الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

ترسيخ الوحدة الإسلامية

من أهم ما يجب أن يحول الممارسون للتغيير دون وقوعه: التفرقة بكل أقسامها وألوانها من إقليمية وعرقية وعنصرية ولغوية ولونية وغيرها، لا باللفظ ووضع القانون فقط بل بجعل التساوي بين الجميع في كل مراحل الحياة حسب ما قرره الإسلام فقد قال سبحانه: (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(1).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (الناس سواسية كأسنان المشط كلهم من آدم، وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى)(2).

وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) يعامل المسلمين وفق هذه القاعدة حتى جاء الأمويون وفضلوا العنصر العربي على غير العربي، وجاء بعدهم العباسيون ففضلوا العنــصر الإيراني مرة، والتركي أخرى والعربي ثالثة، ثم جاء العثمانيون ففضلوا العنصر التركي على غير التركي ويكفينا أن نعلم أن التفرقة تعد من السمات البارزة للمجتمع المتخلف.

التفرقة شرارة الحرب

وقد سبب كل ذلك تأخر الإسلام والمسلمين فإن التفرقة أساس كل تأخر، ونشوب أغلب النزاعات الدامية، فإن كثيراً من الحروب التي رأيناها إنما كان منطلقها التفرقة التي سببها الحكام الجاهلون أو أذناب الاستعمار، فمثلاً الحرب العراقية الكردية التي دامت أكثر من نصف قرن واشتعلت مجدداً منذ ثلاثين سنة لم يكن سببها إلا التفرقة بين العرب والأكراد، وبهذه المناسبة ننقل ما تلقيناه في زمن قاسم وعبد السلام عارف من الضغوط لإصدار فتوى بوجوب محاربة العراقيين للأكراد، لكنا أبينا عن ذلك، وصبرنا على تهديداتهم، فمثلاً: جاءنا وفد من قبل عبد السلام يقول: بأن هؤلاء إستعماريون ويريدون بلبلة البلاد وشق الصفوف فاللازم عليكم تصدير فتوى بوجوب الحرب ضدهم والنفير العام للعراقيين لمحاربتهم حتى يستأصلوا شأفتهم.

قلنا: وإن لم نفعل؟

قالوا: فيجب أن تستعدوا لتحمل النتائج؟

قلنا: إننا مستعدون لما نتلقاه في هذا السبيل.

قالوا: وما يمنعكم عن الفتوى؟

قلنا: واضح لأن الأكراد، مسلمون كما أن العرب مسلمون فإذا أنتم بنيتم حكومتكم على القومية العربية فهم تعلموا منكم ويريدون أن يبنوا حكومة لأنفسهم على القومية الكردية وهل باؤكم تجر وباؤهم لا تجر؟

إن المناصب الكبرى في الدولة محرمة على الأكراد فهل بعد ذلك نتمكن أن نقول لهم لا تحاربوا حتى يستعمركم العرب العراقيون؟

ثم أضفنا: إنكم إذا طبقتم المساواة الإسلامية بين الأكراد والعرب حتى يتمكن الكردي المسلم كأخيه العربي المسلم من الوصول إلى العلم والمال والقدرة والمنصب والسلاح وغير ذلك من الشؤون الشخصية والاجتماعية، ففي ذلك اليوم يلقي الكردي سلاحه تلقائياً لأنه يعرف أنه أخ ويعامل معاملة الأخ، أما إن تستبدوا بكل المزايا وتقولوا للأكراد لا تحاربوا واستسلموا لكي تكونوا في الدرجة الثانية فهذا شيء غير منطقي كما أنه غير إسلامي.

فرجع الوفد خائباً حانقاً، يتربص بنا الدوائر، ويستهدفنا بسهامه وضغوطه.

بين الأمس واليوم

إن من المؤسف جداً أن الإنسان لا يدخل بلداً من بلاد الإسلام إلا ويرى التفرقة بادية فيها، ولا بين هذا البلد وذاك البلد - مما رسم حدودهما المستعمرون - فحسب بل بين الأقوام المختلفة الذين يقطنون في بلد واحد حيث يأخذ بعض أولئك القاطنين بزمام الحكم ويضطهد الآخرين تحت ألف شعار واسم.

بينما نرى المسلمين في العهد الإسلامي، كانوا يقربون بين اللغات والأقوام ويدنون بعضهم إلى بعض.

لكن نرى في عصر الانحطاط - وهو هذا القرن الذي وصل انحطاط المسلمين فيه إلى الحضيض، نرى أن الأشعار والموازين كلها قد انقلبت، وتلونت بلون التفرقات اللغوية والعنصرية وغير ذلك، مثلاً ترى أشعاراً من الأكراد ضد العجم ومن العجم ضد الأكراد، كما ترى أشعاراً من الترك ضد الفرس، ومن الفرس ضد الأتراك، وهكذا تجد أشعاراً من العرب والفرس يضاد كل منهما الآخر مما يربأ القلم أن يدوّن شيئاً من هذه الأشعار، فاللازم إزالة كل هذه التفرقات.

محو آثار التفرقة

كما أن من اللازم إزالة آثار التفرقة الموجودة في بلاد الإسلام فاختلاف المقادير واختلاف النقود واختلاف التواريخ مما يوجب تفرقة الأمة الإسلامية، مثلاً ترى في مدارس العراق يدرس تاريخ البابليين وفي إيران تاريخ الساسانيين وفي مصر تاريخ الفراعنة، وهكذا. بينما اللازم أن نترك كل تلك التواريخ بالمرة أو نذكرها كما ذكرها القرآن الحكيم، باعتبارها فاصلاً بين دعوة الأنبياء ودعوة الملوك.

ثم أنه من المؤسف أن نجد حتى الأحزاب الإسلامية في وسائل إعلامها وتنظيماتها تهتم بقطر خاص وبلد دون آخر.

مثلاً الأحزاب العراقية والباكستانية والمغربية وغيرها كل يهتم بقطره، وكأن الحدود الاستعمارية المجعولة لبلاد الإسلام هي محور الأخذ والعطاء حتى للأحزاب والحركات الإسلامية.

وبعضهم يعلل ذلك بعدم الإطلاع عن الأقطار الأخرى وبأن لكل مكان مشكلة خاصة يلزم حلها، وبعضهم يستدل إضافة إلى ذلك بقوله سبحانه: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)(3) وكما قيل الأقربون أولى بالمعروف(4) أو ما أشبه ذلك مما لا يرتبط بالواقع الإسلامي إطلاقاً، فإنه من الإستدلال بما ليس بدليل على الموضوع المدعى.

وأما الوحدة الإسلامية بين السنة والشيعة فقد كتبنا عنهما كتاباً مستقلاً نذكر هنا بعض مقاطعه.

شعار الوحدة الإسلامية

الوحدة الإسلامية كشعار، وكبديل لعواطف غير نابعة من القلب شيء سهل، أما إلباسها لباس الواقع المباشر فهو بحاجة إلى طرح متكامل، يلف الأمة والدولة من ناحية، ومختلف الاتجاهات التقليدية والمراجع والعلماء من ناحية ثانية.

ولعل هذا الطرح الذي نذكره يفي بالأمرين:

أن في العالم الإسلامي (الأعم مما يسمى بالبلاد الإسلامية، أو الذي يسمى بالبلاد غير الإسلامية) ألف مليون مسلم(5) نصفهم شيعة ونصفهم سنة وهؤلاء متشابكون في البلاد، وإن كان الأكثر في بعض البلاد شيعة. وفي بعض البلاد سنة، كما أنهما يتساويان في بعض البلاد الأخرى.

فإذا أريد جمع هؤلاء في وحدة دينية حكومية واحدة، فاللازم أمور:-

1 ـ جمع كل مراجع تقليد الشيعة في مجلس أعلى يحكمون فيه بأكثرية الآراء.

2 ـ جمع كل مراجع السنة والعلماء الذين يتبعونهم في أخذ الأحكام في مجلس أعلى يحكمون فيه بأكثرية الآراء.

3 ـ وهذان المجلسان، يجمعهم مجلس واحد، فإذا أريد صدور حكم بالنسبة إلى إحدى الطائفتين فقط، كان لعلمائهم إصدار الحكم بأكثرية الآراء، وإذا أريد صدور الحكم بالنسبة إلى الجميع - حيث أن الأمر يهم كل الألف مليون مسلم، من جهة سلم أو حرب أو ما أشبه - كان الحكم يتبع أكثرية آراء المجلسين معاً، لكن بمعنى أكثرية هذا المجلس وهذا المجلس، لا بمعنى الأكثرية المطلقة.

مثلاً لنفرض أن في كل مجلس تسعة من العلماء مما يشكل المجموع ثمانية عشر، فإذا أريد حكم على البلد الإسلامي ذي الألف مليون مسلم، كان اللازم (خمسة) من كل مجلس، لا عشرة وإن كان تسعة منهم من مجلس، وواحد من مجلس (وذلك لأن الأكثرية المطلقة ليست محلاً لقبول الطائفة الذين لا يحكم أكثرية علمائهم).

4 ـ وكل طائفة من الطائفتين، لهم حرية المناقشات الأصولية والفروعية وإنما لا يحق لطائفة أن تعتدي إعتداءاً جسمياً أو مالياً على طائفة أخرى (فإن حرية الرأي والكلام والنشر وما أشبه من مفاخر الإسلام الذي جاء لإنقاذ الإنسان من الكبت ومن كل أنواع الكبت).

5 ـ ثم ينبع من المجلس الأعلى و (شورى العلماء) أحزاب إسلامية حرة، كل حزب في نطاق طائفته، وتكون هذه الأحزاب مدارس سياسية، اقتصادية اجتماعية، تربوية، لأجل تربية الصالحين لإدارة البلاد في المجالات التأطيرية: (التشريعية) والقضائية والتنفيذية.

وينصب الولاة من جنس الأكثرية في القطر، بدون أن يحدد ذلك من حريات الأقلية وكذلك حال القضاة ومن إليهما.

وتكون مهمة هذا المجموع: (العلماء والأحزاب) إرجاع الأمة الواحدة الرشيدة إلى الحياة، وإرجاع حكم الله سبحانه، فإن الدولة والأمة لا تخلوان من أحوال:

أ - أن تكون القوانين دنيوية بحتة كبلاد الوثنيين والشيوعيين.

ب - أن تكون القوانين دينية بحتة بدون ملاحظة الدنيا، كبلاد المسيحية في القرون الوسطى.

ج - أن تكون قوانين دينية بيد العلماء، وقوانين دنيوية بيد الحكام، بأن يكون ما لله لله وما لقيصر لقيصر (على إصطلاحيهم) كما في البلاد الغربية الآن.

د - أن تكون قوانين دينية بيد العلماء وقوانين دنيوية بيد الحكام، كما في بلاد الإسلام اليوم.

هـ - أن تكون القوانين دينية ودنيوية بيد العلماء الذين هم الحكام، ويساعدهم الأخصائيون من المثقفين.

الأول: إرهاب بحت وتأخر فظيع.

والثاني: خراب للدنيا.

والثالث: يوجب انفلات الدنيا عن الروح مما يسبب الإستعمار في الخارج والإستعمار والفساد في الداخل.

والرابع: يوجب التناقض بين الجهتين وولاء للناس في مكانين متضادين وتدافع بين الأحكام والأمة.

فلم يبق إلا الخامس: الذي هو عمارة للجسد والروح، وتلائم بين الدين والدنيا، وهذا هو الذي فعله الرسول (صلى الله عليه وآله) وخلفاؤه الأبرار وأمر به الكتاب والسنة.

 

1 ـ سورة الحجرات: الآية 13.

2 ـ الاختصاص: ص321.

3 ـ سورة التوبة: الآية 123.

4 ـ انظر كشف الخفاء: ج1، ص161 رقم 486.

5 ـ ألف وخمسمائة مليون - حسب بعض الإحصاءات الأخيرة.