الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

كارثة الفقر

صار الفقر طابع أغلب البلاد والشعوب، حتى أن أمريكا وهي مركز الرأسمالية العالمية يجتاحها الفقر، حتى قال كيسنجر[1] ذات مرة: إن الفقر في أمريكا يستوعب ثلاثين مليوناً.

وأما بلاد الإسلام ذات الملياري نسمة فأكثرها يعيش في خط الفقر أو تحت خط الفقر، باستثناء بعض البلاد النفطية، وهذا الأمر إنما صار للإعراض عن أحكام الله سبحانه وتعالى الاقتصادية وغيرها مما ترتبط بالاقتصاد.

وذلك لأن البلاد الإسلامية تبعت الدول الغربية ـ حيث إن حكامهم يتبعون الغرب في غالب أمورهم ـ فقطعوا البلد الإسلامي الواحد إلى دول مختلفة، على خلاف ما أمر الله سبحانه به، حيث قال: ((وإن هذه أمتكم أمة واحدة))[2].

وعلى خلاف ما صنعه الرسول (صلّى الله عليه وآله) من توحيد بلاد الإسلام بعد ما كانت متفرقة ومتناحرة بسبب الحكومات أو العشائر الجاهلية.

وهذا من أهم عوامل الضعف الاقتصادي، حيث إن الحركة الاقتصادية تعتمد على حرية النقل للشخص وللبضائع من دون وجود حدود مانعة ولا جمارك ولا ما أشبه، ففي السابق كان الشخص القاطن في البلد الإسلامي حتى وإن لم يكن مسلماً، إذا أحب السفر من بلد إلى آخر سافر بكل سهولة، كما رؤي ذلك في العراق وغيرها، وفي ذلك توسعة اقتصادية كبيرة، بالإضافة إلى التوسعة الثقافية والاجتماعية حيث يتعارف الإنسان على مختلف الناس ويأخذ ويعطي ما له وماله كل بحسبه، وفي تبادل التجارب والعلوم يكون الازدهار والتقدم.

ومن أهم أسباب الفقر في بلاد العالم الإسلامية وغيرها منع المباحات عن التصرف فيها إلا بإجازة من الحكومة ودفع ضريبة أو رسوم للدولة، على خلاف قوله (صلّى الله عليه وآله): «من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو له»[3] كالمعادن والمياه والسمك والغابات وألف شيء وشيء.

كما أن الأرض أصبحت للدولة حسب قوانينهم الباطلة، بعد أن كانت لكل من أرادها وأحياها حسب قوله (صلّى الله عليه وآله): «عادي الأرض لله ولرسوله (صلّى الله عليه وآله) ثم إنها لكم منّي أيها المسلمون»[4].

فمنعوا كل شيء حتى إنهم لم يجيزوا دفن الميت إلا بشراء الأرض لدفنه ودفع الضرائب والرسوم لذلك!.

وكذلك أصبح العمل ممنوعاً إلا بإجازة داحضة ومكلفة من الجهات المعنية في الدولة.

وقد وضعوا الضرائب على كل عمل وعامل وكافة الحرف والمهن، وهي مما لم ينزل الله بها من سلطان.

إلى غير ذلك مما هو كثير وهذه من أهم أسباب الفقر.

فهل يمكن تحسين وضع المسلم بعد ذلك؟

ولذا أخذ كابوس الفقر يجثم على صدور الناس ويزيدهم ضيقاً على ضيق.

هذا وقد ورد ذم الفقر في الروايات، وهذا لا ينافي ما ورد في مدحه منها[5] على ما فصلناه في بعض الكتب:

ذم الفقر

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ألا أخبركم بأشقى الأشقياء»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة نعوذ بالله من ذلك»[6]

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الفقر يخرس الفطن عن حجته، والمقل غريب في بلدته، ومن فتح على نفسه بابا من المسألة فتح الله عليه بابا من الفقر»[7].

وقال (عليه السلام): «من أبدى إلى الناس ضره فقد فضح نفسه، وخير الغنى ترك السؤال، وشر الفقر لزوم الخضوع»[8].

وقال (عليه السلام): «استغن عن من شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، وأفضل على ما شئت تكن أميره»[9].

وقال (عليه السلام): «ضرورة الفقر تبعث على فظيع الأمر»[10].

وقال (عليه السلام): «الفقير في الوطن ممتهن»[11].

وقال (عليه السلام): «الفقر في الوطن غربة»[12].

وقال (عليه السلام): «ليس في الغربة عار، إنما العار في الوطن الافتقار»[13].

من مصاديق الفقر:

عن علي بن أسباط عمّن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الفقر الموت الأحمر» فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الفقر من الدينار والدرهم؟ فقال: «لا ولكن من الدين»[14].

من أسباب الفقر:

عن ثور بن سعيد عن سعيد بن علاقة قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «ترك نسج العنكبوت في البيوت يورث الفقر، والبول في الحمام يورث الفقر، والأكل على الجنابة يورث الفقر، والتخلل بالطرفاء يورث الفقر، والتمشط من قيام يورث الفقر، وترك القمامة في البيت يورث الفقر، واليمين الفاجرة يورث الفقر، والزنا يورث الفقر، وإظهار الحرص يورث الفقر، والنوم بين العشاءين يورث الفقر، والنوم قبل طلوع الشمس يورث الفقر، واعتياد الكذب يورث الفقر، وكثرة الاستماع إلى الغناء يورث الفقر، وردّ السائل الذكر بالليل يورث الفقر، وترك التقدير في المعيشة يورث الفقر، وقطيعة الرحم تورث الفقر» ثم قال (عليه السلام): «ألا أنبئكم بعد ذلك بما تزيد في الرزق» قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، فقال (عليه السلام): «الجمع بين الصلاتين يزيد في الرزق، والتعقيب بعد الغداة وبعد العصر يزيد في الرزق، وصلة الرحم يزيد في الرزق، وكسح الفناء يزيد في الرزق، ومواساة الأخ في الله عزوجل تزيد في الرزق، والبكور في طلب الرزق يزيد في الرزق، والاستغفار يزيد في الرزق، واستعمال الأمانة يزيد في الرزق، وقول الحق يزيد في الرزق، وإجابة المؤذن تزيد في الرزق، وترك الكلام في الخلاء يزيد في الرزق، وترك الحرص يزيد في الرزق، وشكر المنعم يزيد في الرزق، واجتناب اليمين الكاذبة يزيد في الرزق، والوضوء قبل الطعام يزيد في الرزق، وأكل ما يسقط من الخوان يزيد في الرزق، ومن سبح الله كل يوم ثلاثين مرة دفع الله عزوجل عنه سبعين نوعا من البلاء أيسرها الفقر»[15].

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «عشرون خصلة تورث الفقر، أولها القيام من الفراش للبول عريانا، وأكل الطعام جنبا، وترك غسل اليدين عند الأكل، وإهانة الكسرة من الخبز، وإحراق قشر الثوم والبصل، والقعود على أسكفة البيت، وكنس البيت بالليل وبالثوب، وغسل الأعضاء في موضع الاستنجاء، ومسح الأعضاء المغسولة بالذيل والكم، ووضع القصاع والأواني غير مغسولة، ووضع أواني الماء غير مغطاة الرؤوس، وترك بيوت العنكبوت في المنزل، والاستخفاف بالصلاة، وتعجيل الخروج من المسجد، والبكور إلى السوق، وتأخير الرجوع عنه إلى العشي، وشراء الخبز من الفقراء، واللعن على الأولاد، والكذب، وخياطة الثوب على البدن، وإطفاء السراج بالنفس»[16].

وفي خبر آخر: «والبول في الحمام، والأكل على الجشاء، والتخلل بالطرفاء، والنوم بين العشاءين، والنوم قبل طلوع الشمس، ورد السائل الذكر بالليل، وكثرة الاستماع إلى الغناء، واعتياد الكذب، وترك التقدير في المعيشة، والتمشط من قيام، واليمين الفاجرة، وقطيعة الرحم» ثم قال (عليه السلام): «ألا أنبئكم بعد ذلك بما يزيد في الرزق»؟ قالوا: بلى، قال: «الجمع بين الصلاتين يزيد في الرزق، والتعقيب بعد الغداة يزيد في الرزق، وبعد العصر يزيد في الرزق، وصلة الرحم يزيد في الرزق، وكشح الغنى يزيد في الرزق، وأداء الأمانة يزيد في الرزق، والاستغناء يزيد في الرزق، ومواساة الأخ في الله تزيد في الرزق، والبكور في طلب الرزق تزيد في الرزق، وإجابة المؤذن تزيد في الرزق، وترك الكلام في الخلاء يزيد في الرزق»[17].

رؤية القرآن للفقر

قال تعالى: ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرةً منه وفضلاً والله واسع عليم))[18].

وقال سبحانه: ((ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأً كبيراً))[19].

وقال تعالى: ((قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون * وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون))[20].

وقال سبحانه: ((الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لايتبعون ما أنفقوا منا ولا أذىً لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذىً والله غني حليم *

يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لايقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين))[21].

وقال عزوجل:

((يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلةً فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم))[22].

وقال سبحانه: ((وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى))[23].

الفقر والفقراء في العالم

عالمية الفقر

5ر1 بليون نسمة في العالم تقل مداخيلهم يومياً عن دولار أميركي واحد يومياً.

840 مليون جائع أو مفتقد للأمن الغذائي في العالم.

50 مليون أميركي يعيشون تحت خط الفقر.

30 مليون نسمة من سكان روسيا يعيشون تحت خط الفقر.

100 مليون نسمة من نفوس العالم العربي يعيشون تحت خط الفقر، أي 33% من مجموع السكان.

45% من سكان أميركا الجنوبية والكاريبي هم من الفقراء.

وقال وزير الدفاع الأمريكي السابق: إن أكثر من عشرة آلاف جندي أمريكي رواتبهم أقل من درجة الفقر.

وعبرت مصادر من الاتحاد الأوروبي عن قلقها من انتشار ظاهرة الفقر في أوروبا، فقد بلغت نسبة الفقراء في القارة الثرية حوالي 12% بين الكبار و14% بين الأطفال.

وفي بعض الإحصاءات: أن سكان الأرض يتوزعون بين 800 مليون ثري و4 مليارات فقير و400 مليون متوسط الحال.

وقد ازدادت الفجوة بين فقراء العالم وأغنيائه في الثلاثين سنة الماضية بمقدار ثلاثين مرة.

وهناك 3ر1 مليار شخص في العالم يعيشون في فقر مدقع فيما لايتمتع قرابة 5ر1 مليار شخص بأبسط الخدمات والعناية الصحية، وإن 70% من المحرومين في العالم نساء، وفي نهاية القرن سيكون هناك ملياران من الفقراء في العالم.

الفقراء في العالم العربي

15% من سكان تونس.

15% من سكان الأردن.

10% من سكان لبنان.

24% من سكان الجزائر.

23% من سكان مصر.

14% من سكان المغرب.

29% من سكان العراق.

26% من سكان اليمن.

19% من سكان موريتانيا.

45% من سكان الصومال.

34% من سكان أرتيريا.

33% من سكان السودان.

وقال وزير الشركات الصغيرة والمتوسطة الجزائري: إن أربعة مليون جزائري من بين ثلاثين مليونا هم عدد سكان الجزائر يعيشون تحت خط الفقر.

وقال الوزير: إن الجزائر تضم (180) ألف يتيم و (147) ألف طفل غير شرعي و (49) ألف أرملة.

وفي إحصائية أخرى: في لبنان 3% أغنياء، و90% فقراء.

الفقر والأطفال

9% من أطفال العالم العربي يموتون تحت سن الخامسة نتيجة الفقر وسوء التغذية.

15% من أطفال العالم العربي ناقصي الوزن.

ثلث سكان الدول النامية لا يتوقعون العيش أكثر من 40 عاماً نتيجة نقص الغذاء.

46% من أطفال روسيا الذين هم دون الخامسة عشرة فقراء.

60% من أطفال الدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي من الفقراء.

65% من أطفال أفريقيا يموتون بسبب سوء التغذية.

40% من أطفال الهند ودول جنوب شرق آسيا يشتغلون بالدعارة نتيجة سوء الحالة المعيشية.

12 مليون طفل يموتون في العالم كل عام من سوء التغذية.

17 مليون طفل يموتون سنوياً في العالم لعدم حصولهم على لقمة غذاء.

إلى غير ذلك مما هو كثير.

[1] هنري كيسنجر: سياسي أمريكي ولد في ألمانيا عام 1923م، وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية 1973-1976م، حصل على جائزة نوبل عام 1973م، حسن علاقات بلاده بالاتحاد السوفيتي سابقاً، والصين الشعبية، ساعد على إنهاء حرب فيتنام.

[2] سورة المؤمنون: 52.

[3] راجع مستدرك الوسائل: ج17 ص111-112 ب1 ح20905، وفيه عنه (صلّى الله عليه وآله) قال: «من سبق إلى ما لا يسبقه إليه المسلم فهو أحق به».

[4] راجع غوالي اللآلي: ج1 ص44 ف4 ح58، وفيه: قال (صلّى الله عليه وآله): «عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني، فمن أحيا مواتاً فهي له».

[5] أي من الروايات.

[6] بحار الأنوار: ج100 ص20 ب2 ح3.

[7] أعلام الدين: ص159 فصل في ذكر الغنى والفقر.

[8] كنز الفوائد: ج2 ص194 فصل في ذكر الغنى والفقر.

[9] بحار الأنوار: ج74 ص423 ب15.

[10] غرر الحكم ودرر الكلم: ص365 ح8226.

[11] غرر الحكم ودرر الكلم: ص365 ح8228.

[12] غرر الحكم ودرر الكلم: ص365 ح8229.

[13] غرر الحكم ودرر الكلم: ص365 ح8231.

[14] الكافي: ج2 ص266 ح2.

[15] وسائل الشيعة: ج15 ص347-348 ب49 ح20704.

[16] جامع الأخبار: ص124 الفصل الثاني والثمانون في عشرين خصلة تورث الفقر.

[17] بحار الأنوار: ج73 ص315 ب60 ح2.

[18] سورة البقرة: 268.

[19] سورة الإسراء: 31.

[20] سورة الأنعام: 151-153.

[21] سورة البقرة: 262-264.

[22] سورة التوبة: 28.

[23] سورة الليل: 8-10.