الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

عهده (عليه السلام) إلى مالك الأشتر

ونبدأ هذا الفصل بمقتطفات من فلسفة الحكم عند الإمام عليه الصلاة والسلام في عهده لمالك الأشتر النخعي حين ولاّه مصر، قال في جملة ذلك العهد الطويل المذكور في نهج البلاغة وغيره:

(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أمر به عبد الله أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر، في عهده إليه حين ولاه مصر، أمره بتقوى الله، وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به كتابه.

ثم اعلم يا مالك، إني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وإن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه إلى أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم.

فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح)(1).

الحاكم والرحمة

أشعر قلبك الرحمة لهم فإنك فوقهم.

أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضاء الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة.

وليكن أبعد رعيتك منك أقربهم لمعايب الناس.

إن شر وزرائك من كان قبلك للأشرار وزيراً، ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطعمة، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بالحق لك وأرفقهم بأهل الورع والصدق، ثم حثهم على ألا يطروك وألا يبحجوك بباطل لم تفعله(2).

لا يتساوى المحسن والمسيء

ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على ذلك، وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه(3).

إحسان الحاكم إلى الناس

واعلم أنه ليس شيء أدعى إلى حسن ظن والٍ برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤونات عليهم.

ولا تنقض سُنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثن سنّة تضر بشيء من ماضي تلك السنن، وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء(4).

الرعية طبقات

واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى لبعضها عن بعض، فمنها الجنود، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل وعمال الإنصاف وأهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجارة وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجات والمسكنة، وكل قد سمى الله له سهمه ووضعه على حده وفرضه في كتابه، أو سنة نبيه(5).

استقامة العدل

إن افضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية.

كيف يكون القاضي؟

اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تحكمه الخصوم.

ثم انظر أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة وأثرة.

أسبغ عليهم الأرزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم.

وحجة عليهم إن خالفوا أمرك، ثم تفقد أعمالهم(6).

الرقابة على الموظفين

وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، وتفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في إصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج.

الاهتمام بالتجار

ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوصِ بهم خيراً، واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع عن الاحتكار فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنَكّل به وعاقبه من غير إسراف(7).

الطبقة المحرومة

ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين، اجعل لهم قسماً من بيت المال ولا تشخص عنهم، ولا تصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ثقتك من أهل الخشية والتواضع ليرفع إليك أمورهم، واجعل لذوي الحاجات وقتاً تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه.

وبعِّد عنهم جندك وأعوانك من حراسك وشرطتك، حتى يكلمك مكلمهم غير متعتع، ثم احتمل الخرق منهم والعي ونح عنهم الضيق(8).

الحاكم بدون حاجب

ولا تطولن احتجابك عن رعيتك، فالاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس من الأمور.

ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم أستئثار وتطاول وقلة إنصاف، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال.

والزم الحق من لزمه من القريب والبعيد(9).

الوفاء بالعهد

وحقق عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة.

فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود.

ولا تخفر بذمتك، وإياك والدماء وسفكها بغير حلها، ولا عذر لك عند الله ولا عندي في القتل العمد(10).

أخلاقيات الحاكم

وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء.

وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك.

وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التساقط فيها عند إمكانها فضع كل أمرٍ موضعه.

أنبذ حمية أنفك وسيرة حدك وسطوة يدك وعزب لسانك.

واحترس من كل ذلك بكف الباردة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار(11).

كتابه (عليه السلام) إلى رفاعة

وكتب (عليه السلام) إلى رفاعة لما استقضاه على الأهواز كتاباً فيه: ذر المطامع وخالف الهوى وزين العلم بسمت صالح.

نعم عون الدين الصبر، لو كان الصبر رجلا كان رجلاً صالحاً، إياك والملالة فإنها من السخف والنذالة، لا تحضر مجلسك من لا يشبهك، تخير لودك واقض بالظاهر وفوض إلى العالم ودع عنك الباطن، واحسب وأدّ، ليس في الدين إشكال لا تمار فيه سفيهاً ولا فقيهاً، أما الفقيه فيحزنك خيره وأما السفيه فيخزيك شره.

ولا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن بالكتاب والسنة، ولا تعود نفسك الضحك، فانه يذهب البهاء، ويجرّئ الخصوم على الاعتداء(12).

تجنب الحاكم الرشوة

إياك وقبول التحف من الخصوم وحاذر الدخلة، من ائتمن امرأة حمق، ومن شاورها فقبل منها ندم، احذر دمعة المؤمن، فإنها تقصف من دمعها، وتطفئ بحور النيران عن صاحبها، لا تبتر الخصوم ولا تنهر السائل، ولا تجالس في مجلس الفقيه غير الفقيه، ولا تشاور في القضاء، فإن المشورة في الحرب ومصالح العاجل والدين فليس بالرأي إنما هو الاتباع، ولا تضيع الفرائض، وتتكل على النوافل، أحسن إلى من أساء إليك.

واعف عمن ظلمك، وارع من نصرك، واعطِ من حرمك، وتواضع لمن أعطاك، واشكر الله على ما أولاك، واحمد على ما أبلاك.

العلم ثلاثة: آية محكمة، وسنة متبعة، وفريضة عادلة، وملاكهن أمرنا(13).

شعبية الحاكم

وقد كانت شعبية الحاكم في هاتين الحكومتين إلى أبعد حد يتصور، كما أن حرية الشعب أيضاً كانت إلى أبعد حد يتصور، فالشعب كان حراً في تجارته وفي زراعته، وفي صناعته، وفي سفره، وفي إقامته، وفي عمرانه، وفي تجمعه، وفي إبدائه الرأي، وفي سائر شؤونه، فالأرض لله، ولمن عمرها والمسلمون كلهم عبيد الله، وكان الحاكم يساعد الفقراء والمعوزين في تعمير الأرض: زراعة أو عمارة أو غيرها. ولذا اتسع العمران، ولم يكن هنالك قيد أو شرط، ولا جنسية، ولا جواز، ولا رخصة، ولا هوية، ولا ما أشبه.

الاكتفاء الذاتي في زمن الإمام (عليه السلام

وقد ورد في حديث عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: إني أعطيت كل من في بلادي المسكن والرزق والماء. وكان ذلك بفضل الحرية الممنوحة من قبل الإسلام التي طبقها أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، فإذا كانت الأرض لله ولمن عمرها ولم تكن حواجز، فإن كل إنسان يبني لنفسه داراً، إذ الآجر والجص والطين والخشب المحتاج إليها في بناء السقوف والأبواب وما أشبه، كلها من ولائد الأرض وهي سهلة التحصيل وحرية الإنسان وعامل الزمن ووجود المواد الأولية ينضم بعضها إلى بعض، وتسبب أن يكون لكل إنسان مسكن.

سعة عاصمة الإمام (عليه السلام)

ولقد ذكر المؤرخون أن نفوس الكوفة وصلت في أيام الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام إلى أربعة ملايين نسمة.

توسيع البلاد الإسلامية

بينما كانت الكوفة مدينة جديدة البناء لم يمر على عمرها حتى عشرون عاماً وفي زمان الحجاج بنيت (واسط) وصار لهذه المدينة في مدة أقل من عشرين سنة ثمانية آلاف شارع، وكانت للبصرة مائة وعشرون ألف نهر، يسقي الأرض.

أما بغداد (في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) وما أشبه) فقد كانت نفوسها أكثر من عشرة ملايين، إن مما لا شك فيه أن الحاكم كان جائراً كالحجاج وهارون، لكن القوانين السائدة في البلاد الإسلامية كانت قوانين إسلامية.

دكاكين مجاناً للناس

وقد ورد في التاريخ: أن الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بنى دكاكين في الكوفة، وأعطاها للناس مجاناً بدون أجرة.

أما الرزق والماء فكان كل إنسان يتمكن من حفر البئر، ومن جر القناة والنهر، كما كان كل إنسان حراً في تجارته يسافر أينما شاء، ويكتسب كيفما يريد، ويحوز المباحات من معدن وصيد، والانتفاع بالأشجار المباحة والغابات وما أشبه، فلماذا لا يكون للناس المسكن والماء والرزق، والوالي لا يتصرف في الأموال حتى بمقدار إنسان عادي.

علي (عليه السلام) يحكم أكبر دولة في العالم

وهكذا جرت الأمور بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وصلت إلى علي (عليه الصلاة والسلام) حيث كان يحكم أكبر دولة في العالم ذلك اليوم ضاربة من أواسط أفريقيا إلى أواسط آسيا مما هي في خريطة اليوم عشرات الدول فكانت في تلك الدولة الواحدة الكبيرة: الجنسيات والقوميات واللغات المختلفة وكان البلد في زمان علي عليه الصلاة والسلام بلداً واحداً لا حواجز جغرافية فيه، فكان السائر يسير من مصر إلى الحجاز إلى اليمن إلى العراق إلى الخليج إلى إيران والى غيرها، وهو في بلده، والمسلمون كلهم أخوة، أما غير المسلمين فهم نظراؤهم في الخلق.

الإمام (عليه السلام) يطلب رضا الله ورضا الناس

وقد كان عليه الصلاة والسلام من أشد الناس مراعاة لرضا الله ورضا الناس، وكان عادلاً عفيفاً زاهداً عن الحطام متخذاً مبدأ الشورى، وإن كان هو خليفة رسول الله حقاً، والمعين من قبل الله سبحانه وتعالى صدقاً، لكن مع ذلك لما وصل الحكم إليه لم يقبله إلا بإلحاح من المسلمين وإصرار شديد.

الإمام (عليه السلام) واختيار الناس

فقد ذكر المؤرخون أنه بعد مقتل الثالث جاءه المسلمون، وفيهم زعماء أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، والذين جاؤوا من مصر والكوفة والبصرة وغيرها، فقالوا يا أبا الحسن هل نبايعك؟ فقال (عليه السلام): لا حاجة لي في أمركم، فقالوا: ما نختار غيرك، فاختلفوا إليه مراراً وتكراراً، وأصروا عليه إصراراً، وخرج (عليه السلام) إلى السوق فاتبعه الناس وبشّوا في وجهه، وأصروا عليه، فدخل حائط بني عمرو وقال لأبي عمرة: أغلق الباب فجاء الناس فقرعوا فدخلوا وفيهم طلحة والزبير، فقالا: يا علي ابسط يدك فبايعه طلحة والزبير وثم الآخرون(14).

وفي الخطبة الشقشقية تذكير بهذه الحقيقة.

السياسة العامة للإمام (عليه السلام)

وقد أوجز الإمام سياسته العامة في خطبة خطبها في أوائل استخلافه فقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله أنزل كتاباً هادياً بيّن فيه الخير والشر، فخذوا نهج الخير تهتدوا، وأصدفوا عن سمت الشرّ تقصدوا، الفرائض الفرائض أدّوها إلى الله تؤدّكم إلى الجنة... اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم)(15).

وقال للمسلمين عند إصرارهم بأن يبايعوه: (دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب)(16).

فلما أصر القوم على مبايعته وقبل دعوتهم وبايعوه، قال عليه الصلاة والسلام: (ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزته التقوى عن تقحم الشبهات، ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم صلى الله عليه وآله، والذي بعثه بالحق لتبلبلنّ بلبلة، ولتغربلن غربلة ولتساطنّ سوط القدر، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سابقون كانوا سبقوا)(17).

كيف بايعوا الإمام (عليه السلام) 

وقد وصف (عليه السلام) في خطبة أخرى كيفية مبايعتهم له، وإصرارهم عليه، وتحقق الشورى بالنسبة إليه بقوله:

(وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، ثم تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل وسقطت الرداء ووطئ الضعيف)(18).

وفي خطبة أخرى له: (فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليّ ينثالون عليّ من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم)(19).

وحتى إن الذين لم يبايعوه كعبد الله بن عمر وغيره تركهم (عليه السلام) وشأنهم ولم يقل إنه لا بد لهم من المبايعة.

الإمام (عليه السلام) لا يقبل الحكم المنحرف

ومن شدة ورعه أنه في الشورى لما أصروا عليه بأن يكون خليفة على شرط كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين قال: (أما كتاب الله وسنة رسوله فنعم وأما سيرة الشيخين فلا، وإنما باجتهاد رأيي)(20).

فقد ترك الخلافة الطويلة العريضة لرفضه شرطاً واحداً هو شرط (سيرة الشيخين)، مع أنه لو كان من أهل الدنيا والمنصب والجاه وما أشبه لكان قبل الشرط ثم يتخلى عنه، كما هو كذلك بالنسبة إلى كثير من الحكام، بل أقل موظف أحياناً يكذب كذبات للوصول إلى دراهم معدودة وجاه صغير حقير، وقد نرى أن ثالث الخلفاء قبل هذا الشرط الثالث لكنه لم يفِ به.

الإمام (عليه السلام) والخط الصحيح

وحيث رأى الإمام عليه الصلاة والسلام بعد أن بويع له بالخلافة أن هناك خطين: خط الله والإسلام والقرآن والنبي والأمة، وخط الانحراف الذي حاصله عصيان الله والانحراف عن سيرة الرسول وسحق الضعفاء وتقوية المحتكرين والمستغلين، اختار الخط الأول: مهما جرت عليه من النوائب والمحن ولذا بقي الإمام (عليه الصلاة والسلام) شعبياً ـ بالإضافة إلى كونه متبعاً لمرضات الله سبحانه وتعالى ـ إلى هذا اليوم والى أن تقوم الساعة ولم يبال أن يكون الخط الآخر يحاربه.

الخطوط المنحرفة

1 ـ ما ظاهره الدين فقط كما في الخوارج.

2 ـ أو الدنيا فقط كما في معاوية وأصحابه.

3 ـ أو الدين الممزوج بالدنيا كما في أهل الجمل.

الإمام (عليه السلام) يعزل قاضيه

وكان (عليه السلام) حريصاً على العدل حتى أنه عزل قاضيه أبا الأسود الدؤلي مع علمه وعدالته وفضله، وعلله بأن يعلو صوته صوت الخصمين، فإنه لما عزل أبا الأسود جاءه، وقال يا أمير المؤمنين: (لِمَ عزلتني وما خنت وما جنيت، قال: إني رأيت كلامك يعلو كلام الخصمين)(21).

الإمام (عليه السلام) يعاتب واليه

وحتى أن واليه على البصرة لما حضر مأدبة بعض فتيانها كتب إليه كتاباً توبيخياً كما سيأتي، وكان (عليه السلام) يراعي رضى الناس إلى أبعد حد في إطار رضا الله سبحانه.

أخلاقيات الإمام (عليه السلام) في حكومته

وقد كان علي (عليه السلام) في حكومته يتبع آثار الرسول (صلى الله عليه وآله)، كما كان قبل حكومته كذلك، فكان علي (عليه السلام) الحاكم رجلاً عادلاً فاضلاً شعبياً استشارياً إلى أبعد الحدود، كما أن الشعب في زمان علي (عليه السلام) ـ مسلمهم وكافرهم ـ كانوا في حرية تامة ورفاه شامل من أقصى بلاده (عليه السلام) إلى أقصى بلاده، وقد تقدم الكلام بأنه رئيس أكبر دولة في عالم ذلك اليوم.

نماذج من السيرة العلوية

روى هارون بن عنترة، عن أخيه، عن أبيه، قال دخلت على علي (عليه السلام) بالخورنق في فصل الشتاء وعليه خلق قطيفة وهو يرعد فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً، وأنت تفعل هذا بنفسك فقال: والله ما أرزؤكم شيئاً وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة(22).

ويحدث الرواة أن الإمام لما دخل الكوفة لم يدخل القصر المبني للأمراء وإنما آثر أن يسكن مساكن الفقراء.

نعم، بعدما استتب له الأمر وظهرت الأمور، مداخلها ومخارجها كان يسكن في بيت الإمارة، لكن بين الإمارة في أيام الإمام لا حاجب له، ولا تشريفات، وإنما كانت محلاً لقضاء حوائج الناس.

مأكل الإمام (عليه السلام)

وروى النضر بن المنصور، عن عقبة بن علقمة قال: دخلت على علي (عليه السلام) فإذا بين يديه لبن حامض آذتني حموضته وكسرة يابسة، فقلت: يا أمير المؤمنين أتأكل مثل هذا؟ فقال لي: (يا أبا الجنوب رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأكل أيبس من هذا، ويأكل أخشن من هذا، فإن أنا لم آخذ بما أخذ به خفت أن لا ألحق به)(23).

عدل الإمام (عليه السلام) في المال

وذكر عاصم بن كليب، عن أبي، أنه قال: قدم على علي (عليه السلام) بمال من أصبهان فقسمه على سبعة أسهم (لأنه كانت في الكوفة سبعة محلات) فوجد فيه رغيفاً فقسّمه على سبعة، ودعى أمراء الأسباع فأقرع بينهم لينظر أيهم يعطي أولاً(24).

وذكر يحيى بن مسلمة: أن علياً عليه الصلاة والسلام استعمل عمرو بن مسلمة على أصبهان فقدم ومعه مال كثير وزقاق فيها عسل وسمن فأرسلت إحدى بنات علي إلى عمرو تطلب منه سمناً وعسلاً، فأرسل إليها ظرف عسل وظرف سمن، فلما كان الغد خرج الإمام علي وأحضر المال والسمن والعسل ليقسم فعد الزقاق فنقصت زقين، فسأله عنهما فكتمه، وقال: نحن نحضرهما فعزم عليه إلا ذكرهما له فأخبره فأرسل علي إلى بنته فأخذ الزقين منها فرآهما قد نقصا فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم، فأرسل إلى بنته فأخذها منها ثم قسم الجميع.

وروى سليمان: أن علياً عليه الصلاة والسلام لم يبن آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة(25).

الإمام (عليه السلام) يمشي لقضاء حاجة امرأة

وعن الإمام الباقر (عليه السلام)، أنه رجع علي (عليه السلام) إلى داره في وقت القيض، فإذا امرأة قائمة تقول: إن زوجي ظلمني وأخافني وتعدى عليّ وحلف ليضربني، فقال: يا أمة الله حتى يبرد النهار ثم أذهب معك إن شاء الله، فقالت: يشتد غضبه وحرده عليَّ فطأطأ (عليه السلام) رأسه، ثم رفعه وهو يقول: لا والله أو يؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع، أين منزلك؟ فمضى إلى بابه فوقف، فقال: السلام عليكم فخرج الشاب، فقال علي (عليه السلام): يا عبد الله، اتق الله فإنك قد أخفتها وأخرجتها، فقال الفتى: وما أنت وذاك، والله لأحرقنها لكلامك، فقال أمير المؤمنين: آمرك بالمعروف، وأنهاك عن المنكر، تستقبلني بالمنكر، وتنكر المعروف قال: فأقبل الناس من الطرق ويقولون: سلام عليكم يا أمير المؤمنين، فسقط الرجل بين يديه: وقال: أمير المؤمنين أقلني عثرتي، فوالله لأكون لها أرضاً تطؤني، فأغمد علي (عليه السلام) سيفه، وقال: يا أمة الله ادخلي منزلك، ولا تلجئي زوجك إلى مثل هذا أو شبهه(26).

الإمام عليه السلام يرعى اليتامى

وروى أبو الطفيل:أن علياً عليه الصلاة والسلام كان يدعو اليتامى فيطعمهم العسل، حتى قال بعض أصحابه: لوددت إني كنت يتيماً(27)، وكان ذلك فيه إقتداءاً برسول الله، حيث كان رسول الله لا تخلو داره على صغرها من يتيم، وكان يقول: خير بيوتكم بيت فيه يتيم(28).

الإمام (عليه السلام) يعفو عن المذنب

وكان (عليه السلام) يدفع السيئة بالحسنة، وقد بعث أمير المؤمنين إلى لبيد بن عطارد التميمي (في كلام بلغه) فمر به إلى أمير المؤمنين في بني أسد، فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي فأفلته، فبعث أمير المؤمنين فأتوه به، وأمر به أن يضرب فقال له نعيم: إن المقام معك لذل، وإن فراقك لكفر فلما سمع ذلك منه قال: قد عفونا عنك، إن الله عز وجل يقول: (ادفع بالتـــي هي أحسن السيئة)(29)، أمـــا قولك إن المـــقام معك لـــذل فسيئة اكتسبتها، وأما قولك: إن فراقك لكفر فحسنة اكتسبتها، فهذه بهذه(30).

أقول: أخطأ الرجل في زعمه (إن المقام مع علي لذل) فإن الإنسان الذي لا يريد العدالة إذا أرغم على العدالة رآها ذلاً، فهل كان من الحق أن يفلت مجرماً؟.

لباس الإمام (عليه السلام) المرقع

وقال (عليه السلام) في كلمة له: لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها(31).

وعن السيد بن طاووس، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: تزوجت فاطمة (عليها السلام) وما كان لي فراش.

وجاء في بعض التواريخ: إن الإمام جاء بالرمل ففرشه في غرفته ليلة زواجه بها عليها الصلاة والسلام.

الإمام (عليه السلام) يعرض سيفه للبيع

وذات مرة عرض سيفه للبيع قائلاً: (من يشتري سيفي، ولو كان عندي عشاء لما بعته)(32). وقد كانت الكوفة عاصمته (عليه السلام)، والمال يدرّ عليه من كل جانب ومكان.

وفي مرة أخرى عرض سيفه على البيع، وقال: من يشتري سيفي ولو كان عندي ثمن أزار ما بعته(33).

الإمام (عليه السلام) لا يضع لبنة على لبنة

وفي رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه ولي خمس سنين ما وضع آجرة ولا لبنة، ولا أقطع قطيعاً، ولا أورث بيضاء ولا حمراء(34).

وعن الأصبغ بن نباتة، أنه قال علي (عليه السلام) لأهل البصرة: دخلت بلادكم بأسمالي هذه ورحلي وراحلتي ها هي، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنني من الخائنين(35).

وفي رواية أخرى، أنه قال: يا أهل البصرة ما تنقمون مني إن هذا لمن غزل أهلي، وأشار إلى قميصه(36).

غذاء الإمام (عليه السلام)

وفي رواية أنه ترصد عمرو بن حريث غذاءه، فأتت فضّة بجراب مختوم فأخرج منه خبزاً متغيراً خشناً، فقال عمرو: يا فضّة لو نخلت هذا الدقيق وطيبته، قالت: كنت أفعل فنهاني، وكنت أضع في جرابه طعاماً طيباً فختم جرابه، ثم إن أمير المؤمنين فتّه في قصعة وصب عليه الماء، ثم ذرّ عليه الملح وحسر عن ذراعه، فلما فرغ قال: يا عمرو لقد خانت هذه ـ ومدّ يده إلى محاسنه ـ وخسرت هذه أن أدخلها النار من أجل الطعام، هذا يجزيني(37).

ورآه عدي بن حاتم، وبين يديه شنّة فيها قراح ماء وكسرات خبز شعير وملح فقال: إني لا أرى لك يا أمير المؤمنين لتظل نهارك طاوياً مجاهداً، وبالليل ساهراً مكابداً، ثم يكون هذا فطورك؟ فقال (عليه السلام) شعراً:

علـّـل النفس بالقنوع وإلا          طلبت منك فوق ما يكفيهــا(38)

الإمام (عليه السلام) يختار الثوب الأرخص

ونظر علي (عليه السلام) إلى فقير خرق كم ثوبه، فخرق (عليه السلام) كم قميصه وألقاه إليه ـ وكأنه أراد أن يرقعه به -.

وفي رواية الإمام الباقر: أن علياً (عليه السلام) أتى البزازين، فقال لرجل: بعني ثوبين؟ فقال الرجل: يا أمير المؤمنين عندي حاجتك، فلما عرفه مضى عنه فوقف على غلام فأخذ ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم، والآخر بدرهمين، فقال: يا قنبر خذ الذي بثلاثة، فقال قنبر: أنت أولى به، تصعد المنبر وتخطب الناس، فقال: أنت شاب ولك شره الشباب، وأنا أستحيي من ربي أن أتفضل عليك، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون، فلما لبس علي (عليه السلام) القميص مدَّ كمّ القميص فأمر بقطعه واتخاذه قلانس للفقراء، فقال الغلام: هلم أكفه ـ أي أخيطه؟ قال: دعه كما هو، فإن الأمرأسرع من ذلك فجاء أبو الغلام البائع للثوب فقال: إن ابني لم يعرفك، وهذان درهمان ربحهما، فقال: ما كنت لأفعل قد ماكسته وماكسني واتفقنا على رضا(39).

لم يشبع الإمام (عليه السلام) قط

ويروي أنه (عليه السلام) ما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس أداماً وملبساً(40).

وروى عبد الله بن أبي رافع قال: دخلت إليه يوم عيد فقدم جراباً مختوماً، فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرصوصاً، فقدّم فأكل منه، فقلت: يا أمير المؤمنين، فكيف تختمه؟ فقال: خفت هذين الولدين، أي الحسنين أن يلتاه بسمن أو زيت(41).

وكان ثوبه مرقعاً بجلد تارة وليف أخرى ونعلاه من ليف، وكان يلبس الكرباس الغليظ فإذا وجد كمه طويلاً قطعه بشفرة، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح، فإن ترقى عن ذلك فببعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك بقليل فمن ألبان الإبل، ولا يأكل اللحم إلا قليلاً، ويقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان(42).

الإمام (عليه السلام) يأكل اللحم كل سنة مرة

وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام كان يأكل اللحم كل سنة مرة في عيد الأضحى، ويقول: إني أعلم أن الكل يأكلون اللحم في هذا اليوم، فكان تركه اللحم لمواساة المسلمين وسائر من في بلاده.

الإمام (عليه السلام) يخدم الضيف

ومن تواضعه (عليه السلام) أنه ورد عليه أب وابن، فقام إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر المجلس وجلس بين أيديهما، ثم أمر بالطعام فأحضر فأكلا منه، ثم جاء قنبر بطشت وإبريق خشب ومنديل لليبس وجاء ليصب على يد الرجل، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخذ الإبريق ليصب على يد الرجل، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين الله يراني وأنت تصب على يدي الماء؟ قال: اقعد وأغسل، فإن الله عز وجل يراك وأخوك الذي لا يتميز عنك ولا يتفضل عليك يخدمك، يريد بذلك في خدمته في الجنة، مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا وعلى حسب ذلك في مماليكه فيها، فقعد الرجل فقال له علي (عليه السلام): أقسمت بعظيم حقي الذي عرفته لما غسلت مطمئناً كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك الماء قنبراً؟ ففعل الرجل ذلك، فلما فرغ ناول الإبريق محمد بن الحنفية، وقال: يا بني لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده، ولكن الله عز وجل يأبى أن يسوّى بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان، لكن قد صب الأب على الأب فليصب الابن على الابن، فصب محمد بن الحنفية على الابن(43).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحتطب ويستقي ويكنس، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز(44).

الإمام (عليه السلام) يشتري من السوق بنفسه

وروي أن علياً اشترى تمراً بالكوفة، فجعله في طرف ردائه، فتبادر الناس إلى حمله، وقالوا: يا أمير المؤمنين نحن نحمله؟ فقال (عليه السلام): رب العيال أحق بحمله(45).

وفي رواية: أنه كان يحمل التمر والمالح(46) بيده، وكان ينشد هذا الشعر.

لا ينقص الكامل من كماله          ما جر من نفع إلى عياله(47)

وكان عليه الصلاة والسلام، كما يروي زيد بن علي يمشي في خمسة مواضع حافياً، ويعلق نعله بيده اليسرى: يوم الفطر، والنحر، والجمعة، وعند العيادة، وتشييع الجنازة، ويقول: إنها أحب مواضع لله، وأحب أن أكون فيها حافياً(48).

أقول: الفطر والنحر والجمعة تواضع لله سبحانه وتعالى، والعيادة وتشييع الجنازة تواضع للمؤمن.

الإمام (عليه السلام) يمشي وحده

وكان (عليه السلام) يمشي في الأسواق وحده، ولا يترك أحداً يمشي معه، وكان يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالدكاكين، ويفتح عليهم القرآن ويقرأ(49)، يريد بذلك إرشادهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وكان لا يرد السيئة إلا بالحسنة.

الإمام (عليه السلام) مع عثمان

وقد روى قنبر قال: دخلت مع أمير المؤمنين (عليه السلام) على عثمان فأحب الخلوة فأومأ إلي بالتنحي، فتنحيت غير بعيد، فجعل عثمان يعاتبه وهو مطرق برأسه، فأقبل إليه عثمان وقال: ما لك لا تقول؟ فقال (عليه السلام): ليس جوابك إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا ما تحب، ثم خرج قائلاً:

ولــــو أننــــي جاوبتـــــه لأمضّـــه          نوافذ قولي واحـــتضار جوابـــي

ولكنني أغضى على مضض الحشا          ولو شئت إقداماً لأنشب نابي(50)

الإمام (عليه السلام) وبعض الخوارج

وروي: أن امرأة جميلة في الكوفة مرّت قرب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو جالس مع جماعة، فرمقها بعض القوم بأبصارهم، فنهاهم أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذلك قائلاً: إن أبصار هذه الفحول طوامح، وإن ذلك سبب هبابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله، فإنما هي امرأة كامرأة، فقال رجل من الخوارج: قاتله الله كافراً ما أفقهه! فوثب القوم ليقتلوه، فقال (عليه السلام) ناهياً لهم: رويداً إنما هو سب بسب، أو عفو عن ذنب(51). ثم عفا عنه وتركه وشأنه.

الإمام (عليه السلام) وابن كوّا المنافق

وفي رواية: أنه كان في صلاة الصبح، فقرأ ابن كوا (وكان من المنافقين): (ولقد أوحي إليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين)(52) معرِّضا بالإمام، وانه قد أشرك بقبوله التحكيم، كما كان هكــــذا رأي الــخوارج، فأنـــصت علي عليه الـــصلاة والسلام لقراءة القرآن اتباعاً لقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)(53) حتى فرغ ابن كوا من الآية، ثم عاد ابن كوا في قراءتها، فأنصت الإمام أيضاً، ثم قرأ الإمام فأعاد ابن كوا المرة الثالثة فأنصت علي (عليه السلام) وبعد ذلك قرأ هذه الآية المباركة: (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون)(54)،(55).

الإمام (عليه السلام) يرعى الضعفاء

وفي رواية: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) مر بأصحاب التمر، فإذا هو بجارية تبكي، فقال: يا جارية ما يبكيك؟ فقالت: بعثني مولاي بدرهم فابتعت من هذا تمراً فأتيتهم به فلم يرضوه، فلما أتيته به أبى أن يقبله، قال (عليه السلام): يا عبد الله إنها خادمة وليس لها أمر فأردد إليها درهمها وخذ التمر، فقام إليه الرجل فلكز الإمام فتوجّه الناس إليه وقالوا: هذا أمير المؤمنين: فاصفرّ لون الرجل خوفاً وأخذ التمر ورد إليها درهمها، ثم قال: يا أمير المؤمنيــن إرض عني، فقال (عليه السلام): ما أرضاني عنك إن أنت أصلحت أمرك(56).

وفي رواية أخرى: إذا وفيت الناس حقوقهم.

الإمام (عليه السلام) يعفو عن مجرمي الحرب

ولما انتهت حرب البصرة، وظفر بعائشة وأصحابها أكرمها وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم وقلدهن بالسيوف حتى تتصور القوافل أنهم رجال احتراماً لعائشة، ولما كانت ببعض الطريق ولم تكن تعلم أنهن نساء تأففت قائلة: هتك ستري، ووكل بي الرجال، لكن النساء لم يظهرن لها أنهن نسوة، فلما وصلت إلى المدينة ألقت النسوة عمائمهن وقلن لها: إنما نحن نسوة(57).

ومن هذا الحديث يظهر أنهن في أوقات الصلاة ونحوها كن يخفين أنفسهن عنها.

وقد حاربه (عليه السلام) أهل البصرة ظلماً واعتداءاً وجرّدوا السيوف عليه وسبوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في أقطار المعسكر: ألا لا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز إلى عسكري فهو آمن.

ولم يأخذ الإمام أثقالهم، ولا سب ذراريهم، ولا غنم شيئاً من أموالهم بل أبى إلا الصفح والعفو، وقال: مننت على أهل البصرة، كما منَّ رسول الله على أهل مكة(58).

سخاء الإمام (عليه السلام)

وكان عدم اهتمامه بالمال شيئاً قلّ مثيله.

فقد سأله أعرابي شيئاً، فأمر له بألف، فقال وكيله: من ذهب أوفضة؟ فقال (عليه السلام): كلاهما عندي حجران، فاعط الأعرابي أنفعهما له(59).

وقال ابن الزبير للإمام (عليه السلام): إني وجدت في حساب أبي أن له على أبيك ثمانين ألف درهم من المال فقال له: إن أباك صادق، فقضى ذلك، ثم جاءه فقال: غلطت فيما قلت، إنما كان لوالدك على والدي ما ذكرته لك، فقال: والدك في حل، والذي قبضته مني هو لك(60).

وكان (عليه السلام) يكد بكد يده، ثم إذا جمع مالاً اشترى عبداً فأعتقه في سبيل الله. فعن أبي عبدالله (عليه السلام) أن أميرالمؤمنين (عليه السلام) أعتق ألف مملوك من كدّ يده(61).

الإمام (عليه السلام) يعمل بيده

وروي: أنه كان يسقي بيده النخل لبعض من في المدينة حتى مجلت يداه ثم كان يتصدق بالأجرة للفقراء. وكان يشد على بطنه حجراً، كما كان يعمل الرسول (صلى الله عليه وآله)(62).

احتياط الإمام (عليه السلام) في أموال المسلمين

وكان يحتاط لمال المسلمين إلى حد يحدثنا التاريخ أنه دخل عليه عمرو ابن العاص ليلة وهو في بيت المال، وكان الإمام ينظر في أموال المسلمين وحساباتهم، وعنده سراج يضيء بزيت، وقد اشترى زيت السراج من بيت المال، ولما دخل ابن العاص، وأراد أن يتحدث مع الإمام في بعض الشؤون فأطفأ الإمام السراج، وجلس في ضوء القمر، فلم يستحل أن يجلس في ضوء مصباح زيته من أموال المسلمين بغير استحقاق.

وبنى (عليه السلام) موضعاً تحبس فيه الإبل والغنم الضالة وسماه المربد، فكان يعلف الحيوانات حتى يجد صاحبها أو يعطيها في سبيل الله إذا لم يجد صاحبها.

شدة رقابة الإمام (عليه السلام) على موظفيه

وكان من شدة رقابته على ولاته وقضاته وعماله أنه روت سودة بنت عمارة الهمدانية، أنها دخلت على معاوية بعد موت علي (عليه السلام) فجعل يؤنبها على تحريضها عليه أيام صفين، ثم قال معاوية لها: ما حاجتك؟ قالت: إن الله مسائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقنا، ولا تزال تقدم علينا من قبلك من يسمو بمكانك، ويبطش سلطانك فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس الحرمل، يسومنا الخسف، ويذيقنا الحتف، هذا بسر بن أرطاة قدم علينا فقتل رجالنا، وأخذ أموالنا، فإن عزلته شكرناك وإلا كفرناك، فقال معاوية: إياي تهددين بقومك، يا سودة، وقد هممت أن أحملك على قتب أشوس فأردك إليه فينفذ فيك حكمه، فأطرقت سودة وأنشدت:

صلى الإله على روح تضمنها          قبر فأصبح فيه العدل مدفونــاً

قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً          فصار بالحق والإيمان مقروناً

فقال معاوية: من هذا يا سودة؟

قالت: هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والله لقد جئته في رجل كان قد ولاّه صدقاتنا، فجار علينا، فصادفته قائماً يصلي، فلما رآني انفتل من صلاته، ثم أقبل علي برحمة ورفق ورأفة وتعطف، وقال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، فأخبرته الخبر، فبكى، ثم قال: أللهم أنت الشاهد علي وعليهم، إني لم آمرهم بظلم خلقك، ثم أخذ قطعة جلد فكتب فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم: (قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين)(63) فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا، حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام.

ثم دفع الرقعة إلي، فوالله ما ختمها بطين ولا خزنها، فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنا معزولاً(64).

الإمام (عليه السلام) وجمع الحقوق

اما كيفية جمعه للمال الواجب على الناس (وليس ذلك إلا الخراج والزكاة والخمس والجزية) وقد تقدم أنه لا ضرائب في الإسلام إطلاقاً إلا هذه، أما الماليات والتي تسمى اليوم بالضرائب، مما تأخذه الدول قهراً وظلماً من الناس (ومنها الجمارك) فهي محرمة، فقد روي في الكافي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال بعث أمير المؤمنين من يجمع صدقات الزكاة من الكوفة إلى أطرافها، فقال له: يا عبد الله انطلق وعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، ولا تؤثرن دنياك على آخرتك، وكن حافظاً لما ائتمنتك عليه راعياً لحق الله فيه حتى تأتي نادي بني فلان فإذا قدمت فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم وتسلم عليهم، ثم قل لهم: يا عباد الله أرسلني إليكم ولي الله لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدونه إلى وليه؟ فإن قال لك قائل: لا، فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده إلا خيراً.

فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلا بإذنه، فإن أكثره له فقل: يا عبد الله أتأذن لي في دخول مالك؟ فإن أذن لك، فلا تدخله دخول متسلط عليه فيه ولا عنف به، فاصدع المال صدعين، ثم خيره، أي الصدعين يختار؟ فأيهما اختار فلا تعرض له، ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيّره أي الصدعين شاء، فأيهما اختار فلا تعرض له… ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله تبارك وتعالى في ماله… وإن استقالك فأقله ثم اخلطهما واصنع مثل الذي صنعت أولاً حتى تأخذ حق الله في ماله(65). إلى آخر الحديث.

الناس يعطون الحقوق برضا

وربما يتوهم أنه إذا كان كذلك فسوف لا يعطي الناس الأموال؟ والجواب: إن إيمانهم هو الذي يبعثهم على إعطاء المال كما نشاهد الآن بعض الناس يعطون أموالهم لمراجع التقليد لان إيمانهم يبعثهم على ذلك، بدون جبر ولا إكراه.

الإمام (عليه السلام) يوصي بقاتله

وكان من شفقة الإمام عليه الصلاة والسلام على الناس حتى بأعدائه، أنه لما ضربه ابن ملجم أتي به أسيراً فحبس في بعض غرف البيت، وكان الناس يأتون إلى الإمام باللبن (لأنه يدفع السم) فكان إذا شربه يبقى فيه بقية ويقول: اطعموا أسيركم (يعني ابن ملجم).

وجيء إليه مرة بشربة وكانت قليلة فشربها كلها، فقال لولده: اعلموا أنه شربت الجميع ولم أبق لأسيركم شيئاً من هذا، ألا وإنه آخر رزقي من الدنيا ثم توجه إلى ولده فقال: بالله عليك يا بني إلا ما سقيته مثل ما شربت. فحمل إليه بقدر ذلك من اللبن فشرب.

وصية الإمام (عليه السلام)

وفي وصية الإمام عليه الصلاة والسلام لولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) عند قرب وفاته قال: (أوصيكما بتقوى الله، وان لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوى عنكما، وقولا بالحق، واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءاً فألف بين قلوبكم، عليكم بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، وان البغض محق الدين، وفساد ذات البين ولا قوة إلا بالله، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب.

الله الله في الأيتام، لا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من عال يتيماً حتى يستغني أوجب الله له الجنة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار.

الله الله في القرآن، فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم.

الله الله في جيرانكم، فإن الله ورسوله أوصيا بهم، ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم.

الله الله في بيت ربكم، فلا يخلون منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا.

الله الله في الصلاة، فإنها خير العمل، وإنها عمود دينكم.

الله الله في الزكاة، فإنها تطفئ غضب ربكم.

الله الله في صيام شهر رمضان، فإن صيامه جنة من النار.

الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم، فإنما يجاهد في سبيل الله رجلان أمام هدى ومطيع له مقتد بهداه.

الله الله في ذرية نبيكم، فلا يظلمن بين أظهركم.

الله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثاً، ولم يؤوا محدثاً، فإن رسول الله أوصى بهم.

الله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم.

الله الله في النساء وما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلم به رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن قال: أوصيكم بالضعيفين، نسائكم وما ملكت أيمانكم.

ثم قال: الصلاة الصلاة الصلاة، ولا تخافن في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، قولوا للناس حسناً كما أمركم الله عز وجل.

ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتبادل والتبار، وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرق، (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب) حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم(66).

الإمام (عليه السلام) لا يقتل المتآمرين

ثم قال: يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربتي هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور(67).

وفي نهج البلاغة في كلام آخر له (عليه الصلاة والسلام): إنه حثهم على أن لا يقتلوا ابن ملجم ويعفوا عنه، وإن كان لهم الحق في ذلك، وقد ألمعنا إلى هذا في مكان آخر من هذا الكتاب.

وفي رواية أخرى، أنه قال لابنه الحسن (عليه السلام): يا بني أنت ولي الأمر من بعدي وولي الدم، فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة(68).

الإمام (عليه السلام) قريباً من كل الناس

وكان من شعبية الإمام أنه في متناول كل كبير وصغير، يجلس في المسجد ويدور في الأسواق، ويزور ويزار، حتى أن أعداءه كانوا يتمكنون من الوصول إليه، والمخاشنة في الكلام معه، وكان يردهم بكل لطف بدون أن يغضب، أو تأخذه العزة بالإثم، كما هو شأن السلطات إلا من عصمهم الله.

لطف الإمام (عليه السلام) على أعدائه

فقد روى المؤرخون: أن الحريث بن راشد السامي كان عدواً للإمام، فجاءه قائلاً له: والله لا أطعت أمرك، ولا صليت خلفك. فلم يغضب لذلك، ولم يبطش به، ولم يأمر به إلى السجن أو العقوبة، وإنما دعاه إلى أن يناظره حتى يتبيَّن أيهما على الحق، ويبين له وجه الحق لعله يتوب، فقال له الحريث: أعود إليك غداً، فقبل منه الإمام فانصرف الرجل إلى قومه ولم يعد.

وما أشبه الإمام برسول الله في شعبيته، وكونه في متناول يد الكل، وما أشبه هذه القصة بقصة الحارث بن النعمان الفهري، فانه أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن نصب علياً خليفة فقال له: يا محمد (ولم يسمه رسول الله ولم يحترمه وإنما تكلم بكلام خشن) أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلناه، وأمرتنا أن نصوم شهر فقبلناه، وأمرتنا بالحج فقبلناه، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا، وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله عز وجل؟ فلم يأخذ رسول الله الغضب، ولم يأمر بضربه وسجنه وتعذيبه، ولم يخاشن له في القول، بل أجابه بقوله: (والله الذي لا إله إلا هو، إن هذا كان من الله) ـ وكان الرجل معانداً ـ فولى يريد ناقته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا، بعذابٍ أليم(69).

الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام) يحتاطان في الدماء

وكان عليه الصلاة والسلام من أحوط الناس في الدماء، كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كذلك، فقد ذكر المؤرخون: إن كل القتلى الذين قتلوا في حروب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي غير حروبه من المسلمين وغير المسلمين لم يتجاوزوا الألف وثمانية، أما المكثرون منهم فقد أنهوا المقتولين من الجانبين إلى ألف وأربعمائة.

كما أن علياً (عليه الصلاة والسلام) ـ حسب ما ذكره بعض المحققين ـ لم يقتل من الذين هم في بلاده الواسعة، من الذين أجرموا أكثر من مائة شخص في تمام حكمه الطويل البالغ زهاء خمس سنوات، باستثناء الذين قتلوا في معاركه الثلاثة.

حروب الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام) كانت دفاعية

ومن الواضح المعروف، أن المعارك أشعلها المناوؤن له، والذين هم خرقوا الحكم وجاؤوا إلى حربه في البصرة أو النهروان أو صفين.

وكان (عليه السلام) إذا انتهت الحرب عفا عنهم وتركهم وشأنهم.

الإضراب والمظاهرة في زمان الإمام (عليه السلام)

وكان عليه الصلاة والسلام لا يمنع عن المظاهرات والإضرابات، كما أنه اتفق في زمانه أن أغلق أهل الكوفة الدكاكين، حيث حكم بحكم لم يرضوا له.

وفي مرة أخرى، حيث عزل قاض فلم يرض بعض أهل الكوفة بعزله وخرجوا في تظاهرة في قصتين مذكورتين في التواريخ فلم يتعرض لهم الإمام بسوء، وإنما تركهم وشأنهم بعد أن نصحهم.

القضاة في زمان الإمام (عليه السلام)

وكان يشدد احتياطه في الحقوق، فقد أمر بعض قضاته أنه لا يحق له إجراء حد أو قصاص أو ما أشبه، إلا أن يرجع إليه.

فقد روى الكليني (رحمه الله) وغيره عن سلمة بن كهيل قال: سمعت علياً (عليه السلام) يقول لشريح: (انظر إلى أهل المعك والمطل ودفع حقوق الناس من أهل المقدرة واليسار ممن يدلي بأموال المسلمين إلى الحكام، فخذ للناس بحقوقهم منهم وبع فيها العقار والديار، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: مطل المسلم الموسر ظلم للمسلم، ومن لم يكن له عقار ولا دار ولا مال فلا سبيل عليه.

واعلم أنه لا يحمل الناس على الحق إلا من ورعهم عن الباطل، ثم واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك حتى لا يطمع قريبك في حيفك، ولا ييأس عدوك من عدلك، ورد اليمين على المدعي مع بينة، فإن ذلك أجلى للعمى، وأثبت في القضاء.

واعلم أن المسلمين عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد لم يتب منه، أو معروف بشهادة زور، أو ظنين، وإياك والتضجر والتأذي في مجلس القضاء الذي أوجب الله فيه الأجر ويحسن فيه الذخر لمن قضى بالحق.

واعلم أن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرّم حلالاً، أو أحلّ حراماً، واجعل لمن ادعى شهوداً غيّباً أمداً بينهما، فإن أحضرهم أخذت له بحقه، وان لم يحضرهم أوجبت عليه القضية، فإياك أن تنفذ فيه قضية في قصاص، أو حد من حدود الله، أو حق من حقوق المسلمين حتى تعرض ذلك علي إن شاء الله ولا تقعدن في مجلس القضاء حتى تطعم(70).

وقد ذكروا له (عليه السلام) في القضاء شيئاً غريباً لم يعهد إلا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبله.

الإمام (عليه السلام) يقف أمام القاضي !

فقد روى ابن الأثير في التاريخ (الكامل) أن علياً (عليه السلام) وجد درعاً عند نصراني فأقبل إلى شريح قاضيه وجلس إلى جانبه يخاصم النصراني مخاصمة رجل من رعاياه، وقال: إن هذه درعي لم أبع ولم أهب، فقال للنصراني: ما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي إلا بكاذب، فالتفت شريح إلى علي (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين هل من بينة؟ قال: لا، فقضى شريح بها للنصراني، فمشى هنيئة ثم أقبل فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام النبيين، أمير المؤمنين يمشي بي إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين(71).

أقول: هذه القضية رويت أيضاً بشكل آخر، كما يجده من أراد الاطلاع في الكتب الفقهية في كتاب القضاء.

حرية الرأي في زمان الإمام (عليه السلام)

وكان الإمام يعطي للرأي حريته حتى رأي أعدائه، كما أنه كان يعطي سائر الحريات للناس.

فقد روى المؤرخون: أنه لما ظهر الخوارج وأخذوا ينتقصون الإمام ويكفرونه ويقولون: لا حكم إلا لله (وهي كلمة حق يراد بها باطل، كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام) لم يتعرض لهم الإمام بسوء، بل كان (كما في رواية) يجري عليها عطياتهم من بيت المال.

وقد أراد أصحاب الإمام قتال هؤلاء بادئ الأمر، ولكن الإمام أبى عليهم ذلك، وأنكره وقال: إن سكتوا تركناهم، وإن تكلموا حاججناهم، وإن أفسدوا قاتلناهم.

فقوله: إن تكلموا حاججناهم، يعني الأمر بحاجة إلى المحاججة، فما دام لا عدوان على نحو الإجرام منهم فهم وشأنهم.

الإمام (عليه السلام) يعطي الماء لأعدائه

وكان عليه الصلاة والسلام كريماً حتى في حروبه، فقد ورد أن معاوية وأصحابه في صفين استولوا على الماء، ومنعوا أصحاب الامام عن الماء، فأمر الإمام أصحابه، أن يجلوهم عن الفرات، فانهزم أصحاب معاوية، وسيطر أصحاب الإمام علي على الماء، ولما صار الماء بأيدي أصحاب الإمام قالوا: لا والله لا نسقيهم، لكن الإمام (عليه السلام) أبى وأرسل إليهم أن خذوا حاجتكم من الماء وخلوا بينهم وبين الماء، فإن الله قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم.

ولما قالوا له: امنعهم يا أمير المؤمنين من الماء كما منعوك، فقال: لا، خلوا بينهم وبيني، لا أفعل ما فعله الجاهلون.

الحسين (عليه السلام) يقتدي بأبيه وجده(72)

وقد اقتدى بهذا الأمر ولده الحسين عليه الصلاة والسلام، فإنه أعطى الماء للذين جاؤوا لقتاله، لكن لما استولوا هم على الماء منعوا الإمام الحسين (عليه السلام) وأهله وأطفاله الماء.

تحنن الإمام (عليه السلام) على الأيتام والأرامل

وكان تحننه على الأطفال والضعفاء والفقراء والأرامل واليتامى شيئاً تحدث به الركبان، وقصته في يتامى (عمار) مشهورة، فإنه (عليه السلام) لما رأى يتامى (عمار) أخذ يبكي ويقول:

ما إن تأوهت من شيء رزئت بـــه          كــــما تأوهت للأيتـام فــي الــصغــــــــر

قد مات والدهم من كان يكفــلــــهم          في النائبات وفي الأسفار والحضر(73)

وقصة ذهابه في الليالي الى الخربة لأجل إطعام ذلك الفقير العاجز والتي اكتشفت بعد مقتله (عليه السلام)، حيث أن الفقير نقل ذلك للإمامين الحسن والحسين عليهما السلام معروفة.

الإمام (عليه السلام) يحمل قربة الأرملة

وكذا قصة أخذه القربة من الأرملة وذهابه إلى بيتها وتسجيره التنور لها وإطعامه أطفالها، وأمثال ذلك كثير، وكل ذلك يدل على أن الحاكم يجب أن يكون شعبياً إلى هذا الحد، وان الشعب يجب أن تتوفر له الحرية إلى هذا الحد.

واللازم، أن تكون معالم الحكم الإسلامي العالمي لحكومة ألف مليون مسلم هكذا.

ولم يكن كل ذلك إلا لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلياً (عليه السلام) كانا يؤمنان بالله واليوم الآخر إيماناً شديداً، ويخافان الله سبحانه وتعالى في كل صغيرة وكبيرة.

خوف الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام) من أصغر معصية

وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) يقول: (ولو عصيت لهويت) . وكان يقول في دعائه: (لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً) وكذلك كان علي (عليه السلام)، انظروا إلى كلامه في نهج البلاغة، حيث يربط خوفه من الظلم بخوفه من الله سبحانه وتعالى، فيقول في كلام له:

(والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً وأُجرّ في الأغلال مصفداً، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها)(74).

ثم يذكر الإمام قصة طلب عقيل عليه الصلاة والسلام منه شيئاً من بيت المال زائداً على حقه. إلى أن يقول:

(وعاودني مؤكداً وكرر علي القول مردداً فأصغيت إليه سمعي فظن إني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقاً طريقي، فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثوا كل يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟! وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنئتها، كأنما عجنت بريق حية، أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة، فذلك محرّم علينا أهل البيت؟ فقال لا ذا، ولا ذاك، ولكنها هدية، فقلت: هبلتك الهبول أعن دين الله أتيتني لتخدعني، أمتخبط أنت أم ذو جنة أم تهجر؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل، وقبح الزلل، وبه نستعين(75).

عدم قبول الإمام(عليه السلام) المصانعة

وكان (عليه السلام) لا يقبل حتى الهدية حتى لا يكون ذلك أحبولة إلى الانحراف عن الأحكام (ولو كان الإمام لا ينحرف حتى قدر شعرة لكنه للتعليم)، انظروا إلى كتابه هذا حيث يؤنب واليه، مما يدل على أنه (عليه السلام) كيف كان يواظب على ولاته ألا ينحرفوا قدر شعرة، والكتاب مذكور في نهج البلاغة، وفي غيره.

شدة رقابة الإمام(عليه السلام) على ولاته

فقد كتب إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، وهو عامله على البصرة حيث قد بلغه (عليه السلام) أنه دعا إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها:

بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد يا ابن حنيف، فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة أسرعت إليها، تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه، ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضئ بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد، فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظللته السماء، فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك؟! والنفس مظانها في غد جدث، حيث تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر، وسد فرجها التراب المتراكم، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق، ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز واليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى، وأكباد حرى، أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داءاً أن تبيت ببطنة          وحولك أكباد تحن إلى القد

أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش، وما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها، وتلهو عما يراد بها، أو أترك سدى، أو أهمل عابثاً، أو أجر حبل الضلالة، أو اعتسف طريق المتاهة، وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان، ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً، والروائع الخضرة أرق جلوداً، والنباتات البدوية أبطأ وقوداً وأبطأ خموداً، وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو، والذراع من العضد، والله لو تظاهرت العرب(76) على قتالي لما وليت عنها، ولو أمكنت الفرص من رقابها سارعت إليها(77) وسأجهد أن أطهر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد، إليك عني يا دنيا، فحبلك على غاربك، قد انسللت من مخالبك، وأفلتّ من حبائلك واجتنبت الذهاب في مداحضك، أين القرون الذين غررتهم بمداعبك، أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك؟ فها هم رهائن القبور ومضامين اللحود، والله لو كنتِ شخصاً مرئياً، وقالباً حسياً، لأقمت عليكِ حدود الله في عباد غررتهم بالأماني، وأمم ألقيتهم في المهاوي، وملوك أسلمتهم إلى التلف، وأوردتهم موارد البلاء، إذ لا ورد ولا صدر، هيهات من وطئ دحضك زلق، ومن ركب لججك غرق، ومن ازور حبائلك وفق، والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه، اعزبي عني، فوالله لا أذل لك فتستذليني، ولا أسلس لك فتقوديني، وأيم الله يميناً استثنى فيه بمشيئة الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً وتقنع بالملح مأدوماً، ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها، أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيضة من عشبها فتربض ويأكل علي من زاده فيهجع، قرت إذاً عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية، طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها وعركت بجنبها بؤسها، وهجرت في االليل غمضها حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها، وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)(78) فاتق الله يا بن حنيف ولتكفك أقراصك ليكون من النار خلاصك(79).

ضرار يصف الإمام (عليه السلام)

وهنا نذكر وصف بعض أصحاب الإمام (عليه الصلاة والسلام) له، فقد ذكر المؤرخون: أن معاوية بن أبي سفيان، قال لضرار بن ضمرة (وكان من تلاميذ الإمام عليه الصلاة والسلام) صف لي علياً!

قال: اعفني.

قال: لتصفنّه.

قال: إذا لا بد، فانه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة علي لسانه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة، يقلّب كفه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب، كان والله معنا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع دنوّه لنا وقربه منّا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ النظيم، يعظّم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف عن عدله، أشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه ماثلاً في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضــتِ، أم إلي تشوقت، هيهات هيهات غري غيري لا حان حينك، قد أبنتك ثلاثاً، عــمرك قصير، وخيــــرك حقير، وخطرك غير كبير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق.

فقال معاوية: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك.

ثم قال: يا ضرار كيف حزنك عليه؟

قال: حزن من ذبح واحدها بحجرها، فهي لا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها(80).

إلى غير ذلك من معالم شخصية الإمام، ومن معالم حكمه، ومن معالم الشعب في زمانه.

لا تحرير إلا بالإسلام

وأخيراً لا بد أن ننوه في سبيل الحركة الإسلامية المنتهية إلى حكومة ألف مليون بإذن الله تعالى، والمنتهية أيضاً إلى هداية سائر الناس إلى صراط مستقيم:

إلىأنه يجب على العاملين أن يعرفوا أن الإسلام هو المحرك الوحيد للجماهير لإزالة كل صور الاستعمار، وأشكال الاستغلال، وتسلط الكفار، وانه لا نجاة لأفغانستان، وسائر البلاد التي وقعت في مخالب الشيوعيين (سواء الروس أو الصين)، وكذلك لا نجاة لفلسطين، ولا لبلاد أريتريا، ولا لبلاد مورو، ولا لسائر المسلمين الذين وقعوا تحت نير كفار الغرب من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وغيرها، إلا بالإسلام، فإن مستقبل الإسلام كماضيه، فقد كان الإسلام وراء كل تحرير في العالم الإسلامي في الزمن السابق، وإنما أنقذ البلاد الإسلامية من يد الكفار والمستعمرين المسلمون المجاهدون في سبيل الله سبحانه وتعالى، فكان الإسلام يمنحهم القدرة على الصمود والمواجهة.

نعم، جملة من الكتاب الذين يقودهـــم المستعمرون أو خطف أبصارهم بريق الشرق والغرب يحطون من قدر الإسلام وينقصون من شأنه ويتصورون أن الإسلام ليس إلا عقيدة ومسجداً وانه مرتبط بالله فقط، مصدقين المثل الغربي المشهور: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) مع أنه ليس كذلك، فالإسلام دين ودنيا.

علماء الإسلام يقودون حركات التحرير

وقد أرانا التاريخ جملة من العلماء الذين كان يحركهم الإسلام في نهضتهم وقيامهم، وإنقاذ بلاد الإسلام من أيدي أعدائهم، أمثال: السيد محمد المجاهد، والميرزا الكبير الشيرازي، والآخوند الخراساني، والميرزا الثاني الشيرازي، والسيد حسين القمي، والسيد أبو الحسن الأصبهاني، والميرزا محمد حسين النائيني، والسيد محمد كاظم الطباطبائي، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والسيد جمال الدين، والسيد أبو القاسم الكاشاني، والسيد نواب الصفوي، وغيرهم من علماء المسلمين الذين سببوا يقظة العالم الإسلامي، وتحركوا وأوجدوا قواعد إنقاذ المسلمين، سواء تحركوا حركة عسكرية، أو حركة ثقافية أو ما أشبه.

عملاء أدعياء التحرير

وقد رأينا أن دعاة التحرير من غير العلماء والصادقين من أتباعهم الذين كانوا يدعون إلى الإسلام كانوا عملاء الاستعمار، كأتاتورك، والبهلويين، وأمان الله خان، وعبدالناصر، وعفلق، وعبد الكريم قاسم وأضرابهم كالبعثيين في العراق والشيوعيين والديمقراطيين الغربيين، والبدائل الفكرية التي حاولت دفع الإسلام عن الساحة، وإخراجه عن المجتمع، كلها قد جربت في عالم المسلمين، فلم تزدد بلاد المسلمين إلا انتكاساً، والأوطان إلا تخلفاً وضياعاً وفرقةً! والتمزق الفكري والاختلاف العقائدي، وتوزع الولاء للشرق والغرب لا يسبب إلا مزيداً من التأخر والفشل، والعدول عن الإسلام لا يوجب إلا مزيداً من الهزيمة، هذه شهادة التاريخ، وأدلة الواقع، فمثلاً: فلسطين ضاعت منذ خمسين سنة تقريباً، وكل البدائل عن الإسلام لم تتمكن أن تنقذ منها حتى شبراً واحداً، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)(81). فكيف يقال: إن المريدين للإنقاذ كاملوا الإيمان وهم يلدغون من جحر ألف وألف مرة؟ لا شك أن جماعات منهم مسلمون. لكن الكلام في الإيمان الكامل لا يكون إلا بسلوك منهج الإسلام.

كيف ننقذ فلسطين؟

ومن هنا نستطيع أن نؤكد أن الثورة الفلسطينية، والثورة الأفغانية، والثورة الفليبينية، والثورة الأريترية، والثورة العراقية، ضد الحكام الطواغيت من المستعمرين وعملائهم والثورات المخفية في سائر بلاد الإسلام التي يحكمها الاستعمار بشكل مباشر، أو غير مباشر، إذا عملت بالمنهج الإسلامي الذي ذكر في هذا الكتاب ـ من طرح حركة إسلامية كاملة بجعل الشورى والقوانين الإسلامية منهاج الحركة -، وجعل الهدف، حكومة ألف مليون مسلم، بأخوة إسلامية صادقة ـ لا بد وأن تنتهي إلى ذلك، وقد قال الله سبحانه: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)(82).

وقال تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم)(83).

 

1 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

2 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

3 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

4 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

5 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

6 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

7 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

8 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

9 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

10 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

11 ـ نهج البلاغة: الكتاب53.

12 ـ مستدرك الوسائل: ج17، ص347.

13 ـ مستدرك الوسائل: ج17، ص348.

14 ـ بحار الأنوار: ج29، ص7.

15 ـ نهج البلاغة: الخطبة167.

16 ـ شرح نهج البلاغة، محمد عبدة: ج1، ص181.

17 ـ شرح نهج البلاغة، محمد عبدة: ج1، ص46.

18 ـ شرح نهج البلاغة، محمد عبدة: ج2، ص222.

19 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج1، ص36.

20 ـ الغدير، للعلامة الأميني: ج10، ص123.

21 ـ مستدرك الوسائل: ج17، ص359.

22 ـ بحار الأنوار: ج36، ص334.

23 ـ مستدرك الوسائل: ج16، ص295.

24 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص87.

25 ـ الكافي: ج8، ص130.

26 ـ مستدرك الوسائل: ج12، ص337.

27 ـ بحار الأنوار: ج37، ص29.

28 ـ مستدرك الوسائل: ج2، ص474.

29 ـ سورة المؤمنون:الآية 96.

30 ـ بحار الأنوار: ج37، ص49.

31 ـ مستدرك الوسائل: ج3، ص272.

32 ـ بحار الأنوار: ج37، ص43.

33 ـ بحار الأنوار: ج36، ص324.

34 ـ الكافي: ج8، ص130.

35 ـ بحار الأنوار: ج36، ص325.

36 ـ بحار الأنوار: ج36، ص325.

37 ـ مستدرك الوسائل: ج16، ص298.

38 ـ المصدر السابق.

39 ـ بحار الأنوار: ج36، ص324.

40 ـ بحار الأنوار: ج37، ص147.

41 ـ بحارالأنوار: ج37، ص148.

42 ـ المصدر السابق.

43 ـ مستدرك الوسائل: ج16، ص328.

44 ـ الكافي: ج5، ص86.

45 ـ بحار الأنوار: ج37، ص54.

46 ـ أي: السمك المالح.

47 ـ بحار الأنوار: ج37، ص54.

48 ـ بحار الأنوار: ج37، ص54.

49 ـ المصدر السابق.

50 ـ بحار الأنوار: ج37، ص49.

51 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج4، ص99.

52 ـ سورة الزمر: الآية 65.

53 ـ سورة الأعراف: الآية 204.

54 ـ سورة الروم: الآية 60.

55 ـ وسائل الشيعة: ج5، ص430.

56 ـ بحار الأنوار: ج37، ص48.

57 ـ بحار الأنوار: ج37، ص145.

58 ـ بحار الأنوار: ج37، ص145.

59 ـ بحار الأنوار: ج37، ص32.

60 ـ بحار الأنوار: ج37، ص32.

61 ـ وسائل الشيعة: ج12، ص22.

62 ـ بحار الأنوار: ج37، ص144.

63 ـ سورة الأعراف: الآية 85.

64 ـ بحار الأنوار: ج37، 119.

65 ـ الكافي: ج3، ص537.

66 ـ نهج البلاغة: الكتاب47.

67 ـ نهج البلاغة: الكتاب47.

68 ـ نهج البلاغة: الكتاب47.

69 ـ بحار الأنوار: ج33، ص162.

70 ـ الكافي: ج7، 413.

71 ـ بحار الأنوار: ج97، 291.

72 ـ فإن الرسول لم يمنع الماء عن يهود خيبر المحاربين له (صلى الله عليه وآله) .

73 ـ بحار الأنوار: ج30، ص47.

74 ـ نهج البلاغة: الخطبة 224.

75 ـ نهج البلاغة: الخطبة224.

76 ـ العرب كانوا مثال الشجاعة في ذلك اليوم.

77 ـ أي إلى طريق الحق.

78 ـ سورة المجادلة: الآية 22.

79 ـ نهج البلاغة: الكتاب 45.

80 ـ حار الأنوار: ج30، ص275.

81 ـ الاختصاص: ص 245.

82 ـ سورة محمد: الآية 7.

83 ـ سورة آل عمران: الآية 160.