الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

من أسباب تأخر المسلمين

إن المسلمين في الحقيقة أخلّوا بأوامر الله وتركوا ما أمرهم به تبارك وتعالى، فانعكست بهم الآية، وسيطر عليهم من (ضربت عليهم الذلة والمسكنة )(1) فلنتدبر كيف تكون العقوبة..

فقد جاء في الحديث القدسي في باب (كلام الله مع أنبيائه): (اذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)(2).

فاذا ما تفحصنا التاريخ وغصنا في أحداثه، سنجد هذا القانون العادل أمام العين في كل معادلة حيوية؟!

وقد كانت الفترة الأولى من حياة المسلمين تتميز بطابع خاص، وكانوا ينظرون إلى كلام الله والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ينظرون الى المسلّمات غير القابلة للنقاش، سواء علموا سرّه، ام لم يعلموا.

وأقول: سواء قبلنا ام لم نقبل، ان المسلمين عصوا الله، فسلّط عليهم اليهود، وليس هذا التسلط ليوم او بعض يوم، بل هو خمسون عاماًَ.

المسلمون واليهود

إن المسلمين اليوم ليسوا بأقليّة، فقبل عدة سنوات كانت اقل الإحصاءات تقول: إن عدد المسلمين يناهز الألف مليـون مسلم، واليوم فإن عددهم قد ناهز المليار وستمائة مليون مسلم(3).

اما اليهود، فإن عددهم في جميع المعمورة(4) لا يناهز الـ أربعة عشر مليون نسمة (14000000) منهم أربعة ملايين في اسرائيل، وخمسة ملايين في امريكا، والباقي في سائر انحاء العالم.

ومن باب المثال (ولا مناقشة في الأمثال) ان يهود العالم بأجمعهم اقل من نفوس مدينة طهران ذات الستة عشر مليون نسمة.

السؤال هو: كيف حدث ان أربعة ملايين يهودي في اسرائيل يصمدون في وجوه المسلمين، بل ينفذون ما يريدون ونحن ذوي المليار والستمائة مليون؟!.

هذا بغض النظر عن ان المسلمين في العالم هم الاغنى.. فمصادر الطاقة تحت ايدينا، بل احتياطي العالم من الطاقة تحت اراضينا، مما يجعلنا أسياد العالم ويكون الغرب والشرق خاضعاً لنا ومحتاجاً الينا.

فيكف يحدث ان أربعة ملايين يهودي في اسرائيل يحكمون ويسيطرون على اراضينا، ونحن نملك العدة والقوة؟! وقد قال الله تعالى عنهم: (‎وضربت عليهم الذلة والمسكنة )(5).

وقال تعالى عنا: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(6).

اتحادهم وتفرقنا

ولأجل تقريب معنى ما نعانيه اليوم ، وما وصل بنا الحال نذكر هذه القصة الطريفة:

يحكى أنه كانت هناك قافلة ضخمة متجهة نحو إحدى المدن، وفي الطريق تعرض لها قطاع الطرق وسلبوا القافلة، حتى جرّدوهم من ثيابهم وتركوهم في العراء، وعند وصول القافلة الى المدينة القريبة تعجب اهلها من هذا المنظر، وسألوا عن السبب؟.

فقالوا لهم: لقد تعرض لنا قطاع الطريق وسلبونا وتركونا كما ترون؟!

فسألوهم: وكم كنتم؟.

قالوا: مائة نفر .

ثم سألوهم: وكم عدد اللصوص؟.

فقالوا: اثنان.

فتعجب اهل القرية، واخذوا يضحكون من هؤلاء ويقولون كيف سلبكم اثنان وانتم مائة؟!

فقال اهل القافلة: ما كان ذاك الا لاتحادهم على باطلهم وتفرقنا عن حقنا!

وهكذا الحال في قضيتنا اليوم: فان أربعة ملايين يهودي متحدون (على باطلهم)، والعرب ـ (لو عبرنا كما يعبّرون حيث جعلوا الصراع عربياً اسرائيلياً) ـ مائتان وخمسون مليون متفرقون غير متحدين، هذا ان اخرجنا المسلمين غير المتحدين ايضاً من المعادلة والا فنحن مليار وستمائة متفرقون.

في الواقع نحن خالفنا اوامر الله..

وقد ورد مثل هذا في القرآن الكريم في سورة البقرة، حيث يقول الله تعالى مخاطباً اليهود: ( يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واني فضّلتكم على العالمين)(7).

أي: انكم كنتم امة قد ارتقت المراتب العالية من طيبة النفس وحسن الالتزام، مما استوجب تفضيلكم على بقية الأمم والشعوب في ذلك الزمان على الذين عتوا عن أمر ربهم ولم يلتزموا بأوامر الانبياء (عليهم السلام).

وفي آية أخرى يقول عزوجل: (اذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين )(8).

فإن طاعة بني إسرائيل لله تعالى جعلتهم ملوكاً واستطالوا على أهل زمانهم.

ولكن ذلك لم يدم طويلاً ، فبمجرد أن تركوا أوامر الله تعالى جانباً سلب عنهم تاج الملوكية والعزة، وألبسوا لباس الخزي وجرّعوا الذل وهذه الآية تشير الى ذلك:

( ثم انتم هؤلاء تقتلون أنفسكم(9) وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان… فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشد العذاب… )(10).

أي: لأنكم خالفتم اوامر الله .. ضربت عليكم الذلة والمسكنة.

ونفس هذا الامر حصل مع المسلمين حيث انهم ـ في بدو الأمر ـ انصاعوا لأوامر الله تعالى فكان ذلك سبب ازدهارهم وتفوّقهم على جميع الأمم ففي القرآن الكريم:

(كنتم خير امة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )(11).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)(12).

ولكن اليوم حيث ترك المسلمون اوامر الله سبحانه جانباً، سلب عنهم تاج العزة، واصبحوا تحت سيطرة الأعداء.

بين العراق واسرائيل

لو قارنا بين اسرائيل والعراق كمثال على ذلك فالاسرائيليون اليهود في قانونهم لا يقتل يهودي واحد وفي الجانب الآخر العراق، كم قتل من الابرياء المسلمين والعراقيين هناك؟!!

فها نحن كسبنا صفاتهم وكسبوا صفاتنا.

فالانتهاك لحقوق المسلمين في العراق وقتلهم للأبرياء لا يدخل ضمن دائرة الحصر.. فها نحن كسبنا صفاتهم وكسبوا صفاتنا.. سلكوا سبل العزة وسلكنا سبل الذل!.

وعلى مدى الخمسين عاماً لم يحصل ان اسرائيل اخرجت يهودياً واحداً من اسرائيل. اما العراق، فإنه اخرج اكثر من ثلاثة ملايين من العراقيين بين مهجر ومهاجر، ناهيك عن مئات الآلاف من القتلى والمعوقين هم حصاد حربين استنـزافيتين وعشرات الآلاف من السجناء الأبرياء؟!.

وهذا مجرد مثال بسيط، وبلاد المسلمين حبلى بأشباه ونظائر ما يحصل مع شعب العراق.

فالخلاصة: انه بعد ان تبادل القوم الصفات الحسنة بالسيئة(13) وجّه الله الضربة علينا بذات الصفعة التي صفع بها اليهود آنذاك، فالدنيا دنيا الأسباب والمسببات، وقد قال تعالى: (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك )(14).

هذا هو القانون الالهي العادل في هذا الكون.

رسالة الى ياسر عرفات

قبل فترة طويلة(15) بعثت برسالة الى احد القادة الفلسطينيين(16) قلت فيها ضمن كلام لي:

لا يمكن ان تحصلوا على النصر وتصلوا الى أهدافكم ـ إزالة اسرائيل ـ وأنتم تتمسكون بأساليبكم هذه، وذلك لسببين:

الأول: العنف.

الثاني: ترك كتاب الله وراء أظهركم.

اما محاولة الوصول الى الهدف بواسطة العنف فهي فاشلة مقدماً، وذلك لسبب بسيط وهو انكم تحملون السيف بوجه الرشاش الذي يحمله العدو [ اسرائيل] فكيف يمكن لهذا العنف، غير المتوازن، إزالة إسرائيل ؟!! .

بغض النظر عن أسلوبكم في إدارة الأمور في فلسطين المستند الى الإرهاب والقتل.

فإسرائيل غالبة بما تملك من تقنية عالية في السلاح وهي في ذلك تفوقكم كمية وكيفية، ففي العقد الماضي كانت إسرائيل تصنع بنفسها ستمائة نوع من السلاح من الرصاص الى الطائرات الحربية، وفي المقابل البلاد الإسلامية جمعاء لاتصنع من سلاحها ستمائة نوع، ولا يجاري سلاحها السلاح الاسرائيلي في الكيفية.

اذن العنف ليس هو الطريق الأسلم لاسترداد الحقوق، بل مردوده سلبي دائما، والطريق الأمثل والأنجح في العمل هو السلم واللاعنف وخير مثال على ذلك هو أسلوب رسول الله (صلى الله عليه وآله)(17) السلمي في مواجهة المؤامرات الضخمة التي كانت تحاك من قبل المشركين والكفار في الجزيرة العربية، وكيف تمكن من دخول مكة المكرمة – معقل المشركين- وفتحها بدون إراقة دماء او اللجوء الى الإرهاب(18).

اما عن السبب الثاني: ترك العمل بكتاب الله تعالى:

فلو القينا نظرة سريعة على تاريخ فلسطين لوجدنا ان القرآن ـ ومن ثم المسلمون وليس العرب فقط ـ هو الذي يحافظ على وجود هذا البلد بين ايدينا، فكلما خرجت فلسطين من ايدينا استرجعها المسلمون من الصليبيين وغيرهم، وليس العرب ـ بعنوان انهم عرب ـ اما انتم(19) فتجعلون النـزاع بين العرب فقط واسرائيل، لا المسلمين بأجمعهم.

اما اليهود فإنهم صاروا كلهم إخوانا تحت مظلة الدين اليهودي، فاليهودي الروسي يحترم اليهودي اليمني، وكذلك الحال مع اليهودي الأمريكي والمغربي والأثيوبي الأسود و… فهولاء اليهود الذين هم من مختلف القوميات يجتمعون تحت مظلة واحدة، هي الديانة اليهودية .

هذا العنوان الديني هو الذي اعطاهم هذا الكيان الضخم، الأمة الواحدة اليهودية .. الاخوة اليهودية .. الحرية اليهودية.

ونحن المسلمون عندما تركنا عنوان الدين الإسلامي جانباً، وتركنا هذه الركائز تلقائياً، أصبحنا بعيدين عن الأمة الإسلامية الواحدة، الاخوة الإسلامية.. والحرية الإسلامية.

مع ان القرآن الكريم يشير الى هذه النقاط المهمة في آيات متعددة.

قال تعالى : (إن هذه أمتكم أمة واحدة )(20).

لكننا اصبحنا امماً متشتتة .. الأمة العراقية والإيرانية والباكستانية والسودانية و..و.. فأصبحنا خمسين أمة بل أكثر.

اما اليهود فغدوا أمة واحدة، وصاروا أخوة، بخلاف ما عليه المسلمون الذين امتلأت حياتهم تفرقة وتشتتهم الأممية والقومية(21).

ونتيجة هذه التفرقة انتهى الامر بالقيادة الفلسطينية بعد جهاد طويل مرير الى التنازل عن الارض الفلسطينية التي سفك على أعتابها دماء عشرات الآلاف من المسلمين للحفاظ عليها إسلامية، خالصة لليهود والاقتناع بحكم شظايا صغيرة باسم (غزة واريحا)(22) تحت مظلة الحكم الاسرائيلي الذي ما انفك يشبعهم الإهانة تلو الإهانة، تحت مرأىً ومسمع الفلسطينيين الذين يتجاوز عددهم الخمسة ملايين، والعرب الـ (250) مليون، والمسلمين الـ (الف وستمائة مليون)(23).

هذه هي النتيجة الحتمية، واننا لن ولن ننجح مادمنا ننتهج هذا الأسلوب الخاطئ، وما دمنا نبتعد عن النهج الذي رسمه القرآن الكريم لنا.

حتمية السقوط

وذكرت في محاضرة لي(24) ان عبد الناصر لن ينتصر على اسرائيل! في حين كان الجميع يظن خلاف ذلك، وكان لي الأدلة على ذلك، استفدتها من طريقة تعامل عبد الناصر حتى مع شعبه، وطريقة تعامل اليهود حتى مع غيرهم، فقرأت كتابين.

الأول اسمه: (أقسمت ان أقول).

والكتاب الثاني: (في معتقل الأنصار).

وعندما يقرأ الإنسان هذين الكتابين يعرف بعض المشكلة الموجودة في البلاد الإسلامية، ومن خلال ذلك قد يكون الأمر جلياً بعدم انتصار عبد الناصر، فالكتاب الأول لاحد السجناء المسلمين في زنزانات عبد الناصر، والثاني لفلسطيني قد سجن في اسرائيل.

اشار صاحب الكتاب الاول الى التعذيب الوحشي الذي يمارس في سجون عبد الناصر وكيف كانوا يتفننون في تعذيب المسلمين.

كما يذكر المؤلف الثاني ما مورس بحقه في سجون اسرائيل، فإن الممارسات الاسرائيلية اليهودية بحق ذلك الفلسطيني الذي يعتبر عدواً لهم تكون أخف مما كان في سجون عبد الناصر فلم تتجاوز بعض أنواع التعذيب النفسي وما أشبه.

مع فارق ان اسرائيل لا تعذب اليهود(25).

ولكنا لو راجعنا سجلات السجون والتعذيب القاسي ـ ان وجدت سجلات ـ في البلاد الإسلامية لما وجدناها تجاوزت المسلمين…

 

1 ـ البقرة : 61. 

2 ـ مستدرك الوسائل ج 11 ب 41 ص 338 ح 13207. 

3 ـ وفي كتاب (عندما يحكم الاسلام) لعبد الله فهد النفيسي، الصفحة الاخيرة ، 1996م يذكر ان عدد المسلمين حالياً مليارا مسلم (2000000000). 

4 - في هذا اليوم وحسب اكثر الاحصاءات. 

5 - البقرة: 61. 

6 - المنافقون: 8. 

7 - البقرة: 47. 

8 - المائدة: 20. 

9 - أي يقتل بعضكم بعضاً . راجع تفسير شبر ص 26. 

10 - البقرة: 85. 

11 - آل عمران: 110. 

12 ـ وسائل الشيعة ج 17ص 376 ب 1 ح 11، ومستدرك الوسائل ج 17 ص 142 ب 1ح 20985. 

13 ـ قال تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم) [البقرة: 85]. 

14 - الاسراء: 20. 

15 - في اوائل الثمانينات او قبلها. 

16 - وهو ياسر عرفات. 

17 - راجع كتاب (الصياغة الجديدة) و(ممارسة التغيير) و(السبيل الى انهاض المسلمين) و(حكومة الرسول (ص) والإمام أمير المؤمنينu ) للإمام المؤلف (دام ظله). 

18 - راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) للإمام المؤلف. 

19 - الخطاب الى ياسر عرفات. 

20 - الأنبياء: 92. 

21 - لكل يهودي في العالم جنسيتان، الاولى اسرائيلية والثانية جنسية الوطن الذي يقطنه، وبلادنا تحرم الحصول على جنسية ثانية، بل ترى لنفسها الحق في اسقاط الجنسية عمن لا ترغب فيه. 

22 - تبلغ مساحة غزة (32400) دونم فقط. راجع الموسوعة السياسية ج4 ص 349 غزة. 

23 - وعدد المسلمين حالياً (2000000000) كما سبق. 

24 - ألقاها سماحة الإمام الشيرازي في أواخر عهد عبد الناصر. 

25 - حتى ان قاتل اسحاق رابين يعيش معززاً مكرماً في سجن مرفه.