الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الوعي السياسي

إن من أهم الأمور التي تجب على الممارسين للتغيير هو فهم السياسة، إذ بدون الفهم المذكور لا يتمكن الإنسان من الشروع في العمل وإن بدأ، فإنه لا يتمكن من الاستقامة في أمره وإن تجلد وقاوم فإنه لا يتمكن من مواصلة السير بالحركة إلى شاطئ السلام والهدف المنشود. ومن الواضح أن كثرة كبيرة من المثقفين سواء الدينيين منهم أو الزمنيين لا يعرفون السياسة إلا ظاهراً منها لأنهم لم يدرسوها ولم يباحثوها بل ولربما لم يطالعوها وإنما كان هَمّ المثقفين الدينيين بعض الأمور الدينية التي هُم بصددها أما المثقفون الزمنيون فهمهم في دروسهم وممارساتهم العلمية منحصر في الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء وغير ذلك ولذا نرى المسلمين يصب عليهم البلاء صباً وهم لا يعرفون المصدر ولا الكيفية ولا الخصوصيات ولذا يعجزون عن العلاج والخروج عن المأزق فمن اللازم دراسة السياسة دراسة واعية ثم مباحثتها ومواصلة مطالعتها بدقة وحيث لا يمكن تجريد السياسة عن علمي الاجتماع والاقتصاد فاللازم دراستهما أيضاً.

غياب الوعي السياسي

وإليك بهذه المناسبة قصتان عن العراق وإيران حتى نعرف كيف يعملون هم في غياب عن معرفتنا بالسياسة مما يسبب إجهاض كل حركات المسلمين وإن كان القائمون بها من أشد المؤمنين إخلاصاً لدينهم ولمبادئهم ولبلادهم.

السياسة ذات جانبين

ثم إن فهم السياسة له جانبان: سلبي وهو ما ذكرناه: بأن يفهم الإنسان ماذا يجري في بلاد الإسلام؟

وكيف ذلك؟ ولماذا؟ وأمثال هذه الأسئلة.

وجانب إيجابي: وهو أن يفهم الإنسان كيفية العلاج

فالأمر في المقام هو تشخيص المرض وفهم العلاج، إذ من الطبيعي أنه إذا علم الإنسان المرض ولم يعلم العلاج لم ينفع فهمه للمرض شيئاً، ولذا نرى أن المسلمين لما سقطت دولتهم الواحدة انقسموا إلى دولتين ولما سقطت الدولتان انقسموا إلى أربع دول: العثمانيين والإيرانيين والمغول في الهند ودولة المغرب ولم يتمكنوا من العلاج مع أن كلهم كان يعلم المأساة وإنما كان عدم تمكنهم من العلاج لعدم فهمهم له وفي زماننا هذا حيث سقطت الدول الأربع التجأ بعضهم إلى القومية وبعضهم إلى الشيوعية وبعضهم إلى الديمقراطية الغربية وبعضهم إلى الإسلامية المنحرفة وبعضهم إلى الدكتاتورية بدون اسم فانطبق عليهم قول الشاعر:

المستجير بعمرو عند كربته          كالمستجير من الرمضاء بالنار

ولا شك أن كثيراً منهم كانوا يهدفون إنقاذ بلادهم لكن وعورة الطريق أو جبت العطب الأكثر فهم كمن يريد شفاء ولده لكنه يعطيه عوض الدواء الناجع سماً قاتلاً واستفاد من هذه الغفلة وعدم الانتباه المستعمر الخارجي والخامل الداخلي حيث أركب المستعمرون عملاءهم على التيارات كما نرى ذلك بالنسبة إلى عبد الناصر وعبد الكريم قاسم وغيرهم من العملاء.

أما العملاء أنفسهم فقد استغلوا من غفلة الناس فرصة مناسبة لمصادرة الملك والمال ففسدوا وأفسدوا ولا ينفع الإنسان أن يقول أني أفهم العلاج إذا لم يمارسه فالعالم غير العامل أسوأ من الجاهل ولذا مثل الله سبحانه له أبشع الأمثلة قال سبحانه: (مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مَثَلُ القوم الذين كذّبوا بآيات الله)(1).

وقال سبحانه في آية أخرى بالنسبة إلى العالم غير العامل: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)(2).

ويقال لمن يدعى العلم بالسياسة ولا يعمل بموازينها:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة          وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

المرض السياسي

رأيت أفراداً كانوا يذوبون تأسفاً وألماً لتأخر المسلمين ولما يصيبهم من شظايا التأخر في أهلهم أو مالهم أو وطنهم أو غيرها لكنهم كانوا جاهلين بالسبب وجاهلين بالعلاج على أن جملة منهم كانوا من الفضلاء في بعض العلوم الإسلامية أو العصرية وليس ذلك إلا لأنهم لم يدرسوا السياسة فهم كمن يتلهف لشفاء أعز أصدقائه وأهله الذين تمرّضوا لكنه لا يعرف مرض المريض أو يعرف المرض لكنه لا يعرف علاجه.

العلاج الناجع

والعلاج في المقام إنما هو ضم دراسة السياسة إلى جنب سائر الدراسات الأخرى في المناهج الثقافية بالنسبة إلى طلاب العلم سواء كانوا دينيين أو زمنيين ثم اللازم أن ينشر هؤلاء الدارسون السياسة بين المجتمع حتى تكون السياسة عند المجتمع كسائر شؤونهم العادية فكما أن كل مريض يذهب تلقائياً إلى الطبيب ويذهب كل جائع وعار عفوياً إلى تحصيل الطعام واللباس كذلك يلزم أن يذهب كل فرد من المسلمين إلى تعديل الانحراف العريض الحادث في بلاد الإسلام وبذلك يقترب المسلمون إلى العلاج بإذن الله سبحانه وتعالى.

المعرفة السياسية

ومن فهم السياسة أن يعرف الإنسان ارتباط الأمور بعضها ببعض وأن أي أمر يؤثر في أي أمر، ومعرفة المسافات والخصوصيات والمزايا والأقوام والاتجاهات والتيارات وما أشبه ذلك فإن الإنسان إذا لم يعرف الأمور حق معرفتها لا يتمكن من التصرف فيها فإن من لا يحسن المعرفة بالمعمل والماكنات الموجودة فيه لا يتمكن من تشغيلها أو علاجها لدى العطب وكذلك من لا يعرف جزئيات بدن الإنسان لا يتمكن من معرفة أمراضه، وعلاجها إلى غير ذلك، والسياسة أيضاً من هذه الأمور التي إذا لم يعرف الإنسان مجريات السياسة وخصوصياتها لا يتمكن من التدخل في شؤونها وتوجيهها والسير بها إلى الصراط المستقيم بل يزيد في الطين بلة، وفي البلاء محنة، وبهذه المناسبة ننقل القصة المشهورة التي رواها المؤرخون بألفاظ مختلفة وكما يلي:

ثورة علوية استراتيجية

في زمن أحد العباسيين المدعين للخلافة ظهر في المدينة المنورة أحد أحفاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بني الحسن (عليه الصلاة والسلام) خارجاً على الدولة وثائراً ضدها وقد جمع السلاح والمال يريد تقويض دولة بني العباس (الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب)(3).

واستوحش العباسي من ظهور هذا السيد العلوي الثائر فجمع أصدقاءه وأقرباءه ومن في بلاطه واستشارهم في الأمر فقال له أحد كبار رجالات بغداد من الشخصيات السياسية البارزة المعروفة بالحنكة ولم يكن يعرف هذا المستشار المدينة المنورة ولا خصوصيات الأمور فيها كاملة أو كان يعرفها وإنما تجاهل من باب تجاهل العارف لغرض له فأخذ يستفسره عن المدينة المنورة فقال: إنها مدينة صغيرة في الحجاز.

سأل الرجل: هل لهذه المدينة وارد اقتصادي ضخم؟

أجاب العباسي: واردها ضئيل جداً، فهي لا تعتمد سوى على نخيل التمر وحاصلها الشحيح، الذي لا يكفي قوتاً لأهلها.

قال الرجل: كم عدد نفوسها؟

فكان جواب العباسي: إن نفوسها قليل جداً.

قال الرجل: وهل المدينة محاطة بالغابات والجبال والحواجز الطبيعية؟

قال العباسي: لا وإنما أطرافها الصحارى واليباب والقفار.

قال الرجل: ومن هذا الثائر؟

أجاب العباسي: إنه من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والناس يعتقدون به كثيراً.

قال الرجل: وهل له أنصار؟

قال: نعم له أنصار في كل العالم الإسلامي لأنه من أحفاد رسول الله كما ذكرت لك.

قال الرجل: ما هي أقرب البلدان المزدحمة بالسكان والغنية بالاقتصاديات من المدينة؟

أجاب العباسي: إنها البصرة فهي أقرب البلاد المزدحمة إليها. قال الرجل: إذا كنت تخشى من هذا الثائر وأردت الوقوف أمامه والقيام بصده فليس عليك إلا أن تملأ البصرة رجالاً وسلاحاً ومالاً.

استهزأ العباسي في نفسه من هذا التفكير السخيف، والعقل الضعيف - طبعاً بنظره - لكنه لم يظهر شيئاً احتراماً لكبر الرجل ومكانته الاجتماعية وتشكر منه وصرفه ثم قال لجلسائه أنظروا إلى عقلية هذا الرجل فإني كنت أرى أنه على عقله وحكمته وعلى تفكيره وشخصيته وإذا به قد خرف وطال عليه الزمن، أي ربط بين البصرة والمدينة المنورة؟

إن الرجل خرج ثائراً من المدينة وأنا أملأ البصرة خيلاً ورجالاً؟

لكن لم يمض إلا زمان يسير حتى فوجئ العباسي في بغداد بأخبار الثورة العلوية بقيادة السيد الحسني تندلع من البصرة وقد التف الناس حوله وهم في طريقهم لمهاجمة العاصمة بغداد فتعجب العباسي من ذلك تعجباً كبيراً واستحضر الرجل المحنك السياسي الكبير السن ليسأله أنه كيف عرف الارتباط بين البصرة والمدينة المنورة ولما حضر، واستفسره عن الأمر أجاب قائلاً: أنت لوّحت في كلامك بأنه لا بد أن يظهر الثائر الحسني من البصرة لأنك قلت أن المدينة بلدة صغيرة ومن الواضح أن البلدة الصغيرة لا تتحمل الحروب وقلت لا وارد لها ومن الواضح أن الحرب بحاجة إلى وارد كبير فالبلدة التي لا وارد لها لا تتمكن أن تحارب وقلت أن نفوس المدينة قليل ومن الواضح أن المحارب يحتاج إلى جيش ولا يتمكن أن يعتمد على جماعة قليلة وقلت أن المدينة ليست محاطة بالغابات والجبال والحواجز الطبيعية وإنما أطرافها اليباب والصحارى القاحلة ومن الواضح أن الذي يريد أن يحارب لا يتمكن أن يحارب في العراء لأن الحرب بحاجة إلى حواجز طبيعية حتى يتمكن الثائر من التحصن بها لمقاومة العدو ومواجهته، وكذا إذا اضطر التجأ إليها. وقد قلت أن المدينة ليست كذلك ثم قلت إن هذا الثائر من أحفاد رسول الله والناس يعتقدون به في كل العالم الإسلامي اعتقاداً كبيراً وله أنصار في كل البلاد ومن الواضح أنه لا يبقى في بلده الصغير وإنما يختار بلداً آخر وحيث سألت منك عن أقرب البلاد إلى المدينة المنورة التي تتوفر فيها مؤهلات الثورة من المال والرجال والسعة والأشجار والنخيل وما أشبه، قلت أنها البصرة فمن الطبيعي أن يشير إلى الثائر العقلاء المحيطون به أن ينتقل إلى مثل هذه المدينة ولذا قلت لك إملأها عليه خيلاً ورجالاً ومالاً وسلاحاً وهكذا كان، فتعجب العباسي من بعد تفكير هذا الرجل وحسن ربطه للأمور وأدار رحى الحرب في البصرة ضد الثائر الحسني(4).

المعرفة السياسية لا بد منها

نعم أنه لا بد لمن يريد السير بالأمة إلى الأمام من معرفة كل الأمور والجوانب، والأطراف والخصوصيات، والحوادث والارتباطات، والأسباب والمسببات لوضوح أن ممارسة التغيير لا تصح بالنسبة إلى من لا يعرف هذه الأمور, فإن من لا يعرف كيف ابتدأت الدولة الإسلامية وكيف تم القضاء عليها في هذا القرن لا يتمكن من التأسيس لأن المؤسس بحاجة إلى معرفة التاريخ ومجريات الأمور وخصوصياتها وتفاعلها وغير ذلك.

الدولة الإسلامية شروقاً وغروباً

وبهذا الصدد ننقل كلمة موجزة عن كيفية تأسيس رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدولة الإسلامية وكيفية انحلالها حتى نعرف كيف نتمكن من الإعادة فإن الرسول (صلى الله عليه وآله) - كما هو معروف - بعث في أمة متفككة متحاربة يقتل بعضهم البعض، ويفتك كل منهم بالآخر، قد سرى بينهم الخوف والقلق غايته وكانوا كما وصفتهم الزهراء (عليها الصلاة والسلام) في خطبتها المعروفة (كنتم تشربون الطرق وتقتاتون القد أو الورق أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فآواكم وأيدكم بنصره)(5).

كما كانت الحدود الجغرافية تحكم بينهم لا بين البلد والبلد فحسب بل بين قبيلة وأخرى فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشعاره (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)(6)، و(إنما المؤمنون أخوة)(7)، (وإن هذه أمتكم أمة واحدة)(8).

فبعث منهم أمة متقاربة متصادقة، متآخية متعاونة، آمنة مطمئنة عزيزة مكرّمة لم يمض بهم زمان إلا وقد انضوت تحت حكومته العادلة (صلى الله عليه وآله) ما يقارب من تسع دول على خارطة اليوم، وهي عبارة عن: الكويت وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة ومسقط واليمن الشمالي واليمن الجنوبي والحجاز والأردن وقد ذكر المؤرخون أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن له حتى سجن واحد في هذه الدولة الواسعة المترامية الأطراف الجديدة العهد، حيث قد أسس بنيانها على تقوى من الله ورضوان، وعلى أسس المكارم والإنسانية، والعــدل والرحمة، ثم توسعت الدولة الإسلامية الفتية وتوسعت ـ حتى وصلت في زمان الإمام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) ـ طولاً من ليبيا إلى داغستان في الاتحاد السوفياتي ومثل هذه السعة طولاً كانت سعتها عرضاً وكان الإمام (عليه السلام) يدير هذه الدولة الكبيرة التي كانت أكبر دول العالم ذلك اليوم إطلاقاً إدارة قلّ لها من نظير فلم يكن للسجن في حكومته العريضة معنى كالمتداول في زماننا، ولا كالمعروف قبل الإسلام، بل كان السجن في حكومته العادلة، بدائياً وبسيطاً جداً مع أنه كان للفرس والروم آنذاك سجون ضخمة وعظيمة ممتلئة بالناس وكان السجناء يتعرضون فيها لأشد أنواع التعذيب.

كما ذكرت ذلك الكتب المعنية بهذا الشأن.

وهذا بحث ثان لا نريد التعرض له وإنما ننقل هنا رواية واحدة تدل على مدى بساطة السجن في زمان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

تصدع الدولة الإسلامية

ثم إن هذه الدولة الواسعة الشاسعة تشققت من زمان العباسيين بظلمهم وظلم الذين سبقوهم من الأمويين إلى دولتين دولة في المشرق وهي دولة الخلافة العباسية ودولة المغرب وهي دولة الأدارسة أبناء عم الإمام الصادق (عليه الصلاة والسلام) حيث فروا من اضطهاد العباسيين إلى المغرب فأسسوا هناك دولة لهم ثم تشققت هاتان الدولتان إلى أربع دول:

الدولة العثمانية.

والدولة الإيرانية.

والدولة المغولية في الهند.

ودولة رابعة في المغرب.

فإذا لم يعرف الإنسان أنه كيف تأسست الدولة الإسلامية، وكيف تشققت، وما هي عوامل ثبوتها وتوحدها؟

ثم ما هي عوامل تشققها وسقوطها؟

فإنه لا يستطيع ممارسة التغيير ولا الوصول إلى تحقيق الدولة الإسلامية الواحدة.

الاستياء العام

وعلى أي حال حين سقطت الحكومات الإسلامية في الهند وفي إيران وفي تركيا وفي المغرب وقامت المؤسسات العلمانية بتأثير من الغرب خصوصاً عقيب الحرب العالمية الأولى، إستاء المسلمون جميعاً في كل البلاد وعادوا إلى الاهتمام بإصلاح أمورهم لكن لما كانت أساليبهم تختلف كثيراً عن أسلوب الرسول (صلى الله عليه وآله) عجزوا عن أن يتفقوا على منهاج بنّاء يؤلف بينهم ويجعلهم وحدة واحدة وقوة متماسكة بل بالعكس من ذلك فقد تفرقوا أيدي سبا وأصبحوا شيعاً متباغضة وأحزاباً متحاربة ولو كانت تسودهم الجماعات المفكرة المعتدلة لوحدوا صفوفهم ولصبّوا جهودهم في أجنحة كما نجد مثل هذا في كثير من البلاد الغربية المدعية للديمقراطية على أنّا لا نريد تأييد الديمقراطية إلا بقدر أن دعاتها تعقلوا الأمور في إيجاد الأحزاب وجعلوها أجنحة في سبيل مصلحتهم الوطنية ولو كان المسلمون يتفقون على مثل هذا الطرح الذي ذكرناه في كتب متعددة وبصورتها الإسلامية الصحيحة لم يكن للغرب والشرق الجرأة في تضييق الخناق على المسلمين وتسييرهم بهذا السير العنيف الذي سبّب للمسلمين ضياع دنياهم ومن الطبيعي أنه إذا ضاعت الدنيا ضاعت الآخرة معها أيضاً ففي الحديث الشريف:

(من لا معاش له لا معاد له) إذ من الواضح أنه ليس المراد بالمعاش هو الأكل والشرب فقط وإنما سائر الشؤون الحيوية التي يعبر عنها جميعاً بالمعاش وحيث لا معاش للمسلمين فلا معاد لهم.

مظاهر غير إسلامية

وهذا واضح يتراءى في كل شؤون بلادهم فإنك لا تذهب إلى بلد من بلاد الإسلام - باستثناء ما شذ وندر - إلاّ وتجد فيها الخمور والفجور والقمار والربا والاحتكار وسائر المحرمات الإسلامية متفشية، أما الحكم بغير ما أنزل الله فحدّث ولا حرج فإنّه قد عمّ كافة أرجاء بلاد الإسلام بلا استثناء، ومن الواضح أن مثل هؤلاء المسلمين - إلا من عصمه الله سبحانه - لا آخرة لهم كما لا دنيا لهم وهذا كله دليل على أن عدم معرفة السياسة معرفة تطبيقية يوجب بقاء الضياع والتشتت بل ويؤدّي إلى توسعة نطاق الخرق لأن الضياع والتشتت يبدأ صغيراً ثم يتسع ويتسع حتى يشمل كافة أنحاء الأمة كما نجد الآن ذلك.

نظرية وتطبيق

وأما اشتراطنا في معرفة السياسة، بكونها معرفة عملية تطبيقية فلوضوح أنّ العلم وحده لا ينفع، كالذي يعرف الدواء لكن لا يستعمله فهو لا يبرأ ولا يفيق من مرضه، أو كالذي يعرف البناء لكن لا يبني لنفسه داراً فهولا يتمكن أن يستظل بوارف من ظله إلى غير ذلك، ولهذا جاء في نهج البلاغة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له والناهين عن المنكر العاملين به)(9).

وجاء قبل ذلك فــي القرآن الحـــكيم: (يــــا أيها الـــذين آمنـــوا لم تـــقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(10).

وهكذا إذا أردنا ممارسة التغيير إلى حيث ظل الإسلام الظليل، والسيادة والسعادة، والعزة والكرامة، دنيا وآخرة، فعلينا الاضطلاع في السياسة وذلك لا يكون إلا بتدارسها وتباحثها، والمطالعة الكثيرة فيها والأخذ والعطاء بموازينها ووفق خصوصياتها. 

الأمور الدخيلة في الفهم السياسي

ثم إن من أهم الأمور الدخيلة في الفهم السياسي وسيأتي الحديث عنها مستقلاً، أيضاً. هو عدم الاشتغال بالتوافه والمكرّرات، والغفلة عن الهدف الأسمى، أرأيت من كان له مريض مبتلى بالسرطان وإذا لم يعالجه علاجاً سريعاً أدى إلى موته، ثم حصلت في يده بثرة صغيرة تؤلمه لكنها ليست قاتلة ولا تسبب له العطب هل يشتغل بالبثرة أو بالسرطان؟

إنه إن ادعى الفهم ثم اشتغل أولاً بمعالجة البثرة دون السرطان أعطاك دليلاً عملياً صارخاً على أنه لا يفهم شيئاً، وهكذا حال السياسة والسياسيين، فإن من يرى بلاد الإسلام تتمزق، والمسلمين يزدري بهم، والخيرات تنهب، والأموال تسلب، والأعراض تهتك، والشباب يعذبون في السجون، والأحرار يقتلون في كل مكان، ثم يشتغل بعلاج التوافه، ويغفل عن الهدف فينبغي من يبيع غالياً أو يغش في اللبن ماءاً أو يشتغل بحفظ مقامات الحريري أو ما أشبه ذلك فإنه يعطيك بهذا دليلاً عملياً صارخاً على أنه لا يفهم السياسة، وإن ادعائه ليس إلا باطلاً والغريب المؤسف أن هذا هو واقع كثير من الإسلاميين فبدل أن يكتبوا ويخطبوا ويأتمروا حول كيفية إنقاذ المسلمين وإرجاع حكومتهم الواحدة العالمية وإعادة الحريات الإسلامية إليهم، وإنقاذ ملايين السجناء الأبرياء الذين هم تحت أشد أنواع التعذيب الوحشي في عرض بلاد الإسلام وطولها، وإسقاط الحدود الجغرافية بين بلاد الإسلام، وتطبيق قوانين الله سبحانه وتعالى في مختلف الشؤون، والاهتمام بتوزيع القدرة وعـدم تمركزها فـي نقطة واحدة مما يؤدي إلى طغيانها واستبدادها فـ (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)(11). وإن من ملك استأثر، ومما يؤدي إلى حكر الأصوات هو جانب القوة والثروة، فيكون الانتخاب بذلك اغتصاباً، فلا بد أن يكون الانتخاب والاستفتاء حراً في ظل توزيع القدرة.

فبدل ذلك كله تراهم يصرفون أكثر أوقاتهم بل كلها في فروع صغيرة وطفيفة تكون أشبه شيء بالبثرة في الذراع إلى جانب السرطان في الدماغ.

كما أن على التيار الممارس للتغيير صبّ كل إمكانياته وصلاحياته في طريق العلاج والتغيير حتى أن الأمر لو كان بحاجة إلى تأليف كتاب حول المرأة أو العامل والفلاح أو كيفية علاج الاقتصاد أو ما أشبه لزم صبّه في التيار العام للتغيير اقتداءً بالرسول (صلى الله عليه وآله) حيث جعل حتى من شؤونه الفردية وقضاياه الشخصية مورداً نحو المصب العام لتقديم الإسلام إلى الأمام: فقد تزوج لأجل هذا الشأن وزوّج لنفس هذا الهدف وسافر أما للدفاع أو للحرب وأما للصلح أو لتوطيد العلاقات، وأما لتعميم رحمة الإسلام على الأنام أو لتعليم المسلمين مناسك حج البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً، كما وصف القرآن الحكيم مكة المكرمة بذلك.

وهكذا بالنسبة إلى كل تصرفاته ومعاملاته من أخذ وعطاء، وحل وترحال، وحكم وقضاء، وفي سائر قضاياه وشؤونه حتى أنه (صلى الله عليه وآله) كان قد بنى البيوت لأزواجه ونسائه وأقربائه وأصحابه حول المسجد كي يكون لهم تجمّع للانطلاق وحتى أنه جمع الفقراء في صفة المسجد كي يكونوا بمرأى منه ومسمع، ورهن إشارته وأمره إذا أرادهم لأمرٍ جامع أو لصلاة جماعة أو لغزوة وحرب أو مسألة أو إبلاغ أحكام إلى الناس أو غير ذلك.

من أوليات الفهم السياسي

ثم إن من أوليات الفهم السياسي أن يعرف التيار الذي يمارس التغيير بأن هناك ثلاثة أشياء ليست من الإسلام في شيء وإن جاءوا لها بألف حجة ودليل.

الأول: إن كل شيء يهددّ وحدة المسلمين ويفرقهم إلى قوميات أو طائفيات أو عنصريات أو أقليميات أو ما أشبه ذلك، فهو ليس من الإسلام واللازم أن تذوب كل التقسيمات في بحر الإسلام العظيم الذي يرى كل المسلمين سواسية كأسنان المشط وأنهم أخوة تتكافأ دماؤهم. وبذلك تذوب تلقائياً كل القوميات بما فيها القومية العربية والقومية الفارسية والقومية الطورانية التركية والقومية الكردية وسائر القوميات التي أو جدها أو نفخ فيها المستعمرون في بلاد الإسلام كما تذوب في بحر الإسلام الكبير الشيوعية وليدة القومية، والشيوعية التي هي البعثية، وهكذا تذوب العنصريات الضيقة والإقليميات المحدودة ونحوها وسنتحدث عن هذا الأمر وما يليه في مطاوي هذا الكتاب بالتفصيل بإذنه تعالى.

الثاني: إن كل من يصل إلى الحكم بلا استفتاء حر من الشعب وبلا شورى منهم ولا انتخاب فهو باطل وليس من الإسلام في شيء سواء كان وصوله إلى الحكم بسبب العشيرة والقبيلة أو بسبب الملكية الوراثية أو بسبب الإنقلاب العسكري أو بغير ذلك.

الثالث: إن كل بلد يجهر فيه بالمعاصي والمحرمات، وبمنظر من الحكومة ومسمع، بل بتشجيع منها، وسن القوانين لحمايتها، باطل ليس من الإسلام في شيء ويجب أن تطهّر، فالبلد الذي يباع فيه الخمور أو يفتح فيه المواخير أو تتعامل مصارفه بالربا ولو تحت ألف غطاء واسم، أو ما أشبه ذلك لا يمكن أن يبقى على حاله في تيار الإسلام التغييري، علماً بأن المحرمات غير مقتصرة على الخمور والفجور بل تتعدى إلى ما هي أكبر وأفحش حرمة منها، وهي مزاولة القوانين الوضعية المخالفة للإسلام، فإنه يجب أن تبدل كلها إلى قوانين إسلامية فعلى التيار التغييري عدم الإكتراث بالقوانين غير الإسلامية إطلاقاً فهي قوانين غير مشروعة مهما وصفها أناس – ولو كانوا أفاضل - بالشرعية، وضارة مهما قالت الحكومات فيها بأنها وضعت للمصالح العامة، وباطلة مهما روّجوا صحتها في وسائل الإعلام العالمية.

مصدر الشقاء ومبدأه

فمن يوم ترك المسلمون قوانين الإسلام تمزقوا شرّ ممزق وساد عليهم الشرق والغرب فنهبوا خيراتهم وقتلوا أحرارهم، وملأوا السجون منهم وأهلكوا حرثهم ونسلهم، وأبادوا بلادهم وتأخّرت الأمة تأخراً ذريعاً لم يكن له سابق في تاريخ الإسلام الطويل، ولا بأس أن نذكر هنا شطراً من المشكلة التي واجهها المسلمون بعد تركهم قوانين الإسلام (كمثال على ما ذكرناه) حيث استوردوا القوانين الوضعية التي لا تلائم معتقداتهم ولا تلائمهم ما داموا مسلمين وأقوى دليل على ذلك رفض الأمة الإسلامية رفضاً عملياً لكل القوانين المستوردة ومحاولة الهروب منها والتحايل عليها حسب الإمكان بعد رفضها لها رفضاً فكرياً حيث أن هذه القوانين ليست محترمة عندها إطلاقاً مما سبب الترجرج وعدم الإستقرار الحكمي في أي باب من أبواب الأحكام القضائية أو الجنائية أو المالية أو الحدودية أو غيرها.

الرفض العملي والفكري للتلفيق

وننقل بهذه المناسبة جملة من كلام (الدكتور الخدوري) لنرى أن المسلمين كيف وقعوا في متاهات دامسة بعد تركهم قوانين الإسلام النيّرة.

مما سبّب تأخر بلادهم أي تأخر، ففي كتابه (الاتجاهات السياسية في العالم العربي).

قال: (تجربة الأقطار العربية وخاصة مصر وبلدان الهلال الخصيب في فترة ما بين الحربين أثبتت أن القانون الغربي الخالص أو القانون الإسلامي الخالص دون إجراء تعديلات عليهما لا يفيان بالغرض المطلوب وكما حصل في مختلف الحقول نشب صراع بين مدرستين فكريتين مدرسة جديدة رفضت القديمة باعتبارها لا تناسب الأوضاع العصرية، ومدرسة قديمة شهدت قطيعة مفاجئة للماضي طالبت ببعث كامل للشرع الإسلامي وهكذا تتضح الحاجة الماسة إلى أسلوب جديد يأخذ من المدرستين أفضل ما لديهما.

وكان السمهوري هو الذي رفع لواء الدعوة إلى أسلوب جديد معتدل يجمع ما بين القانونين الغربي والإسلامي آملاً أن يؤدّي الجمع في النهاية إلى تأليف منهج منسجم منهما وقد أيده في ذلك النقاد الذين رأوا أنه يستحيل على المفاهيم القانونية والدستورية الغربية إذا ما غرست في بيئة إجتماعية جديدة أن تعطي نتائج مشابهة لما أعطته في الغرب ومن ناحية أخرى فقد حدث صدام مباشر بين القانون الغربي والشرع الإسلامي في الميادين التي كان فيها الأخير يتمتع بمكانة قوية، رغم أن القانون الغربي لم يدخل ما اختلف من مرافق الحياة على نحو متماثل، لهذا بدأ بعض النقاد يتساءلون عن إمكان تحديث الشرع الإسلامي بحيث لا يعود يتناقض مع القانون الغربي.

وقال آخرون: بأنه قد يكون بالإمكان تعديل كل من القانونين بحيث يصلان إلى مرحلة من الانسجام التي تصل في النهاية إلى التأليف الكامل في ما بينهما وإذ كان التفكير يسيّر في هذه الاتجاهات.

طرح السمهوري فكرة تطبيق هذا الأسلوب في أثناء إعداد مصوبة قانون مدني جديد للعراق يستند إلى المفاهيم الإسلامية والغربية ولم تكن تجربة السمهوري جديدة فمنذ أن شرعت الإمبراطورية العثمانية في تنفيذ التنظيمات أخذت تتبنى تشريعات جديدة تحتوي قوانين غربية كالقانون التجاري لعام ألف وثمانمائة وخمسين، وقانون العقوبات لعام ألف وثمانمائة وثمانية وخمسين، ودفعت هذه المحاولات بعض المحدثين إلى تقنين الشرع الإسلامي المدني وهكذا صدرت (المجلة) لتكون بمثابة قانون الإسلام المدني مع أنها لا تشتمل بأي حال من الأحوال على كل جوانب القانون المدني واستندت المجلة في الأكثر إلى المذهب الحنفي رغم أنها رجعت إلى المذاهب الأخرى وكانت بمثابة علامة بارزة في طريق تطوّر القانون الإسلامي المدني ويبدو الأثر الغربي، خصوصاً في الشكل الذي صيغت به المجلة، ثم بذلت محاولة أخرى في مصر على يد (قدري باشا) في كتاب مرشد الحيران ففيه عمد مؤلفه إلى وضع قانون العقود وفقاً للقانون الحنفي وهذا الكتاب لا يختلف عن المجلة سواء في محتواها أو في نهجها الأوروبي ورغم أن هذا الكتاب لم يكن قانوناً رسمياً إلا أنه اعتبر مرجعاً موثوقاً به واستعمل في المدارس الحكومية ومع ذلك فإن أياً من الاثنين: المجلة وكتاب قدري باشا، لم يحدث تغييرات جوهرية هامة.

وهكذا تركت مهمة مثل هذه التغييرات إلى الجيل القادم، وكان السمهوري هو الذي دفع بهذه العملية خطوة إلى الأمام، ووقف البَلَدان مصر والعراق اللذان أبديا استعداداً لتغيير قوانينهم المدنية، على طرفين متناقضين تبنّت مصر القانون المدني الغربي الفرنسي كلياً، بينما تمسك العراق بالمجلة، ولهذا لم يبذل السمهوري أية محاولة لصياغة قوانين جديدة كلياً لهذين البلدين ولم يدع إلى إحداث تغييرات ثورية في أي منهما وذلك لأنه كان معتدلاً بطبعه وذراعياً بمنطلقه ثم أنه أدرك صعوبة إحداث تغيير جذري فحاول أن يضمّن قانون كل من البلدين العناصر التي يفتقر إليها من قوانين البلدان الأخرى فأدخل عناصر من القانون الغربي في القانون الذي كان إسلامياً في الأساس كما أدخل عناصر من القانون الإسلامي في القانون المصري الذي كان مستمداً من القانون الفرنسي.

وهكذا أصبح القانونان المصري والعراقي نموذجين للبلدان الأخرى فتبنّت سوريا النموذج المصري المعدّل على ضوء التجربة العراقية، وتبنّى الأردن وليبيا النموذج العراقــي المعدّل وفق التجربة المصرية، والواضح أن هذه التجربة مع اختلاف مدى تطبيقها بين بلد عربي وآخر نجحت أكثر ما نجحت في إدخال الإصلاح التشريعي وفق أسس علمانية خاصة في العراق حيث تمثلت في قانونه وبقدر متساو، عناصر من التشريعين الغربي والإسلامي إلى آخر كلامه).

 

1 ـ سورة الجمعة: الآية 5.

2 ـ سورة الأعراف: الآية 176.

3 ـ سورة الفجر: الآية 11 - 13.

4 ـ لا يخفى أن العلويين ثاروا ضد العباسيين ثورات وثورات حتى سببوا تعديل حكومتهم وجعلوهم أقل ظلماً؟ وأخيراً سببوا سقوطهم، في قضايا مفصلة مذكورة في التاريخ (منه دام ظله).

5 ـ كشف الغمة: ج2 ص111.

6 ـ سورة الأنفال: الآية 46.

7 ـ سورة الحجرات: الآية 10.

8 ـ سورة المؤمنون: الآية 52.

9 ـ نهج البلاغة: الخطبة 129.

10 ـ سورة الصف: الآيتان 2-3.

11 ـ سورة العلق: الآية 6-7.