الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

لمحة من ثورة العشرين

صورة عن عراق ثورة العشرين

كانت ولادتي في العراق في النجف الأشرف بعد زهاء عشر سنوات من ثورة (العشرين) وقد كان العراق بدائياً إلى أبعد حد فلم يكن ماء الإسالة ولا الكهرباء ولا الشوارع المبلطة ولا المواصلات المنتظمة، والمدن كانت قديمة البناء والأزقة ضيقة متعرجة مرتفعة ومنخفضة، وكثير من الأزقة والأسواق كانت مسقّفة بسقوف قديمة، وكانت مياه الأمطار تجتمع في كثير من الأماكن، محدثة الأوحال مدة مديدة في الشتاء، ولم يكن للوسائل الحديثة عين ولا أثر، كالمعامل والمكائن وأسباب الرفاه الموجودة حالياً والإذاعة والتلفزيون ومكائن الخياطة اليدوية والثلاجات والغسالات والمبردات وما أشبه، وقد رأيت أول ما رأيت الكهرباء على الجسر في الكوفة وكانت المصابيح الكهربائية لا تعطي الضوء إلا بما يشبه الشمع ولم تكن تضيء الشارع (أي شارع الجسر) وإنما كانت هي بنفسها مضيئة فلا يعرف الإنسان إلا أن الطريق ممتد حسب امتدادها، وقد رأيت بغداد مدينة شبه خربة فهي وإن كانت أوسع من النجف وكربلاء إلا أنها كانت أيضاً كالنجف وكربلاء والحلة وغيرها مدينة بدائية، وإذا كانت هذه المدن فكيف تكون حالة القرى والأرياف ونحوها؟

وكان الفقر مخيماً على أغلبية الناس، والغالب يعيشون على الزراعة وشيء قليل من الأمور اليدوية والبناء ونحوها.

بعض عوامل الانتصار

وهنا يأتي سؤال وهو أنه كيف تمكن أن يحارب الإمام الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي (ره) بهذه البلاد البدائية والتي لا تعدو نفوسها خمسة ملايين ـ على أكثر الفروض ـ حكومة عصرية حضارية كبيرة جداً كبريطانيا والتي كان نفوذها يشمل أكثر من ألف مليون في مستعمراتها: الهند والصين ومصر وتركيا وغيرها، وقد كانت الحكومة البريطانية أكبر حكومة في عالم ذلك اليوم وكانت مزوّدة بأحدث الوسائل كالطائرات والقاطرات والبواخر والأسلحة الحديثة والجيش المدرّب، وغير ذلك، بينما العراق لم يكن يملك حتى أسلحة يدوية حديثة باستثناء بعض البندقيات القديمة ونحوها بل كانت أكثر أسلحتهم تنحصر فيما يسمى بـ(الجراز) و(المكَوار) و(الفالة) وما أشبه؟

الجواب: إن الإمام الثائر تمكن أن يحرك العراق من أقصاه إلى أقصاه بوسائل أهمها:

1ـ استقطاب العلماء

لقد تمكّن الإمام الشيرازي من استقطاب أكثر من ستين من المجتهدين الذين كانوا مراجع التقليد في ذلك اليوم، أو صاروا مراجع للتقليد فيما بعد، أمثال: شيخ الشريعة الاصبهاني والشيخ محمد كاظم الشيرازي والسيد الوالد وابن العم السيد عبد الهادي الشيرازي والشيخ مهدي الخالصي والسيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ ميرزا حسين النائيني وغيرهم ممن ذكرت أحوالهم في التاريخ مفصلة، فإنهم كانوا معه، ولذا كان معه سائر رجال الدين.

وقد استطاع الميرزا (ره) تحريك العشائر بواسطة هؤلاء الأقطاب وغيرهم، ومن المعلوم أن العراق كان بلداً عشائرياً في ذلك اليوم، بل وإلى هذا اليوم، حتى أن المدن هي امتداد عشائري من قاطني أطراف تلك المدن ونحو ذلك.

2ـ أخلاقيات القيادة

وكانت صفاته النفسية (ره) من العلم والحلم والزهد والتقوى والورع، وأخلاقه الاجتماعية من المداراة وحسن الخلق وما أشبه وتدبيره للأمور من العوامل التي سبّبت حبّ الناس له حبّاً منقطع النظير.

وكان من زهده أنه لم يكن يملك حتى داراً لسكنه وإنما كان ساكناً في دار مستأجرة وقد رأيت تلك الدار حيث كان يسكنها أولاده من بعده، ولباسه كان بسيطاً أيضاً وأحياناً كان يلبس الملابس المرقّعة، كما أن طعامه كان بسيطاً إلى أبعد حد.

ومن حسن أخلاقه أنه كان يعفو عمن ظلمه، ويصل من قطعه، ويحلم عمن جهل عليه، حتى أنه ذات مرة سبّه إنسان في وجهه وهو في أوج عظمته وقدرته فعفا عنه، بل فوق ذلك أكرمه بشيء من المال، وبالجملة فقد كانت أخلاقه مثالية، وكان رحب الصدر جداً ولم يتغير بعد تزعّمه للمرجعية أبداً حتى أن أحد المراجع نقل لي أنه قال الميرزا (ره) ذات مرة له وللآخرين من الطلبة: إن أشغالي اليوم قد تكثرت وأنا أقوم اليوم بزعامة دينية وثورة ضد الحكومة البريطانية، ورؤساء العشائر ومن إليهم يكثرون حولي، ولعل لأحدكم حاجة فلا يتمكن من الوصول إليّ، فإذا كانت لأحدكم حاجة فإني في كل يوم أتمشى على شاطئ النهر (المسمى بنهر الحسينية) بعد صلاة الصبح فمن كانت له حاجة إليّ ويريد أن يواجهني شخصياً فليأت لمقابلتي هناك، وقال المرجع الذي نقل لي القصة: وقد ذهبت أنا عدة مرات إليه لبعض حاجاتي في ذلك الوقت، فكنت أراه إما يتمشى وحده وإما هناك بعض الطلبة من أصحاب الحوائج يلتفون حوله يسألونه عن المسائل، أو يتقاضون منه حوائجهم أو ما أشبه ذلك، كما قال أيضاً: لم تكن أخلاقه بعد زعامته الدينية ومرجعيته للشيعة عامة وبعد قيامه بالثورة تختلف عن أخلاقه في الأيام التي لم يكن فيها محوراً للدين وللدنيا، وهذا الأمر ـ وهو كونه مرجعاً أعلى للشيعة في عالم ذلك اليوم إلى جانب خوف بريطانيا من توسّع دائرة الثورة والجهاد إلى سائر مستعمراتها ممن كان أهلها من مقلّدي الإمام أمثال كثير من سكان الهند والصين وإيران والخليج وقفقاز وغيرها ـ سبّب أن البريطانيين لم يلحوا في البقاء في العراق، ولو بإبادة أهلها، فقد حدثت في تلك الظروف اضطرابات في الهند والصين وإيران ومصر وغيرها كما هو معروف، ولذا انتهت الثورة باستقلال العراق بعد ما قتل العراقيون من البريطانيين زهاء ثمانين ألفاً (وفي بعض الأقوال زهاء مائة ألف) وقتل البريطانيون من العراقيين زهاء مائتي ألف كما حدّثنا بذلك بعض رجال الثورة ممن رأيتهم أمثال: السيد محمد الطباطبائي، والسيد مرتضى الطباطبائي، والشيخ عبد الحسين الشيرازي، والشيخ محمد رضا الشيرازي، ابني الإمام الثائر، والسيد محمد حسين الكشميري والسيد محمد الكشميري والشيخ جعفر الرشتي وغيرهم من الذين عاصروا الثورة وكانوا من قادة الثورة.

وربما يسأل سائل أنه حيث كان الميرزا قائماً بالثورة وكان بهذه البساطة من المعيشة حيث لم يكن له حفظة وحجّاب وما أشبه حتى أنه كان يتمشى يومياً في الصباح الباكر على النهر، وكذلك كان يذهب إلى الدرس وإلى الحرم الشريف وغيرها فلماذا لم يقم البريطانيون باغتياله، بينما كان ذلك بسيطاً إلى أبعد حد؟

والجواب: إن الاغتيال يحدث إما على أيدي بعض الناس المتدينين أو على أيدي البريطانيين، وحيث قد عرفت الأخلاق الرفيعة للميرزا ورضا الخاصة والعامة عنه فلم يكن هناك من يفكر في اغتياله من الناس وإنما كان محبوباً عند الجميع وحتى لو كان هناك من يكرهه فلم تكن الكراهة تصل إلى حد الاغتيال.

وأما البريطانيون فإنه كان بإمكانهم اغتياله وكان سهلاً جداً، إلا أنّهم كانوا يعلمون أن اغتياله يعود عليهم بالضرر الأكيد، حيث إن الاغتيال لا يخفى على أحد وينتج أن تشتد ضراوة الحرب بين البريطانيين وبين العراقيين بل وتمتد إلى سائر الأقطار، لكن البريطانيين توصلوا إلى طريقة ذكية للاغتيال حيث تمّ اغتياله بالسم في قصة مفصلة.

3ـ القدرة المالية

والسبب الثالث الذي به تمكن الشيخ الإمام من قيادة الثورة ضد البريطانيين إلى النصر وانتزاع الاستقلال للعراق هو أن المرجعية العليا للميرزا كانت تدر عليه أموالاً كثيرة، وقد صرف الميرزا تلك الأموال في الثورة، فكانت الأموال توزّع على العشائر بكثرة هائلة، كما كانت توزّع على الفقراء والمساكين ومن إليهم، فقد حدثني بعض رجال الثورة أن الميرزا كان يوزّع أكياساً كبيرة من الليرات الذهبية على العشائر كما حدثني الشيخ محمد كاظم الشيرازي (رحمه الله) أنه أحياناً كان يؤخّر الميرزا شهريات الطلاب لأجل صرف المال بين العشائر وفي أمور الحرب، كما أنه حدثني أحد وكلاء الميرزا في توزيعه المال على الطلاب والفقراء والمساكين قال: كان الميرزا يعطيني أكياساً من المال لأجل التوزيع على الطلاب والفقراء والمساكين قال: وذات مرة في الليل دخلت داره وصعدت إلى السطح، حيث لم أره في غرفته وكان عهدي به أنه يذهب إلى السطح لأجل العبادة في كل ليلة، ولما أشرفت على السطح رأيت الميرزا مخففاً ملابسه وهو يتمرّغ على التراب ويبكي بكاءً مرّاً، لكني لم أُظهر نفسي بل رجعت إلى الوراء ونزلت بعض الدرج، ثم أخذت أقول: يا الله يا الله وأنا أنظر إلى الميرزا من طرف خفي فلما أحسّ الميرزا بصوتي قام من مكانه ومسح دموع عينيه ولبس عمامته وقباءه، وجلس على الأرض، وقال: (تفضلوا)، فصعدت فأعطاني كمية من الليرات وقال: أعطها للطلبة وللفقراء وغيرهم. ثم قال: ولا تقل هذا يستحق وهذا لا يستحق، وإنما عليك أن تعطي الكل.

ومن المعروف أن المال أحد أركان التقدم في الحياة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لولا مال خديجة وسيف علي لما استقام الإسلام).

فإن من الواضح أن المال كان يساعد الفقراء من المسلمين وغير المسلمين على التقدم والاستمرار، كما أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعطي المال للكفار أيضاً كما في قصة فتح خيبر، وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل كمية من المال إلى كفّار مكة لتأليف قلوبهم، الكل يعلم أن مكة كانت في حالة حرب مع رسول الله، وكذلك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعطي سهماً للمؤلفة قلوبهم من المؤمنين الضعاف الإيمان كما ورد في القرآن الحكيم، (وكان يجيز الوفود بالأموال).

كما أن السيف كان لدفع المهاجمين، ولذا لم يستعمل علي (عليه الصلاة والسلام) السيف ولو مرة واحدة للهجوم وإنما استعمله دفاعاً سواء في حياة رسول الله أو بعد حياته فإن حروب الرسول صلى الله عليه وآله كانت كلها دفاعية، كما أن حروب الجمل والنهروان وصفين كانت كلّها دفاعية فليس معنى هذه الجملة (سيف علي عليه السلام)، إن الإسلام وضع السيف هجوماً، وإنما وضع السيف دفاعاً.

وعلى أي حال، فإن من المشاهد في التاريخ القديم والحديث أن للمال دوراً كبيراً سواء في الحق أو في الباطل فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان من أسبابه المال الذي وفّر له بسبب السيدة خديجة عليها الصلاة والسلام.

كما أن من أسباب قتل الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام المال الذي فرّقه ابن زياد في رؤساء العشائر، وقد قال فوق منبره لما أراد تحريضهم على قتل الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام (وهذا يزيد كذا وكذا، وقد زاد في عطائكم مائة مائة) ثم فرّق الصفراء والبيضاء التي كانت مكدسة في بيت المال على الناس، وأخرجهم إلى حرب الحسين عليه الصلاة والسلام ولكن لا يخفى أن الكل لم يحاربوا الحسين عليه الصلاة والسلام بل كانت السجون ممتلئة بالناس الذين أبوا الانصياع إلى أوامر ابن زياد، وقد ورد في بعض التواريخ أن من بين كل ألف شخص كان يرسله ابن زياد إلى الكوفة كان يهرب منهم ستمائة، ومعنى ذلك أن عبدة المال هم الذين حاربوا الحسين عليه الصلاة والسلام، كما أن بعضهم حاربوه لأجل المنصب والجاه أمثال عمر بن سعد فلم تكن الحرب منهم لأجل الدين والعقيدة، بل صرح عمر بأنه لا دين له قائلاً(1).

فوالله مــا أدري وإنـي لحائـــر***أفكـــر في أمري على خطريـن

أأترك ملك الرّي والري منيتي***أم أرجــع مأثوماً بقـتـل حسيــن

حسين بن عمـــــي والحـوادث***لعمري ولـي في الرّي قرة عين

يقولـــون إن الله خالـــق جنــة***ونـــار وتعــذيـــب وغــل يديــن

فإن صدقوا فيــما يقولون إنني***أتوب إلــى الرحمـــن من سنتين

وإن كذبوا فزنـا بدنيا عظيمــة***وملك عظــيـــم دائـــم الحجليــن

ولا يخفى أنه لم تكن عبادة المال من قِبَل أولئك الذين حاربوا الحسين عليه السلام من أهل الكوفة فقط، بل كان أهل الشام وغيرهم كذلك أيضاً.

مثلاً: نجد في كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة، أنه لما اصطلح عبد الملك وعمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده، أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد نصف النهار أن ائتني أبا أمية، قال: فخرج ليأتيه، فقالت له امرأته: لا تذهب إليه، فإني أتخوفه عليك، وإني لأجد ريح دم مسفوح. قال: فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه، فشجها، فتركته، فأخرج معه أربعة آلاف رجل من أهل دولته، لا يقدر على مثلهم، مسلّحين، فأحدقوا بخضراء دمشق، وفيها عبد الملك بن مروان، فقالوا لعمرو: إذا دخلت على عبد الملك بن مروان يا أبا أمية ورابك منه شيء فأسمعنا صوتك، فقال لهم: إن خفي عليكم صوتي ولم تسمعوه، فالزوال بيني وبينكم ميعاد، إن زالت الشمس ولم أخرج إليكم، فاعلموا أني مقتول أو مغلوب، فضعوا أسيافكم ورماحكم حيث شئتم، ولا تغمدوا سيفاً حتى تأخذوا بثأري من عدوّي.

قال فدخل، وجعلوا يصيحون: يا أبا أمية أسمعنا صوتك، وكان معه غلام أسحم شجاع، فقال له: اذهب إلى الناس فقل لهم: ليس عليه بأس ليسمع عبد الملك أن وراءه ناساً، فقال له عبد الملك: أتمكر يا أبا أمية عند الموت! خذوه فأخذوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أقسم ليجعلنّ في عنقك جامعة فجعل ثم نتر إلى الأرض نترة، فكسرت ثنيته. قال: فجعل عبد الملك ينظر إليه.

فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين، عظم انكسر.

فقال عبد الملك لأخيه عبد العزيز: اقتله حتى أرجع إليك. قال: فلما أراد عبد العزيز أن يضرب عنقه قال له عمرو: تمسّك بالرحم يا عبد العزيز أنت تقتلني من بينهم فتركه، فجاء عبد الملك فرآه جالساً، فقال له: لِمَ لم تقتله؟ لعنه الله ولعن أُماً ولدته، قال: فإنه قال: تمسّك بالرحم فتركته.قال: فأمر رجلاً عنده يقال له ابن الزويرع، فضرب عنقه ثم أدرجه في بساط ثم أدخله تحت السرير(2).

قال: فدخل عليه قبيصة بن ذؤيب الخزائي، وكان أحد الفقهاء، وكان رضيع عبد الملك بن مروان، وصاحب خاتمه ومشورته، فقال له عبد الملك: كيف رأيك في عمرو بن سعيد؟ فأبصر قبيصة رجل عمرو تحت السرير، فقال: اضرب عنقه يا أمير المؤمنين، فقال له عبد الملك: جزاك الله خيراً، فما علمتك إلا ناصحاً أميناً موفقاً، قال: فما ترى في هؤلاء الذين أحدقوا بنا، وأحاطوا بقصرنا؟ قال قبيصة: اطرح رأسه إليهم يا أمير المؤمنين، ثم اطرح عليهم الدنانير والدراهم يتشاغلون بها. قال: فأمر عبد الملك برأس عمرو أن يطرح إليهم من أعلى القصر، فطرح إليهم، وطرحت الدنانير، ونثرت الدراهم، ثم هتف عليهم هاتف ينادي: أن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم، بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ، ولكم على أمير المؤمنين عهد الله وميثاقه أن يحمل راجلكم ويكسو عاريكم، ويغني فقيركم، ويبلغكم إلى أكمل ما يكون من العطاء والرزق، ويبلغكم إلى المائتين في الديوان، فاعترضوا على ديوانكم، واقبلوا أمره، واسكنوا إلى عهده، يسلم لكم دينكم ودنياكم، قال: فصاحوا نعم، نعم، سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين.

وفي نفس الكتاب(3): أن جريراً لم يزل بأبي مسلم حتى أقبل به، وكان أبو مسلم يقول: والله لأقتلنّ في الروم، فأقبل منصرفاً، فلما قدم على أبي جعفر وهو يومئذ بالرحبة من المدائن، أمر الناس يتلقونه، وأذن له فدخل على دابته، ورحّب به وعانقه وأجلسه معه على السرير، وقال له: كدت أن تخرج ولم أفض إليك بما أُريد، فقال: قد أتيت يا أمير المؤمنين إليك فليأمرني بأمره، قال: انصرف إلى منزلك وضع ثيابك وادخل الحمام ليذهب عنك كلال السفر، وجعل أبو جعفر ينتظر به الفرصة فأقام أياماً يأتي أبا جعفر كل يوم فيريه من الإكرام ما لم يره قبل ذلك حتى إذا مضت له أيام أقبل على التجني فأتى أبو مسلم إلى عيسى بن موسى فقال: أركب معي إلى أمير المؤمنين فإني قد أردت عتابه بمحضرك، فقال عيسى: أنت في ذمتي فأقبل أبو مسلم فقيل له: ادخل فلما صار إلى الزقاق الداخلي قيل له إن أمير المؤمنين يتوضّأ، فلو جلست، فجلس وأبطأ عيسى بن موسى عليه، وقد هيأ له أبو جعفر عثمان بن مهيك وهو على حرسه في عدة فيهم شبيب بن رياح وأبو حنيفة حرب بن قيس، فتقدم أبو جعفر إلى عثمان، فقال له: إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا، وجعل عثمان وأصحابه في ستر خلف أبي مسلم في قطعة من الحجرة، وقد قال أبو جعفر لعثمان بن مهيك إذا صفّقت بيدي فدونك يا عثمان، قيل لأبي مسلم: إنه قد جلس أمير المؤمنين فقام ليدخل، فقيل له: انزع سيفك فقال: ما كان يصنع بي هذا، فقيل: وما عليك، فنزع سيفه وعليه قباء أسود وتحته جبة خز.

فدخل أبو مسلم وجلس على وسادة ليس في المجلس غيرها وخلف ظهره القوم خلف الستر، فقال أبو مسلم: صنع بي يا أمير المؤمنين ما لم يصنع بأحد، نزع سيفي من عنقي قال: ومن فعل ذلك قبّحه الله، ثم أقبل يعاتبه فعلا صوته، فقال: يا أمير المؤمنين لا يقال مثل هذا لي على حسن بلائي، وما كان مني.

فقال له أبو جعفر: يا بن الخبيثة والله لو كانت أمة أو امرأة مكانك لبلغت ما بلغت في دولتنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلاً، ألست الكاتب اليّ تبدأ بنفسك والكاتب اليّ تخطب آمنة ابنة علي ابن عمي، وتزعم أنك أبو مسلم ابن سليط بن عبد الله بن العباس، ولقد ارتقيت لا أم لك مرتقاً صعباً قال وأبو جعفر ترعد يده.

فلما رأى أبو مسلم غضبه قال: يا أمير المؤمنين لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلي، فإن قدري أصغر مما بلغ منك هذا، فصفق أبو جعفر بيده فخرج عثمان بن مهيك فضربه ضربة خفيفة فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبي جعفر يقبلها ويقول: أنشدك الله يا أمير المؤمنين استبقني لأعدائك، فدفعه برجله وضربه شبيب على حبل العاتق فأسرعت فيه، فقال أبو مسلم: وانفساه لا قوة ولا مغيث، صاح أبو جعفر: اضرب لا أم لك فاحتوشوه القوم بسيوفهم فقتلوه، فأمر به أبو جعفر فكفن بمسح، ثم وضع في ناحية، ثم قيل: إن عيسى بن موسى بالباب، فقال: أدخلوه، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين فأين أبو مسلم؟ قال: كان هاهنا آنفاً فخرج، فقال: يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته ورأي إبراهيم الإمام فيه، قال له أبو جعفر: يا انوك والله ما أعرف عدواً أعدى لك منه، ها هو ذا في البساط، فقال عيسى: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فأقبل إسحاق صاحب شرطته قال: إنما كان أبو مسلم عبد أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين أعلم بما صنع، فأمر أبو جعفر برأسه فطرح إلى من في الباب من قواد أبي مسلم، فجالوا جولة وهموا أن يبسطوا سيوفهم على الناس، ثم ردهم عن ذلك انقطاعهم من بلادهم وتغرّبهم وإحاطة العدو بهم، فبعضهم اتكأ على سيفه فمات وبعضهم ناصب وأراد القتال، فلما نظر أبو جعفر إلى ذلك أمر بالعطاء لأصحاب أبي مسلم، وأجزل الصِلات للقواد والرؤساء منهم، ثم عهد إليهم: أن من أحب منكم أن يكون معنا هاهنا نأمر بإلحاقه في الديوان في ألف من العطاء، ومن أحب أن يلحق بخراسان كتبناه في خمسمائة ترد عليه في كل عام وهو قاعد في بيته.

قال: فكأنما نار قد طُفِئت، فقالوا: رضينا يا أمير المؤمنين كلما فعلت فأنت الموفق، فمنهم من رضى بالمقام معه، ومنهم من لحق بخراسان. انتهى.

وهكذا المال يصنع في كل مكان صنعه، إن أحسن صرفه كان سبيلاً إلى الحق، وإن أُسيء صرفه كان سبيلاً إلى الباطل.

(1) ـ انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج4، ص52، وص53.

(2) ـ الإمامة والسياسة ج2، ص26.

(3) ـ الإمامة والسياسة ج2، ص161.