضروري أن يكون للأطروحة جهة إيجابية تبيّن محاسن الحكم الإسلامي الذي يُراد تطبيقه، ومساوئ الحكم غير الإسلامي الذي يبتدئ بمجلس الأمم المتحدة، مثلاً يقال: إن الأمم المتحدة ـ على اتفاق الدول في القبول به- فيه نقائص مشينة، مثل:

1 - إن الدولة الكبيرة ذات الملايين، والدولة الصغيرة ذات الربع مليون متساويتان في الأصوات، مع أن القاعدة العقلانية تقتضي، تساوي البشر، لا تساوي الدول.

2 - اعتراف الأمم المتحدة بالحكم الوراثي، والحكم الإنقلابي، وكلاهما سحق للكفاءات فالإرادة يجب أن تكون هي الحاكمة، لا لأنه قريب فلان، أو لأن بيده السلاح، وأي فرق بين وراثة ولد الطبيب لأبيه الطبيب، وجعل إنسان نفسه طبيباً لأن له مدفعاً، وبين الحكم، فإن الحكم كفاءة ذاتية واختيار أكثرية الناس للحاكم، كما أن الطب كفاءة، واختيار المريض للطبيب، وهكذا بالنسبة إلى سائر الكفاءات.

3 - إعطاء حق الفيتو لبعض الدول أو ليس ذلك، أشبه بإعطاء حق الفيتو للتاجر الأكثر مالاً في قبال التجار الذين هم أقل أموالاً؟ وإذا كان هناك فارق فما هو ذلك الفارق؟

4 - قبول جعل التفاوت بين الناس بالولادة، مما لا مدخلية للإنسان فيه، مثلاً في بلد لا يصلح لبعض الوظائف غير العربي، وفي بلد لا يصلح غير التركي إلى غير ذلك من الأمثلة، إلى سائر النقائص الموجودة في القوانين والتي هي خلاف العقل والمنطق.

 

1 ـ الوسائل: ج2 ص883 باب 60 من أبواب الدفن ح1.

2 ـ سورة النساء: الآية 54.

3 ـ سورة الجمعة: الآية 2.

4 ـ البحار: ج64 ص72 ح40.

5 ـ سورة فصلت: الآية 34.

6 ـ غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس ص262 ح30.

7 ـ سورة البقرة: الآية 208.

8 ـ مستدرك الوسائل: ج11، ص187، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ـ بيروت.

9 ـ سورة الأعراف: الآية 157.

10 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم 307.

11 ـ بحار الأنوار: ج31، ص383.

12 ـ سورة النساء: الآية 142.

13 ـ سورة الأنعام: الآية 123.

14 ـ سورة آل عمران: الآية 54.

15 ـ جواهر الكلام: ج21، ص167.

16 ـ مستند الشيعة، ج1، ص119، منشورات مكتبة المرعشي ـ قم.

17 ـ سورة البقرة: الآية 256.

18 ـ نهج البلاغة: الكتاب 47.

19 ـ سفينة البحار: ج2 ص657.