الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

التنظيمات الداخلية للأحزاب السياسية

إن تنظيمات الأحزاب السياسية في عالم اليوم تصنّفُ إلـى عدة مجموعات منها :

أولاً: ( اللجنة ) في الأحزاب الحُرة والمحافظة والراديكالية ( المُتشددة ).

ثانياً: ( المنطَقة ) في الأحزاب الاشتراكية.

وتتألف ( اللجنة ) من عدد محـدود من الأفراد الذين تتم عضويتهم فـي  الحزب عن طريق تعريفُهم وتقديمهم من جانب المؤسسين للحزب.

والأحزاب التي تقوم على أساس وحدة اللجنة لا تولي اهتماماً بكمية الأعضاء بل تهتم بالكيفية  (أي شخصية الأعضاء ) ، واللجنة بحسب الدول المختلفة يمكن أن تتألف من نوعين من الأعضاء.

النوع الأول: ينصبّ الاهتمام على طبيعة الشخص الراغب فـي العضوية وأهميته الخاصة، والفرد الذي ينتخب في العضوية يُشارك في اللجنة.

النوع الثاني: يشترك الأعضاء في اللجان ممثلين للنقابات والجمعيات ، وإن عمل اللجنة غير متواصل على الدوام وان اجتماعاتها لا تنعقد بصورة منتظمة بل إن أعمال اللجان تبدأ عشية المعركة الانتخابية ، وفي بعض المدن يشرف على شؤون اللجان فردٌ يُعرف بالقائم بالأعمال وكل قائم بالأعمال له منطقة انتخابية صغيرة يضم أربعمائة فرد ناخب أو غيره من الأعداد المقررة ، ويجب على القائم بالأعمال أن يتعرف على كل الناخبين في منطقته وان يكون على اتصال بهم وان يبادر إلى مساعدتهم عند الحاجة ويمتلك القائم بالأعمال تأثيراً ونفوذاً على الناخبين وهو المحرك الحقيقي لسير الانتخابات وانه يضع نفسه في خدمة المسؤولين بالحزب ، ولا يُستبعد أن ينشط ويعمل القائم بالأعمال فـي خِضَّم الانتخابات لصالح حزب ما ، في حين كان نفسه هو في الجولة السابقة من الانتخابات يعمل لصالح حزبٍ مُعارض ومناوئ لهذا الحزب ـ فيما إذا لم يكن القائم بالأعمال مبدئياً من جهته الحزبية وان كان مبدئياً من جهته الوطنية أو ما أشبه ـ وَيدير اللجان المؤلفة مـن موفدي وممثلي النقابات والجمعيات المختلفة، عجلة الحزب برمَّته.

وفي الأحزاب اليمينية ، لا يبدي الأعضاء رغبةً فـي التدخل فـي الشؤون السياسية، ولذا فإنهم يفضِّلون العضوية فقط في اللجان الحزبية ، وفي الأحزاب العاملة ببعض الدول لا تزال اللجان تحتفظ بكيانها ، لأن شعوب هذه الدول لا تستطيُع التكيّف مع الانضباط الحزبي، فالشعوبُ هناك ليست لها نفسية التمايز الطبقي ، كما انها ليست على استعداد لقبول التعليمات الاجتماعية والسياسية المتشددة والروتينية ، وإن الفرد العامِلَ في هذه الدول بالرغم من كونه عضواً في النقابات العمالية لكنه ليس على شاكلة عُمال بعض الدول الأخرى، فهو يفتقد لنفسية التحدي الطبقي ويفضِّل أن لا يتقيدَّ بالانضباط الحزبي المتشدد ، على العكس من عمال بعض الدول الأخرى . و( اللجان ) في الأحزاب السياسية بهذه الدول هي من الدعائم التنظيمية الحزبية.

أما ( المنطَقة ) التي هي مبتكرات الأحزاب الاشتراكية ، فهي على النقيض تماماً من ( اللجنة  )، إذ تتلقى الأوامر من مركزٍ واحدٍ ، وهو النواة المركزية للحزب ، وتعتبر المنطقة في التنظيمات الأساسية للأحزاب السياسية جزءاً من الدعاية الأساسية للحزب ، فهي العامل الرئيسي في إيجاد التمركز والتكتل بين الأقسام المختلفة في الحزب.

و( المنطَقةٌ) على النقيض من ( اللجنة ) تولي اهتماماً بالكمية أكثر من الكيفية وتسعى لجر الفئات المختلفة في المجتمع إلى الانضمام للحزب ، ويمكن للأفراد أن يختاروا العضوية بالمناطق بشروط سهلة جداً.

وتنعقد اجتماعات المناطق بصورة دائمية ويجرى البحث فيها حول القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية .

ويمكن توجيه النقد من خلال المناطق لأساليب الحكومة الحزبية والمسؤولين فـي الحزب ، وان يوضَعَ منهجُ الحزب موضعَ البحث والمناقشة ، ويتم ابتكار مناهج جديدة ترسل إلى المسؤولين في الحزب من أجل التنفيذ.

و ( المنطقة ) على العكس من ( اللجنة  )، لا تـؤدي دوراً رئيسياً فـي النشاطات الانتخابية ولا يتمكن رئيس المنطَقة من التدخل في شؤون الانتخابات والإجراءات المتعلقة بها بصورة مباشرة خلافاً لدور رئيس اللجنة.

العلاقات الداخلية في التنظيمات الحزبية يمكن أن تتم بطريقتين:

1 ـ العلاقات العمودية.

2 ـ العلاقات الأفقية. 

1 ـ إن العلاقات العمودية تحولُ دونَ تسرب خطر الانفصال عن الحزب إلى أجزائه المختلفة ودون حصول فكرة الانفصال ، لدى أعضاءه ومنع تسلل أية أفكار مناهضة لعقيدة الحزب إلى داخل تنظيماته.

فإن التسلسل التنظيمي الداخلي للحزب يقضي بأن يكون إلى جانب التنظيم الرسمي المعلَن للحزب تنظيمٌ سري لمهمة الرقابة ، ويتمثل هذا التنظيم السري بالمسؤولين للوحدات الحزبية ، إذ إن هؤلاء المسؤولين يتعيّنون من جانب الهيئة المركزية للحزب ، ومن أجل الحفاظ على موقعهم داخل الحزب يتعين على هؤلاء أن يراقبوا ما يجـري داخل وحداتهم وان يحولوا دون تسرب الأفكار المناهضة للانضباط الحزبي إلى داخل وحداتهم.

إنّ العلاقة العمودية لا تؤدي فحسب إلى إقرار الانضباط الحزبي المتشدد بل تؤدي أيضاً إلى أن تقوم التنظيمات الحزبية بنشاطاتها بصورةٍ سرية ، وذلك في حالات الخطر التي من شأنها أن تؤدي إلى إلغاء الحزب قانونياً، لأن الخلايا غير مرتبطةٍ مع بعضها البعض ولذا يطول الكشف عنها.

وتوجد في جميع الأحزاب السياسية في العالم رغبةُ إلى خلق العلاقة العمودية حيث إن الأحزاب السياسية مضطرة إلى الاستفادة من العلاقة العمودية حفاظاً على موقعها وكيانها وديمومتها.

2 ـ في الأحزاب التي لا تحتاج إلى الترابط والقوى والتعاضد الحزبي بين أفرادها ومسؤوليها ، يسمى الترابط بينها بالعلاقة الأفقية ، لأن في هذا الترابط جميع العوامل والمؤسسات في مستوىً واحد كلهم قادرون على إيجاد الترابط فيما بينهم لا يتقيدون بالضوابط الإدارية ومراعاة التسلسل القيادي ، وإذا وجد حزبٌ كذلك فانه غير قادر على إقرار الانضباط الحزبي في داخله ولا يستطيع الحفاظ على كيانه في حالات بروز خطر إلغائه قانونياً.   

وبصورة عامة ، قلّما توجد العلاقة الأفقية فقط في الأحزاب السياسية ، أمّا في النقابات المختلفة والجمعيات الأدبية والثقافية والرياضية والجمعيات السياسية ذات الأهداف المحدودة والواضحة، مثل جمعيات أنصار السلام في الغرب والتي تسعى أصلاً إلى جرّ مؤيدين لها ، فإن العلاقة الأفقية تبدو أكثر وضوحاً للعيان.

أقسام التمركز

التمركز على قسمين:

1ـ التمركز الديكتاتوري.

2ـ التمركز الديمقراطي.

إذا أبدى القائمون على حزب ما رقابة وإشرافاً على اجتماعات أعضاء الحزب ، وإذا فرضوا الرقابـة العقائدية على هـذه الاجتماعات ولم يسمحوا لأعضاء الحزب بأن يعبِّروا بحرية عن آرائهم ومقترحاتهم ، وإذا لم تكن هناك أية علاقة بين آراء أعضاء الحزب وقرارات المسؤولين في الحزب ، في مثل هذه الظروف ، يتمتع الحزب بالتمركز الديكتاتوري ، ومثل هـذا الأسلوب ساري المفعول بدقة تامة في الأحزاب الفاشية ، حيث كانت قرارات القائمين على الحزب توضع موضع التنفيذ دون أن تُؤخذ في الاعتبار آراء ومُقترحات أعضاء الحزب أنفسهم.

وفي العصر الحاضر،يبدو هذا الأسلوب بادياً للعيان بوضوح كبير في المجتمعات المتخلِّفة حيث الأحزاب تتمتع بالتمركز الديكتاتوري.

أما عندما يسودُ التمركز الديمقراطي في حزبٍ ما، فان آراء غالبية أعضاء الحزب أو مندوبيهم تؤخذ في الاعتبار لدى صياغة القرارات الحزبية من جانب القائمين على الحزب إذ توجد علاقة مباشرة بين آراء الأعضاء وقرارات قادة الحزب، حيث آراء الأعضاء تحظى بالاحترام ويبقى مبدأ التعبير الحر محتفظاً بموقعه داخل الحزب.

بدل العضوية

إن من جملة واجبات أعضاء الحزب هو تسديد بدل العضوية ، فالفرد لدى التحاقه بعضوية الحزب يُسدّد بدلَ العضوية لثلاثة اشهر أو ستة أشهر أو لسنة إضافة إلى بدل الالتحاق ، وفي الأحزاب التي تولي اهتماماً بالكيفية  ( نوعية الأعضاء ) لا يؤثر بدلُ العضوية كثيراً في حالتها المالية ، لأنّ الأعضاء على علم بأن الحزب يتلقى الدعم المالي من جهات معنية موالية للحزب.

 ومن هنا يمكن لعضو الحزب ( الكيفي ) أن لا يسدد بدل العضوية أبداً بعدما يكون قد سدّد بدلَ الدخول إلى عضوية الحزب ، وانّ لا يعير أي اهتمام لأوامر اللجنة المالية للحزب والخاصة بتسديد بدل العضوية من جانب الأعضاء، في حين إنّ الأحزاب التي تولي اهتماماً ب‍( الكمية ) ، فإنّ المبالغ المستحصلة من الأعضاء ( كبدل لعضويتهم ) تشكل المورد الرئيسي لمالية الحزب . لأنّ مثل هـذه الأحزاب ليست لها عوائد مالية مـن أية جهة توالي الحزب على تمركز القوى القيادية.

إن تسيير قيادة الأحزاب السيـاسية من جانب زعيمٍ أو أمين عام هي أمر لا يمكن استمراره على الدوام فالأحزاب الحقيقية تسعى قدر المستطاع إلى إحداث التغييرات الضرورية فـي الكوادر القيادية، بمقتضى الظروف والمستجدات على الساحة السياسية وعدم تمركز القوى بسبب ( استشارية الحزب )، إذ لو تمركزت القوى في أيادي معدودة كانت الديكتاتورية كما يشاهد في الأحزاب الشيوعية ونحوهم.

الأحزاب الديمقراطية  والأحزاب الديكتاتورية

يقال لحزب انه ديمقراطي فـي حال ما إذا انتخب زعماؤه من قبل أعضاء الحزب من خلال انتخابات حقيقة وبالاقتراع السرّي أو العلني ، والمنهج والسياسة العامة لمثل هـذه الأحزاب سواء على صعيد التنظيمات أو القرارات، يتم تعيينهما وتحديدهما في المؤتمر العام للحزب ، وهو المؤتمر المؤلف من الممثلين والمندوبين الحقيقيين لأعضاء الحزب، وتبرز في اجتماعات مثل هذا الحزب الآراء والنظريات والاتجاهات المختلفة والمتضاربة، وان الاتجاه الغالب فيه هـو الاتجاه الذي تُؤيده غالبية الأعضاء.

ويقال لحزب إنه ديكتاتوري في حال ما إذا تم تعيين قادته بحلول النائب مَحلَ القائد، وهلمّ جرا ، ويكون منهجُ الحزب تجسيداً لما يريده قادة الحزب ، ويكون الرأي المخالف للمنهج العام فيه ممنوعاً ، فيحظر فيه تعدد الأفكار والآراء ويطرد أي شخص له علاقة بالفكر المعارض ، وفي مثل هذه الحالة ينساق الحزبُ نحو الاستبداد والديكتاتورية والتفرد السلطوي(1).

الأحزاب السياسية والمؤسسات الحكومية

إنّ تعدد الأحزاب السياسية وطبيعة تنظيماتها لهما تأثير كبير جداً في انتخاب الهيئة الحاكمة وان هذا التأثير ملحوظٌ بشكلٍ اكبر في الهيكلية الداخلية للمؤسسات الحكومية.

ومن هنا فان الأحزاب السياسية لا تكتفي بتصنيف الناخبين والمرشحين بل تسعى أيضاً إلى التأثير في اختيار الوزراء ونواب الوزراء وأعضاء البرلمان.

وهناك خــــلاف بين المفكريـــن في أفضلية النظام القائم على حزبين على القائم على عدة الأحزاب ، فبينما يذهب بعض المفكرين إلى الرأي الثاني انطلاقاً من علل عديدة منها : أصالة الحرية والتي يوفرها بشكل اكبر وجود عدة أحزاب، إضافة إلى وجود مجـال أوسع وخيارات أكثر للأمة فـي عملية انتخاب الإطروحات. نجد أنصار الرأي الأول يقولون:

إن النظام القائم على وجود حزبين، تزول فيه التصارعات والتصادمات الثانوية حيث إنّ جميع الفئات المعارضة تندفع في إطار قناةٍ سياسية معارضةٍ يحق لها التعبير عن توجهاتها وآراءها المعارضة، وعلى العكس من ذلك فإن النظام القائم على عدة أحزاب من شأنه أن يوجد الــفرصة المناسبة لظهور الــتصارعات والتصادمات الثانوية وتفتيت وتجزئة المعارضة الكبرى، وبوجه عام يمكن القول إن النظام المسنود بعدة أحزاب يفتت المعارضة فـي عـدة جهات ، ويمتصها( أي يمتص زخمها ) في حين إن النظام المسنود بحزبين أو الجبهتين يخلق معارضة هي بحدّها الأعلى.

ومن لوازم النظام القائم بحزبٍ واحد هي العقيدة الواحدة وممارسة سياسة الإرهاب والعنف واحتكار السلطة.

ولذا فالنظام الفاشي شأنه كالنظام الشيوعي، يتبنى حزباً واحداً ينفرد بالنشاطات السياسية في البلاد.

وكانت الإيديولوجية وبيئة العنف والإرهاب هما القاسم المشترك للنظامين الفاشي والشيوعي ، وعلى هذا الغرار النظم القومية وما أشبه ، التي هي وليدة النظم الشرقية والغربية ذات الحزب الواحد.

إنّ هذه النظم تعتبر مناهضي إيديولوجيتها اخطر من الجناة العاديين ، وتُعامِلَ المُنفصلين عن الحزب الواحد فيها كمعاملة المعارضين بكل شدةٍ وقسوة مثلما عامل زعماء الأحزاب الفاشية رفاقهم المنشقين عنهم في الحزب.

النظام القائم على الحزبين

وهو ذلك النظام الذي ينشط فيه حزبان قويّان يتسلمان السلطة فيها واحداً بعد آخر عبر انتخابات حرة، ويمكن أن تكون هناك أحزابٌ أخرى لكن السلطة الحكومية تظل في يد هذين الحزبين الذين يتسلمانها على التناوب ، وذلك لقرب أفكار مثل هذين الحزبين إلى أفكار الجماهير بينما أفكار غيرهما ليست كذلك.

مثلاً في بريطانيا توجد أحزابٌ أخرى غير حزب العمال والمحافظين مثل الحزب الليبرالي والحزب الشيوعي ، ولهذه الأحزاب ممثلون في البرلمان ، لكن السلطة الحكومية تظل بيد هذين الحزبين القويين وعلى التناوب.

وفي النظام ذي الحزبين يظل حزبُ الأغلبية هو الحاكم على الدوام وتكون المعارضة والنقد والرقابة من نصيب حزب الأقلية.

وفي أمريكا توجد أحزابٌ غير الحزبين الديمقراطي والجمهوري ، لها ممثلون في البرلمان لكن أكثرية أعضاء الكونغرس وغالبية الناخبين في انتخابات رئيس الجمهورية هم من المنتسبين لواحد من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

الفرق بين الأنظمة ذات الحزبين

والأحزاب المتعددة

إن دراسة الفرق بين النظام ذي الحزبين والنظام ذي الأحزاب المتعددة أمرٌ ذو أهمية كبيرة ، إذ نظرةٌ على طبيعة الانتخابات بين الحزبين والانتخابات بين الأحزاب المتعددة، تُوضح بجلاء هذا الفرق الشاسع ، فنتيجةُ الانتخابات بين حزبين تظهر في مرةٍ ( دورة ) واحدة حيثُ رأي الأكثرية هو الملاك ، في حين ان الانتخابات بين الأحزاب المتعددة تتم في ( دورين ) ، وانّ رأي الأكثرية النسبية للأحزاب المتعددة  يعتبر الملاك.

ولإيضاح هذه النقطة نقول: نأخذ في اعتبارنا منطقة انتخابية، فنجد أَن مائة ألف صوت هي لصالح حزب المحافظين ومائة وخمسين ألف صوت هي لصالح الحزب التقدمي، ففي مثل هذه الحالة إذا تمت الانتخابات في دورٍ واحد وتجزأ التقدميون إلى فريقين فيما شكل المحافظون فريقاً واحداً فان حزب المحافظين يمكنه أن يفوز على التقدميين بمائة ألف صوت فـي مقابل مائة وخمسين ألف صوت يفوزُ بها تقدميون ان مثل هذه الحالة تؤدي بالحزبين ( الفريقين ) التقدميين لكي يتحدا ويسعيا إلى الفوز بمقاعد البرلمان بقوة متكتلة أقوى من قبل حتى يوجد حزب تقدمي له أكثر مـن مائة ألف صوت ، وإذا لم يتحدا فان الناخبين سوف يقترعون لصالح الفريق الذي هو أكثر تقدمياً من نظيره ، وبهذه الصورة تخلق حوافز لاتحاد الأحزاب أو لتحطيم مراكز السلطة الحزبية لديهم.

الأحزاب والتجمعات الضاغطة

الأحزاب السياسية توجد عادةً من أجل النشاطات السياسية، وأما مجموعات النفوذ والضغط فهي منظماتٌ سياسية تفرض نفوذها عَبْرَ نشاطات تتم خلف الستار من أجل تحقيق أغراض نقابية أو مهنية أو تجارية ، وتصل هذه النشاطات الخفية إلى ذروتها أحياناً ، مثل مراكز الضغط ( اللوبي ) التي تتدخل في المضاربات والصراعات بين أعضاء مجلس الأمة أو مجلس الأعيان والوزراء وكبار الموظفين في الحكومة.

ويمكن تصنيف مجموعات النفوذ إلى فريقين:

ا- مجموعات السلطة الحاكمة.

ب- مجموعات الجماهير الشعبية.

ففيما يخص الفريق الأول ، فإنّ صلة هـذه المجموعات تتحدد بالمنظمات الحاكمة وأعضاء البرلمان أو الأعيان ومجلس الوزراء وأصحاب الرتب العالية في الحكومة ، وفيما يخص الجماهير الشعبية ، فإنّ عملها يتم عبر الصحف والخطب والاجتماعات والنشرات الاخبارية والنشاطات الأخرى التي بها يمكن التأثير على جماهير الشعب ، ونتيجة لذلك تستطيع مجموعات النفوذ أن تفوز في القضايا السياسية والاجتماعية والانتخابية وقضايا أخرى بدعمٍ من آراء ومساندة الجماهير الشعبية ، كما تستطيع القيام بدور رئيسي بواسطة التحديات التي تقوم بها الصحف والإضرابات وتنظيم المظاهرات . وبناءً على ذلك تكون نشاطات مجموعات النفوذ علنية بوسائل مشروعة قانونية تارةً وبالعنف والتضليل وصرف الأموال للرشوة والدعايات تارةً أخرى.

اللجوء إلى السرّية

وإذا لم ترد حكومات الدول أن تعترف رسمياً بالسلطة الخفية الحاكمة فيها ولم تسمح لها بالنشاط والفاعلية وحَظَرت عليها مثل هذا النشاط ، فان ذلك لا يعني انّ هـذه القوى سوف تتوقف عن نشاطاتها ومساعيها ، لأن السلطات الخفية لها وسائلها وطرقها الخاصة بها والتي يمكن لها مـن توظيفها والعبور منها إلى غاياتها في فرض آراءها وتوجهاتها والتي لا تستطيع السلطة السياسية الحاكمة سدّها ومنعها.

إنّ نشاطات السلطة الخفية التي تتم في المجتمعات المتقدمة فـي إطار الكفاح (الصراع) السياسي للحفاظ على الثروات الوطنية وغيرها ، لا تؤدي إلى تصدّع بنيان الديمقراطية في هذه المجتمعات بل انّها تعتبر من الشروط الضرورية لبقاء الديمقـراطية ، وذلك لأنّ النقد الموضوعي من جانب السلطة الخفية للأساليب التي تتبعها السلطة السياسية الحاكمة في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية مـن شأنه أن يؤدي إلى تدعيم الديمقراطية ويقضي على التمايز الطبقي الشديد الذي هـو من عوامل تحكُّم ورسوخ البيروقراطية ، بينما في المجتمعات المتخلفة ( الديكتاتورية ) تسقط الحكومة لسبب هـذه الجماعات السرية ويكون التنازع بينهما عَبْرَ التخريب والإفساد والتهريج ، كما هو المشاهد في العالم الثالث.

الفرق بين مجموعات النفوذ

والأحزاب السياسية

1 - إن مجموعات النفوذ ليس لها تنظيم محدد وأيديولوجية معلومة ، وذلك على النقيض من الأحزاب السياسية.

2 - إن عدد أعضاء مجموعات النفوذ محدود في الغالب، إذ أن هذه المجموعات تتألف من أفراد لهم مصالح مشتركة، وذلك على العكس من الأحزاب السياسية التي عادةً ما تسعى إلى بسط نفوذها في صفوف الجماهير، محاولةً البحث عن مؤيدين ونصيرين بها اكثر فأكثر.

3 - ليست لمجموعـــات النفوذ أيـــة صلة مباشرة مع السياسية والإدارة والحكومة بل تسعى إلى تأمين مصالحها بالذات بواسطة أفراد يتولون السلطة الحكومية حيث تعمل على جرّ هؤلاء إلى النهوض لنصرتها وتحقيق مآربها ، وذلك على خلاف الأحزاب السياسية التي تسعى لاستلام السلطة السياسية لأجل السعي لتطبيق مناهجها الاجتماعية.

إن أية جمعيـة أو اتحاد أو تنظيم مهني أو أي تنظيم آخر يمكن أن تلجأ إلى الضغط السياسي فـي بعض مراحل نشاطاتها، ونادراً ما تكون مجموعات النفوذ سياسية بحتة أي أن يكون هدفها المشاركة في الكفاح السياسي فقط.

إنّ غالبية هـذه المجموعات تخفي نشاطاتها السياسية خلف ستار نشاطات أُخَرْ، وبهذه الصورة تأخذ الطابع السياسي النسبي لا مطلق السياسية كما فـي الأحزاب السياسية.

وتتم نشاطات مجموعات النفوذ في عدة أشكال وصور، فتارةً تفرض نفوذها على السلطة الحاكمة باللجوء مباشرة إلى الحكومة والموظفين الكبار وأعضاء البرلمان ، وتارةً أخرى عَبْرَ التسلل إلى داخل الوسط الشعبي ليكون الموقف الشعبي هـو عامل ضغط على السلطة الحاكمة . ولهذا ينظم الإضرابات والمظاهرات وسدّ الطرقات وإثارة الحملات الصحفية.

وتجري هذه النشاطات بصورة عامة ومُعلنة ومفتوحة تارةً وبصورة خفية غير مرئية تارةً أخرى ، كما تجري عَبـرَ قنوات سليمة وشريفة ومشروعة تارةً وبوسائل غير شريفة وباستخدام العُنف تارةً أخرى.

الزعماء الحقيقيون للأحزاب السياسية

في أكثر الأحوال لا يعتبر الشخص الواقف على رأس تنظيم ما زعيماً ورئيساً حقيقياً لهذا التنظيم الذي يبدو انه هو أي هذا الشخص يديره بل ان المسيِّرين والمديرين والموجهين الحقيقيين للمنظمات السياسية هم مخفيون عن الأنظار أو انهم يعيشون وسط الناس بوصفهم أفراداً عاديين أو أعضاءاً بسيطين فـي نفس التنظيم.

والأحزاب السياسية بوصفها إحدى المنظمات السياسية السائدة في العالم تدار وتُسير عادة بهذه الصورة ، ففـي داخل الأحزاب يُوجد أفرادٌ مجهولون ليست لهم أية مسؤولية في الكوادر القيادية لكنهم يديرون الحزب على الطبيعة ( أي من خلف الكواليس ) دون أن يعرفوا على حقيقتهم في الظاهر.

رصد الأموال للأحزاب السياسية   

يقوم الرأسماليون الكبار في أوربا وأمريكا وغيرهما من البلاد الديمقراطية بتوظيف أموالهم على الأحزاب السياسية ، وهؤلاء لا يميلون أبداً إلى المشاركة شخصياً فـي الأحزاب السياسية، وهؤلاء الرأسماليون عبارة عن أصحاب الصناعات الكبيرة وأصحاب المصارف ومدراء المؤسسات وشركات المقاولات الكبيرة ، والذين يحرصون ويسعون فـي البحث عن طرق تُمكنهم من التمتع بالمساعدات المادية من الحكومة أو الفوز في مناقصة.

إن هؤلاء الأفـراد والمؤسسات الكبيرة يبذلون جهوداً كبيرة فـي مواسم الانتخابات العامة ويصرفون مبالغ ضخمةً من أجل الدعاية لحزب أو فرد دون أن يتدخلوا بأنفسهم في شؤون الحزب بصورة مباشرة.

إن بقاء حزب سياسي على مسرح النشاط السياسي له علاقة بأهدافه المادية والمعنوية، وإذا أراد حزبٌ أنْ يستمر في موقعه بالسلطة وأن ينشر نفوذه وسط أوسع الجماهير والفئات الشعبية العريضة وأن ينفرد بالحكم لفترةٍ طويلة، عليه أن يكون في غنىً عن المساعدات المادية حتى يبقى حائزاً لدعم ومساندة الشعب لحسن سمعته وطْيب أعماله، وبذلك يستطيع أن يُعرِّف خياراته على انها خيارات الشعب نفسه(2).

إنّ الإمكانيات المالية لحزبٍ ما تجعله قادراً على جلب وجذب فئات الشعب نحوه عن طريق الصرف على الدعاية ونشر المقالات والكراسات وتنظيم الاجتماعات الدعائية والخطابية ، وبذلك يستطيع إقناع الجمهور بخياراته وأهدافه.

إن من الصفات الجوهرية للمال هو أنه يفرض سيطرته على كل شيء ويحوي كل شيءٍ ، وأنّه فـي سعي لأن يعطي ثمناً لأي شيء يريده وان يجذبه لحضيرته. لأنّ المال نوعٌ من الفكر أو القوة التي لا يمكن تحجيمه، ونتيجة لذلك فقد أصبحت الأنهر والشلالات والمحيطات والمناجم والغابات والبلدان وحصيلة تعب وكدّ ملايين الأشخاص في أي جزءٍ مــن العالم وحـــتى نواميس الطبيعة وذكاء وفطنة وعقل الإنسان أي الاختراعات والاكتشافات هدفاً سهلاً للمال، إنّ كل هذه الأشياء تدخل في حضيرة المال وهذه القوة الضخمة تُوظفُ في تحريك عجلات الأحزاب السياسية والصحافة والحملات الانتخابية مما يحقق مخططات وأهداف وغايات أصحاب المال.

الرأي العام الداخلي

إنّ الرأي العام مجزَّءٌ ومتنوعْ، أي انه غير موحد، وإذا لم يجر تقنينه في إطار حزب ما فانه لن يكون له تأثير يُذكر ، لكن الحزبَ يصنّف الآراء والاتجاهات المتباينة ويوجد لها قاسماً مشتركاً ويبلور بذلك الرأي العام، أي انه يجسِّد رأي الأكثرية.

إنّ كلَّ حزبٍ لابد وان يعلن خياراته ومرشحيه وأن يجعل الناس قادرين على اختيار المذهب السياسي الذي يريـده الحزب والالتحاق بتنظيماته ، والحزب يسعى إلى تثقيف أعضاءه فـي نفس الوقت الذي يسعى فيه إلى فرض نفوذه عليهم، ومن هذه النقطة يتولى الحزب مهمة مرشد ومُعلّم بالنسبة لأعضائه، ومن خصائص الحزب البارزة هي أنه يُزيل عن كاهل أعضاءه الكسل والتقاعس ويجعلهم في طريق الأحداث ومُجريات الأمور، ويدعم النشاطات الجماعية، ويقوِّي الاتجاه الشعبي على صعيد الخيارات الإنسانية ، وبهـذه الصور يقوم بتحريك عجلات الديمقـراطية والنظام الديمقراطي ، وكذلك الحزب هو أداة بواسطتها يترجم الرأي العام إلى مسلك خاص ومذهب معين.

النظام الحزبي

ويستطيع النظام الحزبي أن يحدد مسؤولية الحكومة تجاه الشعب ، والحكومة الديمقراطية تتيحُ للأحزاب المعارضـة حرية التعبير وتأسيس منظماتها وتدعيم قدراتها بل انّها تسهِّل لها مثل هذه الأمور.

وفـي العديد من الدول يأخذ الحزبُ لنفسه حالةً تشبه حالةَ وزارةٍ من الوزارات وان قادته يتقاضون المرتبات.

وهذه النقطة توضح جيداً الفرق بين النفسية السائدة فـي ظل الحكم الديمقراطي والنفسية في النظام الديكتاتوري.

وفي ظل النظام ذي الحزبين ، يتولى الحزبُ المعارض مهمةَ توجيه النقد إلى الحكومة والبحث عن أوجه الضعف فيها ، ويقوم بمتابعة خطوات الحكومة فيما الحكومة مضطرة إلى الدفاع عن نفسها وعن مجلس الوزراء والى عرض منهجها العام لتحكيم الرأي العام حتى يقول الشعب رأيه في التنازع الواقع بين الحكومة والحزب المعارض ، والى جانب ذلك يجعل النظام الحزبي القضايا السياسية فـي متناول الناس العاديين والشارع السياسي.

البرلمان

في البلدان التي تعتبر اليوم من دول العالم الحر ، استحدث البرلمان في البداية من اجل تحديد وتحجيم السلطة الديكتاتورية المطلقة للحاكم ولغرض تحديد نفقات ومصروفات المؤسسات الحكومية والـتي يتم تأمينها من الضرائب المستوفاة من الناس.

وقد استطاعت المجالس البرلمانية بعد استحداثها وبدء نشاطاتها أن تحصل على مزايا لصالحها في مقابل مصادقتها على اللوائح المالية للحكومات وبذلك تمكنت بالتدريج من إحداث إصلاحات في مستوى متطلبات البلاد ، وذلك في شكل قوانين جرت المصادقة عليها من جانبها ، وتولت بالتدريج مسؤوليـة التقنين والرقابة على الحكومة ، حتى تبلورت في صورة البرلمانات القائمة في هذا اليوم.

وفي الأنظمة الحرة تجري الانتخابات ، بعيداً عن التزوير ، وبصور قانونية ـ إلى حدٍّ ما ـ ، وفي الأنظمة نصف الحرة يتم ترشيد المعركة الانتخابية بواسطة ضوابط.   أما في الأنظمة الديكتاتورية فليست هناك انتخابات، وإذا ما جرت انتخابات فإنّهـا تكون عادة انتخابات مزورة وغير حقيقية ، يقودها الحاكم الديكتاتور بسبب الإرهاب والسجون والإعدام.

الحزب والانتخابات

إنّ من جملة الواجبات الرئيسية الهامة للأحزاب السياسية هي المشاركة فـي الانتخابات البرلمانية؛ وانطلاقاً من ذلك ، فانّ المراكز الحزبية تنشط بشكل غير عادي فـي مواسم الانتخابات ، وانّ من أكثر المراحل أهميّة وحيويةً في حياة الأحزاب السياسية هي مرحلة الانتخابات العامة.

وإذا ما كانت الأحزاب السياسية ذات ماضٍ حسن وإيجابي وسمعة طيبة على صعيد النشاطات السياسية والاجتماعية ، وكان الناس يتحسسون تأثيراتها في ظروفها الاقتصادية والاجتماعية ، فأنهم ينظرون إلى المرشحين الحزبين على انهم ممثلون لهم، ولذا يتوجهون إلى صناديق الاقتراع ، ويدلون بأصواتهم لصالح مرشحي تلك الأحزاب.

النظام الحزبي أو النظام البرلماني

في نظام حكم الأكثرية يتم انتخاب مرشحين لعضوية البرلمان فيما لو فاز هؤلاء بأصوات أكثر ، وفـي النظم الحزبية يتم توزيع المقاعد البرلمانية بنسبة الأصوات التي تفوز بها الأحزاب السياسية ، وعلى سبيل المثال إذا كانت أصوات الناخبين في منطقةٍ تقدر بمائة ألف صوتٍ لصالح عشرة مرشحين ، وإذا كانت أصوات حزب المحافظين خمسين ألف صوتاً والحزب الليبرالي ثلاثين ألف صوتاً والحزب الراديكالي عشرين ألف صوتاً، فانّ حزب المحافظين يحظى بخمسة نواب والحزب الليبرالي بثلاثة نواب والحزب الراديكالي بنائبين.

لقد ثبتت بالتجربة إنّ النظام البرلماني فـي بلاد ما سيكون ثابتاً ومستقراً إذا كانت هناك أحزاب نشطة تتنافس فيها بينها فـي الرأي والعقيدة وتبحث في القضايا السياسيـــة وتضع آراءها واتجاهاتها أمام الرأي العام من أجل التحكيم ، وبمثل هذه الطريقة فقط يمكن إشراك الرأي العام فـي النقاش السياسي العام وجعله على رغبة واهتمام بالشؤون السياسية في البلاد.

وفـي مثل هذه البلدان تتجه أنظار الجماهير إلى الأحزاب السياسية ويسعى غالب الأفراد إلى المشاركة في بحث ودراسة القضايا السياسية التي تطرح للنقاش من جانب الأحزاب المختلفة ثم يختار في خضّم تضارب الآراء والأفكار المختلفة، الرأي الذي يقبله ويصوّت لصالح أولئك الأشخاص الذين يليقون بمهمة تطبيق ذلك الرأي في يوم الانتخابات البرلمانية.

وبهذه الطريقة يمكن أن يظهر ويتجسد الوعي والتثقيف السياسيان لشعبٍ من الشعوب في العالم.

ثم إنّا قد ذكرنا في كتاب ( الصياغة الجديدة ) إمكان مشاركة الناس في وضع القوانين بطريقة أخرى غير الطريقة الديمقراطية ، لكن ذلك لم يطبق في العالم إلى اليوم.

 

1 - وقد ذكر الإمام المؤلف سمات الحزب الديكتاتوري في موسوعة الفقه :  ج109-110.

2 - أي أهداف الشعب وطروحاته.