الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

موارد إلزام الشورى

ففي الواجبات والمحرمات لا مشورة، ومن ذلك في أمر النبوة والإمامة(1)، وكذلك لا مشورة فـي سائر الأحـكام الخمس ، ـ المستحب والمكروه والمباح ـ والتي منها الأمور الوضعية(2).

أمّا في سائر الشؤون الشخصية منها، فتستحب المشورة فيها؛ وفي الشؤون الاجتماعية(3) تجب مشورة الحاكم مجيئاً إلى الحكم وتنفيذاً لأمرٍ دون أمر.

أمّا وجوب المشورة في مجيء الحاكم إلى الحكم ، فلأنه نوع تسلط على الناس ، والناس لا يصح التسلط عليهم إلاّ برضاهم، أمّا الصغرى فواضح، وأمّا الكبرى فلقاعدة السلطنة ـ الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم ـ هذا بالإضافة إلى وجوب كون الحاكم جامعاً للشرائط المقررة فـي الشريعة الإسلامية.

أمّا وجوب المشورة فـي أمور الناس بعد مجيئه إلى الحكم ، لأنّ للحاكم بقدر تخويل الناس له الصلاحية، ففي غيره يحتاج إلى أذنهم.

والحاصل: انهُ ما كان شأن الناس يحتاج إليه ابتداءاً واستدامةً.

إن قلت: أليس مرجع التقليد منصوباً من قِبلهم ( عليهم السلام ) فهو كالواجب.

 قلت أولاً: اختيار هذا المرجع دون ذاك بيد الناس كاختيار إمام الجماعة والقاضي وما أشبه ذلك.    

ثانيا: إذا كان هناك مراجع اختارهم الناس ـ مما يصدق اختيار الناس لهم ـ لا أن يكون فقيهاً يقلده عدد محدود من الناس ـ كمائة ألف مثلاًـ حيث لا يصدق بالحمل الشائع(4) انهُ اختاره الناس ، إذ لاحق لأحدهم في تنفيذ رأيه على سائر المراجع(5) ولا على مقلديه، بل لاحق لتنفيذ رأيه على مقلديه بالقسر ـ سواء القسر الظاهر أو المغلّف ـ إذ انتخاب المقلدين لهُ فـي هيئة للحكومة ليس معناه تخويلهم له الصلاحية المطلقة لتصرفه في أمـوالهم ودمائهم وأعراضهم بل بـقدر ما يرى المـقلدون ، فإذا رأى هو   الحرب(6)، والمقلدون السلم، لاحق له في إدخال الناس في الحرب.

وقوله عليه السلام: (فإذا حكم بحكمنا)(7) لا دلالة فيه على نفوذ رأيه إذا لم ير المقلدون أنهُ ليس بحكمهم (عليهم الصلاة والسلام).

والمراد بالمقلدين له أو بالمراجع: الأكثرية ، لأنّ دليل الشورى حاكم على دليل التقليد ، وإلاّ لم يبق لدليل الشورى مجال ، كما ذكروا في العناوين الثانوية الحاكمة على العناوين الأولية.

هل يجب على المستشار إبداء الرأي؟

الظاهر أنه لازم على نحو الكفاية من باب إرشاد الجاهل وتنبيه الغافل، بل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ في جملة من مواردها ـ على التفصيل الذي ذُكر في الفقه في تلك الأبواب.

أمّا الزائد على ذلك فـلا يلزم وإن كان يُستحب لإطلاق بعض الأدلة،

ولعل ما روي من قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم )  (أشيروا عليّ)(8) ، وقـول الأمام علي (عليه السلام) بـأنّ (لهم المشورة عليه)(9) يعطيان كلا الأمرين من الواجب والمستحب كل في مورده حسب مقتضيات الحكم والموضوع، فانَّ الموضوع قد يكون قرينة الحكم، وقد يكون العكس، فإذا قال ـ وهم في حالة الحرب ـ جئني بأسد، دلّ الحكم على إرادة الشجاع من الموضوع لا الحيوان المفترس ، ولو كان في حديقة حيواناته كانت القرينة على إرادة المفترس ، بينما إذا كان بحاجة إلى رجل شجاع لحراسته ومفترس لحديقة حيواناته ، لم تكن لأيّهما القرينة، وفي عكس الأمر لو قال: من أكرم عالماً فقد أكرمني، حيث إن العالم قرينة على إكرام خاص، لا كل إكرام لا يليق بالفقهاء، وإن لاق بالتجار والشجعان ومن أشبههم.

حدود الشورى

واللازم الأخذ بالمشورة بقدر تحقق إجازة التصرف في المال والنفس لا أكثر ولا أقل.

أما الأول: فلعدم الدليل عليه.

وأما الثاني: فلأن دونه خلاف تسلط الناس على أموالهم وأنفسهم، فإذا اقتضت المشورة تبليط مائة ألف كيلومتر من الطرق لم يجز أقل، لأنّه تصرف في أموال الأمة ، حيث لا يريدون ، ولو كان بالسلب كمن أعطاه الولي ديناراً ليشترى بضاعة فاشترى بنصف المبلغ؛ كما أنهُ لا يلزم أن يُتعب نفسه في تبليط أكثر من القدر المقرر، وإن كانت الأمة راضية بذلك.

حدود الشورى والعُرف

أمّا قدر المشورة ، فذلك موكول إلى العُرف ، وليس من قبيل الأمر بالطبيعة ، المحقق ولو بأقل قليل منها، فهو مثل ما إذا قال المولى جئني بالماء ، حيث لا يكفي الإتيان بقدر قطرة ، بينما القرينة قائمة على مقدار السقي بعد الطعام ، ومن ذلك وضح وجه عدم لزوم الإتيان بكل الطبيعة وان كانت ميسورة، فإذا قال: جئني بالصاغة لا يلزم الإتيان بجميعهم بدعوى إن الطبيعة سارية في الجميع.

وقد يرد سؤال على ذلك:

إذا اختلف العُرف وتعددت الآراء وفقاً لاختلاف البـلدان أو اختلاف العادات ، فما العمل؟

وفي الجواب نقول: يؤخذ بأشهر الأعراف، فإن لم يكن يؤخذ في كل بلد بعرف ذلك البلد، فإن تعدد عُرف البلد الواحد تخيّر أو اقترع إن كان تباين وإلاّ احتيط بالجمع أو بالأخذ بالأشد على التفصيل الأصولي.  

والحاصل : إنّ القرائن الحالية والمقالية هي الـتي تحدد قدر الطبيعة زيادة ونقيصة وقلة وكثرة ، وما في بعض الروايات الآتية من استشارة عشرة أو عشر مرات فـي مستشار واحد ، إنما أريد ظهور الرأي الحصيف بذلك. فالغالب أن عشرة أشخاص متعلقين بالأمر من أهـل الخبرة تكفي آرائهم لظهور النتيجة الأكثر قرباً إلـى الحقيقة والواقع ، كما أنـه لو استشير من شخص واحد عشر مرات كان فـي ذلك متقلب الآراء ظهراً وبطناً وقرباً وبعداً بما لا يحتمل الظفر بأكثر مما ظفر به من مقترب الصواب وعشر مرات من قبيل الكرّ والفرّ في المباحث العلمية المظهرة للرأي السديد.

مثلا: لو سأل عن ضمان الضامن للقيمة التي ارتفعت لا مدة جهة السوق بل من جهة أن المثل موجود عند من لا يبيعهُ إلاّ بأضعاف أضعاف قيمته، فهل يلزم؟ أو لا يلزم إلاّ بقدر القيمة الواقعية؟ أو يفصّل بين القيمة المجحفة فـلا يلزم ، وغيره فنعم ، أو يفصّل بين ما كان المتلف عالماً عامداً فنعم ، والاّ فلا؟ أو يفصّل بين قدر القيمة حتى الزائدة دون الإجحاف ، لا بقدره ، فـإذا كانت القيمة ديناراً ، وخمسة دنانير إجحاف ، وثلاثة بينهما وجبت الثلاثة ـ كما لكلٍ قولٌ في الفقه ـ فإنّ هذه الآراء الخمسة إذ ذكرت لمن يريد الاستنباط اختار أحصفها ، فكيف إذا كانت الأدلة عشرة مـن عشرة أفراد أو خمسة لكلٍ رأيان ، أو واحد يُقيّم الوجه لكلٍ رأي من العشرة، إلى غير ذلك.

ثم إنّ الاستشارية سواء في الحكومات الزمنيةـ مما تسمى بالديمقراطيةأو في الحكومة الإسلامية هي صمام الأمان، وذلك لأنّ الناس كما يحتاجون إلى ملء بطونهم ، يحتاجون إلى ملء أذهانهم ، فكما انّ الجائع يخرج على مَن أجاعهُ بالإضراب والمظاهرة، حيث ورد:

(عجبتُ للفقراءِ كيفَ لا يخرجونَ بالسَّيف على الأغنياءِ)، كذلك من لا يستشار يخرج على من أجاع فكرهُ ، مهما فُرضَ نزاهة الحاكم ، وكونه مطبّقاً لقوانين البلاد، سواء كانت تلك القوانين إسلامية كما في بلد الإسلام أو غير الإسلامية كما في البلاد الديمقراطية.

ولا يكفي للحاكم الإسلامي ان يُطبّق مبادئ الإسلام وقوانينه ، بدون تطبيق مبدأ الشورى الذي هو ركن من أركان الحكم في الإسلام، ذلك لأنّ الناس عندما يرون أنهُ لم يُطبَّق قانون الإسلام الذي هو الشورى ينفضّون من حوله ثم يثورون عليه حـتى إسقاطه ؛ هذا إذا فرض انـهُ حسن الاستنباط وحسن التطبيق ، وذلك قليل أو يكاد يكون معدوماً ، بل الظاهر أنّـه من غير الممكن إن يُحسن الاستنباط ويُحسن التطبيق ، من غير الاستشارية في أصل مجيء الحاكم ، وفي مدة امتداده بعد المجيء ، إذ الاستنباط المحتاج إلى العمل المداوم لا يكون حسناً، فكيف بالتطبيق الخالي عن الاستشارة الدائمة، وفي الحديث (إنّ العلمَ يَهتفُ بالعملِ ، فإن أجابهُ وإلاّ ارتحلَ عنهُ)(10).

ولذا فـالذي ذكرناه من أن حُسن الاستنباط والتـطبيق لا يـكون إلاّ بالاستشارية، نجد إنّ الحكومات في العصر الحاضر، التي قامت باسم الإسلام لم يمضي إلاّ زمان يسير حتى انفضَّ الناس من حولهم ، ثم عملوا لتقويضهم، فبعضهم سقط وبعضهم قرُبَ سقوطه.

إنّ أوّل سؤال يسأله الناس عنهم:أين هي الشورى؟ وحيث أنهم يريدون الاستبداد ، تارة يقولون : ان الشورى ليس بواجبة . وأخرى أنها من شأن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم ) فقط، لأنّ الخطاب خاص له. وثالثة يقولون: بأننا نستشير، ألا ترون لدينا مجلس أمة ومجلس لقيادة الثورة ومجلس للوزراء وما أشبه ذلك.

وفي ذات الوقت الذي يــتكلمون فيه حول الديمقراطية والــــشورى نجدهم يلفّون حول أنفسهم بأموال الأمة المصفقين والمهرجين والمُرتزقة والامعّات ليسبّحوا بحمدهم في الإعلام ، ونجدهم يفتحون أبواب السجون لأصحاب الفكر والـرأي ، وينصبون المشانق لكل حرّ ، والويل لمن فتح فمه بكلمة واحدة ، ظناً منهم أن السجون والمشانق ستقمع الصوت الحر والإرادة النبيلة.

لذا تراهم أكثر إمعاناً في سلب الأموال ، وقتل الناس الأبرياء ، وتكثير السجون ، وتخريب البـلاد ، وإذلال العباد ، ممن سبقهم الذين ما كانوا يسمون أنفسهم بالإسلاميين.

لقد زالت الخلافة الأمـوية ولم تعد، لأنها مارست الإرهاب والاستبداد، كذلك جاء العباسيون وحكموا بالحديد والنار ثم سقطوا ، ولم يعودوا من جديد. الشيء نفسه بالنسبة إلى الخلافة العثمانية التي سقطت واندثرت بل لم يترحم عليها أحد ، ولم يذرف أحد عليها دمعة واحدة ، وهكذا من جاء بعدهم سقط أو هم في حالة السقوط. فالاستشارية ليس معناها عدم تطبيق حكم الشورى في الحكم فقط بل معناها عدم تطّبيق المئات من أحكام الإسلام.

والمسلمون يعون السياسة الإسلامية كما يعـون الصلاة والصيام والحج والخمس ، فكما إنهم لا يخدعون بمن يترك العبادة بألف عذر وعُذر، كذلك فُهم لا ينخدعون بمن يترك السياسة الإسلامية بألف عُذر وعُذر ، وإذا انفصل المسلمون عن الحاكم صغرُ وحان سقوطه بين لحظة أخرى.

إنّ عدم تطبيق الشورى سيجعل الفاصلة بين الحاكم والمحكومين شاسعة وكبيرة ، فيأخذ كل طرف بقذف الطرف الآخر، وهنا يبدأ الصراع، فيأخذ الحاكم الـذي يسمي نفسه بالإسلامي بمهاجمة المسلمين ويقذفهم بمختلف أنحـاء التهم ، ابتداءاً مـن ضد الثورة أو ضد الحاكم أو عملاء للاستعمار والأجنبي وانتهاءاً بأنهم رجعيون خرافيون ، وانهم كسالى عاطلون ، إلى غير ذلك من التُهم والافتراءات.

وكلّما اشتد الصراع سيعجّل من سقوط الحاكم. ان مثل هذا الحاكم مثل لص دخل الدار وسرق أثاثها ، ثم لما رأى هجوم صاحب الدار عليه، أخذ يتهِّم صاحب الدار بأنهُ لص وكذا وكذا ، فـهل يكون ذلك إلاّ سبباً لتعجيل القبض عليه وإخراجه من الدار ومعاقبته؟ ومن شك في ذلك فلينظر إلى النميري حاكم السودان وغيره ممّن ادّعوا الإسلامية زوراً، كما إن الأمر كذلك فـي سائر مدّعي المبادئ الذين خالفوها ، كجمال عبد الناصر في ادعائه القومية وعبد الكريم قاسم بادعائه الوحدة الوطنية الصادقة ، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في العالم المتخلف الـذي يسمى بالعالم الثالث ، وليس سرّ تخلفه إلاّ حكامه الذين حالوا بين الناس وحرياتهم.

وكان علينا أن نـقف ولو ملياً عند تاريخ الغرب الـذي ابتُلي بحكام مستبدين سواء بإسم الدين كما هو في حكام الكنيسة، أو باسم الدنيا، كما كان في الملوك والدوقات، وكان أوضاع الإمارات الأوربية تتقهقر من سيئ إلى أسوء ، حتى ألَّفَ عقلاء الغرب عشرين ألف نوع من الكتب التوعوية ـ كما قرأت في إحدى النشرات ـ وقاموا بتوزيع هذه الملايين من الكتب على الناس، وقد أدّت هذه الكتب إلى أيقاظ الناس وتنبيههم إلى أنّ المشكلة التي يعانون منها سببها الحكام المستبدون، وان الخلاص لا يتحقق إلاّ بتوزيع السلطة(11). وكانت الحصيلة انتصار الغرب على مشكلاته وارتفاعه فوق الحضيض حتى أنهُ أصبح سيداً ليس على نفسه بل على العالم بأسره.

ونحن هنا لا ندعي أنّ الغرب قد وصل حدّ الكمال ، لأنّ الكمال في الإسلام ، إلاّ إننا لابدّ أن نقرّ بأن الغرب لمّا حاول تطبيق الشورى ـ إلى حدّ ما ـ ارتفع عن ذلك الحضيض إلى هذا المكان المرتفع الذي وصله.

وقد نبهَّنا أميرُ المؤمنين (عليه السلام) قائلا: (الله الله في القرآن لا يسبقنكم بالعمل به غيركم)(12).

الأمة الضعيفة تنتج واقعاً ضعيفاً

ليست المشكلة فقط في الحكام المستبدين والمتزلفين الذين يدورون حوله وينالون من ماله وجاهه ، ولذا يسحقون وجدانهم فيطرونه ويكيلون الثناء والمديح له جُزافاً ، ويعملون بأوامره حتى في قتل الأبرياء وهتك الأعراض ونهب الأموال.

بل الطامة الكبرى في الرحم التي تولّد هؤلاء الحكام، وهي الأمة، فإذا لم تكن الأمةُ ضعيفة وفيها قابلية لتقبل الاستبداد، لما كان بإمكان الحكام الطغاة من السيطرة عليها ، فالأمة إذا صارت كالجسم الضعيف تسلط عليها المرض من كل مكان ، بينما الأقوياء لهم المناعة في طرده عن أجسامهم.

ولذا فمهمة الوعاة رَفعُ هذا المرض عن الأمة حتى لاتستعد لتقبُّل المستبد، وحينذاك لا تجد أثراً منه ، ولذا قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : (لولا… ما أخَذَ اللهُ علـى العُلماءِ أنْ لا يقّاروا على كِظةِ ظالـم ولا سَغَب مَظلوم لألقيتُ حَبْلَها على غارِبها ولسقيتُ آخـرِها بكأسِ أوّلِها)(13).

وفي الحديث: (لتَحمِلُنَّ ذنوبَ سُفهائكُم على عُلمائكُم)(14).

وفي حديث آخر: (إذا ظَهرت البدع في أمتي ، فليظهر العالمُ علمه وإلاّ فعليه لعنةُ الله)(15) ،إلى غير ذلك.

وقبل كل ذلك قال القرآن الكريم: ( لَوْلا يَنْهَاهُمْ الربَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ)(16).

وكما انّ الطبيب الجسماني بحاجة إلى بيان المرض والعلاج ، كذلك أطباء الروح بحاجة إلى توعية الناس بمشاكلهم ، وانّها من أين ابتدأت ، والى بيان العلاج ، وقد تقدم أنّه في تقسيم القدرة ، كما ذكرنا تفصيله في كتب متعددة.

ومن المؤكد أن الجسم الذي تعشعش فيـه المرض مدة طويلة لا يمكن علاجه بمدة قصيرة، أو دواء بسيط ، وكذلك جسم المسلمين الذي تعشعش فيه الاستبداد قروناً لا يعالج إلاّ بنشر الوعي العام بكل الوسائل الممكنة الإعلامية وغيرها.

لكن هول المشكلة لا يحول دون الشروع في العلاج كلٌ بحسب قدرته العلمية والمادية.

وقـد ذكرت التواريخ : أن ( كنفوشيوس ) مرّ على قبيلة قاطنة جنب جبل عظيم ، فالتف حوله أفراد القبيلة طالبين عونه فـي حل مشكلتهم ؟ قالوا: يا معلم الخير: نحن قبيلتان انحدرنا من جدٍّ واحد، لكن أقربائنا يقطنون الطرف الآخر من الجبل، ولابدّ لنا من اللقاء كل عام مرة أو أكثر من مرة، وقطع الجبل يستوعب زماناً كثيراً وتضحية في أفرادنا، سواء هم جاءوا إلينا أو نحن ذهبنا إليهم بالسقوط من الجبل فـي المهاوي أو بافتراس الوحوش لأفراد منا، فما هو الحل؟

قال: إنهُ بسيط ان عملتم على قلع الجبل صخرة صخرة من بينكم.

فعملوا بما قال ، وبعد سنوات كانت القبيلتان مترابطتين عبر نفق في الجبل.

كيفية الاستشارة

تبين ممّا تقدم، العلاقة بين الشورى والعُرف،إِذ حسب الاستنباط الشرعي في الكبريات والتطبيق العرفي في الصغريات ، فانّ حدود المفاهيم الشرعية بيد العُرف الملقى إليهم الكلام ، كما ان تشخيص الموضوعات بأيديهم ، فإذا قال الشارع المقدس: (الناس مسلطون على أموالهم)(17) ـ مثلاً ـ : وتم الرجوع فيها إلى العرف فـي تحديد مفهوم السلطة ومصداقها ، ولدى الشك بالشبهة الصدقية أو المصداقية فالمرجع الأصول العملية.

ولـذا فمن الضروري على السلطة المنتخبة مرجعياً ، أو سائر السلطات التنفيذية أو القضائية أو التأطيرية ـ التي تُسمى بالتشريعية ، لكن لما كان التشريع الإسلامي هو بيد الله وحده ، فقد سمينا هذه السلطة بالتأطيرية ، وهـي صبّ القانون الإلهي في الصفة الملائمة عصرياً ، فإن لكـل كبرى صغريات يمكن الأخذ بهذه أو هذه ـ ، وأن تجمع حول نفسها جماعة من المثقفين الإسلاميين وآخرين مـن المثقفين الزمنيين ، لتكون الكبرى بأعين الأولين، والصغرى بأعين الآخرين.

نعم مما لا شك فيه أن أعلى السلطات التي هي السلطة المرجعية الاستشارية ( شورى المراجع ) لا تحتاج إلى المثقفين الخُبرويين، لغرض أنهم هم المستنبطون،كما ان المثقف الزمني، كالاقتصادي أو التجاري أو الزراعي أو ما أشبه، لا يحتاج إلى المثقف الصغروي.

وممّا تقدَّم ظـهر حال ما إذا اختلفت جماعة مخصصة لشأنٍ فـي الكيف (الصغرى) حيث يلزم ملاحظة الأكثرية ، وذلك لمبدأ الشورى المتقدِّم ، فمثلاً: إذا قال جماعة من الفئة الاقتصادية: أن اللازم تقوية الاقتصاد الزراعي، وقال آخرون بلزوم تقوية الاقتصاد الصناعي ، قدّم الأكثر منهما، وكذلك إذا اختلفوا فـي تقوية الصناعات الثقيلة أو الخفيفة ؛ ولو فرض التساوي في الآراء، فالمرجع السلطات العليا. ولو وقع الانشقاق هناك أيضاً فالأكثرية، ثم القرعة التي هي لكل مشكل.

وربما ان كان من الصالح العمل على تقسيم المشروعات،فيخصص نصف الجهود ونحوها ، طبقاً لأحد الرأيين والنصف الآخر حسب الرأي الآخر.

وعلى أي حال: ليس المهم البحث في هذه المسألة الجزئية ، بعد الأخذ بمبدأ الشورى في كل شؤون الأمة على ما عرفت.

 

1 - حيث انهما بالنص من قبل الله سبحانه.

2 - مثل تعيين ما في الإناء خمر أم ماء. 

3 - نحو المؤسسات الثقافية كالجامعات ، والخدمية كالمستشفيات ودور الأيتام.

4 - الحمل الشائع : هو حمل أحد المتحدين وجوداً على الآخر وبالصناعي الشائع الحمل وصفاً والاتحاد في الوجود عرفاً.

5 - ذلك للضرورة الفقهية لأن المراجع العظام كل منهم في عرض الآخر، وهم جميعاً في طول الإمام المعصوم عليه السلام، باعتبار ان ولايتهم جميعاً مستمدة من الإمام المعصوم وبعبارة اقصر: أدلّة التقليد والولاية تشمل كل من جمع الشرائط بلسانٍ واحد ونحو واحد. 

6 - وقد يؤخذ على هذا القول:

   أن ذلك يتنافى مع رضا الله للفقيه إضافة إلى إنّ الأمة لا تدرك أحكام الله بالصورة المطلوبة ، لأنها ليست أهل خبرة في هذا الحقل، وكذلك لأنّ الأمة لا تتفق على رأي ثابت للاختلاف  العلمي والطبيعي والمصلحي .

   وهذا الكلام مردود من عدة جهات:

1-    إن رضا الله سبحانه للفقيه مشروط بجامعيته للشرائط، ومن تلك الشرائط رضا الأمة به.   فلو لم ترض الأمة بالفقيه فان ولايته ساقطة.

2-    إن الفقيه يرجع إلى الأمة في الموضوعات.

3-    وعند الاختلاف يؤخذ بالأكثر والأشهر.

7 - وسائل الشيعة: ج1، ص23، ح12.

8 - بحار الأنوار: ج19، ص247،ح2.

9 - بحار الأنوار: ج10، ص404 ح6.

10 - الكافي (أصول)  ج1، ص44، ح2. بحار الأنوار: ج2، ص33، ح29.

11 - وكان على رأس من كتب في هذه الأفكار ( جان جاك روسو ) في كتابه العقد الاجتماعي ، و ( جون لوك ) في كتابه الحكم المدني، و ( مونتسكيو ) في كتابه روح الشرائع.

12 - بحار الأنوار: ج75، ص100، ح2.

13 - نهج البلاغة : خطبة 30 ص44.

14 - بحار الأنوار: ج2، ص22، ح62 .

15 - بحار الأنوار: ج54، ص234، ح188.

16 - سورة المائدة: الآية 63.

17 - بحار الأنوار: ج2 ص272 ح7.