الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

كارثة السجون

لقد كثرت السجون في بلاد العالم بصورة عامة، وفي بلادنا الإسلامية بصورة خاصة، فترى في كل بلادنا كثرة السجون، مع أن السجن في الإسلام قليل جداً، ولذا لم يكن لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) سجن، وأكثر ما كان يأمر به من حبس أحد ستة أيام فقط، ولم يكن بعده سجن إلا في زمان عمر حيث استأجر داراً عادية للسجن، مع العلم بأن الدولة الإسلامية آنذاك كانت واسعة جداً وكان ذلك ببركة أخلاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتعاليمه السماوية الفطرية، وقد اضطر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى بناء سجن واحد عادي جداً في الكوفة على تفصيل ذكرناه في الكتب التي تعرضنا فيها لهذا الشأن.

مضافاً إلى أن للسجين حقوقاً مشروعة أكد عليها الإسلام[1] على تفصيل مذكور في (الفقه)، لا ترى شيئاً منها في هذه الأيام.

إن كثرة السجن والسجناء حالياً في بلادنا إنما هو دليل على فساد الحكام ووجود القوانين الزائدة الكابتة للحريات، وإباحتهم الخمر والقمار والفساد، وتهيئة الحكومات وسائل المخدرات والسرقة وما أشبه.

ولو طبّق الإسلام كما أمر الله به في القرآن الحكيم والرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وآله الأطهار (عليهم السلام) في يومنا هذا، لصار السجن أقل من القليل.

لأن الأصل في الإنسان الحرية على إطلاقها وعمومها ـ فيما عدا المحرمات التي حرمها الإسلام لمصالح فردية أو اجتماعية ـ فكل إنسان حر في كل شيء وبكل صورة.

وقد ذكرنا ألف حرية للإنسان في كتاب (الفقه: الحريات) وغيره، وقد كانت هذه الحريات من أهم أسباب تقدم المسلمين وازدهار بلادهم، واليوم قد كبتت تلك الحريات منذ أن دخل المستعمر بلادنا، ولذا أخذوا في التأخر.

والسجن وأسبابه ينافي كثيراً من الحريات المشروعة للإنسان، ولذا حرّمه الإسلام إلا في موارد قليلة حسب المقرر شرعاً وذلك حفظاً لحقوق الآخرين وصوناً للمجتمع.

وفي القاعدة الفقهية المشهورة: «الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم»[2]، وما دامت هذه القاعدة في انهدام في كل العالم فالسجون في ازدياد يوماً بعد يوم.

من سياسة الطغاة

هذا وقد كان دأب الطغاة ولازال أن يسجنوا الصالحين والأبرياء، فإنهم قد سجنوا حتى الأنبياء والأولياء وكبار العلماء.

قال تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام): ((قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)) [3].

وقال سبحانه: ((ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين)) [4].

وقال تعالى: ((يا صاحبي السجن أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)) [5].

وقال سبحانه: ((يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان * وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين)) [6].

وقال تعالى: ((ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم)) [7].

وفي الروايات:

عن علي بن عبد الغفار قال: (دخل العباسيون على صالح بن وصيف ودخل صالح بن علي وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عند ما حبس أبا محمد (عليه السلام) فقال لهم صالح: وما أصنع قد وكلت به رجلين من أشر من قدرت عليه فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم، فقلت لهما: ما فيه، فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله لا يتكلم ولا يتشاغل وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا ويداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا فلما سمعوا ذلك انصرفوا خائبين) [8].

وعن زياد القندي قال: كتبت إلى أبي الحسن الأول (عليه السلام) علمني دعاءً فإني قد بليت بشيء، وكان قد حبس ببغداد حيث اتهم بأموالهم، فكتب إليه: «إذا صليت فأطل السجود ثم قل: يا أحد من لا أحد له، حتى تنقطع النفس، ثم قل: يا من لا يزيده كثرة الدعاء إلا جوداً وكرماً، حتى تنقطع نفسك، ثم قل: يا رب الأرباب أنت أنت أنت الذي انقطع الرجاء إلا منك يا علي يا عظيم» قال زياد: فدعوت به ففرج الله عني وخلى سبيلي[9].

من موارد السجن الشرعي

عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قطع رجل السارق بعد قطع اليد ثم لا يقطع بعد، فإن عاد حبس في السجن وأنفق عليه من بيت مال المسلمين»[10].

في رواية أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن علي (عليه السلام) أنه قال: «يجب على الإمام أن يحبس الفساق من العلماء، والجهال من الأطباء، والمفاليس من الأكراء»[11].

وقال (عليه السلام): «حبس الإمام بعد الحد ظلم»[12].

وروى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «على الإمام أن يخرج المحبوسين في الدين يوم الجمعة إلى الجمعة ويوم العيد إلى العيد فيرسل معهم فإذا قضوا الصلاة والعيد ردهم إلى السجن»[13].

في رواية حماد عن حريز أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يخلد في السجن إلا ثلاثة الذي يمسك على الموت يحفظه حتى يقتل، والمرأة المرتدة عن الإسلام، والسارق بعد قطع اليد والرجل»[14].

وروي أنه: «رفع ثلاثة نفر إلى علي (عليه السلام) أما واحد منهم أمسك رجلا، وأقبل الآخر فقتله، والثالث في الرؤية يراهم، فقضى علي (عليه السلام) في الذي في الرؤية أن تسمل عيناه، وقضى في الذي أمسك أن يحبس حتى يموت كما أمسكه، وقضى في الذي قتل أن يقتل»[15].

روى السكوني بإسناده أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في رجل أمر من‏ عبده أن يقتل رجلا فقتله، قال: «هل عبد الرجل إلا كسوطه وسيفه، فقتل السيد واستودع عبد السجن»[16].وعن عامر بن السمط عن علي بن الحسين (عليه السلام) في الرجل يقع على أخته قال: «يضرب ضربةً بالسيف بلغت منه ما بلغت فإن عاش خلد في الحبس حتى يموت»[17].

وعن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يحبس في تهمة الدم ستة أيام فإن جاء أولياء المقتول بثبت وإلا خلى سبيله»[18].

وعن موسى قال: حدثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه عن جده (عليهما السلام) ‎‎‎‎: «أن علياً (عليه السلام) رفع إليه رجل ضرب عبداً له وعذبه حتى مات، فضربه علي (عليه السلام) نكالا وحبسه سنةً وغرمه قيمة العبد فتصدق به علي (عليه السلام)

وعن علي (عليه السلام) أنه قال: «لا حبس في تهمة إلا في دم والحبس بعد معرفة الحق ظلم»[19].

السجن والسجناء في العالم

قالت (اللجنة العليا للدفاع عن المعتقلين السياسيين) في قطر: إن هناك 200 سجين سياسي وأن الحكومة القطرية سحبت جوازات 54 شخصية ثقافية وسياسية.

وقالت إحصائية رسمية صدرت في موسكو: إن عدد السجناء في روسيا عام 1997م بلغ نحو 740 ألف سجين.

وفي بريطانيا سجلت الأرقام في نفس العام ارتفاعاً في عدد السجناء بنحو 50% عن السنوات الأربع الماضية، وبلغ عدد السجناء بنحو 63 ألف سجين.

وكشف تقرير أمريكي صادر عن وزارة العدل هذا العام أن السجين الأسود يقضي فترة أطول من السجين الأبيض الذي أدين بنفس التهمة، وذكر التقرير: أن الأسود الذي يدان بتهمة الاغتصاب يقضي 70 شهراً سجناً في حين أن المغتصب الأبيض يقضي في السجن 56 شهراً، وكشف التقرير عن وجود مليونين وثمانمائة ألف سجين في كل الولايات الأمريكية بارتفاع نسبته 7% في كل عام. »[20].

[1] انظر كتاب (كيف ينظر الإسلام إلى السجين؟) للإمام المؤلف (قدس سره).

[2] انظر تفصيل هذه القاعدة في كتاب (القواعد الفقهية) للإمام المؤلف (قدس سره).

[3] سورة يوسف: 33.

[4] سورة يوسف: 36.

[5] سورة يوسف: 39.

[6] سورة يوسف: 41-42.

[7] سورة يوسف: 100.

[8] الكافي: ج1 ص512 باب مولد أبي محمد الحسن بن علي(عليهما السلام) ح23.

[9] الكافي: ج3 ص328 باب السجود والتسبيح ح25.

[10] الكافي: ج7 ص223 باب حد القطع ح6.

[11] تهذيب الأحكام: ج6 ص320 ب92 ح85.

[12] تهذيب الأحكام: ج6 ص314 ب92 ح77.

[13] وسائل الشيعة: ج27 ص301 ب32 ح33797.

[14] من لا يحضره الفقيه: ج3 ص31 باب الحبس ح3264.

[15] من لا يحضره الفقيه: ج3 ص30-31 باب الحبس ح3263.

[16] نزهة الناظر: ص122 فصل المخلدون في السجن.

[17] وسائل الشيعة: ج28 ص116 ب19 ح34357.

[18] وسائل الشيعة: ج29 ص160 ب12 ح35378.

[19] الجعفريات: ص123 باب القصاص بين الأحرار والعبيد.

[20] مستدرك الوسائل: ج17 ص403 ب24 ح21672.