الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

سبل الوصول إلى الحكم

سبل الوصول إلى الحكم في العالمين القديم والحديث، ثلاثة أمور:

1 - الحظ ، كأن يولد الإنسان في بيت الملوكية، أو بيت السيادة، والمقصود بالحكم أعم من الحكم الوراثي والاستخلافي، وسائر مناصب الدولة حيث إن رأي الفرد - لا الأمة - دخيل في الوصول إلى الحكم، مثلاً ابن الملك يصل إلى الملوكية، ومن يهواه الرئيس ـ من المتملّقين له - يهيئ الرئيس الأجواء لإيصاله إلى الحكم، حيث إن بيد الرئيس الدعاية والمال والسجن، ومن الواضح أن هذه الأمور كفيلة بإيصال مَن يشاءه الرئيس إلى ما يشاء، وهكذا بالنسبة إلى سائر مناصب الدولة.

ولا علاج لذلك إلاّ بأن تكون القدرة موزعة بالأحزاب والصحف والإعلام الحر، حتى يقف القادرون أمام قدرة الرئيس، وحين توزيع القدرة، مع وجود المنهاج الصحيح، لا يكون الناس نهب أوامر الرؤساء، يفعلون ما يشاؤون، تارة باسم (الحق الإلهي)، وتارة باسم (الديمقراطية)، وتارة باسم (أنا ربكم الأعلى) .

2 - الخداع، بأن يجتمع جماعة من العسكريين ومن إليهم، ثم يقفزون على الحكم بالسلاح ثم يفعلون مايشاؤون من الانغماس في الملذّات، وقتل الناس، ومصادرة أموالهم، وملء السجون بهم، وخراب البلاد، كما فعله عبد الناصر، وعبد الكريم، وعبد السلام، والبكر، وصدام، وببرك، وأمثالهم من الذين جاؤوا إلى الحكم بالسلاح.

وهذا القسم، كان في الزمان السابق متداولاً بدون الاستعمار، وفي العصر الحاضر يتعارف ذلك بمعونة الاستعمار في قضايا معروفة، ولا تحصد البلاد من وراء أمثال هؤلاء الحكام إلاّ الدماء والخــراب والقتل والحرب والسجن والتعذيب والاضطرابات، والإضرابات، والمظاهرات والثورات.

وقد يأتي الحاكم إلى الحكم وحينما يصل يمهّد الجو لنفسه، ليعمل بعنف يصادر الحريات، ويسلب الأموال، ويملأ السجون، ويحطم البلاد، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، بتحطيم الكفاءات، واستقطاب الإمعات، ومن الواضح أن الحكم لا يبقى مع العنف، فقد قال علي (عليه السلام): (من علائم زوال الحكومات تقديم الأراذل وتأخير الأفاضل) .

والسبب واضح، حيث إن (الإمعّة) لا تأتي منه الإدارة، لعدم كفاءته فيأخذ الحكم في الذوبان حتى يسقط.

ولا يخفى أن صفة حاكم كهذا: أنه يقطع عهده بأصدقائه، ويحاول الانتقام من المحسنين إليه، ويقتل الناس، ويتنكر لعهوده، ويتخلى عن الرحمة، ويسلب أموال الرعية، إما لنفسه إذا كانت له شهوة جمع المال، وإما باسم المشاريع العمرانية أو تحت ستائر أخرى، وترى البلاد في عهده أقرب إلى الشعارات من الحقائق، والكل يسبح بحمده، ويذكرون له ما لا يتصف به، ويحتقرون أعمال الآخرين، إلى غير ذلك من لوازم الفردية.

ولو قرأ الإنسان في العهد البعيد أحوال فرعون وشدّاد، وفي العهد المتوسط أحوال معاوية وهارون، وفي العهد القريب، أحوال أتاتورك وبهلوي وعبد الناصر وستالين وماو، ومن إليهم، لرأى كل ما ذكرناه في أحوالهم رأي العين.

ومن لوازم مثل هذه الحالة، أي يصطف في قبال الحاكم الذي يكون هكذا، ذوو كفاءات ينقصونه، ويذكرون مثالبه، ويهيئون الأجواء ضده، حتى يسقطوه فتمتلئ الشوارع والأندية، والكتب وغيرها بفضائحه وآثامه.

3 - الكفاءة، ولذلك عند الديمقراطيين شرائط خاصة في الحاكم بالإضافة إلى اختيار أكثر الشعب له، أما عند الإسلام فالأمر أفضل، لأن الإسلام يرى من شرائط الحاكم الخوف من الله تعالى، والعدالة، بالإضافة إلى شرائط خاصة فيه، واختيار الأمة له، ومن الواضح أن من يخاف الله في باطنه لا يظلم ولا يتجاوز عن القانون لأجل مصالحه وأهوائه.

أما ما نرى في بعض الناس من أنهم كانوا يخافون الله ظاهراً، ثم يعملوا بالأهواء، فمن الممكن أنهم كانوا يخشونه سطحياً لا عميقاً، فظهر عمقهم عند الوصول إلى الحكم، كما أن من الممكن أنهم انقلبوا (أفإيْن مات أو قتل انقلبتم)(1).

وعلى أي حال، فالجمع في (الحاكم) بين رقابة الله ورقابة الناس أفضل من اشتراط (رقابة الناس) فقط.

ثم من علائم الحاكم الكفوء:

1 - رفع المعنويات.

2 - تكثير ذوي الخبرات والنابهين.

3 - الاعتماد على الكفاءات، لا على المحسوبية والمنسوبية، والذين يصفـقون له ويسبّحون بثنائه.

4 - السير بالأمة إلى تكامل الماديات.

5 - الإحسان الدائم، لا باعتبار أن ذلك إحسان وصدقة، بل باعتبار أنه ضرورة وفريضة.

أما الإساءة الدائمة، أو الإساءة ولو مرة واحدة، أو الإحسان في بعض الأحيان، دون بعض، فهو من فعل الديكتاتوريين، حيث يزعم بعضهم أن الشعب يساق كالحيوان، فالمهم الحاكم ومصالحه، ويزعم آخر أن الإساءة مرة واحدة تنسى، غافلاً عن أن الشعب يحصي أعمال الحاكم ويبقي في ذاكرته كل صغيرة وكبيرة، ولكنه يصبر حتى يأتي الزمان المناسب للرّد، ويزعم بعضهم أن الإحسان في بعض الأحيان يكفي، مع أن الناس ينظرون إلى الحاكم نظرتهم إلى خدمتهم، فكما ينظرون إلى الخادم إذا لم يقم بواجب خدماته، كذلك حالهم مع الحاكم، منتهى الأمر أن سلاح الحاكم يحول دون الطرد بأوّل تكاسل، وإنما يجتمع لديهم السيئات حتى يتمكنوا من الطرد.

والناس أذكياء، فإذا أحسن إليهم الحاكم أيام الشدّة، لا يطيعون أمره في قبال إحسانه، فإنهم يعلمون أنها معاملة! وأن إحسانه اشتراء لهم، لأجل نفسه لا لأجلهم، وإنما يتفانون للحاكم إذا رأوا منه الإحسان أيام الشدّة وأيام الرخاء على حدّ سواء حتى أنه ورد في الحديث، بالنسبة إلى الله سبحانه بذلك، قال (عليه السلام): اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، أما (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون)(2) فذلك خداع لا ينطلي على الإنسان، فكيف ينطلي على الله سبحانه؟

والحاكم العاقل ـ فضلاً عن المسلم ـ يجب عليه أن يخدم الشعب دائماً، وليس لأجل الناس بل لأجل نفسه كذلك، إذ خدمته الدائمة هي التي تضفي عليه حبهم وتفانيهم في سبيله، وخلاصه من المشاكل التي تهجم عليه.

ومن الأمثلة الحديثة للحكام الذين أساءوا إلى الشعب فتركهم الشعب في ساعة المحنة (البهلوي) في إيران، حيث إنه لما دخل الحلفاء من جنوب إيران وشماله، لم يجد البهلوي ولا ناصراً واحداً ينصره، فسقط في أقل من يوم... و(الملكيون) في العراق، فإنهم أساءوا إلى أكثرية الشعب أكبر إساءة، ولذا لما قام (قاسم) مع أقل من ألف جندي في مهاجمتهم، سقطوا وكان السرور بسقوطهم غامراً.

القمة والقاعدة

في كل أمة (قمة) تأخذ بزمام الحكم، وقاعدة هي الأمة، والقاعدة يرتفع منها دائماً أفراد يشكلون (الطبقة المتوسطة) وهم الذين يرتبطون بالمال أو بالعلم أو بالسلاح أو بجماعة كالتجار، والعلماء، وكبار الضباط، ورؤساء العشائر وقادة الأحزاب.

والقمة إنما تتعامل مع القاعدة بطريقتين:

الأول: الطريق المباشر.

الثاني: طريق الطبقة الوسطى.

ومن طبيعة الوسط أنه لقدرته:

1 - ذو كيد ودهاء من ناحية.

2 - وفيه حالة استغلال من ناحية ثانية.

ومن طبيعة القاعدة أنها تريد العيش بسلام وألاّ تظلم، وعليها العمل، ومنها مال الدولة وجندها وولاؤها.

وبين الوسط والقاعدة دائماً تدافع حيث إن الوسط يريد الاستغلال، والقاعدة تأبى الاستغلال، كما أن بين الوسط والقمة نوع تنافس على القدرة والاستفادة من القاعدة.

واللازم على الحاكم أن يلاحظ أمرين:

الأول: أنه يكون له اتصال بهما لا أن يستقطب أحدهما فقط ويترك الآخر، لأنه لو استقطب الوسط فقط، ظلم الوسط والقاعدة، وانفضَّت القاعدة من حول الحاكم، وبذلك لا يخدمون البلاد في أيام الرخاء - لأنّ ظلم الوسط لهم وعدم إنقاذ الحاكم إياهم يوجب برودهم عن التفاني في الإخلاص والخدمة - ولا ينقذون الحاكم أيام الشدة، لأن منطقهم يكون حينئذٍ (أن من له الغنم فعليه الغرم) .

ولو استقطب القاعدة فقط، قام الوسط ضد الحكم وفرّقوا الناس عن الحاكم وبذلك يأخذ الناس في الانفضاض من حوله، فتسقط القمة، كما إذا سقطت أعمدة البناء يسقط العرش.

ومن الأمثلة القريبة لكلا الأمرين (مُصدق) حيث استقطب بعض القاعدة وترك جماهير الوسط تغضب عليه، حتى رجم رجاله سيارة الإمام البروجردي (قدس سره) وهددوا العلماء والخطباء وأساءوا التصرف مع أصحاب الأملاك والمعامل، ولذا سقط سقوطاً ذريعاً، و(الشاه) حيث استقطب الضباط الكبار، والأثرياء ومن إليهم، وترك أكثرية الشعب يتلوّون تحت وطأة الفقر والجوع والمرض (حتى أن بين كل عدّة أطفال في إيران كان يموت طفل منهم) فأثّر ذلك على الطبقة المتوسطة، التي لم يتمكن الحكم من استقطابها، كالعلماء والمثقفين ـ غير المرتبطين بالبلاد - فسقط السقطة المعروفة.

فعلى الحاكم، أن يراعي الطبقة المتوسطة، إلى جانب رعايته للقاعدة، ولا يترك أحدهما اعتماداً على الآخر، فمن ناحية يُصادق الوسط، ويحول دون ظلمه، والغالب أن المتوسط إذا رأى أنه أعطي قدر كفاءاته، لا يفكر في إسقاط الحاكم، لأنّ خوفه من أن يأتي حاكم آخر أسوأ من الأول ـ فلا يعطيه حتى قدر كفاءاته - يحول دون التفكير في إسقاطه.

الثاني: أن يتصل بالقاعدة ويعطيهم حقهم، ويحول دون أن يظلمهم أحد، وبذلك يخلصون له ويتفانون في سبيله، ولا يكون هناك انقطاع بين الحاكم وبين القاعدة، فلا يتمكن ذوو الدهاء من الطبقة الوسطى من إثارتهم ضد الحاكم.

ثم إن اتصال الحاكم بهم، ليس معناه أن يُحضرهم في كل مناسبة ويخطب لهم فحسب، بل معناه الجلوس لهم والسماع منهم وقضاء حوائجهم، كما كان يفعله الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) .

بين الدين والدنيا

حَكَم جماعة باسم الدين، فأكثروا من السلب والنهب ومصادرة الأموال والقتل والسجن، وكبت الحريات، وخنق الأصوات، وتحطيم الكفاءات، وتقديم الإمعات، فزعم البعض أن هذه الأمور هي من لوازم الحكومة الدينية.

كما أن الدين يخالف الخمور والسفور والفجور والقمار، وما أشبه فاتَّهم الدين بأنه ضد الحريات.

بينما لم يكن عمل أولئك حجة على الدين، كما لم يكن عمل المستبدين الذين حكموا باسم الديمقراطية حجة على الديمقراطية، فالدين من أولئك الحكام براء، بل الدين عبارة عن احترام أموال الناس وحرياتهم ودمائهم وأعراضهم وتقديم الأفاضل وتأخير الأراذل، كما دلّت على ذلك مئات الآيات والروايات، وسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وجملة من الحكام الصالحين.

أما مخالفة الدين للخمور والفجور، فهي مخالفة الفضيلة للرذيلة، فإذا أخذ الدين بالزمام وطارد الرذيلة، لم يكن ذلك نقصاً فيه، بل حاله حال مطاردة القانون للسرقة والقتل والاغتصاب وما أشبه ذلك.

وإذا أخذ الدين بالزمام ـ بمعنى تطبيق قوانينه ـ فالناس متسلّطون على أموالهم وأنفسهم، ولا ضريبة إلاّ الخمس والزكاة والجزية والخراج، (مما لا يكون إلاّ بنحو الربع في الأرباح) وكانت حريات التجارة والزراعة والصناعة والعمران والكتابة والرأي والتجمع متوفرة، وطورد الفقر والمرض والبطالة والجهل والعزوبة، وأعطى المال والعلم والسلاح والحكم للكل، مما يتبلور في مثل (شورى القيادة) و(تعدد الأحزاب الإسلامية الحرة) وغيرهما، وإذ ذاك لرأى الناس من الخير ما لم يروه تحت أي قانون أو مبدأ. وهذا المجمل يجب أن يفرغ في أقوال واضحة المعالم: كيف الضرائب؟ كيف الحريات؟ كيف تقسيم القدرة؟ كيف تأمن البلاد من هروب البضائع إلى الخارج؟ وإسراع بضائع الخارج إلى الداخل، مما يسبب اختلال توازن الاقتصاد، بدون وضع الكمارك أو المكوس؟ كيف يكون حال البلاد الإسلامية، إزاء سائر المسلمين الذين لم تتحرر بلادهم؟ كيف تلغى قوانين الجنسية والهوية والتذكرة والإقامة وبطاقات العمل ونحوها، حتى ترجع إلى الناس حرياتهم؟ كيف يمكن جعل العلم والمال والحكم في متناول الكل، بحيث يتمكن كل ذي كفاءة، أن يأخذ أيها شاء بقدر كفاءته؟ كيف تجري الحدود الشرعية، بدون أن يكون في إجرائها القسوة، ويجمع بين ذلك وبين مطاردة الجريمة؟ وهكذا.

ولا يخفى، أن مراحل الطريق ثلاث:

الأولى: مرحلة الشرح والتوضيح والمقارنة بين معالم الدولة الإسلامية المرتقبة، وبين الدولة القائمة في عالم اليوم.

الثانية: مرحلة تطبيق القوانين على الخارج المعاش حين تقوم الدولة الإسلامية، ليرى الناس بأعينهم الفارق الكبير بين الدولة الإسلامية وبين سائر الدول، كما فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث بيّن للعالم الفارق الكبير بين دولته التي أقامها، وبين دولتي الفرس والروم، بل ويرى الناس إلى هذا اليوم الدولة المثالية التي أقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما يتمنى مثلها المسلم وغير المسلم.

الثالثة: مرحلة حفظ تلك الدولة من الانهيار والتصدع، وهذه المرحلة تحتاج إلى أمرين:

1 - بناء الأمة لتحمل الدولة في شغاف أفئدتها، وتتعلق بها تعلق الحبيب بمحبوبته.

2 - بناء الجيش الموالي، الحسن التدريب والمال والتوزيع ليكون سوراً لهذه الدولة.

(أ) فالجيش قد يكون موالياً بأن ربى على حسب فكر الدولة، وقد يكون مرتزقاً، والمراد بالمرتزق الأعم من أن يكون استخدم من نفس أبناء الوطن في قبال المعاش، أو استخدم من خارج الوطن في قبال ذلك، فإن الموالي يضحي ويثابر إلى حين النجاح، بينما المرتزق من داخل الوطن إنما يعمل لأجل المعاش، ومن يعمل لأجل المعاش، يهرب عند أول لقاء، ويُسلق بألسنة حداد عند الرفاه، لأنه ليس مخلصاً، وإنما يخلص للمال، ومن أخلص للمال يتبنى المال من حيث وجد، فيكون سلق اللسان لأجل الابتزاز والتفاخر في حال الرخاء ويكون خائر العزيمة جباناً عند الشدة.

ومثل هذا الجيش كَلّ على الدولة في كلتا الحالتين.

وإذا كان مرتزقاً من خارج الدولة، فإنه إن انهزم ـ وهو الأكثر توقعاً لأنه ليس بمخلص ـ كان سقوطاً للدولة، وإن ضحى كان سيداً على الدولة، حاله حال المستشارين، وقد رأينا كيف أن (جيش أمريكا) في إيران كان سيداً على البلاد وإن (جيش روسيا) في مصر كان سيداً على البلاد، والى غير ذلك من الأمثلة.

وليس من التعقّل أن يُستخدم جيش هو سيئ على الدولة في كلا الحالين.

والغالب أن الدولة التي لا كفاءة لها تستخدم المرتزق، إما لأنه لا كفاءة لها حيث لا كفاءة لرئيس الدولة، وإما أنه لا كفاءة لها من جهة رئيس الدولة ديكتاتور، والديكتاتور تنفض من أطرافه الكفاءات، فليس له من الأنصار من يتمكن بسببه من تدريب الجيش وضبطه.

(ب) والجيش قد يكون حسن التدريب، وقد يكون سيئ التدريب، والجيش السيئ التدريب لا يعتمد عليه، ولا يخفى أن حسن التدريب ليس بالتدريب العسكري فحسب، بل بأن يكون مدرّباً نفساً ونظاماً، فإذا لم يكن تدريبه نفساً ونظاماً لم ينفع، ومن أولى شرائط تدريبه نفساً أن يكون مستنداً إلى الأمة، فإن الجيش عبارة عن أولاد الأمة، فإذا كرهت الأمة الدولة لم تشجع الجيش على حفظ الدولة، وذلك يوجب برود الجيش عن العمل.

وقد تغتر بعض الحكومات الجديدة بجيش من الشباب ذوي حماس واتّقاد لكن هذا لا ينفع، إذ الجيش فن وعلم، وليس الحماس والاتقاد ينفع في هذا الباب فهل ينفع الحماس في باب الطب أو الهندسة، حتى ينفع في هذا الباب؟ ولذا رأينا كيف سقط (قاسم) ولم ينفعه ما أسسه من (المقاومة الشعبية) وكيف سقط (عبد السلام) ولم ينفعه ما أسسه من (الحرس الوطني) وكيف أن (ستالين) التجأ إلى الغرب ضارعاً، لينقذه من (هتلر) الذي وصل إلى (موسكو) بعد أن كان يسمي (الأمم المتحدة) بـ(مغارة اللصوص) فاضطر إلى أن يتملقهم، ويقبل شروطهم والتي كان منها (فتح مراكز العبادة)، وإجازة الملكية الفردية، والسماح بتكوين العائلة وغير ذلك.

وبعد هذه الشروط أنقذوا رقبته من حبل النازي، وذلك لأن جيشه كان غير مدرب نفسياً، من جهة عدم دعم الأمة الروسية للجيش فإن الديكتاتورية الشيوعية حالت دون إخلاصهم وتفانيهم.

هذا من ناحية التدريب النفسي، أما من ناحية التدريب العسكري، فالجيش يحب أن يربّى على الخشونة والطاعة والنظام، وإلاّ لم يتمكن من مقابلة الأعداء في الساعة الحرجة، ولذا انهارت فرنسا أمام ألمانيا أفضع انهيار في الحرب العالمية الثانية، حيث تمكنت الميوعة من الجيش الفرنسي.

ولا يخفى، أن (التدريب النفسي) يمكن أن يدخل في قسم الولاء، لأن عدم إسناد الأمة للدولة يوجب عدم ولاء الجيش للدولة.

(ج) والجيش يجب أن تصرف عليه مبالغ جيدة تكفيه المؤنة، وإلا لم يضحِّ وهو يرى أنه لا يقدر على مؤونته، فكيف يراد منه أن يضحّي براحته ودمه؟.

فاللازم على الدولة مراعاة الجيش اقتصادياً مراعاة تامة، إلى جانب ضبطه حتى لا يتعدّى، حيث إن السلاح الذي بيده، يوجب له الغرور والظلم للناس والسدور في الغيّ.

ولذا نشاهد أن البلاد التي تقع تحت الاستعمار الخفي، لا يُعتنى بجيشها اقتصادياً، فمثلاً: في العراق كان الجندي يتقاضى من الراتب ثمن راتب المعلم في أيام الملكيين، حيث كان المراد إذلاله، لئلا تقوم له قائمة، ويطالب بالاستقلال.

وفي الحرب العالمية الثانية، حين أفتى الإمامان الأصفهاني والقميّ وسائر العلماء بوجوب إخراج الإنجليز كان الدور الأهم في تلبية النداء للعشائر، أما الجيش فكان خائر العزيمة.

(د) وأخيراً يأتي دور حسن التوزيع في البلاد الكبيرة، والتي منها الدولة الإسلامية، ذات الألف مليون ـ بإذن الله تعالى- لابدّ وأن تكون كل أرجائها ذات منعة ودفاع، من جهة هجوم الأعداء من الخارج، ومن جهة حفظ البلاد عن المغامرين الذين يدفعهم حبّ السلطة إلى الانقلاب ضد الحكم القائم.

واللازم على الدولة الإسلامية، أن لا تعتمد على المعادلات الدولية في حفظ نفسها، فإن (الطائر بجناح غيره طائرٌ على جناح السقوط).

ولا يمكن حفظ البلاد من الأعداء والمغامرين إلاّ بحسن توزيع الجيش وقد رأينا كيف أن بني أمية ثارت عليهم جيوش بني العباس من أقصى شرق خراسان والبعيد عن دمشق عاصمة ملكهم وكيف أن العثمانيين حطّموا من جهة الحجاز، إلى غير ذلك من الأمثلة.

ثم هنا أمور يلزم التنبيه عليها:

الأول: أن حفظ البلاد بالجيش وحده غير ممكن، بل الحافظ الأهم ـ بعد الله سبحانه ـ هي الأمة، فالأمة غير الراضية توجب سقوط الدولة قريباً أو بعيداً، وقد تغتر بعض الدول، بالإعلام المزيف وبحفنة من الإمّعات المتملّقين وبجملة من الشباب المتحمسين، وفي ذلك مقتل الدولة، وقد رأينا (عبد الناصر) كيف لم يتمكن بـ(خمسين مليون) من الصمود حتى نصف يوم (في حرب ست ساعات) أمام إسرائيل ذات الثلاثة ملايين، وذلك لأن إسرائيل كان يدعمها شعبها، و(عبد الناصر) ديكتاتور، تكرهه الأمة، وكان قد استقطب المتملقين الذين لا شأن لهم إلاّ التصفيق له.

الثاني: الجيش مثله مثل النار، فالنار في نفس الوقت الذي تتوقف الحياة عليها، يلزم أن تزم بزمام شديد، وإلا أورثت إبادة الحياة، فإن الجيش حيث بيده القوة الكبيرة يمكن أن يكون آلة الدمار، كما رأيناه في الانقلابات العسكرية. حيث إن الحكومات التي انقلب الجيش عليها، كانت قليلة الحكمة فلم تحسب لهذا اليوم الحساب الكافي، ولذا كان ما فيه حياتها، فيه هلاكها.

فقادة الجيش إذا لم يكونوا أكفاء، لم يحموا الوطن في قبال الأجنبي، وإن كانوا أكفاء فهم يغامرون بالقفز على السلطة، ولذا فاللازم الجمع بين كفاءة الجيش من جهة القيادة، وغيرها، لحماية البلاد، وبين حفظ السلطة من أخطار الانقلاب.

وإنما تحفظ السلطة بأمرين:

1 - أن يجعل قادة الجيش بعضهم في قبال بعض، حتى يخشى كل منهم من رقبائه، ويعلم أنه إذا تحرك لضرب السلطة تحرك رقيبه لضربه.

2 - أن تجعل قوة أخرى في قبال قوة الجيش، كقوة البوليس، أو قوة المقاومة أو ما أشبه، مع ملاحظة جعل الرقباء أيضاً في نفس القوة الثانية حتى لا يخشى من تلك القوة أيضاً.

مع أنه يضاف الى ذلك أيضاً، جعل العاصمة قطعاً، بالنسبة إلى قوة البوليس ونحوه، بحيث تكون كل قطعة مستقلة غير مرتبطة بالأخرى، حتى إذا تحركت قطعة لضرب السلطة، تحركت سائر القطع لضربها، وبذلك لا تؤسس نفس القوة في القفز على السلطة.

وإلا فالبلاد معرضة للانقلابات، خصوصاً والمستعمرون الشرقيون والغربيون كلٌ يريد الانقلاب ليأتي إلى السلطة بعملائه، ولذا حدث انقلاب أمريكي في مصر بقيادة عبد الناصر، وآخر بريطاني في العراق بقيادة قاسم، كما حدث انقلاب شيوعي في أفغانستان، وانقلاب صيني في إندونيسيا، وهكذا توالت الانقلابات، في تركيا واليمن والسودان والباكستان وبنغلادش وغيرها، وكلها كما يعلمه أهل الخبرة انقلابات استعمارية لا حظ فيها حتى بقدر جزء من ألف جزء من الواقعية، بَلْهَ الإسلام.

وطابع كل الانقلابات، السلب والنهب والقتل والسجن والتعذيب والديكتاتورية، ومزيد من العمالة للأجنبي، وسحق الإسلام والحريات وتشريد المواطنين، باسم التقدمية والشيوعية والبعثية والقومية والديمقراطية، وما إلى ذلك، مما ادخره المستعمر في حقائبه لتغرير الجهال.

وما دام الجهل والغفلة مسيطراً على بلاد الإسلام، فأمثال هذه الانقلابات تدوم وتدوم، كما أن أمثال العمالات بالحكومات الوراثية تدوم وتدوم، والعلاج هو الوعي الشامل، الذي يقطع جذور المستعمرين وعملائهم.

الثالث: يلزم على الدولة الإسلامية، أن تهتم ليكون السلاح من عندها، وإلا فهي أسيرة لمن يبيعها السلاح، ولا يكفي أن نقول إننا نشتري السلاح من الأسواق الحرة، إذ من يقذف بالسلاح في تلك الأسواق؟ أليس هم المستعمرين؟ وذلك لأمرين:

1 - أن يستفيدوا من أرباحها المضاعفة.

2 - أن يأخذوا بأزمة الحرب، فإذا أرادوا إيقافها، لم يجدوا السلاح في الأسواق الحرة، حيث يقطعون السلاح عن تلك الأسواق.

الرابع: أن اللازم على الدولة الإسلامية الجمع بين الاستعداد الدائم والتدريب المستمر، وبين كون أفراد الجيش قريبين من أهاليهم، وبالأخص زوجاتهم وأولادهم، إذ عدم تزوج الجيش يوجب الفساد لا محالة، ولذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله) والمسلمون حتى في أسفارهم يستصحبون زوجاتهم، فاللازم أن يكون حال الجيش حال طلاب المدارس، حيث إنه في أهلهم غالباً، إلاّ وقت الدراسة.

أما الجيوش في الحال الحاضر، فهم على الأغلب عزّاب، وغير العزّاب لا يرى زوجته إلاّ في الأسبوع يوماً أو ما أشبه، وذلك يوجب الخطر على الزوجات وعلى نفس الجيش، كما يوجب ضياع الأولاد، ثم إن بقاء الجيش على الأغلب غير متزوج (كما يشجع على ذلك نظام الجنود في الغرب، وتبعته البلاد الإسلامية من غير هدى) يلازم بقاء كثرة من الفتيات بلا أزواج وذلك مفسدةٌ أخرى.

الخامس: يلزم استعداد الدولة الإسلامية للحرب على الدوام، فإن الحكومة العاقلة هي التي تستعدُّ للحرب، وإلا خسرت الحرب، ولذا قال سبحانه: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ)(3) واللازم أن يكون الأمر بين الاستعداد الدائم وبين صرف الطاقات للحرب بالقدر اللازم، وصرف بقايا هذه الطاقات في سائر الشؤون، إذ صرف كل الطاقات في الحرب معناه عدم الانتفاع بكثير من الطاقات، فالتأهّب للحرب لا يستهلــك كل طاقات الجيش، فإذا لم تستغل بقية طاقاته في سائر الأمور الحيوية، ذهبت تلك الطاقات الباقية هدراً، وصار الجيش بأجمعه عبأً على الإنتاج، بينما اللازم أن ينتج الجيش بقدر إمكانه، وكلما نقص انتاج الجيش يكون مستهلكاً بقدر هذه النقيصة لإنتاج غيره. وقد ذكرنا في جملة من كتبنا الإسلامية، كيفية بناء الجيش في الإسلام.

المعرفة والتعقل

يلزم على التيار الإسلامي الذي يريد إنقاذ بلاد الإسلام، وتوحيدها تحت حكومة واحدة أن يهيئ لنفسه أكبر قدر من المعرفة حول:

1 - وضع جغرافيا البلاد: جبالها، سفوحها، أنهارها، بحارها، غاباتها، طبائعها.

2 - وخصوصيات أهاليها: من العرب والترك والفرس وغيرهم، وألوانهم وغيرها.

3 - والأقليات التي يعيشون فيها من أهل الكتاب وغيرهم، وقدر نشاطهم واتصالهم بالبلاد غير الإسلامية.

4 - سوابق المستعمرين في هذه البلاد، وكيفية استعمارهم، وركائزهم وارتباطهم.

5 - الأعداء المحيطين بالبلاد، مثلاً: حدود إيران مع روسيا، وحدود البلاد الإسلامية مع الدول الغربية، وغير ذلك.

فإن البلد الإسلامي الكبير، حاله حال دار الإنسان وأهله، فاذا لم يعلم عدد أولاده وخصوصياتهم، ولم يعرف خصوصيات داره، وأحوال المجاورين له لم يقدر على السير بعائلته إلى شاطئ السلام، وقد ورد في التاريخ التطلع الدائم للرسول (صلى الله عليه وآله) عن أوضاع وأحوال البلاد، وحركات العدو والاستفسار عمّن غاب من المسلمين بل عن حالات كل مسلم كلما سنحت له الظروف بذلك، مثل أنه هل هو متزوج أو لا؟ ماذا يعمل؟ كيف حاله؟ إلى غير ذلك في قصص كثيرة مذكورة في سيرته الطاهرة.

كما أن على التيار الإسلامي أن يطالع أحوال العظام والأمم المعاصرة والبائدة ليقتدي بالناجحين، ويعرف أسباب ظهور الأمم، وأسباب فنائهم.

قال (عليه السلام): (وسر في ديارهم وآثارهم)(4).

وفي كلمة أخرى له (عليه السلام): (من شاور الرجال شاركها في عقولها)(5) وقد أخذهما (عليه السلام) من قول الله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض) ؟(6) وقوله سبحانه: (وأمرهم شورى بينهم)(7).

ثم على الدولة الإسلامية بكل سلطاتها الأربعة (شورى الفقهاء، والقوى التشريعية (التطبيقية) والتنفيذية، والقضائية) أن تستقطب أكبر قدرٍ من المثقفين الدينيين والزمنيين، حيث إن الحياة أصبحت معقدة، فإذا لم تكن حول الحكم جمهرة كبيرة من المثقفين اختل أمر الدنيا، أو أمر الدين، أو لا أقل من أن سائر أهل البلاد غير الإسلامية ينظرون إلى البلاد الإسلامية بنظر التوحّش والتأخر مما ينفر الناس عن الدخول في الإسلام، أو احتذاء بلاد الإسلام في الحكم والإرادة.

فمثلاً: كيف تنفي الدولة الفقر، أو البطالة، أو الإجرام، أو المرض أو الجهل، ومع ذلك يكون طبقاً للإسلام في طريقة علاجها؟ كل ذلك بحاجة إلى جيش من علماء الدين إلى جنب جيش من المثقفين الزمنيين، أما أن تركب الدولة الإسلامية رأسها وتعمل عمل الديكتاتوريين، في علاجاتها للمشاكل فذلك ما يسبب لها الفوضى والبوار، والاحتقار من سائر بلاد العالم وأخيراً الانهيار.

ثم إن اللازم الأكيد أن تتوسط الدولة الإسلامية في الصفات، لا أن تتطرف حيث إن التطرف الذي يأخذ طريقه إلى الدول المستبدّة، يسبب سوء السمعة بالنسبة إلى الدولة وبالأخص الفتية من الدول، وليس المهم أن تمدح الدولة أبواق الدولة، وإنما المهم أن يمدحها عقلاء البلد وعقلاء العالم، وإلا فكل دولة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لها أبواق تمدحها، كما أن لها عملاء استقطبتهم بالترهيب والتضليل والترغيب.

ومن معالم التوسط:

1 - أن تفكر الدولة فيما يمكن، لا فيما ينبغي، فإن من يفكر في المثاليات غير الممكنة التطبيق، يفوّته الممكن ولا يصل إلى ما يتوخّاه.

2 - وأن تأخذ بالتوسّط بين الكرم والخسارة، فقد تبذل الدولة ما لا طاقة لها به، سواء في المشاريع أو للأصدقاء، أو للحرب، بعنوان أنها تحب الخير لشعبها، أو أنها كريمة مع أصدقائها، أو أنها تريد تعليم الذي يحاربها درساً لا ينساه، وبذلك تجلب الدمار على نفسها وشعبها، وخير لها ألاّ تكون مغرورة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن الدين رفيق فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)(8) كما لا حاجة إلى الظهور بمظهر الكرم الذي يسبب الخسارة.

3 - وكذلك اللازم أن تتوسط بين الرأفة والنظام، فالرأفة الزائدة على حساب النظام خطأ، كما أن النظام الصارم الذي يوجب القسوة يعقبه الانهيار فليس البشر كغاية يدخلها الإنسان فيقطع ما يشاء ويَذر ما يشاء، بل خلق ضعيفاً له عواطفه وحاجاته وتعقلاته، فاللازم مداراته، مداراة غير مفسدة، ولنعتبر ذلك بالأب إن قسى مع أولاده أفسدهم، وإن تلاطف معهم أفسدهم أيضاً.

4 - وأن تجمع بين الحب والمهابة، فالدولة إذا لم تحبّها الأمة احتقرتها وازدرت بها، والاحتقار من بوادر السقوط، كما أن الدولة إذا لم تكن مهابة عاشت في ربوعها الفوضى، مما يرفع الثقة بها، وإذا لم تثق الأمة بالدولة انفضت من حولها حتى يكون مصيرها السقوط عاجلاً أو آجلاً.

ومن بعد ذلك، يجب ألاّ تكون الدولة مبتذلة، ولا في الأبراج العاجية، فإن الدولة المبتذلة غير مهابة، كما أن سكان الأبراج العاجية لا يعرفون ما يدور في بلادهم، مما يسبب الرشوة والفوضى وانتقام كل مناوئ من مناوئه، وغير ذلك، مما يسبب سقوط احترام الدولة وقيام المؤامرات لإزالتها.

5 - ومن أهم ما يلزم على الدولة الإبقاء على الجماهير، وذلك شيء صعب حيث إن الجماهير لها حاجاتها ولها توقعاتها، فإذا لم تتحفّظ الدولة على الجماهير بإعطاء الحاجات (الروحية والجسدية) وإبقائها راضية، ابتعدت الجماهير عنها، بما يوجب سقوطها قريباً أو بعيداً.

6 - ولا تزعم دولة تتمكن أن تسحب الناس إلى الشوارع أو إلى حرب الأعداء بأعداد غفيرة، إنها دولة جماهيرية، ما لم يكن ذلك مستنداً إلى الرغبة الصادقة في الناس، وهذا ما يلتبس أحياناً على بعض الدول الدكتاتورية.

فإنك إذا تمكنت من سحبهم إلى الشوارع، وإرسالهم إلى جبهات القتال وفي البلاد حرية الإعلام، وحرية الصحافة والتجارة والزراعة والصناعة، فإنك لا شك محبوب وجماهيري، ولا تخاف من سقوط دولتك، أما إذا تمكنت من ذلك والبلاد لها حزب واحد، وأبواب السجون مفتوحة لكل من خالفك، ولا حرية للصحافة ولا لغيرها، فإن الجماهير مرغومة والدولة في شرف الانهيار.

والكل يذكر كيف أن (عبد الناصر) و(قاسم) كانا يتمكنان من سحب الجماهير، لكن الكل يذكر أيضاً كيف انتهت عاقبتهما، وكل دولة ديكتاتورية يجب أن تنتظر نفس المصير لنفسها ولشعبها.

والديكتاتوري الذي يتمكن بترغيبه وترهيبه وإضلاله من إرسال الجيوش إلى الجبهات يلزم عليه أن ينتظر الفشل الذريع، فالجيش إذا لم يكن مدعوماً من الشعب لا يتمكن من إحراز النصر، وقد رأينا كيف سقط هتلر وموسوليني، وكيف سقطت حكومات المواجهة أمام إسرائيل، وذلك لأن حكومات المواجهة كانت ديكتاتورية مع شعوبها، بينما كانت حكومة إسرائيل تراعي ـ نوعاً ما ـ شعبها ونفس هذا المصير الشائن ينتظر كل حكومة غير جماهيرية، وإن ادّعت أنها جماهيرية.

7 - واللازم على الحاكم أن تكون له سعة الصدر، فإن غير واسع الصدر في الدولة الاستشارية لا يصل إلى الحكم، وفي الدولة الانقلابية والوراثية، إذا وصل ضيق الصدر إلى الحكم فسرعان ما ينفض الناس من حوله، وأحياناً يحاربونه بقوة السلاح إلى أن يسقطوه، ويجعلون مكانه غيره، وقد قال علي (عليه السلام): (آلة الرئاسة سعة الصدر)(9).

والمراد بسعة الصدر، السعة في الأمور كلها، لا في الأمور المالية فحسب فيغطي على السيئة، ويبذل مكان البذل، ويعطي الآخرين حقوقهم، ولا يحسد، ولا يظهر شماتة، والى غير ذلك، وأحياناً ترى أحدهم يصل إلى الحكم ويستولي على بلاد عريضة، ثم يأبى أن يكون زميله في مكانة مرموقة، تنفيذاً لحقد قديم وحسد سابق، بل أحياناً يبخل حتى عن قبر محترم لإنسان كبير لا يليق به إلاّ مثل ذلك القبر!

ولا يظن ضيق الصدر أن الأمر يمر بسلام، بل بالعكس يتراكم، وإذا بالتراكم يذهب بالدولة والسمعة إلى الأبد، وقد رأى التاريخ كيف أن بني أمية منعوا الحسين (عليه السلام) من الماء وسبوا نساءه، وأحرقوا جسد زيد، ثم تسلّط عليهم أعداؤهم حتى طاردوهم عن البلاد، ومنعوهم عن الطعام والماء، حتى هاموا في القفار وأكلوا الرمل والطين، وكانوا يبولون في كفهم ويشربون لسد عطشهم وأسروا نساءهم وزنوا بهن، وأطعموا لحومهم الكلاب والهررة ـ كما في قصة شمر حيث أكلته الكلاب، وذلك الخليفة الذي ألقى لسانه المقطوع إلى الهر فأكله، إلى غيرها ـ . وأخرجوهم من المقابر وجلدوا حتى أمواتهم بالسياط، وأحرقوا جثثهم، ثم بقوا لعنة التاريخ إلى الأبد.

وقد قيل: (ملكت فاسجح)(10)، وفي القرآن الحكيم: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب)(11).

وفي نهج البلاغة، عنه (عليه السلام): (يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم)(12).

إن سمعة الناس، وأموالهم، وأعراضهم، وحقوقهم، ومساكنهم، كلها محترمة، وكل تعد بغير حق على أحدها علامة الحقد والجهل ونحوهما، حتى أنه لو ضرب الحاكم سوطاً لإنسان لا يستحقه، أو أرعب إنساناً، أو صاح عليه، كان اللازم أن يقتص منه أو يعطي إرشه، أو يعزل جزاء ما فعله.

ولذا ضرب علي (عليه السلام) قنبراً خادمه ثلاثة أسواط حيث ضرب إنساناً أكثر من حقه(13)، وأعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مالاً لأجل إخافة خالد بعض الناس بغير حق(14)، وعزل علي (عليه السلام) قاضيه أبا الأسود الدؤلي، لأن صوته يعلو صوت الخصمين، إلى غير ذلك من القصص التي تحاول البشرية لأن تصل إليها، ولا يمكن الوصول إلاّ بشق الأنفس، مما يعتز بها المسلمون أمام العالم منذ أربعة عشر قرناً، ويترقبونها لدولتهم الإسلامية العالمية الشاملة المقبلة - بإذن الله تعالى-.

وقد يضيق صدر بعض الحكام أن يكبر إلاّ من هو في خطه، وهذا الحاكم لا يريد إلاّ نفسه ولو كان يصدق في أنه يريد الهدف ـ والهدف أياً كان ـ من وطن أو إسلام أو قوم أو.... لزم عليه أن يهتم بأن يكبر كل ذي كفاءة، فإن الغابة لا تكون غابة إلاّ بأشجار كبيرة كثيرة، فهل البلد يكون بلداً قوياً إلاّ بكثرة الكبار والشخصيات؟

وقد كان أحد المراجع يقول: إنه يعظّم ويكبر كل ذي كفاءة لأنه يريد عظمة الإسلام ووقوف بلاد الإسلام أمام الأجانب، ولا يسنح ذلك إلاّ إذا كان هناك كثرة من الكبار ذوي الكفاءات الرفيعة.

ولا تتوهم الدولة أنه إذا كبر الكبار عارضوها، بل العكس، إذا كبّرتهم الدولة واحترمتهم، كانوا من أنــصارهـــا وأعوانها، فإن الإنسان عبد الإحــسان، ولقد قال علي (عليه السلام): (عجبت ممـن يشتري العبيد بماله كيف لا يشتري الأحرار بإحسانه)(15).

8 - يلزم على الحاكم أن يكون صحيح العمل إلى أبعد حد، وفياً بالمواعيد والعهود، لا يكون غادراً ولا ماكراً ولا خادعاً، ولا متآمراً ضد الناس فإن بعضهم يظهر نفسه بمظهر المسالم المحب للخير، ثم يتآمر مع بعض أعوانه ضد الناس، يريد بذلك أن يجمع بين نظافة مظهره وبين أن يصل إلى مآربه.

فإن المكر والغدر والخدعة والتآمر، كلها لا تفتأ أن تظهر، وبذلك يفقد الحاكم حكمه وسمعته، بل من عادة الناس أنهم إن اطلعوا على مكر الحاكم وخداعه - في بعض الأمور ـ ينسبون إليه كل رذيلة، ولا يصدقونه بعد ذلك في شيء، وقصة ذلك الراعي الذي كان ينادي كذباً (الذئب) حتى لم يصدقه الناس بعد أن رأوا منه الكذب مكرراً، فجاء الذئب وأكل غنمه، وكلما صاح لم يصدقه الناس، وذلك الولد الذي كان يسبح، فينادي غرقت، حتى لم يصدقه الناس، لما رأوا منه الكذب مكرراً، وذات مرة غرق فلما صاح لم يغثه أحد حتى مات، وغيرهما من القصص المشهورة.

وقد زعم بعضهم أن الحاكم إذا لم يكن أسداً كاسراً وثعلباً ماكراً، ومنتهزاً للفرص يغتنمها متى وجدها، ولو بنقض العهود، وحنْث الوعود لم يتمكن أن يعيش، وربما سقطت دولته، وعللوه بأن الناس دهماء وأنك إذا لم تتغد بالآخرين تعشوا هم بك، فاللازم عليك أن تكون متآمراً ذا رياء ومكر وخداع، وعلى هذا بنوا قاعدة: (الغاية تبرر الوسيلة) وما هي الغاية؟ إنها وصولك إلى السلطة أو بقاؤك فيها أكبر مدة.

وهذا الزعم باطل، فإن البشر لا يبنى على الكيد والخداع ونقض العهد ولذا نرى في التاريخ، إن كل من ارتكب ذلك سقطت دولته وظهرت سوءته ووقع فيما زعم أنه فر منه، بل في أسوأ، (كالمستجير من الرمضاء بالنار)، فأيهما أكثر سلطة في زمانه، وأحمد عاقبة بعد مماته، هيرودس وجالوت، أم سليمان وداود؟ أبو جهل وأبو سفيان وسائر حكام مكة، أم الرسول (صلى الله عليه وآله) ؟ وعلي (عليه السلام) أم معاوية؟ المختار أم ابن زياد؟ إلى غير ذلك من الأمثلة.

ثم في الغرب هل حكام الكنيسة، وحكام الباستيل، كانوا أهنأ حكماً، وأفضل عاقبةً، أم الديمقراطيين الذين جاؤوا من بعدهم وفي الزمن القديم إسبارطة أم أثينا؟ إلى غير ذلك من الأمثلة.

والغالب عند هؤلاء الذين يرون الانتهازية أنهم ينظرون إلى حاكم فاشل، وحاكم نجح في السلطة، وينسون أن من فشل، كان ذلك لعدم مؤهلاته لا لبعض فضيلة وجدت فيه. وإذا صحّ ما ذكروا، فلماذا أخرج ستالين من قبره وأحرق؟ ولماذا ثار الناس على الأمويين حتى قتلوهم؟ ولماذا ثاروا على الكنيسة حتى أزالوا حكمها إلى الآن؟ ولماذا؟ ولماذا؟

ثم لماذا أخرج المستعمرون البريطانيون من الهند؟ والأمريكان من فيتنام وفرنسا من الجزائر؟ وهولندا من أندونيسيا؟ والروس من آذربيجان إيران ـ في قصة بيشاوري - ؟ إلى غير ذلك من الأمثلة.

وقد يمثل بعض المسلمين لصحة تلك النظرية بعلي (عليه السلام) والحسن (عليه السلام) ومعاوية، وبالحسين (عليه السلام) ويزيد، وبالكاظم (عليه السلام) وهارون، وكل الأمثلة خطأ، فعلي (عليه السلام) حكم أحسن حكم، وسبب سيادة أولاده إلى الأبد، واستفاد حسن سمعته إلى يوم القيامة، ومعاوية حكم أسوأ حكم حيث كان معرضاً للإهانة والازدراء والاحتقار، ومات مقتولاً من أثر تلك الضربة التي ضرب بها، وسبب سوء سمعته إلى الأبد، وأوجب نسف أولاده وإبادتهم إلى اليوم، فأيهما كان أعرف وأفهم وأكثر إدارة وأحزم حكماً؟ والحسن والحسين (عليهما السلام) والكاظم (عليه السلام)، وسائر الأئمة (عليهم السلام): هم لم يريدوا الحكم، لعلة ذكرناها في كتاب (ثورة الإمام الحسن (عليه السلام) ) و(تحويل معنوية الإسلام).. ثم من غير العادي أن يعطي الحنظل مذاقاً حلواً، وقصب السكر مذاقاً مراً، أليس كذلك؟.

ثم إن الدولة الاستشارية، لا شك أنها تفهم ما لا يفهمه كثير من الناس، من الظروف والملابسات التي تفرض نفسها لاتخاذ المواقف، فاللازم أن تتمسك الدولة بحالة الإقناع الدائم لمواقفها، بواسطة مختلف وسائل الإعلام، وبواسطة جملة من المحنكين، من رجال السياسة والاطلاع والارتباط بالناس، حتى لا يؤدي إهمال أولئك الناقمين إلى تفاقم النقمة وربما وصلت الأمور إلى ما لا يحمد عقباه.

أما الدولة الدكتاتورية ـ وإن كان لها أجهزة ديمقراطية صورية ـ فإنها بمعزل عن ذلك، فلا ينفع لها أن تكون لها جماعات للتفاهم والإسلام لوجهة نظرها، إذ ذلك فرع على شرعيتها، والحكومة الديكتاتورية لا شرعية لها.

وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) إلى آخر أيامهما، لهما هذه الحالة الإقناعية، وفوق ذلك، كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يقول: أيها الناس أشيروا علي، وقد جعل الإمام (عليه السلام)، من حق الرعية عليه أن يعطوه المشورة، كما في نهج البلاغة، وقد نقل الحر العاملي (رحمة الله عليه) في الوسائل عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (أحبّ إخواني إليّ من أهدى إلي عيوبي)(16)... وهل يرى الحاكم الإسلامي نفسه خيراً من هؤلاء الأطهار؟.

وقد يخدع بعض الحكام الدكتاتوريين أنفسهم فيقولون: إننا نستشير أيضاً، لأنهم يستشيرون حفنة من الإمعات الذين استقطبوهم حول أنفسهم، لكن هذا الخداع لا ينطلي إلاّ على أنفسهم، فهل كانت تلك طريقة استشارة الرسول (صلى الله عليه وآله) ؟ أو هل مثل ذلك يشمله كلام الإمام الصادق (عليه السلام) ؟ أو هل ينفع هذا في إرضاء الأمة، وتقليب وجه الرأي والوصول إلى الإصلاح؟.

ثبات الدولة

على الدولة أن تكون ثابتة الأركان، لتجلب اعتماد الناس، فيعمل كل عامل بطيب خاطره مما يوجب ظهور الكفاءات، وازدهار البلاد، فإنه إذا كانت الدولة مضطربة، توقف كل عن عمله، فتجمد الكفاءات ولا يعمل أي عامل، لا في الزراعة ولا في الصناعة ولا في التجارة، ولا في غيرها، وبذلك تزداد الدولة اضطراباً، وكثيراً ما تنتهي مثل هذه الدولة إلى السقوط.

وليس الاستقرار بالادعاء، والكلمات الفارغة، والخطب التي تلقى من على منبر الإذاعة والتلفزيون، بل بفتح الجامعات وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلا مصادرات ولا إعدامات، ولا ضرائب اعتباطية، ولا يخاف الناس من أن يتكلموا، أو أن يكتبوا.

والاستقرار داخلي وخارجي، أما الداخلي فلا يحصل إلاّ برضى الناس عن الدولة، وذلك لا يكون إلا بكون الدولة حرة، ذات انتخابات حقيقية ـ لا صورية ـ وحريات مكفولة، وبذلك لا تتشكل جماعات الاغتيال، والأحزاب السرّية المناهضة للدولة، لأن البساط مسحوب من تحت قلة مناوئة للدولة، فلا تجد الأنصار لتشكيل الأحزاب السرية، وتكوين جماعات الاغتيال.

وكذلك لا يتجرأ المناوئون حينئذٍ من المغامرة والتآمر ضد الدولة والانقلاب عليها، لأنهم:

أولاً: لا يجدون الأنصار بالقدر الكافي، إذ لا شيء يدعو الناس إلى الثورة على الحكومة الاستشارية التي تعطي حاجات الناس بقدر إمكانها.

وثانياً: يخشون عدم استجابة الناس لهم إذا ثاروا أو تسلّطوا على الحكم، لأن المتآمرين يعرفون أنهم لا يجدون الاستجابة من الناس، إذا ثاروا، ومن المعلوم أن الثورة لا تنجح إذا لم تجد استجابة من الناس.

ولذا نجد أن الحكومات الاستعمارية، لا تقوم بالتخطيط للانقلاب إلاّ في بلاد أخذ كره الشعب لحكامها كل مأخذ، فيستقبل الناس المتآمرين ـ في لباس الانقلاب ـ بالتصفيق والترحيب، وإلا كيف تتمكن جماعة من ضباط مصر أو ضباط العراق في عهد عبد الناصر وقاسم، أن تقلب الموازين في بلد نفوسه أكثر من أربعين مليوناً أو اثني عشر مليوناً، وكذلك في سائر البلاد التي حدثت فيها الانقلابات.

ولو أمكن الانقلاب بهذه الصورة، فلماذا لا يحدث الانقلاب في أوربا أو أمريكا، بل وحتى في إسرائيل؟ إن المتآمرين ومحبي السلطة والمغامرين، موجودون في كل تلك البلاد، لكنهم لا يفعلوا ذلك لأمرين:

أولاً: لا يجدون الأنصار.

وثانياً: يعلمون بأن شعوب تلك البلاد لا ترحب بالانقلاب، بل إذا قام بالانقلاب جماعة أخذوهم وقدموهم إلى المحاكمة، بالإضافة إلى أن حكومات تلك البلاد أخذت الاحتياطات الكافية أمام المتآمرين، حتى لا يقدروا على الاستيلاء حتى على الإذاعة أو القصر الجمهوري ولو لمدة ساعات ـ وقد ذكرنا أسلوب ضبط الحكومة للبلاد أمام الانقلابات المحتملة، في فصل سابق - .

هذا بعض الكلام في كيفية الاستقرار الداخلي.

أما كيفية الاستقرار الخارجي؟ فهي إنما تكون:

1 - بقوة السلاح والجيش من الداخل.

2 - رضا الناس عن السلطة.

3 - كثرة أصدقاء الدولة في خارج البلاد، وذلك يسبب أن الجيش الأجنبي الذي يريد مهاجمة البلاد، يفكّر في قوة جيش البلاد واستمساكه، فلا يغامر بالهجوم.

ثم إنه لا يجد الرتل الخامس الذي يساعده من الداخل، وبدون الرتل الخامس يكون فتح البلاد صعباً، والإبقاء على البلاد تحت الاستعمار أصعب (والذي تعمله الحكومات الاستعمارية، هو تكوين الركائز في داخل البلاد قبل مهاجمتها، وإحداث الانقلاب فيها) .

وأخيراً فإن كثرة أصدقاء الدولة في الخارج تقف حاجزاً دون مغامرة الجيش الأجنبي، لأن الجيش الأجنبي، لا يقدم على الهجوم إلاّ إذا وجد من الدول من يؤيده في ذلك، فإذا كان للدولة أصدقاء كثيرون، أحجم الجيش عن الإقدام، ولذا نجد أن أمريكا وروسيا وبريطانيا، يبقون في أفلاكهم عدة أقمار، ليصفقوا لهم إذا هاجموا بلداً.

كما صفقوا لأمريكا حين هاجمت فيتنام، ولبريطانيا حين هاجمت الصين، ولروسيا حين هاجمت أفغانستان إلى غير ذلك، ولذا ورد في المثل (ألف صديق قليل وعدو واحد كثير) وتبعاً لذلك نجد أن الحكومات الاستعمارية تصرف المبالغ الطائلة لاستقطاب الأصدقاء، مثلاً: روسيا تدفع لكوبا كل يوم مليون، وأمريكا تدفع إلى بلاد كثيرة المعونات المالية وغيرها، وبريطانيا وفرنسا تقدمان العون إلى ما يدور في فلكهما من بلاد (الكومنولث).

صحيح أنهم يسترجعون أضعاف ذلك، لكن صحيح أيضاً أنهم يعرفون كيف يعملون عمل التاجر يشتري البضاعة بأرخص ليبيعها بأغلى، فلهم حالة إدارة، لكن إدارة استعمارية، لا إدارة صحيحة حسب الكفاءة والعدل والحق.

ولذا نجد الإسلام قد اهتم بتخفيف العداء من الخارج، وبرضا الناس في الداخل، فمثلاً بالنسبة إلى الأمر الأول، قال سبحانه: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم)(17).

وقال تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن)(18).

وقال سبحانه: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(19).

وقال تعالى: (ادخلوا في السلم كافة)(20).

وقال سبحانه: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)(21).

وقال علي (عليه السلام): (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين)(22) إلى غيرها.

وبالنسبة إلى الأمر الثاني، حدث أن غضب مستعطٍ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ غضباً بلا مبرر ـ ثم أعطاه الرسول (صلى الله عليه وآله) ما أرضاه ثم قال له: اذهب إلى أصحابي، وقل لهم إني رضيت عن الرسول، أنه (صلى الله عليه وآله) أراد بذلك أن يشعر أصحابه بأنه لا يوجد حتى إنسان واحد غاضب عليه.

كما حدث أن طلب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من شخص العمل بالحق، وهو لم يعرف الإمام فدفع الإمام بيده، لكنه لمّا عرف الإمام اعتذر وطلب من الإمام أن يرضى عنه، فقال له الإمام: ( ما أرضاني عنك إن أصلحت أمرك)(23) وفي رواية: (هل الدين إلاّ الحب؟)(24).

ثم لا يخفى أن الأمور التي يجب على الدولة الإسلامية الاهتمام بها، لأجل رضى الناس هي:-

1 - تكثير المؤسسات.

2 - وإعطاء ذوي الكفاءات ما يشغلهم، إذ صاحب الكفاءة إذا لم يجد ما يشغله بما يراه مناسباً له، وصار مبعثاً لنشر الكره والتذمر بين الناس.

3 - وجعل القضاء نزيهاً إلى أبعد حد.

4 - ومجلس الشورى محبوباً، لا أن يهتموا بوضع القوانين، وتأطيرها بل يختلطوا بالناس ويأخذوا آراءهم ويقضوا حوائجهم، ويحلوا مشاكلهم.

5 - واحترام الطبقة المتوسطة ـ كما تقدم ـ .

6 - وجعل السلطة العليا (شورى الفقهاء) محل ثقة الشعب وحبه، فإنها رمز الإسلام، وهم وكلاء الإمام (عليه السلام)، فإذا كرهها الناس كرهوا الإسلام، وظنوا بقادته الظنون، إلى غير ذلك ممّا تقدم بعضها.

لكن يلزم أن يعرف الناس أن ليس المراد بما ذكر، أن تعمل الدولة بما يسقط هيبتها فإن الطيبة في غير موضعها، كالخشونة الزائدة، كلتاهما تسببان اهتزاز الحكم، وعدم استقرار الحكم، وفي المثل.. (تتمكن أن تصنع بالحراب كل شيء، لكنك لا تتمكن أن تجلس عليه) وفي الطيب الزائد، تنطبق القاعدة المعروفة (الشيء إذا جاوز حده انقلب ضده).

والمشكلة في الدولة تكمن في أنها وسط بين إفراطين، فكل إفراط ضار بها سواء كان في هذا الجانب أو في الجانب الآخر، ففي المقام: الإفراط في الخشونة يثير الناس عليها، كما أن الإفراط في الطيبة يطمع الناس فيها.

وليس ذلك في الطيب والخشونة فحسب، بل في سائر الأمور، مثلاً: الدولة بين جيش يريد الخشونة والحرب، لأنه ربى عليهما، وفيها تظهر مقدرة الجيش وتزيد مرتباته، بينما الشعب يريد السلام والهدوء واللين، لأنها توجب له التقدم والرفاه وظهور كفاءاته، والدولة بينهما فيلزم عليها إرضاءهما بنحو لا يسبب إزعاج الآخر، والإثارة عليها من قِبَل الجيش أو الشعب.

وكذلك الدولة بين جيل الكبار الذين يميلون إلى الاتزان والهدوء، والتعقّل، وجيل الشباب الذين يميلون إلى النشاط والسرعة والإقدام، فإذا لم تتمكن من إرضاء الطرفين كرهها نصف الشعب، ولا تبقى الدولة مع كره نصف الشعب لها.

وهكذا الدولة بين الداخل الذي له مفاهيم خاصة، والخارج الذي غالباً له مفاهيم أخرى، فإن أرضت الداخل بخطاباتها وأعمالها، كرهها الخارج، والعكس بالعكس، فإن أرضت أحدهما تآمر عليها الآخر.

ومن صغريات ذلك، كون الدولة تسير في تيار عام، كالجوامع الدولية والوحدات الدولية، وما أشبه، ومن المعلوم التضارب بين مصلحة الدولة الخاصة، ومصلحة ذلك التيار.

ومن أحسن الحلول لمشاكل الدولة المتناقضة، الأحزاب الحرة، وتبدل الدولة من رأسها كل أربع سنوات مثلاً، إذ الأحزاب الحرة ـ والتي هي إسلامية في بلاد الإسلام ـ لاختلاف أنظارها ومصالحها توجب الضغوط المتكافئة مما يوجب تعديل الدولة.

بينما تبدل الدولة في الفترات المختلفة من الأزمنة، يوجب عدم تراكم الكره، فكل جماعة يجدون بغيتهم في دورة من إحدى تلك الدورات المتبدلة، وبهذين الأمرين (الأحزاب، والتبدل) تسير الدولة سيراً معتدلاً، فلا يصيبها جمود بقاء الدولة، ولا فوضى تبدّل الدولة.

ثم إنه كثيراً ما تزعم الدولة، أن نجاتها يكون في إلقاء الاختلاف بين الناس، على قانون فرعون (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً)(25) ومن ذلك اشتقت القاعدة المعروفة (فرّق تسد).

لكن هذا من أكبر الأخطاء، فإنه لا يفتأ أن يظهرالمفرق، فكلا الطرفين يكرهانه، حال الدولة في ذلك حال الفرد، فكما أنه إذا فعل الفرد تفرقة بين فردين يظهر نفاقه، ويكون مكروهاً من كلا الجانبين، فيكون الطرفان مجتمعين على إقصائه وإخراجه من الساحة، كذلك حال الدولة.

ولذا نرى كيف أخرج فرعون (كم تركوا من جناتٍ وعيون وزروعٍ ومقامٍ كريم ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين)(26) وحتى الدولة إن كانت مستعمرة تبقى بعد إخراجها وصمة ولعنة، كما رأينا كيف بقيت بريطانيا وصمة ولعنة في الهند، حيث كانت تفرّق بين المسلمين والهندوس بذبح البقرة (باسم المسلمين) وإلقائها في معابد الهندوس، وبتنجيس مساجد المسلمين بالقذارة (باسم الهندوس).

وكذلك في العراق، حيث كانت تؤلف الكتاب ضد الشيعة (باسم السنة)، وتكتب على الجدران كلمات ضد السنة (باسم الشيعة) فصارت لعنة لكل من المسلمين والهندوس، ومن الشيعة والسنة، وعرفت باسم (الدولة المنافقة).

وإذا أرادت إشغال الناس عن نفسها، فاللازم:

أولاً: أن تجيد العمل وتسدّ الخلل، ففي الحديث: (من أصلح فاسده أرغم حاسده) .

وثانياً: أن تشغل الناس في البناء والتنافس الحر، بل ذلك من أقوى سمات الدولة الصالحة حتى نرى أن الله سبحانه ـ لا لما ذكرناه في باب الدولة بل لأجل إظهار الخير إلى أقصى درجة ممكنة-، جعل بين الناس التنافس حتى في الآخـــرة، قال سبحانه: (فاستـــبقوا الــخيرات)(27) وقـــال تعالـــى: (وسارعوا إلى مغـــفرةٍ من ربكم)(28) وقال سبحانه: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)(29).

أما ما ذكرناه سابقاً، من لزوم أن تجعل الدولة أمام الجيش البوليس مثلاً ويقسم كلاً من الجيش والبوليس قسمة، فذلك لم يكن بقصد إلقاء الخلاف بل بقصد توزيع القدرة فإن القدرة مثلها مثل الماء والنار، إن لم يزمّا بزمام من الحكمة فسدا وأفسدا، وإن زمّا، انتفع الإنسان بهما بدون ضرر.

ولذا نجد أن الحكومات ذات الحزب الواحد تفسد وتفسد، حيث تتجمع القدرة في يد فئة خاصة، وكذلك الحكومات الوراثية لأن القدرة تتراكم عندها، بدون منافس ومقابل.

بينما الحكومات الاستشارية، ذات الأحزاب المتعددة والتبدل في رؤساء الحكم تبقى سليمة، كما يبقى الناس تحت ظلها في أمن وسلام.

وإفساد تجمع القدرة، بالإضافة إلى إفساد عدم الخبرة، يتجمعان في الحكومات الانقلابية، حيث إن الجيش الذي يسيطر على الحكم (وإن كان الانقلاب نابعاً من نفسه، - فكيف إذا كان منبثقاً عن الاستعمار؟-) تقع بيده كل القدرة، وبدون الخبرة.

الدولة والعداوات

من أهم ما يلزم على الدولة الإسلامية أن لا تترك العداوات تأخذ سبيلها إلى الظهور، وإذا ظهرت تسرع في إطفائها، فإن ثلاثة صغيرها كبير وقليلها كثير، المرض والنار والعداوة، فربما سببت الحمى الموت، أو فيروس صغير وباءاً كاسحاً، وربما سبب نار ثقاب إحرق غابة، وربما سببت عداوة إنسان إسقاط دولة، وقد قيل قديماً: (ومعظم النار من مستصغر الشرر).

وقد يزعم من لا خبرة له من الحكام أن العداوة، والدخول مع الأعداء في حرب توجب رفعة الحاكم، بل أغرق بعضهم فقال يلزم على الحاكم أن يخلق الأعداء لأجل ذلك، والسؤال: هل إنك مطمئن بأنك تنتصر على عدوك؟ وألم يكن هناك من اطمئنوا ثم ظهر خطأ اطمئنانهم فغلبوا وانقلبوا صاغرين؟ ثم إنك وإن غلبت، فهل طريق العظمة منحصر بذلك؟ وبعد كل ذلك، فليس العدو ينخر جذور الإنسان حتى يأتي عليه، أو يشغله دائماً بما ليس الإنسان في حاجة إليه؟

ثم اللازم أن لا يعادي الإنسان عدوه كل المعاداة، كما يلزم أن لا يثق بالصديق كل الثقة (إلاّ نادراً) فكثيراً ما ينقلب العدو صديقاً، فلا داعي لجعل سوء سابقة كبيرة بينهما، كما أنه ربما انقلب الصديق عدواً، وهو يعرف كل نقاط الضعف، والى ذلك أشار الشاعر:

إحذر عـــدوك منــرة          واحذر صديقك ألف مرة

فلربما انقلب الصديق          فكـــان أعلـــم بالمضـرة

ثم إن من يعادي الدولة في الابتداء، يمكن استقطابه، بالنسبة إلى الدولة الحازمة، خصوصاً إذا كان العدو مركز يخشى من سقوطه، ويحتاج إلى بقائه، فإنه إذا استقطبته الدولة، أخلص لها، لمحو سالف العداء، وللإبقاء على مركزه وكذلك إذا كان العدو ينوي الوصول إلى مركز مرموق، وساعدته الدولة في الوصول إلى ذلك المركز.

وأحياناً تكون خدمة مثل هؤلاء الذين أسلفوا العداء، أكثر من خدمة الأصدقاء السابقين، لأن الأصدقاء لا فراغ لهم يريدون ملأه، بخلاف أولئك الأعداء، بشرط أن لا يكون ذلك العدو من قسم الانتهازيين.

فاللازم على الدولة العاقلة أن تبقى على صداقة الأصدقاء، وتهتم لاستقطاب الأعداء، وكذلك نرى فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث أبقى على صداقة المهاجرين والأنصار، واستقطب أهل مكة الذين محضوا العداء له مدة عقدين من الزمن، بل لما استولى على يهود خيبر، تودد إليهم، بتزوِّج إحدى بناتهم (صفية) وترك دورهم لأنفسهم والمقاسمة معهم في أراضيهم الزراعية وبساتينهم.

ومثل هذه الدولة تزداد قوة إلى قوة، وذلك يوجب لها التقدم المطرد بخلاف الدولة التي تزيد في عداوة الأعداء، وتقلب الأصدقاء أعداءاً، وتوجب التفرقة والاختلاف، وقد ورد في الحديث: (خير الولاة من جمع المختلف، وشر الولاة من فرق المؤتلف) .

وعلى الدولة أن تظهر حبها لمن تحب، ليزداد الطرف الآخر إخلاصاً، وتخفي غضبها وعداءها ليقل العداء، أو يبقى ـ على الأقل ـ في حده السابق.

وإذا اتفقت الدولة على الحرب، كان من أهم الأمور لها، أن تهتم لإبقاء الدول حياداً بالنسبة إليها، إن لم تتمكن من إدخالهم في صفها، فإن دخولهم في صف العدو يخلق للدولة مشاكل جمة، هي في غنى عنها، وربما أودت المشاكل بالدولة.

وإذا تحاربت دولتان، فمن أهم الأمور على الدولة أن تبقى حياداً بينهما، لأن الدخول في الحلبة مع إحداهما ربما يودي بها، كما أودى ذلك بالإمبراطورية العثمانية حين دخلت مع ألمانيا في حربها مع بريطانيا. بالإضافة إلى أن الوقوف في صف إحداهما يشتمل على أحد خطرين:

أن تكون في صف المنتصر في النهاية، أو في صف المنهزم في النهاية، وكلاهما خطر، إذ من ينتصر يأخذه الغرور في أن يستعلي على الحليف، ومن ينهزم بترك حليفه في العراء تحت رحمة المنتصر الذي يعادي الدولة الحليفة لعدوها.

ومن اللازم على الدولة الإسلامية عند قيامها، أن تستقطب الذين كانوا يوالون الحكومات السابقة، فإنهم كما رضوا عن الحكومة السابقة مع عسفها، يرضون عن هذه الحكومة الجديدة، إذا حفظت أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، وقالت لهم (إذهبوا فأنتم الطلقاء) ومنّت عليهم، ولذا نجد في التاريخ، أن أهل مكة وغيرهم عفا عنهم الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأهل الجمل والنهروان ممن عفا عنهم علي (عليه السلام)، صاروا مواطنين، ولم يكن لهم من إيذاء، إلا بقدر أذية أي شعب بالنسبة إلى أية دولة، بينما كانت أعمال العنف والخشونة معهم تزيد الأمر إعضالاً.

ويظن بعض الناس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لو أنه قتل معاوية لم يبق حتى يناوئ علياً (عليه السلام)، والسؤال: هل كان معاوية واحداً، فماذا في طلحة والزبير؟ وماذا في الخوارج؟ وماذا في من جاء بعد: هشام وهارون والمأمون؟ وقد ذكرنا طرفاً من الكلام في هذه المباحث في كتاب (تحويل معنوية الإسلام).

قلعة الدولة وعملها

قلعة الدولة الإسلامية هي القلوب، فإنها خير قلعة تحتمي الدولة بها، لأجل حفظها وبقائها عشرات القرون، وقد قيل بخصوص الإمام الحسين (عليه السلام): (وفي قلب من يهواك قبرك) فقد هدم أمراء الباطل، قبر الإمام الحسن (عليه السلام) مرات ومرات، لكن بقي قبره وأثره إلى الآن، بل واتسع واتسع، لأن قبره كان في قلوب الناس.

ولا شك أن قلوب الناس لا تلتف حول الدولة إلا بالعفو عن مسيئهم والإحسان إلى محسنهم - كما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) لحاكمه على مكة المكرمة- والأخذ بأيديهم إلى الأمام، والناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

1 - أعداء الدولة.

2 - أصدقاؤها السابقون الذين آزروها إلى أن وصلت إلى الحكم.

3 - المحايدون.

أما الأعداء، فاللازم استقطابهم كما تقدم.

وأما الأصدقاء فهم من أكثر الناس ضغطاً على الدولة لأنهم كما قاوموا وبشدة الدولة السابقة، لأجل عدم إجرائها للحق والعدل، يسرعون في كره الدولة الجديدة، فاللازم مداراتهم إلى أبعد حد ـ كما ذكرناه في فصل سابق - .

والمحايدون لا يريدون إلا العيش بسلام، فمتى تحتاج الدولة إلى صنع القلاع، إلا إذا كانت دكتاتورية تريد الاستئثار بالحكم والمال والسلاح والامتيازات؟ ومثل هذه الدولة لا تنفعها القلاع أيضاً، لأن الشعب إذا ثار لا يبقي ولا يذر، ولا تقف دون بغيته القلاع كما لم تقف دون ذلك قلعة المتوكل أو بني أمية، وغيرهم، إذن فالقلعة ـ بلونها القديم أو الجديد- دليل كره الشعب للحاكم.

نعم، تبقى قلة من المغامرين، لا بد للحاكم أن يتقي شرهم بعدد من المسلحين، والأمم أذكياء دائماً، يفرقون بين الحاكم المحتمي بالقلاع من الشعب والمحتمي بالسلاح من بعض المغامرين.

والدولة ـ بدل أن تشغل نفسها بالحروب والعداوات- يجب أن تشتغل بالمشاريع الكبيرة، وتقوية الجيش، وجعل الأسس الرصينة للبقاء والرفاه، بتعميم العلم، وتربية النفوس وإخراج الكفاءات، وذلك بإعطاء الحريات، وتسهيل سبل وصول الناس إلى ما أودع فيهم من دفائن العقول، وإعطاء المكافآت اللائقة للمتفوقين، بحيث يتحدث الناس عن تلك المكافآت وتكون محفزة لهم بالسير إلى الكمال.

ومن الضروري في الدولة الإسلامية نشر العقيدة والشريعة في كل الأصعدة والمستويات، والتكثير من مجالس ذكر مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، ونشر حقيقة الإمام المهدي (عليه السلام) على أوسع نطاق، وهذه الأمور الثلاثة تسبب قوة الأمة أولاً، وتوسعتها ثانياً، وذلك لأن المطال، في تاريخ الأمم، يرى أن اضمحلال الأمم وخروجها عن ساحة الحياة، تعلل بإحدى ثلاث:

إما ضعف المبدأ، وعدم مطابقته للبرهان.

وإما انصباب المصائب على الأمم، حيث لا تتحمل الأمة المقاومة، مما يسبب خروجها عن الساحة.

وإما أن الأمة لا أمل لها بالعون والمساعدة والنجدة، ولذا تكون كالجيش المنهزم الذي لا يأمل في الإمداد، فيفر من الميدان.

وحيث إن مبدأ الإسلام ـ عقيدة وشريعة - من أقوى المبادئ ويطابق العقل والمنطق في كل بند منه، كان نشره يسد هذه الثغرة في قلوب الأمة.

كما أن التفات الأمة إلى المصائب التي وردت على أهل البيت (عليهم السلام) وأنهم (عليهم السلام) تحملوها بكل رحابة صدر، يوجب التأسي بهم (عليهم السلام) وربط قلوبهم وشدة عزيمتهم فلا تسبب المصائب ـ مهما كثرت- انهزامهم.

والإمام المهدي (عليه السلام) أمل المسلمين، حيث يحتمل ظهوره ليشد أزر المسلمين ـ في كل يوم وساعة - ولذا فإذا قويت العقيدة به كان صمود الأمة أكثر، ومثابرتهم أقوى، فلا يجد البأس إلى أنفسهم سبيلاً.

وهذه الأمور الثلاثة، كما هي عامل البقاء كذلك هي عامل التوسع لأن نفس الروح تنفخ في روع من اعتقد بالإسلام ولذا نجد المفكرين من الكفار يحاولون طمس هذه الأمور الثلاثة بمختلف الوسائل والسبل وبشتى الاتهامات والإلصاقات.

ثم من الضروري أن تضع الدولة سياستها ـ دائماً- موضع التساؤل والترديد، وذلك لأمرين:

1 - احتمال انكشاف الخطأ في السياسة، في المستقبل.

2 - احتمال تبدل الزمان، مما يوجب أن لا يصلح للزمان المتأخر ما كان صالحاً للزمان المتقدم، فإذا جرت الدولة على سياستها التي بنتها، بدون الملاحظة الدائمة، والمراقبة الكافية كانت الدولة معرّضة للضياع، والأمة على شرف الانهيار.

وقد قال علماء الأخلاق بلزوم المراقبة للفرد كل ليلة، فكيف بلزوم المراقبة على الدولة؟.. كما أن اللازم على الدولة ربط الشعب بالأعياد والمناسبات ـ لكن لا ربطاً دكتاتورياً، بل ربطاً إقناعياً- وذلك للزوم التجديد في حياة الناس من ناحية، حتى لا تكون الحياة رتيبة مملة، ولتكون الأمة نشطة من ناحية ثانية، فإن النشاط بالمناسبات يؤثر في سائر الحقول، ونشاط الأمة حاله حال نشاط الفرد يؤثر في مختلف حقول الحياة.

وعلى الدولة أن تكون لها مفاجآت تقدمية، مما يوجب شد الأمة بالدولة دائماً، وتكون المفاجآت سبب سد الحاجات وملء الفراغات وتقدم الأمة إلى الأمام، مثلاً إسكان الأمة في دور مملوكة لهم في هذه السنة، وإيصال الماء والكهرباء إلى كل القرى في السنة الثانية، وتعميم العلم ومحو الأمية في سنة ثالثة، وإخراج الأراضي من اليباب إلى العمران في سنة رابعة، ونصب المعامل التي تعطي الحاجات الصناعية في سنة خامسة وهكذا.

وكل ذلك ممكن إذا لم تبن الدولة على الدكتاتورية، فتطلق الحريات وتسهم في تقديم الناس إلى الأمام.

واللازم على الدولة إن كانت مخلصة ـ وهكذا يجب أن تكون الدولة الإسلامية - أن تعطي كل ذي حجم ـ من الأفراد، والأحزاب، والمؤسسات، والجمعيات ـ حجمه الواقعي، بلا زيادة ولا نقيصة، فإن الحجم الواقعي هو المؤثر في الحياة.

أما إعطاء تلك على خلاف واقعها، فهو شأن الدكتاتوريين، الذين يجعلون من أنفسهم المحور، فمن كان في فلكهم أعطوه حجماً متزايداً، ومن لم يكن في فلكهم أعطوه حجماً صغيراً، قال سبحانه: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)(30).

فإذا أعطت الدولة الصغيرة حجماً كبيراً بقي الفائض من الأعمال بدون إدارة كما أن إعطاء حجم صغير للإنسان الكبير، يوجب بقاء الكفاءة بدون عمل، وكلاهما يسببان عطب الدولة، وذهاب ريحها، وفشل مشاريعها.

واللازم أن يكون وزراء الدولة، أناساً يفكرون في الأمة، لا في أنفسهم، وهم أحسن دليل على نفسية القائد، فقد ورد في الحديث أن (المرء على دين خليله)(31) وكذلك حال سائر المحتفين بالدولة، فإنهم أحسن دليل على استقامة الدولة أو انحرافها.

السلطة العليا، وحزم الدولة

السلطة العليا في الدولة الإسلامية (سواء كان مرجع التقليد واحداً، إذا انحصرت المرجعية في إنسان واحد، كما صار في زمن صاحب الجواهر والشيخ المرتضى والميرزا الكبير والميرزا الثاني، أو كانوا أكثر، حيث قلنا بلزوم تشكل المجلس الاستشاري) منهم، لأنهم الزعماء الحقيقيون للأمة، وقد انتخبتهم الأمة ليكون بيدهم الحكم، كما قال (عليه السلام)، (فإني قد جعلته عليكم حاكماً)(32)، والحكم يشمل أمور الدين والدنيا، وقال (صلى الله عليه وآله): (اللهم ارحم خلفائي)(33) وقال (عليه السلام): (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)(34) إلى غير ذلك.

هذه السلطة العليا إنما تكون بضغط من الأمة، فإذا اعتادت الأمة على ذلك، لم يتمكن انتهازي في زي أهل العلم أن يسلبها، ولم يتمكن رجل في السلطة العليا أن يفعل ما يشاء حسب رأيه، كما أن ضغط الشعب في البلاد الديمقراطية، لا يترك الأمر لديكتاتورية حاكم كي يأتي إلى السلطة بإرادته، لا بإرادة الشعب، أو على استخلاف حاكم سابق لمن شاءت له أهواءه.

وليس ترشيح مثل هذه السلطة (المرجع الأعلى أو شورى المراجع) بيد الدولة، لأن الدولة يلزم أن تكون تحت نظر السلطة العليا، لا العكس، وإنما الأسلوب يبتدأ باختياره الأمة، حسب تقليدهم، مراجع التقليد، وهم يكونون السلطة العليا (شورى المراجع) وهم وسائر أهل الخبرة، يرشحون للأمة مراجع المستقبل، فكلما فقد أحد أفراد السلطة العليا، جاء مكانه أحد هؤلاء، حتى يتلقى الآخرون السلطة من الأولين، وهكذا.

وهذا أمر واقعي، سهل المنال إن وعت الأمة السياسة الدينية، فإن في هذا الأسلوب تحكيم المراجع الذين هم نواب الأئمة (عليهم السلام)، بملك حرية الأمة، بدون دكتاتورية ولا تسلط الدولة على المرجعية، وبمعاونة أهل الخبرة الذين تعتمد عليهم الأمة، وبإشارة من السلطة العليا السابقين الذين انتخبتهم الأمة مراجع لها.

وحينئذٍ لا يكون ضغط في التقليد أيضاً، فإذا أرادت جماعة من الأمة أن تقلد إنساناً آخر غير من في السلطة العليا، يكون لها ذلك، بدون مزاحم، نعم إذا حدثت حادثة اختلف فيها رأي السلطة العليا مع رأي ذلك المرجع، يكون انتهاء الأمر إلى رأي السلطة العليا، كما ذكره الفقهاء في مسألة لزوم ترك المجتهد رأيه، إذا تنازع مع مجتهد آخر، في مال أو دم أو زوجة أو ما أشبه، وتراجعا إلى القاضي المجتهد الجامع للشرائط، وأعطى الحكم لأحد المتنازعين، فإن دليلهم في باب القضاء يأتي في المقام أيضاً بطريق أولى، وقد ألمعنا إلى ذلك في كتاب القضاء وكتاب الشهادات وكتاب إحياء الأموات من ( الفقه).

1 - فالسلطة العليا (شورى المراجع) ترشح، بمعاونة أهل الخبرة من أهل العلم والعدالة.

2 - بدون تدخل من السلطات الثلاث ـ التشريعية (التطبيقية) والتنفيذية والقضائية ـ لأنهم تحت السلطة العليا لا فوقها.

3 - ومن أهل الخبرة زعماء الأحزاب الحرة الإسلامية.

4 - والأمة تختار، وحيث يدخل المراجع في السلطة العليا (المراجع الحالية) لا شق للعصا من أحد، وحيث إن المراجع المستقبلة مستشارون وأهل الخبرة ومرشحون من قبل السلطة العليا والأمة، فلا تنازع أيضاً، ولا يلزم أن يحضروا المجلس الاستشساري، بل يجوز أن يكون أحدهم في خراسان وآخر في قم، وثالث في النجف، ورابع في كربلاء، لكنهم جميعاً، بوكلائهم الذين يحضرون المجلس الاستشاري الفرعي، يدلون بآرائهم ـ حال ذلك حال المجامع الدولية، حيث إن الأعضاء إن شاؤوا حضروا، وإن شاؤوا لم يحضروا-.

وحينئذٍ تكون سلطات الدولة (الثلاث) تحت إرادتهم تلقائياً، بدون أن ينفصل مرجع التقليد عن الدولة، ولا أن تتسلط الدولة على المرجعية، وبدون هذه الصورة التي ذكرناها، يقع إما انفصال الدولة عن المرجعية، وإما أن تتسلط الدولة على المرجعية، وحيث إن الثاني لا يمكن، يكون الأول ويرجع الأمر إلى انفصال السياسة عن الدين، ويفسح المجال لتسلط الشرق الغرب.

ثم على (شورى المراجع) والسلطات الثلاث أن يستقطبوا جمهرة كبيرة من المستشارين الذين تتوفر فيهم علوم الدين والدنيا مع النزاهة والثقة حتى تسير الأمور بكل صحة وإتقان.

واللازم على الشورى والسلطات، أن تكون وسطاً بين حرية الابتذال وبين التقطيب الموجب للنفاق في استشاراتهم، فإن الحاكم إذا ابتذل في استشارته مع كل أحد صار سبب التجري والازدراء والتحقير، مما يضعف الحكم، وإن تقطب صار سبباً لنفاق المستشار، فلا يقول الحقائق التي يعرفها، وإنما يتكلم حسب رضى الحاكم، مما يسبب ضياع الحكم.

فالاستشارة يلزم أن تكون دائمة من أصحاب الفضيلة الموسومين بترجح الرأي والخبرة والديانة، ويلزم أن يكونوا صريحين مع السلطة في إعطاء الرأي، ونقد أعمال الحاكم.

وعلى الحاكم ألا يسرع في إعطاء الحكم، لأن المسرع كثيراً ما يخطئ فيقع الحاكم بين أن ينفذ خطأه، وفي ذلك المفسدة وضياع المصلحة، أو أن يرجع عن رأيه، وفي ذلك خور الحكومة، وازدراء الأمة بالحاكم، وإذا فقد الحاكم احترامه فقد الحكم جلاله مما ينتهي إلى ضعف الدولة.

كما أن على الحاكم أن يهتم بالحاضر والمستقبل، لسد الخلل الناشئ من الماضي، وتقديم الأمة إلى الأمام، فإن الأمة إذا شعرت بالحاضر المريح والمستقبل المرفه لا تصرف عنان نظرها إلى سيئات الماضي، ولا تفكر فيما سبق من النقائص والنواقص.

وعلى الحاكم أن يحسب للعواصف المحتملة (اقتصادية، أو سياسية، أو حربية، أو غيرها) حسابها، حين تجري الرياح رخاءاً، وإلا وقعت الدولة في المشكلة، وربما أوجبت سقوط الدولة، ومن الأمثال القريبة، إن القاجاريين والعثمانين، إذا كانوا معتدلين يعملون بالإسلام الصحيح، وكانوا يحسبون حساب المستقبل، فهل كانت تتحطم الدولتان؟ وهل كانت البلاد الإسلامية تقع في نير التجزؤ، وتحت سلطة الأعداء المباشرة وغير المباشرة.

وقد يعتذر الحكام عن أخطائهم بالقضاء والقدر، والحال أن القضاء والقدر دائرتهما الأمور غير الاختيارية، أما الأمور الإختيارية فالقدر والقضاء أن يعملها الإنسان. إن من لا يراجع الطبيب فيموت أو يعطب لا حق له في إلقاء اللوم إلا على نفسه، اما إذا راجع ولم ينفع الطب فمات لم يكن ملوماً، وصح أن يقال أن القدر أماته.

وكذلك الحال في المشكلات العامة، فالدولة التي لا تقيم السدود أمام السيول، والدولة التي لا تواظب على النظافة، حتى تجرف السيول بالبلاد والناس، ويهلك الطاعون والوباء، الناشئان عن القذارة، عشرات الألوف من الناس، لا حق لمثل هذه الدولة أن تنسب الأمر إلى القضاء والقدر، بل المقصر هي ويلزم أن تؤاخذ على إهمالها وعدم رعايتها.

ثم إن على الدولة أن تعرف الظروف، فلكل ظرف عمل، وإلا جرفها السيل فإن الظروف وشرائط الاجتماع، حالهما حال الشتاء والصيف، فإذا لم يعرف التاجر الزمان، فجعل أمواله في صنع الثلج في الشتاء، أو تهيئة الوقود في الصيف خسر وتدمر، كذلك حال الدولة إذا لم تعمل حسب مقتضيات الظروف، فاللازم أن تسير الدولة حسب مجرى الزمان، وإلا مرّ عليها الزمان وهي جامدة، ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)(35).

وهذا غير الانتهازية، فإنها أن تقصد نفسك، والوصول إلى منافعك من دون ملاحظة أن يكون الطريق شريفاً، بينما معرفة الظروف أن تعرف الطرق الشريفة للوصول إلى غاية نبيلة، ولا يهمك بعد ذلك أن تسلك أية من الطرق الشريفة المتاحة إلى تلك الغاية.

وفي الختام: نذكر أن اللازم على القوى الإسلامية أن تتحرك، لتوحيد بلاد الإسلام، وإقامة حكومة واحدة على ذلك البلد الواحد، والسعي لإنقاذ البشر من براثن الخرافة والمشاكل، فإن الظروف مهيئة لذلك.

أما المسلمون فقد ذاقوا من التشتت والقوانين الوضعية، ما يفوق التصور حيث نهبت بلادهم وجزئت، وسلبت خيراتهم، وسحقت كراماتهم، وهتكت أعراضهم، وأصابهم الضنك الذي أنذر به القرآن الكريم، لمن أعرض عن ذكره.

وأما غير المسلمين فقد وقعوا من جراء إعراضهم عن قوانين الله سبحانه في مشاكل لا تدخل تحت الحصر من الحروب والثورات والأمراض وهدم العائلة، والفقر والخوف، وغيرها، فإذا عمل المسلمون بكل جد وإخلاص لإرجاع الإسلام إلى الحياة، أنقذوا أنفسهم، وساهموا ـ بقدر ـ في إنقاذ سائر الناس.

 

1 ـ سورة آل عمران: الآية 144.

2 ـ سورة العنكبوت: الآية 65.

3 ـ سورة الأنفال: الآية 60.

4 ـ نهج البلاغة: الكتاب 31.

5 ـ شرح نهج البلاغة، محمد عبدة: ج4، ص41.

6 ـ سورة يوسف: الآية 109، كررت الآية في سورة الحج والروم وفاطر وغافر.

7 ـ سورة الشورى: الآية 38.

8 ـ الكافي: ج2 ص86 ح1.

9 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم 176.

10 ـ بحار الأنوار: ج29، ص265، قالتها عائشة، حين انتصر أميرالمؤمنين (عليه السلام) في حرب الجمل، وهو مثل معروف.

11 ـ سورة ص: الآية 23.

12 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم 241.

13 ـ راجع دعائم الإسلام: ج2 ص444 ح1552، وتهذيب الأحكام: ج10 ص148 ب18 ح587. وفيه: «عن أبي جعفر (عليه السلام) : ان أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر قنبراً أن يضرب رجلا حداً، فغلط قنبر فزاده ثلاثة أسواط، فأقاده علي (عليه السلام) من قنبر ثلاثة أسواط».

14 ـ بحار الأنوار: ج21، ص140.

15 ـ غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس ح30.

16 ـ الوسائل: ج8 ص413 باب 12 من أبواب أحكام العشرة ح2.

17 ـ سورة الأنعام: الآية 108.

18 ـ سورة المؤمنون: الآية 96.

19 ـ سورة النحل: الآية 125.

20 ـ سورة البقرة: الآية 208.

21 ـ سورة الأنفال: الآية 61.

22 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج2، ص185، دار المعرفة ـ بيروت.

23 ـ بحار الأنوار: ج37، ص48.

24 ـ بحار الأنوار: ج62، ص237.

25 ـ سورة القصص: الآية 4.

26 ـ سورة الدخان: الآية 26.

27 ـ سورة المائدة: الآية 48.

28 ـ سورة آل عمران: الآية 133.

29 ـ سورة المطففين: الآية 26.

30 ـ سورة الأعراف: الآية 85.

31 ـ وسائل الشيعة: ج8، ص430.

32 ـ الكافي: ج1، ص67.

33 ـ الوسائل ج18 ص65 ب8 من أبواب صفحات القاضي: ج50.

34 ـ البحار: ج2 ص90 ح13.

35 ـ الكافي: ج1 ص27 ح29.