الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

الأمانة في الاستخلاف

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ((قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ))[1].

إن خلافة الإنسان، هي عبارة عن رعايته لما استؤمن عليه، مما خلق الله عز وجل، وأدائه الأمانة على أحسن وجه أراده الله تبارك وتعالى منه؛ ليتم الهدف الذي من أجله خلق الله الدنيا، وجعل الإنسان خليفته فيها، فتكون الدنيا وسيلة للوصول إلى الدار الآخرة، والدرجات العالية.

فقد قال تعالى في القرآن الحكيم: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ))[2].

وقال سبحانه: ((يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ))[3].

وقال عزّ وجلّ: ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ))[4].

و قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع و هو المسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع و هو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل في مال أبيه راع وهو مسئول عن رعيته، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»[5].

لذا كان من واجب الإنسان أن يبني حياته الاجتماعية على أساس من العدل والتآلف، والأخوّة والمحبّة؛ لتتحقق للمجتمعات سعادتها، فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنما المؤمنون إخوة بنو أبٍ وأمٍّ، وإذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له الآخرون»[6].

وعن جابر الجعفي قال: تقبَّضت بين يدي أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك، ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني، أو أمر ينزل بي حتى يتعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي؟

فقال (عليه السلام): «نعم يا جابر، إن الله عزّ وجلّ خلق المؤمنين من طينة الجنان، وأجرى فيهم من ريح روحه؛ فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه، فإذا أصاب روحاً من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت هذه؛ لأنها منها»[7].

نعم، فهذا المؤمن أخو المؤمن وبالتالي يكون هذا الإنسان المؤتمن في مستوى الأمانة والاستخلاف. ولعل أوضح مثال للإنسان غير الصالح للاستخلاف طغاة العراق الذين ألبسوه ثوب الدمار والذلّ، قتلاً وتشريداً لخيرة أبنائه؛ بغية سلخ هذا الشعب وهذه الأمة عن دينها، والقضاء على قيمها ومبادئها السامية[8]. إلاّ أن إرادة الشعب دائماً أقوى من إرادة أولئك الطغاة؛ لأن الشعب يستمد قوته من الإيمان بالله، والتوكل عليه، وطلب العون منه.

فرغم استمرار مأساة الشعب العراقي المظلوم، ورغم الوحشية والقسوة في قمع هذا الشعب نجد فيه من يقف كالطود في وجه هذا الكابوس الجاثم على صدره، جادّاً في منعه من تحقيق أهدافه الخبيثة في سلب ثروات الشعب الضخمة. وهدف هؤلاء المخلصين هو تطبيق أحكام الإسلام وإعلانه ديناً ونظاماً لما تتضمن تلك الأحكام سعادة الإنسان ورفاهه وحريته في الدنيا والآخرة.

ولكي تكون هذه الحركة المضادة لمخططات النظام صحيحة ومتقنة، لا بد من الإشارة إلى بعض النقاط الواجب مراعاتها في العمل والتحرك، لكي تعطي الجهود أكلها وجناها، ولعل أهم هذه الأمور هي: المرتكزات السياسية بكافة مفرداتها وأشكالها.

الفهم السياسي

قال تبارك وتعالى: ((كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً))[9].

إن من أهم تلك المفردات السياسية التي يجب على دعاة التغيير أن يتحلّوا بها هو: الفهم السياسي؛ إذ بدون الفهم المذكور لا يتمكن الإنسان من الشروع في العمل، وإن بدأ فإنه لا يتمكن من الاستقامة والاستمرار ومهما كان يملك من الجلد والمقاومة، فإنه سيعجز عن مواصلة السير إلى الهدف المنشود.

ومن الواضح، أن بعض المثقفين من المتدينين، أو غيرهم، لايعرفون السياسة ولا يفهمونها إلا فهماً سطحياً، فهماً مجرداً عن التجربة والتطبيق، فهم ـ غالباً ـ منشغلين بدراسة العلوم النظرية وغيرها؛ ولذا نرى المسلمين يصب عليهم البلاء صباً، وهم عاجزون عن معرفة السبب الحقيقي، والمصدر الكامن وراء ذلك، وبالتالي يعجزون عن رفعه وعلاجه، ومن ثم الخروج من المأزق بسلام.

فمن اللازم دراسة السياسة دراسة مستوعبة، وممارستها في الواقع العملي، وحيث لا يمكن تجريد السياسة عن علمي الاجتماع والاقتصاد، فيتوجب على دعاة التغيير من العاملين في الحقل السياسي دراستهما أيضاً.

ثم إنَّ الفهم السياسي بمفرده، مجرداً عن التجربة الميدانية، يعتبر نقصاً في شخصية العامل، فلا بد من النزول إلى الساحة السياسية بكل ميادينها، والإطلاع على مستواها ونمطها، ومدى استعدادها لتقبل التغيير.

غاندي والاستقلال

حينما كان غاندي[10] منشغلاً بتحرير الهند سافر إلى إنجلترا لأمرٍ ما، وبينما كان جالساً في أحد المجالس قام إليه أحد الحاضرين، فسأله قائلاً: إن عيسى)) على نبينا وعلى آله وعليه السلام ((ولأجل إصلاح الناس، قال: «إذا ضربك أحد على خدّك الأيمن، فأدر له خدّك الأيسر»[11]، فالشيء الذي جئت به لإصلاح الناس، لا أثر له سوى استنهاضك للشعب الهندي ضد بريطانيا.

قال غاندي: إن كلام المسيح ـ (عليه السلام) ـ حق، ولكنني أقول:

إنّ على الإنسان أن يتحمل كل ما يعترضه من صعوبات، وأن يبقى مع الحق، والحق يكمن في تخليص أبناء بلدي من أيدي المستغلين[12].

وهذا له الأثر الواضح في عملية الإصلاح على مرّ التاريخ، وبشهادة الجميع سوى من عميت بصيرته، فإنه يرى استنهاض الشعب عملاً غير مفيد؛ لأنه يؤدي إلى فقدان مصالحه.

قصة من الواقع المؤلم

نقل لي أحد الأفاضل: أن وزيراً قاجارياً[13] كان قد صادقه أيام زيارته للعراق، فنقل له هذه القصة:

كان في الجبال بين طهران وخراسان راهب مسيحي متبتّل متعبّد معروف في أوساط الناس بالزهد والانقطاع إلى الله تعالى، وكان في صومعة في الجبل، منذ أكثر من خمسين سنة، ولكني فوجئت ذات مرة بكتاب من الراهب يدعوني فيه لزيارته في يوم كذا؛ وحيث كنت أعرف زهده وتقواه، وكنت أجلّه واحترمه لبّيت دعوته، وحضرت عنده وإذا بي أجد عنده مجموعة من الناس تضم عدداً كبيراً من شخصيات البلد، وكلهم كانوا قد دعوا أيضاً، وبعد أن استقرّ بنا المجلس، قال الراهب: اعلموا أني لم أكن راهباً في يوم من الأيام وانما أنا من البريطانيين تلبّست بهذا الزيّ لخدمة وطني، وكنت أقوم في هذه المدة الطويلة بدور التجسس في إيران وأفغانستان؛ لغرض الحصول على المعلومات عن طريق العملاء!! والآن وأنا أحسّ باقتراب موتي أتوب إلى الله مما عملته، وإني أظهر لكم إسلامي، وأرجو إذا متّ أن تجهزوني كما تجهزون المسلمين، ثم بدأ يبكي ليثير فينا أكبر قدر ممكن من الشفقة عليه والعاطفة، فهذه طريقتهم دائماً.

ولعل خطوته الأخيرة هذه أي: إخبارهم بأمره، وإعلان إسلامه، وبكائه، أيضاً كانت ضمن برنامجه الموجّه؛ لكي يبين لنا قوة دولته.

نعم، هكذا يتغلغل الاستعمار في بلادنا، يدسّ عملاءه في كل مجتمع من المجتمعات الإسلامية التي تغطّ في سبات وجهل عما يدور حولها، مما يسهل الأمر للاستعمار بالتدخل في شؤوننا.

لذا لابد أن لا ينخدع الإنسان بالمظاهر، فليس المعيار ظاهر الإنسان، وإنما المعيار القلب السليم والعمل النابع من الإخلاص والإيمان.

وهذه الأمور من الأمور الخفية التي لا تنكشف للإنسان إلا إذا كان دعاة التغيير أصحاب فهم سياسي وبصيرة نافذة ترى الأشياء على واقعها، وكما في الحديث الشريف: «المؤمن ينظر بنور الإيمان»[14].

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «.. واقطع عمن ينسيك وصله ذكر الله، وتشغلك ألفته عن طاعة الله؛ فإن ذلك من أولياء الشيطان وأعوانه، ولا يحملنك رؤيتهم إلى المداهنة عند الحق، فإن في ذلك خسراناً عظيماً نعوذ بالله»[15].

وقال لقمان لولده: «.. ولا تأمن من الأعداء؛ فإن الغل في صدورهم»[16].

من أوليات الفهم السياسي

إن من أوليات الفهم السياسي: أن نعرف أن هناك ثلاثة أشياء ليست من الإسلام في شيء، وإن جاء المستغلّون لها بألف حجة ودليل، وهي:

1ـ إن كل شيء يهدّد وحدة المسلمين، ويفرقهم على أساس من القومية أو الطائفية أو العنصرية، فهو ليس من الإسلام في شيء. والمفروض أن تذوب كل هذه التقسيمات من خلال وحدة الإسلام العظيم، الذي يرى كل المسلمين سواسية، وأنهم أخوة تتكافأ دماؤهم. فقد قال سبحانه وتعالى: ((وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ))[17].

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إن الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي، ولا للأحمر على الأسود إلا بالتقوى»[18]. وأبرز مثال على ذلك هو: الأخوّة التي عقدها النبي بين الأنصار والمهاجرين، حيث كان الإسلام فوق كل الفوارق الأخرى، والتاريخ يشهد بقوة ذلك المجتمع من جرّاء وحدة القلوب، ومن ثم وحدة الصف[19].

2ـ إن كل من يصل إلى الحكم بلا استفتاء حرّ من الشعب، وبلا شورى منهم، ولا انتخاب واختيار، فهذه الصورة ليست من الإسلام في شيء، سواء كان وصوله إلى الحكم بسبب العشيرة، أو القبيلة، أو بسبب الملكية الوراثية، أو بسبب الانقلاب العسكري، أو بغير ذلك.

3 ـ إن كل بلد يُجهر فيه بالمعاصي والمحرمات، وهو على مرأى ومسمع من الحكومة أو بتشجيع منها، فذلك دليل على انحراف تلك الحكومات عن الإسلام وابتعادها عنه. ولربما محاربتها له. فعلى التيار الإسلامي الذي ينشد التغيير أن لا تغيب عنه هذه الأساليب والألوان، التي تقوم بها تلك الحكومات.

دائما مع الناس

إنّ على الرجال المعنيين بقضية العراق أن يشخصوا العلاقات البارزة في مستقبله، وهذا التحرك يجب أن يكون مقترناً بالإخلاص التام، والتوكل على الله ـ عزّ وجل ـ أولاً، وصمود الإرادة ثانياً، والابتعاد عن الاستبداد الحزبي ثالثاً.

فمن المغالطات في بعض التنظيمات الحزبية هو ابتعادها عن الناس، وعدم تفاعلها معهم، إلاّ في المواقف الحرجة التي تفرض عليهم أن يتعاملوا مع الناس، والناس لا يتفاعلون إلاّ مع من يتفاعل معهم، لا في قضاء الحاجات فحسب، بل في الآراء والأعمال أيضاً.

فإن الناس يريدون من هو منهم واليهم، وهم منه واليه، ولا يريدون جماعة تعمل خارج نطاقهم، وتتكبّر عليهم، وتستبد بالآراء دونهم؛ ولذا لا تتمكن أمثال هذه التنظيمات من تحريك الناس، فالواجب على المنظمات الإسلامية وأشباهها، وعلى من يريد إنقاذ المسلمين في العراق، وفي غير العراق أمران هما: الإستشارة، والتواضع. كما يوصينا بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «الشركة في الرأي تؤدي إلى الصواب»[20].

وقال (عليه السلام): «لا تستصغرن عندك الرأي الحظير إذا أتاك به الرجل الحقير»[21].

وقال الإمام الرضا (عليه السلام): «التواضع أن تعطي الناس ما تحب أن تعطاه»[22].

وسئل (عليه السلام): ما حد التواضع الذي إذا فعله العبد كان متواضعاً؟

فقال (عليه السلام): «التواضع درجات، منها أن يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم، لا يحب أن يأتي إلى أحد إلا مثل ما يؤتى إليه، إن رأى سيئة درأها بالحسنة، كاظم الغيظ عاف عن الناس، والله يحب المحسنين»[23].

تحمّل المصاعب

إنّ على المعنيين بقضية العراق، وتحريره من الكابوس الجاثم على صدره، أن يتحملوا الصعوبات والمشاقّ؛ فإن تحملها يسجل للإنسان التأريخ المشرق، ويدفع الأجيال إلى الأمام؛ وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إن الله عزّ وجلّ فرض الجهاد وعظمه وجعله نصره وناصره، والله ما صلحت دنيا ولا دين إلا به»[24].

ولذا نرى تحمل النبي (صلّى الله عليه وآله) المشاق الجسدية والروحية، حتى قال (صلّى الله عليه وآله): «ما أوذي نبي مثلما أوذيت»[25] وهكذا الأئمة المطهرون (سلام الله عليهم أجمعين) ومن سار على نهجهم من الأولياء والمخلصين والعلماء.

التعددية الحزبية

قال تبارك وتعالى: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ))[26].

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب»[27].

من المفردات السياسية المهمة التي يجب أن يحملها الإنسان المغيّر، هي الإطلاع والمعرفة بفوائد التعددية الحزبية، والأضرار الناجمة عن نظرية الحزب الواحد، الذي عادة ما يؤدي إلى ظهور الدكتاتورية، بينما التعددية تعطي فرصة للشعب وللأفراد، واللّجوء إلى أيّ حزب أرادوا، وإعطاء صوتهم لأي حزب يرون أنه يخدم الشعب، ويحافظ على وحدته.

ففي ظل التعددية يرتفع ستار الجبر والضغط على الشعب، وتتوفر الحريات ضمن إطار الشرع المقدس، وبموجبها يعلن الفرد ويصرح عن رأيه.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «امخضوا الرأي مخض السقاء ينتج سديد الآراء»[28].

الأحزاب في العراق

كان في العراق «44» حزباً ـ كما أتذكر ـ وكانت جميعها تعمل بحرّية ـ نسبياً ـ. وكان أكبر هذه الأحزاب أربعة منها، وهي: حزب الاستقلال،وحزب الدستور، والحزب الديمقراطي، وحزب الأمة[29]. فعلى الرغم من أن هذه الأحزاب لم تكن إسلامية، ولانقرّ بها؛ لأنّ الحزب في نظرنا يجب أن يستمد مبادئه من القرآن الكريم والسنة الشريفة، ويتّبع القيادة الرشيدة للمرجعية، إلاّ أنها كانت أحزاباً وطنية، وتقوم أحياناً على خدمة الناس والبلاد، والدفاع عنهما، وحل مشاكل الأفراد؛ ولذلك كان الناس يعكسون احترامهم وتقديرهم لهذه الأحزاب. بينما في نظرية الحزب الواحد، غالباً ما تُفرض سياسة الحزب ورؤاه الخاصة على الأمة، فيكون الأفراد مجبرين على سياسة هذا الحزب، ولا خيار لهم، لخلو الساحة من أي منافس آخر.

المعالم الواضحة

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد»[30].

وعن سليمان الجعفري قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «أتدري لم سمي إسماعيل صادق الوعد؟ ».

قلت: لا أدري.

قال: «وعد رجلاً فجلس حولاً ينتظره»[31].

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من المروءة أن تقتصد فلا تسرف وتعد فلا تخلف»[32].

من الضروري للعاملين والساعين نحو مستقبل العراق أن يوضحوا معالم طريقتهم وسياستهم ومفرداتها، وأن يحذروا الخوض في الوعود ـ بلا ميزان ـ للناس، سواء قبل الوصول إلى الحكم، أو بعد الوصول إليه، فإن الإنسان قد يحاول بسبب الوعود الخلاّبة أن يجتذب الناس حوله، بينما ذلك يأتي بعكس النتيجة، فإنه كثيراً ما لا يتمكن الإنسان من الوفاء بوعده، فينفضّ الناس من حوله، على أنه ينبغي لنا جميعاً أن لا ندّخر وسعاً لتقويم كل اعوجاج، وللوقوف بوجه كل من يعمل ضد حرية الناس، وضد حقوق المسلمين، وغير المسلمين.

البرنامج المتكامل

إن وضوح المعالم لا يقتصر على المفردات الداخلية للعمل السياسي، بل تشمل القضايا الإقليمية والدولية، فمثلاً: إن مسألة الجوار، وحسن التعامل والترابط من أهم المسائل في عالم اليوم، فلا بدّ من الإلتقاء مع الجيران وتنسيق الخطوات، ووضع نوع الروابط، التي يجب اختيارها مع هذه الدول المجاورة للعراق. وجعل هذه النقطة من الأسس الرئيسية التي تثبت في برنامج العمل المستقبلي. فلا بد من إيجاد صيغة للتفاهم مع الدول المجاورة.

كما أن البعض يتصور أن الحصول على التأييد الشعبي الكبير بإلقاء الوعود الفارغة، وتحسين الصورة من قبل أتباعه، من أهم خطوات العمل. ولكن الأمر على العكس تماماً؛ إذ أن الدخول في منافسات التأييد الشعبي مع الآخرين سوف يرهق الأموال والخزينة ويستنزفها، وبالتالي سيأتي يوم تسحب الجماهير منه تأييدها، بمجرد التقصير في أدنى نقطة في الحياة الاجتماعية ونظمها، وهذا سيؤدي إلى السقوط أو الضعف الواضح، الذي يؤدي هو بدوره إلى فتح جبهات مناهضة.

إن السير مع الجماهير بإخلاص تام، وخدمتهم بأكبر قدر ممكن، وعدم تجاهل أي منهم، وتوضيح خط سير الحركة الإسلامية التغييرية، وإعلان شعار واضح، وإبراز رجال لا تحوم حولهم الشبهات، كل ذلك هو المهم في عمل القادة والحركات؛ لأن الجماهير هي أساس الحكم، وليس شخص الحاكم أو الحركة، وكذلك بناء علاقات إنسانية مستقلة ومتينة مع الجيران، دون غموض أو تبعية، ورفع الحواجز والقيود التي وضعها المستعمرون في البلاد الإسلامية، من حدود ووثائق تُقيّد حرية الفرد والأمة.

«اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذلّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة. اللهم ما عرّفتنا من الحق فحمّلناه، وما قصرنا عنه فبلّغناه»[33] بحق محمّد وآله الطاهرين.

[1] سورة الأعراف: 129.

[2] سورة البقرة: 29-30.

[3] سورة ص: 26.

[4] سورة الأنعام: 165.

[5] غوالي اللآلي: ج1 ص129 الفصل 8 ح3.

[6] الكافي: ج2 ص165 باب أخوة المؤمنون بعضهم لبعض ح1.

[7] الكافي: ج2 ص166 باب أخوة المؤمنون بعضهم لبعض ح2.

[8] طغاة العراق اليوم يتمثلون بنظام صدام وزبانيته البعثيين الذين يجثمون على صدور الشعب العراقي منذ عام 1968م بعد انقلاب قاموا به على حكم عبد الرحمن عارف.

[9] سورة الإسراء: 20.

[10] (موهنداس كرامشاند) (1869 ـ1948م): فيلسوف ومجاهد هندي، ولد في بور بندر، اشتهر بلقب «المهاتما» أي النفس السامية، دعا إلى تحرير الهند من الإنكليز بالطرق السلمية والمقاومة السلبية بعيداً عن العنف. أدت جهوده إلى استقلال الهند عام 1947م. اغتاله براهماتي متعصب. يعد من أبرز دعاة السلام واللاعنف في العصر الحديث.

[11] انظر الكافي: ج8 ص138 حديث عيسى ابن مريم (على نبينا وعلى آله وعليه السلام) ح103، وفيه: «.. وإن لطم خدك الأيمن فأعطه الأيسر».

[12] لمعرفة المزيد عن سيرة غاندي انظر كتاب (قصة تجاربي مع الحقيقة).

[13] قاجار: سلالة حكمت إيران (1795-1925م)، أسسها آغا محمد خان وتوالى عليها فتح علي شاه، ومحمد شاه، وناصر الدين شاه، ومظفر الدين شاه، وكان آخرهم أحمد شاه (1909-1925م) وبعده جاء رضا بهلوي.

[14] بحار الأنوار: ج7 ص323 ب16 ضمن ح16.

[15] مستدرك الوسائل: ج8 ص353 ب27ح9460.

[16] بحار الأنوار: ج13 ص429 ب18 ضمن ح23.

[17] سورة المؤمنون: 52.

[18] مستدرك الوسائل: ج12 ص89 ب75 ح13598.

[19] انظر وسائل الشيعة: ج24 ص283 ب24 ح30551.

[20] غرر الحكم ودرر الكلم: ص441 ق6 ب4 الفصل 1 ح10061.

[21] غرر الحكم ودرر الكلم: ص441 ق6 ب4 الفصل1 ح10058.

[22] الكافي: ج2 ص124 باب التواضع ح13.

[23] الكافي: ج2 ص124 باب التواضع ح13.

[24] الكافي: ج5 ص8 باب فضل الجهاد ح11.

[25] المناقب: ج2 ص247 فصل في مساواته يعقوب ويوسف (عليهما السلام).

[26] سورة الشورى: 38

[27] غرر الحكم ودرر الكلم: ص422 ق6 ب4 الفصل1 ح10063.

[28] غرر الحكم ودرر الكلم: ص422 ق6 ب4 الفصل1 ح10062.

[29] حزب الأمة: كان في كربلاء وكان من ضمن المتنافسين على قيادته (عبد الحسين كمونه).

[30] وسائل الشيعة: ج12 ص165 ب109 ح15965.

[31] وسائل الشيعة: ج12 ص165 ب109 ح15967.

[32] غرر الحكم ودرر الكلم: ص252 ق3 ب2 الفصل 2 ح5292.

[33] البلد الأمين: ص195 دعاء في كل ليلة من شهر رمضان.