الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

كارثة التعذيب

لقد كثر التعذيب في البلاد الإسلامية وغيرها مما يدل على التخلف الكبير، ففي كل بلاد الإسلام ترى قساوة التعذيب حسب ما رأيناه وسمعنا به منذ نصف قرن.

مع العلم بأنه لا تعذيب في الإسلام إطلاقاً، وهو من أشد المحرمات، فإنه إهانة للبشرية ولكرامة الإنسان الذي قال في حقه تعالى: ((ولقد كرمنا بني آدم))[1].

كما هو إهانة للمعذِّب ـ بالكسر ـ أيضاً قبل أن يكون إهانة للمعذَّب ـ بالفتح ـ حيث يدل على خبث سريرته وضعفه وعدم خضوعه للحق بل اتباعه لسبيل الشيطان، وعدم تمكنه من إفهام الطرف بالحوار والمنطق.

ولا فرق في حرمة التعذيب بين أن يكون المعذَّب ـ بالفتح ـ مسلماً أو غير مسلم، بل حتى لو كان محارباً للمسلمين، ثم استولى المسلمون فلم يجز أن يعذَّب، وإن عذّبه شخص نهاه الإسلام أشد نهي ـ كما ذكره الفقهاء ودل عليه إطلاق الأدلة مثل: «لا يعذب بالنار إلا رب النار»[2]، وما أشبه مما ذكر في النص والفتوى.

ولم ينم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث إن بعض من جاء لمحاربته قيد بالحبل مشدوداً عليه بشدة، مما كان يئن منه[3].

قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم))[4].

وقال سبحانه: ((إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم))[5].

وعن جعفر (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) أن علياً (عليه السلام) قال: «من أقر عند تجريد أو حبس أو تخويف أو تهديد فلا حد عليه»[6].

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن أول ما استحل الأمراء العذاب لكذبة كذبها أنس بن مالك على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه سمر يد رجل إلى الحائط ومن ثم استحل الأمراء العذاب»[7].

وعن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من أشار على أخيه المسلم بسلاحه لعنته الملائكة حتى ينحيه»[8].

وعن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فإن رجع ضمن السرقة ولم يقطع إذا لم يكن شهود»[9] وقال: «لا يرجم الزاني حتى يقر أربع مرات إذا لم يكن شهود، فإن رجع ترك ولم يرجم»[10].

وعن طلحة بن زيد عن جعفر قال حدثني بعض أهلي: أن شاباً أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأقر عنده بالسرقة، قال فقال له علي (عليه السلام): «إني أراك شاباً لا بأس بهيئتك، فهل تقرأ شيئاً من القرآن» قال: نعم سورة البقرة، فقال: «فقد وهبت يدك لسورة البقرة»[11].

وفي قصة بدر أن قريش بعثوا عبيدها ليستقوا من الماء، فأخذهم أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقالوا لهم: من أنتم؟

قالوا: نحن عبيد قريش.

قالوا: فأين العير؟

قالوا: لا علم لنا بالعير.

فأقبلوا يضربونهم، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصلي فانفتل من صلاته وقال: «إن صدقوكم ضربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم».

فأتوه بهم، فقال لهم: «من أنتم»؟

قالوا: يا محمد نحن عبيد قريش.

قال: «كم القوم»؟

قالوا: لا علم لنا بعددهم.

قال: «كم ينحرون كل يوم من جزور»؟

قالوا: تسعة إلى عشرة.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «القوم تسعمائة إلى ألف رجل» فأمر (صلّى الله عليه وآله) بهم فحبسوا وبلغ ذلك قريشا ففزعوا وندموا على مسيرهم[12].

وقد ورد أنه: أخذ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فيمن أخذ صفية بنت حيي، فدعا بلالا فدفعها إليه وقال له: «لا تضعها إلا في يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى يرى فيها رأيه» فأخرجها بلال ومر بها إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على القتلى وقد كادت تذهب روحها، فقال (صلّى الله عليه وآله): «أ نزعت منك الرحمة يا بلال» ثم اصطفاها لنفسه ثم أعتقها وتزوجها[13].

ثم إن على القاضي أن يصل إلى الحقيقة عبر الطرق الشرعية لا التعذيب.

عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: دخل أمير المؤمنين (عليه السلام) المسجد فاستقبله شاب يبكي وحوله قوم يسكتونه، فقال علي (عليه السلام): «ما أبكاك؟ ».

فقال: يا أمير المؤمنين إن شريحاً قضى عليّ بقضية ما أدري ما هي، إن هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في السفر فرجعوا ولم يرجع أبي، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله، فقالوا: ما ترك مالا، فقدمتهم إلى شريح فاستحلفهم، وقد علمت يا أمير المؤمنين أن أبي خرج ومعه مال كثير.

فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): «ارجعوا».

فرجعوا والفتى معهم إلى شريح، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا شريح كيف قضيت بين هؤلاء؟

فقال: يا أمير المؤمنين ادعى هذا الفتى على هؤلاء النفر أنهم خرجوا في سفر وأبوه معهم فرجعوا ولم يرجع أبوه، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله: فقالوا: ما خلف مالا، فقلت للفتى: هل لك بينة على ما تدعي؟ فقال: لا، فاستحلفتهم، فحلفوا.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «هيهات يا شريح هكذا تحكم في مثل هذا».

فقال يا أمير المؤمنين: فكيف؟

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «والله لأحكمن فيهم بحكم ما حكم به خلق قبلي إلا داود النبي (عليه السلام)، يا قنبر ادع لي شرطة الخميس»، فدعاهم فوكل بكل رجل منهم رجلا من الشرطة، ثم نظر إلى وجوههم فقال: «ماذا تقولون أتقولون إني لا أعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتى، إني إذاً لجاهل» ثم قال: «فرقوهم وغطوا رؤوسهم».

قال: ففرق بينهم وأقيم كل رجل منهم إلى أسطوانة من أساطين المسجد ورؤوسهم مغطاة بثيابهم، ثم دعا بعبيد الله بن أبي رافع كاتبه فقال: «هات صحيفةً ودواةً» وجلس أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في مجلس القضاء وجلس الناس إليه، فقال لهم: «إذا أنا كبرت فكبروا» ثم قال للناس: «اخرجوا» ثم دعا بواحد منهم فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه ثم قال لعبيد الله بن أبي رافع: «اكتب إقراره وما يقول» ثم أقبل عليه بالسؤال فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «في أي يوم خرجتم من منازلكم وأبو هذا الفتى معكم؟ ».

فقال الرجل: في يوم كذا وكذا.

قال: «وفي أي شهر؟ ».

قال: في شهر كذا وكذا.

قال: «في أي سنة؟ ».

قال: في سنة كذا وكذا.

قال: «وإلى أين بلغتم في سفركم حتى مات أبو هذا الفتى؟ ».

قال: إلى موضع كذا وكذا.

قال: «وفي منزل من مات؟ ».

قال: في منزل فلان بن فلان.

قال: «وما كان مرضه؟ ».

قال: كذا وكذا.

قال: «وكم يوماً مرض؟ ».

قال: كذا وكذا.

قال: «ففي أي يوم مات ومن غسله ومن كفنه وبما كفنتموه ومن صلى عليه ومن نزل قبره؟ ».

فلما سأله عن جميع ما يريد كبر أمير المؤمنين (عليه السلام) وكبر الناس جميعاً، فارتاب أولئك الباقون ولم يشكوا أن صاحبهم قد أقر عليهم وعلى نفسه، فأمر أن يغطى رأسه وينطلق به إلى السجن، ثم دعا بآخر فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه ثم قال: «كلا زعمتم أني لا أعلم ما صنعتم».

فقال: يا أمير المؤمنين ما أنا إلا واحد من القوم ولقد كنت كارهاً لقتله، فأقر.

ثم دعا بواحد بعد واحد كلهم يقر بالقتل وأخذ المال، ثم رد الذي كان أمر به إلى السجن فأقر أيضاً، فألزمهم المال والدم.

فقال شريح: يا أمير المؤمنين وكيف حكم داود النبي (عليه السلام)؟

فقال: «إن داود النبي (عليه السلام) مر بغلمة يلعبون وينادون بعضهم بـ (يا مات الدين) فيجيب منهم غلام، فدعاهم داود (عليه السلام) فقال: يا غلام ما اسمك؟

قال: مات الدين.

فقال له داود (عليه السلام): من سماك بهذا الاسم؟

فقال: أمي.

فانطلق داود (عليه السلام) إلى أمه فقال لها: يا أيتها المرأة ما اسم ابنك هذا؟

قالت: مات الدين.

فقال لها: ومن سماه بهذا؟

قالت: أبوه.

قال: وكيف كان ذاك؟

قالت: إن أباه خرج في سفر له ومعه قوم وهذا الصبي حمل في بطني فانصرف القوم ولم ينصرف زوجي، فسألتهم عنه، فقالوا: مات.

فقلت لهم: فأين ما ترك؟

قالوا: لم يخلف شيئاً.

فقلت: هل أوصاكم بوصية؟

قالوا: نعم زعم أنك حبلى فما ولدت من ولد جارية أو غلام فسميه مات الدين، فسميته.

قال داود (عليه السلام): وتعرفين القوم الذين كانوا خرجوا مع زوجك؟

قالت: نعم.

قال: فأحياء هم أم أموات؟

قالت: بل أحياء.

قال: فانطلقي بنا إليهم.

ثم مضى معها فاستخرجهم من منازلهم فحكم بينهم بهذا الحكم بعينه وأثبت عليهم المال والدم، وقال للمرأة: سمي ابنك هذا عاش الدين[14].

من أسباب التعذيب

وما نراه من التعذيب المنتشر في بلادنا هو بسبب عدم الإيمان بالله عزوجل، وعدم الوعي، وعدم التعددية السياسية، وعدم استقلالية القضاء، وما أشبه.

التكنولوجيا والتعذيب

نشرت بعض الصحف الغربية تقريراً مفصلاً عن التطور الحاصل في أساليب التعذيب بالكهرباء، ذكرت فيه: أن القائمين على الأمر ظلوا يفضلون الكهرباء في التعذيب، لأنها أشد خطراً وأسرع أثراً، ففي دقيقة واحدة يمكن أحداث صدمة للشخص تروعه وتزلزل كيانه.

في السابق كان المرء يصعق عن طريق اللمس بأسلاك موصولة ببطارية سيارة، غير إن العقد الأخير شهد تطورات مثيرة في هذا المجال، حيث ظهرت أدوات عالية التقنية استندت إلى التكنولوجيا الأمريكية، وقد ظهرت في العالم خلال ذلك العقد مائة شركة تبيع أسلحة صدمة صغيرة يدوية، لا يتجاوز ثمن الواحد منها 200 دولار، مخصصة للاستخدام من قبل الشرطة لإكراه المقبوض عليهم وانتزاع المعلومات منهم. كما جرى بيع عشرات الآلاف من الأدوات الأرخص ثمناً، التي تقول الإعلانات إنها تحدث صدمة تبلغ قوتها 50 ألف فولت أو أكثر.

وعلى مدى العام الماضي ظلت (منظمة العفو الدولية) تخوض معركة مع شركات صناعية وحكومات في أرجاء العالم لكي تقيد التجارة بهذه الأدوات، وفي تقدير المنظمة فإن التعذيب بالصدمات الكهربائية أو إساءة معاملة السجناء بأدوات الصدمة تجري في 50 بلداً على الأقل من بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، وعلى حد تعبير أحد خبراء المنظمة الذين يتابعون تلك الحالات، فإن الذين يمارسون التعذيب اكتشفوا إن هذه الأسلحة مثالية لأغراضهم الشريرة، فهي رخيصة وسهلة الإخفاء ويصعب اكتشاف آثارها.

وكان الأمريكيون قد طوروا تكنولوجيا الصدمة في أوائل السبعينيات، لكي تكون وسيلة غير قاتلة في أيدي الشرطة تشل حركة المجرمين الذين يتسمون بالشراسة والعنف، فظهرت "قضبان الصدمة"، التي تشبه المصابيح اليدوية الصغيرة أو الهواتف النقالة، وهي تعمل على بطاريات عادية ويمكنها إحداث سلسلة من الصدمات التي تستمر لمدة جزء من الثانية، وتسبب انقباضاً في العضلات تجعل الضحية يتلوى وينتفض على الأرض، وأدوات من هذا القبيل تعتبر مثالية للذين يريدون استخدامها في التعذيب.

ونقلت الجرائد والمجلات العربية: أن 12 فلسطينيا ماتوا من التعذيب في السجون الفلسطينية وان للسلطة الفلسطينية 10 أجهزة مخابرات تتنافس وتتضارب وهي لا تخضع لأي رقابة دستورية.

وقال مدافعون عن حقوق الإنسان إن 150 مشتبها في ممارستهم التعذيب من جميع أنحاء العالم يعيشون بحرية في الولايات المتحدة.

وحثت (منظمة العفو الدولية) الولايات المتحدة على محاكمة عشرات الأفراد الذين تقول إنهم فروا لأمريكا هربا من العدالة.

وتقول المنظمة: إن واشنطن اعترفت بأن ما يصل لألف شخص مطلوب القبض عليهم لممارستهم انتهاكات لحقوق الإنسان ربما يكونون مقيمين في البلاد.

وأصدرت المنظمة تقريرا في 174 صفحة بعنوان (الولايات المتحدة الأمريكية: ملجأ آمن لمرتكبي التعذيب). ويحدد التقرير أسماء 13 مشتبها بهم دخلوا البلاد على الرغم من الاتهامات الموجهة إليهم.

وقال المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في أمريكا: الحكومة الأمريكية لم تحاكم أيا منهم بتهمة التعذيب، وهذا موقف شائن وغير مبرر.

ويقول التقرير: إن أمريكا فشلت في تطبيق قانون صدر قبل ثمانية أعوام يسمح بمحاكمة المشتبه بارتكابهم جرائم تعذيب في أي مكان في العالم.

وأضاف: عندما يسير مرتكبو التعذيب في الشوارع متمتعين بحصانة، فإن الإنسانية كلها تعاني وليس فقط ضحاياهم.

وفي التقرير: إن جنديا من صرب البوسنة أحد المشتبه بهم الذين يعيشون في الولايات المتحدة وكان هذا الجندي قد اتهم بالمشاركة في تعذيب مسلمي البوسنة على مدى سنتين.

وفي حالة أخرى الولايات المتحدة منحت جنسيتها لمسؤول بالحكومة الإثيوبية على الرغم من إدانة المحكمة له بارتكاب جريمة التعذيب وأمرته بدفع 5ر1مليون دولار كتعويضات.

وقال التقرير: إن المشتبه في انتهاكهم حقوق الإنسان جاءوا إلى الولايات المتحدة من عدة دول من بينها البوسنة وشيلي وهايتي وإثيوبيا والسلفادور وكوبا.

معاهدات لمنع التعذيب

هذا وصادقت دورة حقوق الإنسان في جنيف على لائحة تقر بروتوكولا إضافيا إلى معاهدة منع التعذيب يتم بموجبه تشكيل آليات دولية ووطنية لزيارة أماكن الاعتقال بغرض تجنب تعرض المعتقلين للتعذيب. البروتوكول الذي ساهمت بعض الدول بشكل مكثف في التحضير له اعتبر من قبل منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان اكبر إنجاز لدورة هذا العام.

فبأغلبية تسعة وعشرين صوتا ومعارضة عشرة بلدان وامتناع أربعة عشر عن التصويت، وافقت الدورة الثامنة والخمسون للجنة حقوق الإنسان على إضافة بروتوكول للمعاهدة الدولية لمناهضة التعذيب.

البرتوكول الجديد الذي بدأت مناقشته قبل عشرين عاما والذي انكب فريق عمل على صياغته منذ عشرة أعوام، ومن بين ما ينص عليه البروتوكول، إقامة آليتين لمراقبة مدى احترام الدول لبنود معاهدة منع التعذيب التي تعود إلى عام 1984. إذ ينص البروتوكول الإضافي على ضرورة قيام آليات مستقلة دولية ووطنية، بزيارات دورية لمراكز الاعتقال، بهدف التأكد من عدم تعريض السجناء والمعتقلين للتعذيب.

وبإضافة هذا البرتوكول تكون معاهدة مناهضة التعذيب قد دعمت بآليات مراقبة كانت تنقصها خصوصا وان البروتوكول ينص على تشكيل لجنة فرعية دولية مهمتها تحديد مراكز الاعتقال التي يجب زيارتها والتي عليها إشعار الدولة المعنية بذلك قبل الشروع في الزيارة.

والمنظمات غير الحكومية المناهضة للتعذيب والمدافعة عن حقوق الإنسان التي تعتبر أن التعذيب لازال يمارس في أكثر من مائة وخمسين دولة في العالم، تعتبر المصادقة على البرتوكول الإضافي، أكبر إنجاز يتم تحقيقه خلال الدورة الحالية للجنة حقوق الإنسان.

فقد رحبت ممثلة منظمة العفو الدولية على أنه تصويت تاريخي، ولكنها تعيد إلى الذاكرة أن النقاش استغرق عشرين عاما، لكي تنتهي إلى التساؤل كم عدد المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب خلال هذه الفترة؟.

ويذكر أن البرتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة مناهضة التعذيب، سيدخل حيز التطبيق بمجرد توقيع عشرين دولة عليه. كما يتطلب الأمر مصادقة المجلس الاقتصادي والاجتماعي عليه وكذلك مصادقة الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في دورتها القادمة.

أما الدولة العربية فالبحرين هي الوحيدة بين أعضاء لجنة حقوق الإنسان الثلاثة والخمسين التي ساندت البرتوكول، حيث عبر ممثلها عن الأسف لكون البروتوكول لم تتم المصادقة عليه بالإجماع، ويرى أنه بمثابة تعزيز لوسائل محاربة التعذيب.

لكن الملفت للانتباه أن باقي الدول العربية في لجنة حقوق الإنسان، إما امتنعت عن التصويت مثلما هو الحال بالنسبة للجزائر، أو عارضت المشروع مثل المملكة العربية السعودية والجماهيرية العربية الليبية والسودان.

إن الدول التي عارضت المشروع عللت ذلك بشتى الوسائل. فليبيا على سبيل المثال لا ترغب في إقامة نظام زيارات ملزم وبدون موافقة مسبقة للبلد المعني، كما عللت ذلك بالرغبة في أن يتم اعتماد وثيقة دولية جديدة بإجماع الدول.

ويذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت عبر نشاطها وراء الكواليس عرقلة المصادقة على هذا البروتوكول، لأنها هي الأخرى لا ترغب في هذه الظروف رؤية آليات مراقبة تفرض عليها من الخارج.

وقد رفضت الحكومة الأسترالية التوقيع على برتوكول للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان يقضي بالسماح لمفتشي الهجرة بإجراء حملات تفتيشية لتقصي أوضاع مراكز الاعتقال.

وكانت مفوضية الأمم المتحدة العليا لحقوق الإنسان قد أجازت بروتوكولا اختياريا لمعاهدة ضد التعذيب لتصادق الجمعية العامة للأمم المتحدة عليه.

ورفض رئيس الوزراء الأسترالي إلزام حكومته ببنود الاتفاقية والتوقيع عليها بدعوى أن بلاده ليس لديها ما تخفيه خاصة وأن أستراليا قد وافقت في الماضي على كل مطالب الأمم المتحدة بالتفتيش، وأضاف بالقول: يجب وضع حد للأمر.

وسيزور مبعوث الأمم المتحدة الخاص لشؤون حقوق الإنسان معسكرات ويمبرا التي أثار ساكنوها من طالبي اللجوء هناك جدلاً حاميا حول الأساليب التي تتبعها أستراليا تجاه اللاجئين.

إلى غير ذلك مما هو كثير في بلادنا خاصة.

فضح التعذيب

ثم إنه يلزم فضح التعذيب، والحيلولة دون وقوعه، ولا يكون ذلك من التدخل في الشؤون الداخلية، بل حتى وإن كان، فإن قانون أن الأمر الداخلي لا يرتبط بالأمم المتحدة وما أشبه غير صحيح.

فالإسلام لا يرى فرقاً بين الأمور الداخلية والأمور الخارجية في ذلك، فلا فرق في من يضطهد إنساناً بين أن يكون خارج الوطن الذي قرروه أو داخل الوطن، فقد قرر الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن المظلوم، سواء كان تارك المعروف أو فاعل المنكر من نفس القوم، أو الوطن، أو اللغة، أو غيرها من أبعد من يكون حسب اصطلاحهم.

وقد أعطى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الماء للجيش المحارب له[15]، مما تعلّمه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)[16]، وتعلّم منه الإمام الحسين (عليه السلام) في طريقه إلى كربلاء[17].

وفي حقوق الإنسان الذي ذكره الفقهاء ما هو أوسع وأوسع مما ذكره القائمون بها اليوم في الغرب.

[1] سورة الإسراء: 70.

[2] بحار الأنوار: ج61 ص244 ب10 ضمن ح2.

[3] الخرائج والجرائح: ج1 ص61 ب1.

[4] سورة البقرة: 178.

[5] سورة آل عمران: 21.

[6] وسائل الشيعة: ج23 ص185 ب4 ح29343.

[7] بحار الأنوار: ج76 ص203 ب94 ح1.

[8] مستدرك الشيعة: ج9 ص148 ب142 ح10512.

[9] من لا يحضره الفقيه: ج4 ص61 باب حدّ السرقة ح5103.

[10] مستدرك الوسائل: ج18 ص16 ب10 ح21870.

[11] تهذيب الأحكام: ج10 ص127 ب8 ح123.

[12] بحار الأنوار: ج19 ص218 ـ 219 ب10 غزوة بدر الكبرى.

[13] بحار الأنوار: ج21 ص22 ب22 غزوة خيبر وفدك وقدوم جعفر.

[14] الكافي: ج7 ص371-372 باب النوادر ح8.

[15] راجع شرح نهج البلاغة: ج1 ص23-24 القول في نسب أمير المؤمنين (عليه السّلام) وذكر لمع يسيرة من فضائله.

[16] راجع بحار الأنوار: ج21 ص132 ب26 فتح مكة.

[17] راجع بحار الأنوار: ج44 ص376 ب37.