الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

مقالات حول ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين بإذن الله سبحانه وتعالى من الهوة السحيقة التي سقطوا فيها إلى العزة الشامخة التي قررها الله سبحانه لهم إن عملوا بكتابه والتزموا بأحكامه والهدف من هذا الكتاب هو أنه كيف نتمكن من إرجاع ثلاثة أشياء إلى المسلمين:

الأول: الدولة الواحدة ذات الألف وخمسمائة مليون مسلم(1) الذين راحوا يعيشون عيشة الضياع والتشتت في الحال الحاضر - وذلك تحقيقاً للأمة الواحدة التي قال سبحانه وتعالى عنها:

(وإن هذه أمتكم أمة واحدة)(2) حيث يتمكن المسلم من السفر في مثل هذه الدولة الكبيرة من أدنى بلادها شرقاً إلى أقصاها غرباً ومن أقصاها جنوباً إلى أدناها شمالاً بلا حدود جغرافية ولا طلب للجنسية والهوية وجواز سفر وإقامة وتأشيرة للدخول والخروج وبدون إعطاء العشور والمكوس لشرطة الجمارك والحدود لما يجلبه من التجارة والبضاعة كما كان الأمر كذلك في دولة الرسول (صلى الله عليه وآله) بل وبعده إلى مدة طويلة من الزمان وعلى أكبر رقعة من الأرض حيث اتسعت رقعة الإسلام فكانت دولته أعظم دول العالم وحكومته أكبر حكوماتها إطلاقاً.

الثاني: الأخوة الإسلامية كما قررها القرآن الكريم بقوله سبحانه:

(إنما المؤمنون أخوة)(3) فلا فرق بين العربي والعجمي والهندي والتركي وإلى غيرهم كما لا فرق بين الشرقي والغربي والجنوبي والشمالي وكذا لا فرق بين العراقي والإيراني والمغربي والمصري وهكذا الخليجي والسوداني والسوري والفلسطيني وغيرهم وهكذا لا فرق بين الأبيض والأسود والأحمر والأصفر فيرجعون أخوة أكفاء كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (المؤمن كفو المؤمن)(4) و(لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى وإنهم سواسية كأسنان المشط)(5).

وقد آخى الرسول (صلى الله عليه وآله) بين المسلمين مرتين مرة في مكة المكرمة ومرة في المدينة المنورة كما أثبته التاريخ.

فلا تفصل بينهم الحدود الجغرافية ولا القوميات ولا الألوان واللغات فيرجعون كسلمان الفارسي وأبي ذر العربي وصهيب الرومي وبلال الحبشي كلهم في صف واحد وهدف واحد أخوة متعاطفين تحت لواء النبي الكريم (صلى الله عليه وآله).

الثالث: القوانين الإسلامية التي عفا عليها الزمن والتي منها الحريات الواسعة الفردية والاجتماعية، ومنها تساوي الجميع في الاغتراف من العلم والمال والقدرة، ومنها كون الأرض لله ولمن عمرها وخيرات الأرض لمن تمكن منها بقدر ما قرره الله له، ومنها السلوك والارتقاء بالناس إلى حيث يفنى الفقر والمرض والجهل والقلق إلى غير ذلك وقد قال سبحانه: (يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(6).

فإن القوانين الإسلامية محفوظة في الكتاب الكريم والسنة المطهرة وإنما الأمر بحاجة إلى عزيمة راسخة من المسلمين لممارسة تغيير حالهم الحاضر إلى الحالة الإسلامية التي أرادها الله تعالى لهم وذلك لا يكون إلا بسلوك الطريق المؤدي إلى هذه الغاية المنشودة بهداية الله سبحانه وحسن توفيقه وهو المستعان.

ثم أنه كما يكون بناء مؤسسة أو إدارة أو مدرسة أو ما أشبه بحاجة إلى ثلاثة أشياء:

الأول: العلم بالبناء.

الثاني: الخارطة المهيأة، من أجل البناء.

الثالث: التطبيق العملي الخارجي فكذلك بناء الأمة بحاجة إلى هذه الأمور الثلاثة، وقد كتبنا كتاب (الصياغة) باعتبار الأمر الأول فإن فيه العلم بالبناء، وكتبنا كتاب (السبيل) تمهيداً للأمر الثاني وإراءة خارطة لكيفية بناء العالم الإسلامي الكبير.

أما التطبيق العملي الخارجي فقد كتبنا لأجله (ممارسة التغيير) فهذا الكتاب مرقاة ثالثة في هذا السلم ومحاولة للتعرف على طرق ممارسة التغيير للوصول إلى (حكومة ألف وخمسمائة مليون مسلم) بإذن الله سبحانه حيث أن الإحصاء الأخير يدل على أن عدد المسلمين في العالم اليوم بلغ ألفاً وخمسمائة مليون مسلم.

وسنركز في هذا الكتاب - بإذنه تعالى - على المقدمات الأساسية لعملية التغيير والصفات الرئيسية التي ينبغي توفرها في العاملين ليتمكنوا من تغيير ما بأنفسهم: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)(7).

ومن إقامة الحكومة العالمية الإسلامية السائرة على المنهاج الصحيح للشريعة الحنيفة، موضحين أثناء ذلك النواقص والأخطاء التي على العاملين في سبيل الله تجنبها لكي يوفقهم الله عز وجل لنيل ما يرغبون فيه ويسعون لأجله (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)(8).

وهذه الصفات - إيجابية وسلبية - ليست خاصة بأمة وشعب بل قد تكون في حزب أو تشكيل أو تنظيم أو هيئة أو جماعة أو حكومة أو حتى في عائلة واحدة أو فرد واحد حيث من الممكن أن يكون الفرد منحطاً وأن يكون متقدماً وأنه إذا كان منحطاً كيف يمكن تغييره إلى الفرد المتقدم؟

وسنذكر من تلك الصفات السلبية نقاطاً متعددة دالة على انحطاط المجتمع من قبيل: عبادة البطن والفرج وسرعة الغضب والاستبداد وجمع المتزلفين والمتملقين وطلاب الشهوة والشهرة، وأصحاب الأنانية، والفردية، وإكثار السجون، والتعذيب، والضرائب، والمكوس، وعدم الاهتمام بآراء الناس وشؤونهم، وبث الدعايات الكاذبة، وتأليه الفرد، وحجب العقل والفكر، واضطهاد المفكرين والمبدعين وخنق أصواتهم وكسر أقلامهم، وزرع الإرهاب والخوف, وفرض الرقابة والتجسس على الناس، ونزع الاعترافات تحت التعذيب، واتخاذ القرارات الفردية، بل كثيراً ما يكون كما قال الشاعر: الأمر تملكه النسوان والخدم

والبطش بالناس كما قال سبحانه: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين)(9).

والكبت والحرمان ومنح الامتيازات لجماعة خاصة وهم المصفقون للنظام وزرع الخلافات والفرقة بين الناس وما إلى ذلك.

ومن الصفات الإيجابية: الشورى في كل صغيرة وكبيرة مما يرتبط بالبلاد والعباد، وتحكيم علقة الأخوة بين أفراد المجتمع، والمساواة أمام القانون وتوفير الحريات بين الناس - ومن المعلوم أن الحرية وسط بين الاستبداد وبين الميوعة والانفلات ـ وجعل الميزان للتفاضل هو التقوى والفضيلة وتعميم العطف والرحمة، والتعاون والخدمة، واحترام العقل والعقلاء والفكر والمنطق، وتذرع كل من الدولة والأمة بالإقناع عوض ممارسة الضغوط والتهديدات إضافة إلى توسيع نطاق وعي الأمة وازدياد معرفتها بما يدور في العالم عبر الصحف والمجلات والنشرات والإذاعات والنوادي والمعاهد وغير ذلك من وسائل الإعلام والبث، والتعليم والثقافة سواء بالوسائل الأكاديمية منها أو الوسائل الإعلامية، وبتوسيع المراكز الثقافية والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية وتقديم الخدمات وتشكيل المؤتمرات لجمع الطاقات والنشاطات وصبها في التغيير الفعلي والقيام بالمظاهرات والإضرابات العامة، وتحصيل الموارد المشروعة للتمويل الــدائم، والاهتمام بالوصول إلى الاكتفاء الذاتي وتبني الفرد العامل حياته الــفردية على الجشوبة والخشونة في المأكل والمشرب والملبس والمركب والــمسكن وغير ذلك، وتبني اللين في حياته الاجتماعية وتخلقه بالأخلاق الكريمة حيث قال سبحانه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)(10).

أما الباب الثاني فسيخصص للتحدث - وبإسهاب - عن الدكتاتورية وملامحها وعلائمها وسمات الدكتاتور، وأسباب وصوله للحكم، وبقائه فيه، وعلاج ذلك، وسنتطرق لذكر نماذج كثيرة وحوادث وقصص عديدة تاريخية ومعاصرة تشير إلى أسلوب الدكتاتور وطريقة تعامله مع الناس وكيفية تصرفه في شؤون الدولة والأمة والله سبحانه المسؤول أن ينفع بهذا الكتاب ويجعله - مع سابقيه (السبيل) و(الصياغة) - مقدمة لتغيير حال المسلمين مما حكم عليه إلى حال أفضل وحياة فضلى في ظل قيادة إلهية رشيدة صحيحة وحكومة إسلامية عادلة وما ذلك على الله بعزيز

(اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة).

المؤلف

 

1 ـ هذا العدد هو ما ذكرته الإحصاءات الأخيرة منه (دام ظله).

2 ـ سورة المؤمنون: الآية 52.

3 ـ سورة الحجرات: الآية 10.

4 ـ انظر وسائل الشيعة: ج4 الباب 25 من كتاب النكاح، ح1.

5 ـ الاختصاص للشيخ المفيد: ص321.

6 ـ سورة الأعراف: الآية 157.

7 ـ سورة الرعد: الآية 11.

8 ـ سورة العنكبوت: الآية 69.

9 ـ سورة الشعراء: الآية 130.

10 ـ سورة آل عمران: الآية 159.