الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

بعد النظر

على ممارسي التغيير التسلح بالرؤية البعيدة حتى يتمكنوا من تمييز الصالح عن الطالح، والصحيح عن الفاسد، وما يوصل عما لا يوصل، وقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)(1)، والإنسان إذا عرف ملابسات المستقبل لا تهوله الصدمة مما توجب انسحابه عن الساحة إذا وقعت الواقعة المؤلمة يوماً ما.

الطوسي ونظرته المستقبلية

وبهذا الصدد ينقل عن نصير الدين الطوسي (رحمه الله) أنه أراد إنقاذ ما يتمكن من بلاد الإسلام والحضارة الإسلامية من أيدي المغول الذين كانوا كالسيل الجارف فقرّب نفسه إلى الملك المغولي - وقد كان بدوياً ـ وقال له: إنكم تدخلون الحروب الطاحنة لأجل التوسع والتقدم وهذا يحتاج إلى رؤية مستقبلية حتى تعرفوا أن أية حرب توجب النصر وأية حرب توجب الهزيمة؟

قال الملك المغولي: نعم لكن بأية كيفية؟

فقال نصير الدين: بأن نستعين بالنجوم.

قال الملك المغولي: وماذا يحتاج الأمر في الاستعانة بالنجوم؟

قال الطوسي: علماء، وكتب، وموقوفات، تدرّ على العلماء والعمل بالمال. ثم قال: فهبني علماء المسلمين وكتبهم والأوقاف.

فقال الملك: لكن ما الفائدة من رؤية المستقبل، لأن القدر إذا كان في هزيمتنا فإننا سوف نهزم سواء عرفنا الهزيمة أو لم نعرفها، وإن كان القدر في نصرتنا فإننا سننتصر سواء عرفنا أو لم نعرف؟

قال نصير الدين: الفرق هو في عدم الصدمة النفسية مما يوجب الانهزام، وأخذ العدّة اللازمة لعدم الانهزام، كالمريض إذا عرف المرض وعرف الدواء لا يموت ولا يزداد مرضه بينما إذا لم يعرفهما ازداد مرضه وربما مات، فإن الدنيا دنيا أسباب كما قال سبحانه: (ثم اتبع سبباً)(2).

لكن الملك المغولي لم يقتنع بما قاله نصير الدين، فأراد نصير الدين تنبيهه بمثال، فقال له: إنك بعد ما تجلس في المجلس صباح غد سوف آمر بأن يلقى طشت كبير من النحاس في وسط المجلس فانظر أنت الذي تعلم بذلك ماذا تصنع؟

وانظر إلى الجالسين الذين يجهلون ذلك ماذا يصنعون؟

وكان الأمر كما قال فلما تهيأ المجلس العام للملك بوزرائه وضباطه وقواده ومن إليهم، أمر نصير الدين بأن يلقى طشت كبير من السطح في وسط المجلس فارتطم الطشت بالأرض مما أحدث ضجيجاً هائلاً وخاف الكل وأخذوا ينهزمون ومن المجلس مذعورين إلا الملك ونصير الدين الطوسي. فأخذ الملك يضحك ضحكاً عالياً فقال له نصير الدين الطوسي: هذا هو الفرق بين العالم بالعاقبة وبما سيكون في المستقبل، وبين الجاهل، فإن أثر الطشت كان واحداً سواء بالنسبة إليك وإلى غيرك، لكنهم لما لم يعرفوا ذلك الموضوع انهزموا وفروا وخافوا وذعروا، بينما أنت حيث كنت عالماً بذلك لم تضطرب ولم تنهزم بل ضحكت وقهقهت.

ثم إن عدم بعد النظر من سمات المجتمع المنحط وكثيراً ما يقع الإنسان في المشكلة من عدم بعد نظره.

آثار فقدان بعد النظر

هذا إضافة إلى أن عدم بعد النظر يسبب للأمم مشاكل لا تعد ولا تحصى وأحياناً المشكلة تبيد الأمة، ولذا بادت أمم في التاريخ وأحياناً تبقى المشاكل عقوداً من السنوات أو قروناً منها مثلاً الحرب الكردية في العراق والتي استمرت منذ زمن قاسم إلى اليوم (ما يقارب الثلاثين سنة) أظهرت ضعف الأمة وأن الأمور ليست بيد الناس وإنما قلة في كل طرف تريد الحرب ولعل تلك القلة في الطرفين لم يكونوا يعدون بمائة شخص، بينما كان في الضحايا من المقتولين والمشردين والمفقودين والمعلولين والذين ذهبت مساكنهم أكثر من مليون إنسان يسكنون شمال العراق وجنوبها، وقد كانت الحرب أهلية بتمام معنى الكلمة، يقتل الأخ أخاه، بدون أن يعلم لماذا يقتله بل في أكثر الأحيان كان يعلم أنه قتل تافه لم تثره إلا أسباب شخصية والاستعمار من ورائها، وكان الناس يساقون إلى الجبهات قسراً وإلا ففي انتظارهم مصادرة الأموال والسجن والتعذيب والإعدام، والعقلاء كلهم وإن كانوا ضد الحرب إلا أنهم أقصوا عن الساحة بمختلف الوسائل والسبل ولم يبق لهم حتى مجرد النقد، فإن عملية النقد كانت تعد خيانة وجريمة وقد كانت الحرب تحت شعار القومية العربية من جانب والقومية الكردية من جانب آخر، وقد ضرب الجانبان قوله سبحانه: (إنما المؤمنون أخوة)(3) عرض الحائط، نعم كثيراً ما يكون أحد الطرفين المتحاربين مدافعاً عن بلده، أو نفسه، أو ما أشبه والطرف الآخر هو الذي يعتدي عليه، وفي مثل هذه الحالة يكون المعيار قوله سبحانه: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله)(4) فإذا أراد ممارسو التغيير أن يصلوا إلى الهدف المنشود فاللازم أن يكونوا واقعي الهدف وبعيدي النظر، ويهيئوا أنفسهم لذلك، فإن كل طرف يكون أقوى من هذه الجهة يكون هو المقدم، سواء كان الباطل ضد الحق أو الحق ضد الباطل، أو الباطل ضد الباطل والقصة التالية من القسم الثالث، فإنه نشاهد كيف إن الطرف الذي كان مهيأ وكان يرى العواقب تقدم بينما انهزم الطرف الآخر.

بين الأمين والمأمون

وذلك في قصة الأمين والمأمون، فإن الأمين كان ولد زبيدة زوجة هارون، وهي بنت عمه، ومن نفس العائلة، بينما كان المأمون ولد جارية خراسانية قبيحة المنظر، تسمى (بمراجل) واتفق أن هارون في قصة قمار باشرها فولدت المأمون، وكان هارون يقدم المأمون على الأمين في حوائجه مما أثار حفيظة زوجته زبيدة وكانت زبيدة دائماً تلح على هارون بأن يقدم الأمين على المأمون، ذات ليلة (على عادتها) أصرت عليه بذلك، فقال هارون لها: ماذا أفعل إذا كان المأمون أكثر كفاءة وبعداً للنظر فقالت زبيدة: أن ذلك في نظرك لا بالمنظار الواقعي.

فقال هارون: فلنجرب الأمر الآن، فنادى بعض غلمانه في جوف الليل وقال: اذهب إلى الأمين وأت به.

فذهب إلى الأمين وكان الأمين نائماً، فقال الخادم له: إن الأمير يطلبك، فقام الأمين من منامه وهو بملابس النوم، وبدون غسل الوجه وتمشيط الشعر جاء إلى أبيه، فتوجه إليه هارون وقال: ما هي حاجتك يا ولدي، قال الأمين: حاجتي القصر الفلاني والزوجة الفلانية، والمال الفلاني، قال: هل بعدها من حاجة؟

قال: لا فصرفه، فذهب الأمين، ثم قال هارون للخادم: اذهب وأت بالمأمون، فذهب وأبطأ في الرجوع، وإذا به يأتي بالمأمون وهو على كامل الاستعداد قد غسل وجهه ومشط شعره ولبس ملابسه، وهيأ نفسه للقاء هارون ومعه غلام يحمل كيساً كبيراً من المال ومعه سيف ومصحف، قال له هارون: لماذا تأخرت؟

قال: كنت نائماً، فلما نبهني الغلام، قلت في نفسي أن الأمير لم يطلبني في هذا الوقت من الليل إلا لإحدى ثلاث:

أما أنه يحتاج إلى المال لشاعر ونحوه يريد صلته فهيأت مع نفسي أكثر كمية من المال الممكن، وجعلت المال في هذا الكيس الكبير وحملته هذا الغلام وجئت به إليك.

وأما إن واشياً وشى بي عند الأمير ويريد مني الاستفسار والاستجواب ولذا جئت بالقرآن والسيف حتى أحلف له أني ما قصدت سوءاً بالأمير ولا بالدولة، وإذا قبل كلامي وحلفي بالقرآن فهو، أما إذا لم يقبل كلامي وحلفي فإنني أعددت السيف حتى إذا أراد أن يقتلني أظهر له طاعتي، وإني مستعد لأن أقتل في سبيل الأمير.

وأما أن الأمير طلبني لعدو دهمه من بعض جوانب القصر فهيأت جماعة ممن تمكنت من الغلمان والسيافين وجئت بهم وهم خارج الباب واقفون فطلبهم هارون ورأى ما يقارب مثلا الخمسمائة إنسان هيأهم في ذلك الوقت بصورة مستعجلة وجاء بهم مسلحين، قال هارون له: لم يكن ذا ولا ذاك وإنما طلبتك لأن أرى هل لك حاجة (وأمر بصرف الغلام الذي معه المال وبصرف أولئك السيافين والغلمان الذين جاءوا لنجدته) وإذا كانت لك حاجة فما هي حاجتك.

قال: حاجتي أن جماعة كبيرة من الأبرياء في السجون وذلك بسبب الاختلافات بين الوزراء ومن إليهم ممن له حق أن يسجن كل من أراد، وإني أطلب من الأمير أن يأمر بعض المعتمدين حتى يفتشوا السجون ويروا اضبارات السجناء فالسجين إن كان بريئاً يطلق سراحه، والسجين الذي قد انتهى أمده يطلق سراحه، قال هارون: ذلك إليك فأمر بعض الأشخاص أن يذهب إلى السجون ويطلق سراح الأبرياء والذين انتهى أمد سجونهم، ثم قال له هارون: هل لك من حاجة أخرى؟

قال: نعم. قال: وما هي حاجتك؟

قال: إن أرض السواد (يعني العراق) قد قل انتاجها في هذه السنة، لقلة المطر والضرائب التي تؤخذ منهم هي كثيرة بالنسبة إلى هذه السنة، فمر بعض المعتمدين حتى يروا الفرق بين العام الماضي وهذا العام فليأخذوا منهم أقل بالنسبة، قال هارون: وذلك إليك أيضاً فأمر بعض الأشخاص أن يلاحظوا النسبة بين العام الماضي وهذا العام، ويأخذوا الضرائب بتلك النسبة أقل من السنة الماضية.

ثم قال له هارون: هل لك من حاجة أخرى؟

قال: نعم، قال: وما هي حاجتك؟

قال: حاجتي أن أرزاق الجند تأخرت عن موعدها المقرر فإن أمر الأمير رئيس بيت المال أن يصرف إلى الجند أرزاقهم، كان في ذلك تقوية للدولة وأخذاً بالحزم، قال هارون وذلك إليك أيضاً فأمر غداً رئيس الديوان أن يعطي الجند أرزاقهم.

ثم توجه أخيراً إلى المأمون وقال له: هل لك من حاجة أخرى؟ قال: لا حاجة لي إلا بقاء الأمير، فقال هارون: اذهب بسم الله، فرجع المأمون، ثم توجه هارون إلى زبيدة وقال لها: هل رأيت الفرق بين الأمين وبين المأمون؟

وأن أيهما أكفأ؟ وكان الأمر كما تنبأ هارون، فإنه خلّف الأمين وجعل ولي عهده المأمون.

ولكن المأمون نقض ولاية عهد الأمين، مما سبب وقوع القتال بينهما وتغلب المأمون على الأمين فقتله وجاء خراسان وعلقه على باب داره وأمر من يدخل داره أن يبصق في وجهه ويلعنه وأمر بأن يشق جسد الأمين شقّين، ويعلق كل قسم على جانب من جانبي بغداد، حتى أن من يدخل بغداد ومن يخرج من بغداد يرى تغلب المأمون على الأمين.

فإن كلا من الأمين والمأمون وإن كان على باطل لكن الباطل الذي هيأ نفسه للوثوب على الأمر وكان بعيد النظر غلب على صاحب الباطل الذي لم يهيء نفسه.

محاصرة بغداد

ينقل بهذا الصدد أنه لما حوصرت بغداد من قبل المأمون دخل بعض ذوي الأمين عليه فرآه مغموماً، وقد وضع رأسه على ركبته غماً، قال له: أيها الخليفة لماذا تغتم؟

انثر المال بين الجيش واركب أنت بنفسك وهيء الخيل لجيشك وأعطهم السلاح وكن معهم حتى يقاتلوا ويكفوا الحصار، فإن الناس في ضيق شديد من جهة المأكل وسائر الحوائج بالإضافة إلى أنهم في ضيق حيث دام حصار بغداد أياماً فقال الأمين له: هل تراني مغتماً لأجل محاصرة بغداد؟

قال: فلماذا أنت مغتم، قال: إني مغتم لأجل المقرّطة فإني كنت قد أخذت سمكة جميلة من دجلة وقرّطتها بحلق من الذهب والمجوهرات، وقد خرجت هذه السمكة من الحوض ودخلت في دجلة، ولم تعد وإني كلما أرسلت الغواصين عليها لم يظفروا بها، فاغتمامي واهتمامي لأجل المقرّطة لا لأجل حصار بغداد، ولا لكون الناس في ضيق وإن العدو مشرف على الفتح، فتركه وخرج وكان بعد ذلك انهزامه تلك الهزيمة الشائنة.

خصال لا بد منها

إنه لاشك أن ممارسي التغيير إذا أرادوا أن يغيروا الحالة المزرية التي وصل إليها المسلمون إلى حالة حسنة كانوا بحاجة إلى التهيؤ وبعد النظر وعلو الهمة، فإنه كثيراً ما نرى أن بعض التنظيمات الإسلامية بعد معاناتهم لمناهج التنظيم وما أشبه يعملون ما يسيئون إلى التنظيم وإلى أنفسهم بصرف وقتهم في الهامشيات والمحاربات الجانبية وما أشبه مما يفوتهم الهدف الذي عملوا لأجله ليل نهار، إن التهيؤ الصحيح والهمة العالية وبعد النظر هي الأشياء التي تأتي بالنتائج وإلا فليست الأماني هي التي تعطي الثمار المطلوبة، قال سبحانه: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به)(5).

الدعاء أو العمل

وقد نقل لي أحد الأخيار من أهل طهران أنه دعاه جماعة من المتدينين الذين أزعجهم البهلوي الأول لعدم تدينه أو لاً، ولتحطيمه إيران ثانياً، ولربطه إيران بعجلة الإستعمار ثالثاً، دعوه إلى دارهم لمهمة قال فحضرت ورأيت أن الجماعة جالسون وأمام كل واحد منهم ظرف فيه حمصات سود قلت: ما هذا؟ قالوا: اجتمعنا لأجل أن نقرأ أو راداً على هذه الحمصات لدفع البهلوي لعل الله يقتله ويريحنا من شره، يقول الناقل: قلت لهم أن البهلوي هيأ المدارس للبنين والبنات وهيأ المناهج وهيأ الوزراء وهيأ المال وهيأ الجيش وهيأ الدبابات وهيأ النجدة والشرطة وغير ذلك ووجهها كلها في سبيل الإستعمار ومحاربة الإسلام، فهل أنتم تظنون أن الحمصات السود التي يقرأ عليها الأوراد تكون في قبال هذا الرجل وتكفي شره أنه ليست من عادة الله سبحانه وتعالى أن يستجيب الدعاء اعتباطاً وإنما قال سبحانه: (اتبع سبباً)(6) فاللازم اتباع الأسباب الموصلة إلى النتائج ثم الدعاء لأجل ما ليس بيد الإنسان فإن هناك دائرتين:

دائرة ما بيد الإنسان، وهذا يجب على الإنسان إتباع الأسباب ففي الحديث: (أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها)(7).

ودائرة ما ليس في اختيار الإنسان، وهذه الدائرة هي دائرة الدعاء فما بيد الإنسان يجب أن يعمل عليه وما بيد الله سبحانه وتعالى يأتي بالدعاء حتى يهيء الله سبحانه وتعالى أسباب النجاح والفلاح والوصول إلى الهدف. قال ذلك المتدين: وكان الأمر كما قلت حيث أن البهلوي ذهب إلى آخر الشوط الذي كان يقصده من تحطيم إيران اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً ودينياً وربطه بعجلة الإستعمار مما بقي أثره إلى الحال.

أهمية النظرة المستقبلية

لما دخل البريطانيون العراق أخذوا ينثرون المال على الشيوخ والرؤساء وغيرهم نثراً حتى يميلوهم إلى جانبهم في قبال المجاهدين العراقيين، لكن الذين ارتشوا بسبب البريطانيين اسقط في أيديهم بعدما وصلوا إلى النتائج المرة التي نواها الإستعمار، وبهذا الصدد ينقل: أن أحد شيوخ العراق استماله البريطانيون لصالحهم بإرشائه مائة ألف روبية ولما دخل الإنكليز البلاد وسيطروا على الأمر إشتكى بعض جيران الشيخ على الشيخ شكاية حول بستان كان للشيخ بأنه سبب ضرراً عليه بسبب سقيه الماء له فأحضره الحاكم الإنكليزي وأخذ منه خمسة آلاف روبية غرامة. ثم بعد مدة رفعت ضده شكاية ثانية: بأن تعدت بقرته على زرع الجيران، فاستحضره الحاكم البريطاني وأخذ منه وأخذ منه عشرة آلاف روبية وهكذا توالت الشكايات على الرجل حتى استرجع البريطانيون منه تسعين ألف روبية وعلم الشيخ بعد ذلك بالخطة المدبرة ضده فأخذ العشرة آلاف روبية الباقية في منديل وذهب بها إلى الحاكم البريطاني وقال: أن المائة ألف روبية قد أخذتم منها تسعين ألفاً وهذه هي البقية الباقية منها، خذوها حتى لا تسببوا لي مشكلة جديدة، فضحك الحاكم البريطاني وأخذ العشرة آلاف ورجع الشيخ بخفي حنين!.

وهكذا حال الذين ينصرون الظالم على المظلومين ويبيعون بلادهم فإن عاقبتهم الخزي والدمار والخسارة والعار، ويندمون حيث لا ينفع الندم، ولو كان هذا الشيخ عارفاً بالمستقبل لم يبع بلاده ودينه ولم يصب بهذه الخسارة الفادحة ويصيبه هذه المخزاة الأليمة.

أجل! أمثال هؤلاء الحكام الجائرين والعلماء المرتبطين بهم - ممن تكالبوا على الدنيا ونسوا الله والآخرة - كانوا سبباً في خروج الناس من دين الله سبحانه وتعالى، كما قال ذلك الرجل حينما رأى الحاكم العباسي يــطوف بالبيت فقرأ بصوت عال (بسم الله الرحمن الرحيم، إذا جاء نصر من الله والفتح، ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجاً) فاستغرب الحاكم من قراءته وطلبه وقال له: يا هذا قد أخطأت في قراءة القرآن.

قال: لا، لم أخطئ.

قال: إن الله تعالى يقول: (إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً)(8).

قال الرجل: نعم كان ذلك في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أما في زمانك فالناس يخرجون من دين الله أفواجاً.

فلم يحر الحاكم جواباً.

نعم الرسول (صلى الله عليه وآله) بنى الإسلام على الأخلاق والواقعية، وهؤلاء الحكام الجائرون بنوا أمرهم على اللاواقعية وعلى سوء الأخلاق والانحراف فبينما نرى أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الحكيم:

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(9).

نرى أن هؤلاء بنوا أمرهم على (الأسوأ فالأسوأ) فإن للإنسان مع عدوه أربع حالات:

موقف الإنسان الهادف

الحالة الأولى: أن يقابله بالأشد، وهذه الحالة هي سمة الفرد غير المتزن فإنه إذا صفعه إنسان مثلاً قتله، وإذا أراد إنسان قتله، قتله مع ذويه، وقد ورد النهي عن ذلك في الإسلام قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألاّ تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى)(10). وقال سبحانه: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)(11). كما أن ذلك قبيح في منظار العقل.

وهذا ما نشاهده في حكام المسلمين اليوم فمثلاً: كان عبدالكريم قاسم قد أمر الحاكم بالحكم على من يسبّه بالسجن عشر سنوات بينما كان القانون يقتصر في عقوبة من سبّ الله أو النبي (صلى الله عليه وآله) بتغريمه ربع دينار فقط!.

والحالة الثانية: أن يقابله بالمثل وهذا جائز شرعاً لأن الطبيعة البشرية لا ترضى غالباً بما هو أدون من ذلك قال سبحانه: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(12).

وقال تعالى: (والحرمات قصاص)(13).

وقال سبحانه: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)(14).

وهذا ما يفعله غالباً، عقلاء العالم دون الذين يريدون الاستقطاب والجنوح إلى الفضل.

والحالة الثالثة: أن يقابله بالعفو والإغماض قال سبحانه: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)(15).

أما الحالة الرابعة: فهي مقابلة المسيء بالاحسان والإستقطاب وهذه الحالة الأخيرة هي التي توجب التفاف الناس حول المبدأ وحول الحامل لذلك المبدأ كما قال سبحانه: (إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم، ولا يلقاها إلا الذين صبروا ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم)(16).

نماذج من التاريخ

وتاريخ الأنبياء والأئمة (عليهم الصلاة والسلام)، والعظام من المصلحين، مشحون بهذا القسم الرابع وهذا ما يجب أن يتخذه الممارسون للتغيير منهجاً لهم في حياتهم العملية إذا أرادوا نجاح الهدف.

مثالية الإمام المجدد

وقد حكى أن طالباً من الطلاب كان ينال من المجدد الشيرازي (رضوان الله عليه) وينتقصه وكان الميرزا يسمع ذلك دون أن يرد عليه شيئاً، حتى اشتكى إليه جماعة من أهل العلم وقالوا أنه ينبغي إخراجه وفصله عن الحوزة، لكن الميرزا أجابهم: (اتركوه وشأنه) وكان يجري عليه الراتب الشهري الذي يعطيه للطلاب (كما ورد في قصة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الخوارج أنه كان يجري عليهم عطاياهم، كما أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قبل ذلك كان يجري على المنافقين عطاياهم) وهكذا بقي هذا الطالب في سامراء.

وبعد سنوات جاء جماعة من معارف ذلك الطالب من طهران لزيارة العتبات المقدسة في العراق، فاقترح عليهم المجدد بأن يأخذوه وكيلاً عنه إلى بلدهم حيث أنهم يحتاجونه هناك.

فرحبوا بالفكرة مع علمهم بأنه ينتقص المجدد ومتعجبين من سعة صدره (قدس سره).

وهكذا كان، فقد أخذوا عالمهم معهم إلى طهران بعد أن أعطاه الميرزا مؤونة سفره ووكالة عنه.

وبعد سنوات جرت قضايا (التنباك) كما اتفق أن أصبح لهذا العالم مكانة رفيعة عند الأمة والدولة، ولما لم ير ناصر الدين شاه طريقاً إلا بإلقاء التفرقة بين رجال العلم، لعله يتمكن من إنقاذ ما أبرمه من الامتياز مع الغربيين، طلب من هذا العالم أن يهيء مجلساً يدعو فيه كافة العلماء ويخبرهم بأن الشاه يريد زيارتهم.

وهكذا فعل ذلك العالم فقد دعا العلماء البارزون في طهران. وجاء الشاه وجلس وقال لهم في ما قال: التنباك إن كان حلالاً فحلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة فكيف يحرمه المجدد؟

وإن كان حراماً فلماذا كنتم تستعملونه قبل ذلك؟

فقال أحد العلماء في جوابه: التنباك حلال في نفسه لكنه حرم بالعنوان الثانوي لأنه ضرر على الإسلام والمسلمين كما أن الماء حلال لكن شربه للمستسقى الذي يوجب له الضرر حرام، وهكذا فإن حلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال وحرام محمد (صلى الله عليه وآله) حرام لكنه (صلى الله عليه وآله) جعل إلى جنب هذا القانون قانوناً يحرم الحلال ويحلل الحرام، ففي الحديث (ما من شيء حرمه الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه)(17).

فالحرام يصبح حلالاً للمضطر كما أن الحلال يصبح حراماً فيما إذا كان فيه ضرر وذلك طبقاً للقانون الذي وضعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال: (لا ضرر ولا ضرار)(18).

وبعد مناقشات حامية دارت بين الشاه وبين العلماء غضب الشاه وتوجه إلى العلماء قائلاً: وأخيراً ماذا تفعلون؟

فلم يستطع أحد منهم مجابهة الشاه وتحدي غضبه إلا هذا العالم (الذي كان في يوم ما طالباً في سامراء ينتقص الميرزا) فتوجه إلى الشاه قائلاً: أن إمام المسلمين المجدد الشيرازي حرم التنباك لأنه ضرر على المسلمين ونحن بانتظار أن ينفذ الشاه حكمه، فإذا نفذ حكمه فهو وإلا نحن ننفذ حكمه بالسيف. فغضب الشاه وقام وذهب ولم ينل شيئاً.

ووصل الخبر إلى الميرزا في سامراء وجاءته بعض الرسائل المحتوية على ذكر هذا المجلس وما جرى فيه، فطلب المجدد أولئك الذين كانوا يقترحون عليه إخراج هذا الطالب من الحوزه وفصله وقال لهم: هل كنا نستفيد هذه الفائدة الكبيرة إذا كنا قد استمعنا إلى كلام من كان يقول بإخراجه وفصله؟

فاعترف الجميع بإصابة نظر المجدد وأنه كان أبعد نظراً ورؤية منهم.

رحابة صدر الميرزا الشيرازي

نقل والدي رحمه الله: أن إنساناً جاء إلى الميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس سره) يريد منه شيئاً من المال وحيث لم يكن المال متوفراً آنذاك للميرزا، اعتذر منه فأخذ ذلك الرجل يسب الميرزا في وجهه والميرزا ساكت لا يتكلم فأراد جماعة من الجالسين تأديب الرجل لكن الميرزا أشار إليهم بعدم التعرض له، وقال أن الفقر أو جب الحدة فيه فاتركوه وشأنه فقام الرجل وذهب.

وبعد أيام جيء إلى الميرزا بأموال لأجل قضاء صلوات وصيام عن الأموات ففرق الميرزا الأموال في مواردها وأبقى حصة منها لذلك الرجل وأوصى بها من يوصلها إليه حتى يقضي عن الميت صلاته وصومه فاعترض على الميرزا جماعة من الحاضرين، وقالوا له: شيخنا هل السب من الكبائر الموبقة؟

قال: نعم.

قالوا وهل أنتم تشترطون العدالة فيمن يقضي صلوات الأموات وعبادتهم؟

قال: نعم.

قالوا: فإن الرجل سبّكم قبل أيام فهلا أسقطه سبّه عن العدالة؟

فتوجه الميرزا إليهم وقال: نعم إني أشترط فيمن يقضي صلوات الأموات وصيامهم العدالة، والسبّ أيضاً من الكبائر المسقطة للعدالة، لكن سب مثله لمثلي لا يوجب سقوط عدالته - وأراد بذلك أنه قد سبّه اضطراراً من جهة فقره لا أنه سبّه عن عمد - والميرزا زعيم المسلمين فينبغي له أن يعفو عن المذنبين.

تغاضي الشيخ المازندراني

وينقل عن العالم الكبير الشيخ زين العابدين المازندراني رحمه الله الذي كان من المراجع الكبار قبل قرن من الزمان تقريباً أنه قصد زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) مع جماعة من أصحابه وفي أثناء الطريق التحق بهم سيد فقير وطلب من الشيخ شيئاً من المال يصلح به أمره.

قال له الشيخ: إنني الآن لا أحمل معي من المال شيئاً فإذا رجعت من الحرم الشريف فتعال إلى داري حتى أعطيك ما تحتاجه.

لكنه أخذ يصرّ في طلبه، ولما لم ير من الشيخ جواباً بصق في وجه الشيخ مما سبّب إثارة الذين كانوا معه فأرادوا تأديبه وضربه لكن الشيخ منعهم عن ذلك ومسح بيده على البصاق الذي كان على وجهه وقال: إني أرجو أن لا تمس وجهي النار بسبب بصاق واحد من ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيشفع لي الرسول يوم القيامة.

ثم توجه إلى السيد وقال: تعالى إلى البيت بعد رجوعي عن الحرم حتى أعطيك ما قسّم الله لك وذهب إلى الحرم الشريف.

دروس أخلاقية

والآن.. لننظر إلى منتهى الشموخ والرفعة في دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) حيث يطلب من الله تعالى العفو عمن ناله بمكروه بقوله(عليه السلام): (اللهم وأيما عبد نال مني ما حظرت عليه فاغفر له ما ألمّ به مني واجعل ما سمحت به من العفو عنهم وتبرعت به من الصدقة عليهم في أزكى صدقات المتصدقين وأعلى صلاة المتقربين وعوضني عن عفوي عنهم عفوك حتى يسعد كل واحد منا بفضلك وينجو كل منا بمنك(19).

كما أن الإمام (عليه السلام) كان يعتذر في دعائه عن عدم قبول عذر من اعتذر إليه - ومن الطبيعي أن ذلك كان تعليماً لنا نحن المسلمين وإلاّ فمقامه (عليه السلام) أجل من أن يصنع ذلك - ويقول: (اللهم إني أعتذر إليك من مظلوم ظلم بحضرتي فلم أنصره، ومن معروف أسدى إليّ فلم أشكره، ومن مسيء اعتذر إليّ فلم أعذره، ومن ذي فاقة سألني فلم أوفره، ومن عيب مسلم ظهر لي فلم أستره، ومن كل إثم عرض لي فلم أهجره، واجعل ندامتي على ما وقعت فيه من الزلات وعزمي على ترك ما يعرض لي من السيئات توبة توجب لي محبتك يا محب التوابين)(20).

وكان (عليه السلام) يقول في دعاء مكارم الأخلاق (اللهم صل على محمد وآله وسددني لأن أعارض من غشني بالنصح، وأجزي من هجرني بالبر، وأثيب من حرمني بالبذل، وأكافئ من قطعني بالصلة، وأخالف من اغتابني إلى حسن الذكر، وأن أشكر الحسنة وأغضي عن السيئة، اللهم صل على محمد وآله وحلّني بحلية الصالحين وألبسني زينة المتقين في بسط العدل، وكظم الغيظ، وإطفاء النائرة، وضم أهل الفرقة، وإصلاح ذات البين، وإفشاء العارفة، وستر العائبة، ولين العريكة، وخفض الجناح، وحسن السيرة، وسكون الريح، وطيب المخالقة، والسبق إلى الفضيلة، وإيثار التفضل، وترك التعيير، والإفضال على غير المستحق، والقول بالحق وإن عز، واستقلال الخير وإن كثر من قولي وفعلي، واستكثار الشر وإن قلّ من قولي وفعلي وأكمل ذلك لي بدوام الطاعة ولزوم الجماعة ورفض أهل البدع ومستعملي الرأي المخترع...)(21).

 

1 ـ أصول الكافي: ج1، ص26، كتاب العقل والجهل ح29.

2 ـ سورة الكهف: الآية 89.

3 ـ سورة الحجرات: الآية 10.

4 ـ سورة الحجرات: الآية 9.

5 ـ سورة النساء: الآية 123.

6 ـ سورة الكهف: الآية 89.

7 ـ الكافي: ج1، ص183، باب معرفة الإمام ح57.

8 ـ سورة النصر: الآية 1-2.

9 ـ سورة النحل: الآية 125.

10 ـ سورة المائدة: الآية 8.

11 ـ سورة الأنعام: الآية 164.

12 ـ سورة البقرة: الآية 194.

13 ـ سورة البقرة: الآية 19.

14 ـ سورة الشورى: الآية 40.

15 ـ سورة الأعراف: الآية 199.

16 ـ سورة فصلت: الآية 34-35.

17 ـ وسائل الشيعة: ج3، ص270، الباب12، ح8.

18 ـ وسائل الشيعة: ج17، ص333، الباب7، ح2.

19 ـ الصحيفة السجادية من دعائه (عليه السلام) في طلب العفو، رقم 39.

20 ـ الصحيفة السجادية من دعائه (عليه السلام) في الاعتذار، رقم 38.

21 ـ الصحيفة السجادية من دعائه (عليه السلام) في مكارم الأخلاق، رقم 25.