الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

وضع المنهاج الصحيح للمواجهة

ومن أهم ما يجب على دعاة التغيير وممارسيه: سنّ منهاج قويم للمواجهة مع الأعداء، حيث أن جعل المنهاج الصحيح لممارسي التغيير من أهم ما يلزم فلولا المنهاج الصحيح لم تكن الممارسة إلا خطأ ونشير هنا إلى قواعد أساسية في عملية (المواجهة مع العدو) وإلى كيفية تلك المواجهة.

لا.. للانتحار

الأول: على ممارسي التغيير أن يلاحظوا عدم وضع استراتيجية تؤدي إلى الانتحار فإن الانتحار أسوأ شيء، سواء كان بالنسبة إلى الفرد في مجاله أو الحزب في نطاقه، وكذا الجماعة في مجالها أو الأمة في نطاقها، ولذا نجد أن الغرب والشرق مع تملكهما للأسلحة النووية المدمرة لا يستعملانها، لأن ذلك يعني انتحارهم.

متى يصحّ العمل الاستشهادي؟

نعم العمل الاستشهادي إنما يصح إذا كان الاستشهاد لابد منه حيث تكون الشهادة محتومة في حالتي الإقدام والإحجام، وحينئذ يختار الإنسان أفضل الطريقين وهو طريق الاستشهاد لأنه يوجب كسب المستقبل. ولذا نرى أن الإمام الحسين (عليه السلام) لما خيّر بين الأمرين يعني الاستشهاد مع الإقدام أو الاستشهاد مع الإحجام، قدم الاستشهاد مع الإقدام، وقد أشار (عليه السلام) إلى ذلك بقوله لابن الحنفية وغيره: إن بني أمية لا يتركونني، ولو دخلت في ثقب هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقتلوني(1).

ولهذا نرى أن الإمام (عليه السلام) كان يفرق جموعه وأصحابه أخذاً من المدينة المنورة وانتهاءاً بليلة عاشوراء حيث قال لأصحابه: (اتخذوا هذا الليل جملاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرقوا في سواد هذه الليلة)(2) فإنه (عليه السلام) حيث كان يريد الاستشهاد الذي فيه تقدم الإسلام والمسلمون وإزالة الظلم والظالمين ويريد جعل الاستشهاد خطا على طول الطريق لمكافحة الحكام الظالمين، أراد أن يكون استشهاده محفوفاً بأكبر قدر ممكن من المظلومية حيث أن المظلوم يستجمع العواطف حوله.

وقد حكى عن (غاندي) السياسي المعروف أنه قال: (تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر).

وقال الشاعر عن لسان الإمام الحسين(عليه السلام):

إن كان ديـــن محمد لـــم يستقــم          إلا بقتلــــي يا سيــوف خذينــــــي

الحرب غير المباشرة

الثاني: أن يلاحظ ممارسو التغيير أن يكون هجومهم غير مباشر فإن الهجوم غير المباشر يكون أقوى من الهجوم المباشر، من غير فرق بين المعركة العسكرية أو المعركة السياسية أو المعركة الإقتصادية أو غيرها من المعارك التي تقع بين جانبين فإنه إنما يربح الجانب غير المباشر في هجومه.

مثلاً: البائع إذا بيّن للمشتري جودة بضاعته بالصراحة يحجم المشتري عن الإقدام لأنه يراه نوعاً من الدعاية غير الواقعية بينما إذا أوحى البائع للمشتري الجودة بطريق غير مباشر وإن المعاملة تنفع المشتري، أقدم المشتري على الإشتراء بإلحاح، وهكذا نرى الصياد إذا أراد الصيد لا يهاجم الحيوان من أمامه وإنما يقدم عليه ملتفاً من خلفه أو يجعل أمامه ما يظن الصيد أنه طعمته بينما يخفى الفخ وراء الطعمة.

وقد ورد في الروايات أن الرسول (صلى الله عليه وآله) في بعض حروبه كان لا يواجه العدو بالصراحة، فإذا أراد أن يذهب إلى عدو في جانب الشرق – مثلاً - يأخذ أصحابه إلى جانب الغرب ثم يلتف نحو مقصده وذلك لكي يخفي هدفه على العدو، ولئلا يستعد العدو للمعركة مما يسبب إراقة الدماء وربما يسبب عدم ضمان النصر أيضاً.

وهكذا فعل (صلى الله عليه وآله) في قصة فتح مكة وغيرها مما هو مذكور في السيطرة المطهرة(3).

تحاشي الاصطدام بالعدو

الثالث: يلزم تحاشي التصادم مع العدو بالقدر الممكن، فإن التصادم يوجب تركيز العدو لقواه فيتمكن من كسب المعركة، وحتى إذا لم يتمكن من كسب المعركة فإن الضرر في جبهة المسلمين سيكون كثيراً.

مثلاً نرى أن عدم تصادم الحركة الهندية مع الإستعمار البريطاني في قضية تحرير الهند أوجب نجاح الحركة بأقل قدر من الضرر، فكل الضحايا من بدء الحركة إلى تسلم الشعب الهندي والباكستاني الحكم كانوا زهاء أربعة ملايين من أصل خمسمائة مليون شخص(4)، أي أنهم قدّموا عن كل مائة وخمسة وعشرين: شخصاً واحداً، بينما نرى أن حركة الجزائر التي اصطدمت مع الفرنسيين خلفت من الضحايا مليوناً ونصفاً على أوسط تقدير حيث أن هناك تقديرين آخرين أحدهما يقول: مليون ضحية، وثانيهما يقول: مليونين من (الضحايا) ومن المعلوم أن نفوس الجزائر آنذاك كان أقل من تسعة ملايين إنسان، ومعنى ذلك أن سدس الجزائر قتلوا في سبيل تحرير الخمسة أسداس الأخرى، ومع ذلك نرى أن الحركة الديمقراطية في الهند وصلت إلى هدفها بينما الحركة الديمقراطية في الجزائر أجهضت، وتسلمت السلطة حكومة دكتاتورية جعلت الجزائر قاعدة إستعمارية، منتهى الأمر تحول الإستعمار الجزائري من فرنسا إلى أمريكا.

فاللازم على ممارسي التغيير أن يشتغلوا بتقوية أنفسهم ويتناوشوا الاستعمار الشرقي والغربي وعملاءه من طرف خفي حتى إذا استحكمت قواهم وتمكنوا من المواجهة، دخلوا الساحة وهم على أكمل استعداد بينما العدو قد ضعف وأصبح لا يتمكن من إجهاض الحركة أو تحريفها أو سرقتها كما هو شأن الشرق والغرب حيث أنهم يقومون بإجهاض الحركات أو تحريفها إلى حيث يريدون إذا لم يتمكنوا من إجهاضها، وكثيراً ما تخرج بعض الأقطار من استعمار إلى استعمار آخر كما شاهدنا أن فيتنام خرجت من الاستعمار الأمريكي إلى الاستعمار الشيوعي وهو أسوأ الاستعمارين.

استخدام الطرق الجديدة

الرابع: على ممارسي التغيير الابتعاد عن الطرق المعروفة للعدو مما يسبب أن يقف العدو في الطريق ويسده على الحركة، وهذا يتطلب إختراع الطرق غير المعروفة لدى العدو، حتى تتمكن الحركة من الوصول إلى الهدف بسلام وبدون أن تواجه هذا المحذور.

الخامس: على ممارسي التغيير عدم الإصرار على متابعة الطرق التي ظهرت للعدو ووقف لها بالمرصاد فإن ذلك كثيراً ما يوجب الانتكاس.

ولهذا نرى أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يلاحظ هذا الأمر بدقة فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما حاصر الطائف جاءه إنسان وقال: يا رسول الله هل هذا من الله أو بالمشورة.

قال الرسول (صلى الله عليه وآله) إنه بالرأي والمشورة.

قال: فليس من الصلاح حصارنا للطائف لأن أهل الطائف جمعوا لأنفسهم زاد سنة وبلدهم محصن بالسور فبقاؤنا هنا يسبب انزعاج الجيش الإسلامي وتشتته وتبعثره، فمن الأفضل أن ننسحب مؤقتاً حتى يهيئ الله أسباب الفتح.

فاستجاب الرسول (صلى الله عليه وآله) له وقبِل مشورته وعاد المسلمون إلى المدينة المنورة(5).

ومن المعلوم أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان مأموراً باستشارة المسلمين ليستدرجهم إلى هذه الروحية وإلا فالرسول المتصل بالوحي كان أعلم بكل شيء منهم، وهذا من محاسن الإنسان المتحلي باللين وقد قال سبحانه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)(6).

النفوذ من نقاط الضعف

السادس: تتبع الثغرات الموجودة في صفوف العدو والهجوم عليه من خلالها فإن ذلك يسبب تضعيف العدو بدون أن يتحمل ممارسي التغيير عناءً كبيراً.

مثلاً: إذا رأينا أن بلاد الغرب اتحدت يجب علينا أن نبدأ بالهجوم على الجزء الضعيف منها لا الجزء القوي فإذا تمكنا من إسقاط الجزء الضعيف ضعف الجزء القوي أيضاً وأمكن الهجوم عليه.

ولذا نرى أن الرسول (صلى الله عليه وآله) فصم عرى التحالف الماكر بين المشركين واليهود ثم بدأ باليهود الذين كانوا أضعف من المشركين في تلك الحقبة من الزمن، وبعد أن تخلص من شرهم تفرغ لأهل مكة في قصة معروفة.

ولا فرق في هذه القاعدة بين أن تكون في الطرف المقابل قوى متحالفة، أو تكون قوة واحدة في بعض أطرافها ضعف كما نرى أن العباسيين لما أرادوا الهجوم على الأمويين لم يبدأوا بالهجوم على عاصمة ملكهم وهي الشام ولا على جهة القوة في ملكهم وهي العراق وإنما شرعوا بالهجوم من الأطراف البعيدة للدولة وهي خراسان.

كذلك نرى أن إسكندر المقدوني عوض أن يهاجم مدينة بابل، المركز الأصلي والقوي للإمبراطورية الفارسية، هاجم سورية ومصر وبذلك أسقط القوى البحرية والقوى الاقتصادية الفارسية المتمركزة في سورية ومصر.

بعثرة قوى الأعداء

السابع: تفريق ممارسي التغيير قواهم في الظاهر حتى يشتغل الأعداء بالقوى المختلفة ويصيبهم تبعاً لذلك، وإنما يركز ممارسو التغيير قوتهم الواقعية على الجانب الذي يتمكنون من إسقاطه.

ولذا نرى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) في حرب خبير شتت القوى وحاصر قلاعاً متعددة من خبير - وكانت قلاعاً سبع - ووجه الهجوم الرئيسي على القوة المركزية في خبير.

وهذا الطريق من أفضل الطرق لتشتيت قوى العدو، حتى لا يتمكن من التجمع لعدته وعدده، والهجوم الكاسح على القوى ممارسي التغيير.

ترميم النواقص

الثامن: على ممارسي التغيير إزالة نقاط الضعف الكامنة في أنفسهم فيلاحظوا أن العدو يريد النفوذ من أية ثغرة، ثم يعالجوا تلك الثغرة حتى لا يتمكن العدو من الهجوم على نقطة الضعف.

وكذلك كان حال المحاصرين للقلاع في الأزمنة السابقة حيث كانوا يدخلون البلد من نقطة ضعف يكتشفونها في القلعة.

ولنفرض هنا مثالاً صغيراً وهو: إذا أرادت الدولة الضغط على جماعة لها مؤسسات، فاللازم أن تقوي الجماعة المؤسسات الأضعف التي تتمكن الدولة من غلقها أو الإستيلاء عليها، مثلاً: إذا كان لجماعة مستوصف ومدرسة ومسجد فإن الدولة قد تتمكن من غلق الأولين دون الثالث - حيث يوجب رد فعل جماهيري شديد - ولذا فاللازم على الجماعة تقوية المؤسستين الأوليين وكذلك الأمر إذا أرادت الدولة إلقاء القبض على بعض أفراد الجماعة حيث يتم تهريب الفرد الضعيف الذي تقوى الدولة على إلقاء القبض عليه دون الفرد القوي الذي تهابه الدولة.

لا.. للاستفزاز

التاسع: عدم الاستفزاز فإنه كثيراً ما يكون الاستفزاز سبباً لكي يعبّئ العدو قواه ويضرب الحركة بينما لا يفعل مثل ذلك إذا لم يستفز.

ولذا ورد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة الاحتراز عن السب بالنسبة إلى الطرف المقابل. قال سبحانه: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم)(7).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حربه مع معاوية في صفين: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين)(8).

وهذا هو وجه الجمع بين هذه الآية والرواية وما شابههما من الأدلة الناهية عن السباب وبين بعض ما نجده في القرآن الحكيم مثل: (عتل بعد ذلك زنيم)(9)، أو في السنة المطهرة من باب: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(10).

أما ما نجد من شدّة علي (عليه السلام) في الكلام مع بعض الكفار أو المنافقين أو المجرمين، فسره أنه كان يريد إدارة دولة كبيرة ممتدة من (ليبيا) إلى (داغستان) في الاتحاد السوفياتي - وكان يريد أن يدير هذه البلاد بدون قتل ولا تعذيب ولا مصادرة مال ولا سجن ولا ما أشبه مما يرتكبه الحكام الدكتاتوريون، بل الديمقراطيون أيضاً فإن الديمقراطيين اليوم تراهم يملأون البلاد بالسجون ويجعلون الغرامات وما أشبه لردع المجرمين ولذا كانت سيرة علي (عليه السلام) فوق مستوى سيرة الديمقراطيين أيضاً حيث أبدل كل ذلك التشديد العملي بالشدة في الكلام زماناً، والتقريع اللساني أحياناً، وهو أقل محذوراً وأحمد عاقبة.

خطر الاستدراج

العاشر: على ممارسي التغيير المراقبة التامة لكي لا يقعوا في مصيدة استدراج العدو فكثيراً ما يستدرج العدو الحركة المناوئة من حيث لا تعرف فتقع في الفخ الذي أرادت أن تهرب منه.

فإن الحركات الاجتماعية حالها حال الحركات العسكرية فكثيراً ما يريد أحد الطرفين استدراج الطرف الآخر وجرّه إلى سهل من الأرض حتى يتمكن من الإجهاز عليه بينما ذلك الطرف متحصن بالجبال فلو عرف ذلك الطرف أن خصمه يريد استدراجه من حيث لا يعلم، لم يخرج من جباله الحصينة إلى السهول المنفتحة التي تجعل منه طعمة سائغة للعدو.

طريق الانسحاب

الحادي عشر: على ممارسي التغيير الاحتفاظ بطريق الانسحاب حتى إذا لم يتمكنوا من اختراق العدو ولا من البقاء في مواقفهم انسحبوا حفاظاً على ما تبقى من قدراتهم. وذلك كالحركات العسكرية التي قد لا تجعل لنفسها طريق الإنسحاب فإذا غلب عليها العدو أبادها بينما إذا أبقوا لأنفسهم طريق الإنسحاب تمكنوا من إنقاذ بعض قواهم حتى يعيدوا الكرة في مرحلة جديدة.

وهذا هو ما فعله المسلمون في قصة حرب مؤتة حيث أنهم لم يتمكنوا من مقابلة الكفار وقد قتل قادتهم الثلاثة الذين نصبهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قادة على الجيش الإسلامي.

فأخذوا في الانسحاب ورجعوا إلى المدينة بسلام وتمكنوا من إعادة الكرة على تلك المناطق، بعد لأي من الزمن في قصة مشهورة في التواريخ.

وهكذا فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صلح الحديبية حيث أمر جيشه بالإنسحاب وتمكن من فتح مكة بعد مدة من الزمن.

الإعلام المضاد

الثاني عشر: الدعاية ضد الجائرين بكل أقسام الدعاية حتى إذا فاتت الإنسان الدولة لا يفوته الشعب، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق. وذلك لأن الجائر يفسد ويفسد وكلما بقي يزداد إفساداً وفساداً فلا بد من ردعه.. وفي قصص (كونفشيوس) أنه مر على امرأة في الصحراء وكانت وحيدة في خباء فقالت المرأة: نجني من النمر الكاسر يا معلم الخير.

قال كونفشيوس: وما هو النمر الكاسر؟

قالت: إنني كنت أسكن أنا وأبي وزوجي وإبني في هذه الصحراء منذ سنوات وفي السنة الأولى مر علينا نمر فافترس أبي، وفي السنة الثانية مر النمر فافترس زوجي، وفي السنة الثالثة مر النمر وافترس ولدي، وها أنا بقيت وحدي أخاف من النمر أن يمر علي فيفترسني.

فقال لها كونفشيوس: لماذا لا تتحولين إلى البلد، حيث لا يوجد هناك النمر المفترس؟

قالت المرأة: وهل في المدينة حاكم ظالم؟

قال (كونفشيوس): نعم.

قالت: بقائي هنا وأنا حرة خير لي من أن أدخل المدينة فأكون تحت حكم سلطان جائر.

فتوجه كونفشيوس إلى تلاميذه وقال لهم: اكتبوا هذه الحكمة (النمر الكاسر خير من الحاكم الظالم).

نعم الأمر هكذا، لأن النمر الكاسر إنما يفترس الإنسان مرة، بينما الحاكم الجائر يفترس الناس مرة ومرة ومرة، إنه يزاحمهم في أديانهم وعقائدهم، في سلوكهم وحرياتهم، في أرزاقهم وأعمالهم، في سفرهم وإقامتهم، وفي سائر شؤونهم وقضاياهم. وإنا إذا جمعنا الضحايا الذين افترستهم الحيوانات الوحشية لم يبلغوا حتى معشار ضحايا الحرب العالمية الأولى أو الحرب العالمية الثانية.

الاحتفاظ بالقدرات

الثالث عشر: عدم الاستهانة بالقدرات ولو كانت القدرة واحداً في المائة.

فقد اشتهر في ألسنة الحكماء والمتكلمين: إن الوجود الناقص خير من العدم المحض. وهذا صحيح مائة في مائة فإن العدم لا يتأثر ولا يؤثر، بينما الوجود مبعث التأثير والتأثر ولذا قالوا: (العدم شر محض والوجود خير محض).

ولهذه الجهة نرى أن الرسول (صلى الله عليه وآله) أبقى على المنافقين مع علمه بنفاقهم وكفرهم ومع شدة تخريبهم حتى قال الله سبحانه في حقهم: (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون)(11) وقال في حقهم: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار)(12) وذلك لأن يكثر بهم سواد المسلمين خير من أن ينضموا إلى الكفار ويكثِّروا سوادهم أو يكونوا محايدين، وقد اتخذ الرسول (صلى الله عليه وآله) من جماعة منهم كأبي سفيان وغيره قادة لبعض جيشه سواء في حرب حنين أو في كسر الأصنام التي كانت منتشرة في القبائل حول مكة بعد فتحه لها في قصص مشهورة في التواريخ.

نعم يجب على ممارسي الحركة ملاحظة قاعدة الأهم والمهم بأن لا تكون القدرة الصغيرة تستنفد أكثر مما تستحق.

تقسيم القدرات والطاقات

على ممارسي الحركة تقسيم القدرات حسب المؤهلات، فتضع الإنسان المناسب في المكان المناسب والطاقة المناسبة في المكان المناسب.

ولا بأس في هذا المقام أن ننقل شاهداً ذكره أحد الضباط العراقيين الذين كانوا يتدربون في إحدى البلاد الشيوعية التي كانت في فلك روسيا.

قال الضابط: لما انتهينا من التدريب الذي امتد عدة سنوات في ذلك البلد طلبنا رئيس تلك الدولة للإجتماع به حيث أنه أراد إبقاء الصلة بيننا وبينه في المستقبل حين رجوعنا إلى العراق.

ولما اجتمعنا به أراد أن يهدي إلينا بعض الهدايا المادية، فقلنا له: الأفضل أن تتحفنا بهدية معنوية لتبقى لنا دائماً، فإن الهدية المادية سرعان ما تفنى وتزول، بينما المعنوية تبقى ما دمنا في الحياة.

قال الرئيس: فماذا تريدون؟

قلنا له: حدثنا بأغرب شيء مررت به من أول كفاحك ضد هتلر في الحرب العالمية الثانية حتى وصولك إلى رئاسة هذه الدولة.

يقول الضابط: ففكر الرئيس برهة من الزمن، ثم قال: إني سأنقل لكم أغرب قصة اتفقت لي في حياتي السياسية لتنتفعوا بها في المستقبل السياسي من حياتكم: اعلموا أنه بعد وصولي إلى الحكم وبعد أن قويت العلاقة والصلة بيننا وبين روسيا شكوت إليهم ركود الإنقلاب وتقهقره، وتدهور الأوضاع، وانسحاب الناس من الساحة، وسخطهم على النظام والحكومة فأخبرني أحد رؤساء روسيا أن في جهاز حكومتك واحد من جواسيس الغرب.

لكني كنت أعلم أن كل أفراد الجهاز الأعلى للحكومة هم مورد الثقة ولا أحد فيه من جواسيس الغرب ومع ذلك فتشت عن الأمر من جديد. وأرسلت الخبر إلى الرئيس الروسي بأن يجدد النظر في ذلك فإنه لا جاسوس للغرب عندنا في الجهاز.

فرد الرئيس علي: بأنه موجود قطعاً، وإن استخباراتنا اكتشفته وأخبرتنا به ففتشت مرة ثانية تفتيشاً دقيقاً فلم أعثر على ذلك الجاسوس الذي عناه الرئيس.

وفي المرة الثالثة أرسل الرئيس الروسي من يقول: إن الجاسوس الذي اندس في ضمن جهازك هو رئيس وزرائك، فتعجبت من ذلك تعجباً شديداً لأني كنت أعرف رئيس وزرائي منذ كنا أطفالاً صغاراً في المدرسة، وكافحنا ألمانيا الهتلرية معاً عندما كبرنا، وإلى حين الوصول إلى الحكم حيث أني صرت الرئيس الأعلى للدولة وانتخبت ذلك الصديق: صديق الدراسة والنضال، رئيساً لحكومتي.

فرددت على الرئيس قائلاً: أن هذا محال وأنه مورد ثقتي المطلقة واعتمادي الكامل. فأرسل الرئيس مؤكداً: أنه الجاسوس بنفسه.

عند ذاك قررت أن أصارحه بالأمر، فطلبته وأسررت إليه القصة وقلت له: إنك إذا كنت جاسوساً للجهة الغربية الفلانية فاعترف بلا خوف فإني سأعفو عنك وأكتم القضية عن الناس، وستقدم استقالتك عن الرئاسة لتظهر للناس أنك استقلت بنفسك لعذر محترم. لكن إذا لم تظهر ما في ضميرك ولم تعترف بالواقع فسوف أعاقبك بأشد العقوبات أمام أعين الشعب.

وهنا أقر رئيس الوزراء واعترف بأنه أصبح جاسوساً للجهة الغربية المذكورة منذ سنوات كثيرة، لكن تجسسه ليس في قبال المال أو المنصب أو ما أشبه وإنما لأجل أنه يعرف أن الحرية الغربية أفضل من الدكتاتورية الشرقية، وإنما تجسس لصالح البلاد الغربية لأجل إنقاذ بلاده عن ويلات الشيوعية.

قلت له: فما هو نوع ارتباطك بالغرب؟

قال: إن الغربيين اتصلوا بي وأرادوا مني أن أتعاون معهم في مجالات معينة، كما وطلبوا مني أن أتجسس لهم على بلادي وعلى روسيا لكني أبيت عن ذلك.

ثم زارني بعد مدة وفد دبلوماسي مرتبط بنفس الجهات الغربية، واقتنع الوفد مني أن أؤدي دوراً واحداً فقط وهو أن أجعل الوزراء غير المناسبين في الوزارات غير المناسبة لهم ولاختصاصهم، وقد فعلت طيلة هذه المدة ما قالوا:

فمثلاً: الوزير الذي كان مضطلعاً بالاقتصاد ولا يعرف عن شؤون البريد شيئاً جعلته وزيراً للبريد. وكذلك الوزير الذي كان عارفاً بالسياسة ولا يعرف عن الاقتصاد شيئاً جعلته وزيراً للمالية إلى غير ذلك.

وبعد هذا الاعتراف الذي كاد أن يهد أركاني تحققت عن أمره فتبين لي صدقه وأنه لم يعمل لأجل مال أو جاه وإنما عمل - حسب تصوره - لأجل خلاص بلاده عن الشيوعية.

عند ذاك عفوت عنه وقبلت استقالته وصار مواطناً عادياً كواحد من المواطنين، وهو الآن يعيش مع عائلته في إحدى القرى الهادئة معتزلاً عن السياسة وما يدور حولها، ولم أكشف خبره لأحد من جهاز الدولة.

الاستمرارية

الاستمرار وعدم اليأس بسبب الانهزام في معركة أو معارك أو بسبب عدم التقدم مرة أو مرات فإن الدنيا دول، وربما إنهزم إنسان أو جماعة ثم عاودوا الكرة ونهضوا من جديد.

وفي تاريخ الأنبياء والأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام) أكبر الدروس لعدم اليأس فإنهم رغم ما واجهوا من الصعوبات الجسام لم ييأسوا أبداً.

ففي قصة يوسف (عليه السلام) قال سبحانه: (ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون)(13) وقد كان بين أول القصة لغياب يوسف (عليه السلام) وبين انفصال العير عن مصر أربعين سنة - كما في بعض التواريخ - ولم ييأس يعقوب (عليه السلام) عن الوصول إلى يوسف (عليه السلام) بينما الأخوة كانوا قد يئسوا من ذلك وكانوا يظنون أن يوسف (عليه السلام) قد مات أو قتل ولذا قالوا لأبيهم: (تالله إنك لفي ضلالك القديم)(14).

(فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيراً قال ألم أقل لكم أني أعلم من الله ما لا تعلمون)(15).

ولا يقال: أن يعقوب (عليه السلام) كان قد أخبر ببقاء يوسف (عليه السلام) في هذه المدة الطويلة ولهذا لم ييأس؟

لأنه يقال: هذا دليل على أنه بعد انقضاء مدة أربعين سنة أيضاً يحتمل البقاء، فلا يأس إلا إذا قطع الإنسان بالعدم. هذا بالإضافة إلى أنه لم يعلم أن الإخبار كان من اللوح المحفوظ، فلعله كان من لوح المحو والأثبات، حيث (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم كتاب)(16) ولذا قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): (لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة)(17) وهذا بحث فلسفي طويل لا نريد التعرض له في هذا المكان.

تفجير الطاقات الكامنة

على ممارسي الحركة العمل لتقديم أعضائهم إلى الأمام وتفجير طاقاتهم الكامنة وهممهم العالية فإن الإنسان مطوي على أكبر قدر من الطاقات الوثابة، فإذا وجد المناخ المناسب والنفسية المناسبة تقدم تقدماً مدهشاً فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة كما قال النبي (صلى الله عليه وآله)(18) وقد قال علي(عليه السلام): (المرء يطير بهمته كما يطير الطائر بجناحيه) وفي شعر منسوب إليه (عليه السلام):

أتزعــم أنــــك جـــرم صغيـــــر          وفيك انطــــوى العالـم الأكبـــر(19)

وقد مثل بعض الحكماء الإنسان بمحبرة مليئة حبراً، فإن وجدت القلم والقرطاس والكاتب القدير صارت هذه القطرات السود كتاباً عظيماً يستفيد منه الملايين، وإلا تلفت وتحولت إلى ما لا يسوى حتى فلساً، وهؤلاء الرجال العظام الذين نجدهم في التاريخ كان مثلهم كهذا المثال فإن أبا ذر الغفاري لو لم يجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لظل راعياً بسيطاً، حتى يوافيه الموت في صحاري مكة ولم يعرف له من اسم ولا أثر وكذلك سلمان الفارسي لو لم يصادف الرسول (صلى الله عليه وآله) لظل فرداً مجهولاً حتى يموت في بعض قرى إيران ولم يبقى منه أي أثر ولكنهما تحولا إلى سلمان وأبي ذر- ببركة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ـ.

فالدفع والتشجيع لممارسي التغيير من أهم ما يسلك بهم إلى الأمام حتى يكونوا رجالاً عظاماً ويتمكنوا من تغيير التاريخ.

وإذا أردنا أن ندرس هذه النقطة بشكل أكثر تفصيلية ودقة فعلينا أن نقول أن تفجير الطاقات يعد من السمات الأساسية للمجتمع المتقدم كما يعد تعطيلها من الصفات الرئيسية للمجتمع المتخلف ذلك.

إن لكل من المجتمع المتخلف والمجتمع المتقدم سمات وعلامات جعلها الله لها حتى يعرف الناس من تلك السمات والعلامات أن المجتمع متخلف فيقومونه أو متقدم فيستمرون فيه، فكما ان الله سبحانه وتعالى جعل للأمراض وللصحة وللأمور الكونية علامات وسمات، كذلك جعل لكل من المجتمع المتخلف والمتقدم علامات وسمات يعرف بها، ونذكر منها هنا ما يرتبط بما نحن فيه:

تعطيل الطاقات في المجتمع المتخلف

من سمات المجتمع المتخلف عدم الاستفادة من الطاقات والتي هي حاصلة الآن بالنسبة إلى المجتمعات الإسلامية فإن المجتمع المتقدم يتمكن من الاستفادة من طاقاته وقدراته أما المجتمع المتخلف فطاقاته موزعة على أقسام:

أ - هدر الطاقات:

فأما أن تهدر فيها الطاقات والقدرات كلاً سواء في المجال الفردي أو الإجتماعي أو الصحي أو المالي أو غير ذلك، فكما ان الإنسان إذا لم يرع أرضه وماءه وبذره ووسائل الزراعة كان معنى ذلك هدر الطاقات الكامنة في الأرض والماء والنور وما أشبه، ولا يصل إلى نتيجة مالية أو نتيجة زراعية كذلك بالنسبة إلى المجتمع الذي لا يتمكن أن يستفيد من طاقاته المادية والأدبية والاجتماعية ونحوها، فإنه لا يتقدم إلى الأمام بل يبقى في جوع وفقر وعرى وتأخر فكري وعملي.

ب - بعثرة الطاقات:

وأما أن تتشتت فيها الطاقات بمعنى الاستفادة المبعثرة، وفي الجملة من الطاقات وعدم الاستفادة المركزة منها.

مثلاً إذا وظف الإنسان رأس ماله في تجارة خاصة يأتي بالثمار المطلوبة أما إذا شتته قسماً في الزراعة وقسماً في التجارة وقسماً في الصناعة وقسماً في الاستيراد وقسماً في الإصدار مثلاً، فإنه لا يتمكن من التركيز مما يسبب تأخره بالنتيجة، فإن الإنسان ليست له من الأوقات ما تكفي لكل ذلك على الأغلب إلا أن يقسم الأعمال على جبهات متعددة فإن ذلك أيضاً يكون من التركيز على هدف واحد، لكن في هذا اللباس وكذلك حال الراعي الذي هربت منه نعجتان نعجة إلى الشمال ونعجة إلى الجنوب، فأخذ يسير مرة إلى هذا الجانب ومرة إلى هذا الجانب، إنه يبعثر طاقاته بما لا يحصل حتى على إحدى النعجتين غالباً بينما إذا ركز طاقاته على إحداهما فإنه يلحقها ويأخذها ثم يركز طاقاته على النعجة الثانية ليأخذها ويرجعها إلى القطيع.

وكذلك حال الإنسان إذا صرف بعض الوقت في الشعر وبعض الوقت في الفقه وبعض الوقت في الأصول وبعض الوقت في التفسير فإنه لا يتمكن من الوصول إلى الهدف المنشود وبهذا الصدد ينقل عن الشيخ البهائي أنه قال: -

غلبت كل ذي فنون، وغلبني ذو الفن الواحد.

وفي المثل الطبيعي نرى أنه من يجمع من أشعة الشمس بمقدار زجاجة مقعرة لا تعد وأن تكون بمقدار أنملتين يتمكن من إحراق الجسم السريع الاشتعال كالقطن ونحوه، بينما إذا كانت الشمس مقدار ألف فرسخ ولم تركز في بؤرة إشعاعية لا تتمكن تلك الشمس الكثيرة الإشعاع أن تشعل بمقدار ما تشعل الأشعة المركزة في تلك الزجاجة المقعرة، ولذا كان تشتيت الطاقات من سمات المجتمع المتخلف، بينما تركيز الطاقات من سمات المجتمع المتقدم، فضياع المجهودات وذهاب الطاقات هباءً منثوراً ودفن القدرات بين التشتت والتفرق يوجب تخلف المجتمع كما يوجب تخلف الفرد أيضاً. 

ج - الاستفادة النسبية من الطاقات:

وأما أن لا يستفاد من كل الطاقات وإنما من بعضها، فربما يستفيد الإنسان من تفجير جزء بسيط من طاقاته وبقدر لا يكفي لصنع الشخصية المتقدمة والمجتمع المركب من أمثال هذه اللبنات لا يأتي بالنتائج المطلوبة وإذا نظر الإنسان إلى العالم الإسلامي رأى أن كثيراً منهم يشتغلون، لكن الشغل ليس بقدر الإمكانات والطاقات، بل بقدر جزء بسيط منها ولذا صار المجتمع الإسلامي مجتمعاً متخلفاً بجميع معنى الكلمة حتى أنه لم ير المجتمع الإسلامي في يوم من الأيام حتى أبان الغزو الصليبي من الغرب أو الغزو المغولي من الشرق، قدر ما يرى الآن من التخلف والبعثرة والتشتت، ثم إن إهمال الطاقات والاقتصار على تفجير بعض منها ينشأ إما من الجهل وإما من الكبت، وأما من طلب الراحة والدعة.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) لأصحابه: (كما في رواية) لا تتمنوا المستحيل.

قالوا: ومن يتمنى المستحيل؟

فقال: ألستم تتمنون الراحة في الدنيا؟

قالوا: بلى، فقال: إن الراحة في الدنيا لمستحيلة(20).

نعم إنه من المستحيل الراحة في الدنيا، وقد ذكرنا في كتاب (بقايا حضارة الإسلام كما رأيت) الفرق بين الراحة المطلقة التي هي مستحيلة في الدنيا وبين الراحة النسبية التي لا يواجه الإنسان - فيما إذا كان في تلك الراحة - إلا قدراً جزئياً من التعب الذي هو حتم على الإنسان وخارج عن دائرة اختياره، فعلى الإنسان أن يعمل بكل ما أوتي من القدرة والقوى لكي يفجر طاقاته وإذا كان المجتمع مجتمعاً متخلفاً يجب عليه تغييره حتى يهيء الجو المناسب، فإذا لم يكن الجو مناسباً أو كان الإنسان يطلب الراحة والدعة أو كان جاهلاً بما فيه من القدرات كان المجتمع متخلفاً، ولذا قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في علة بعث الأنبياء: (وليثيروا لهم دفائن العقول)(21).

د - التوجيه الخاطئ للطاقات:

وأما من جهة عدم الاستقامة في الطاقات للانحراف في توجيهها، فإنك إن أردت أن تسير إلى بلد يكون في جانب المشرق، ثم أخذت تسير في جانب المغرب، فإنك صرفت الطاقة بالنسبة إلى السفر والتعب ونحوهما، لكن الطاقة حيث كانت منحرفة في الإتجاه لا تصل إلى البلد، بل تصل إلى ما يبعدك عن البلد، فكم من عالم أودى به علمه إلى حيث الهلكة كما نشاهد ذلك بالنسبة إلى من حكى الله عنه في القرآن الحكيم: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)(22).

وقال سبحانــه في آية أخرى بــالنســـبة إلى علماء اليهود: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً)(23) فبينما لو كان ذلك الرجل جاهلاً أو أولئك العلماء جهلة كان مثلهم كالجهال العاديين الذين لا يتحملون وزر كونهم كلاباً أو حميراً تراهم حيث فجروا طاقاتهم في الجهة المخالفة، صاروا بهذا المثل الشائن وكذلك حال الإنسان الذي يخترع اختراعاً يسبب اختراعه ذهاب نفسه أو قتل الأبرياء من الرجال والأطفال والنساء.

فإن انحراف الطاقات سواء كانت ناشئة من أجل تلبية رغبات النفس، والانسياق مع الأهواء والشهوات، أو من أجل الجهل - حتى ما كان يفسده أكثر مما كان يصلحه - يوجب أن لا تعطي الثمار الطيبة، بل تعطي الثمار المرة، ولا فرق في الجهل بين أن يكون جهلاً مطلقاً أو جهلاً يحدوه الغرور، فإن الغرور يسبب أن يكون الإنسان يعرف ويحرف - كما في المثل -.

وعليه فاللازم على من يريد ممارسة التغيير عدم هدر الطاقات وعدم تشتيتها وعدم الاكتفاء ببعضها وعدم الانحراف في توجيهها وإنما يلزم تفجير كل الطاقات والإمكانات في الوجهة الصحيحة، وذلك ليس بالشيء الهين بل هو بحاجة إلى كثير من العلم وكثير من التواضع وكثير من البحث حتى يظهر الحق كما أنه بحاجة إلى كثير من التعب والنصب، حتى يتمكن الإنسان من الوصول إلى الهدف المنشود.

مقابلة السيئة بالحسنة

على ممارسي التغيير أن يقابلوا السوء بالحسن، فإن مقابلة السوء بالحسن توجب التفاف الناس حول الإنسان وتمكنه من النفوذ فيهم وأخيراً يتيسر له الوصول إلى هدفه فإن الإنسان عبد الإحسان وفي كلمة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): (عجبت لمن يشتري العبيد بماله فيعتقهم كيف لا يشتري الأحرار - بإحسانه فيسترقهم؟)(24).

وفي قصة بوذا، أكبر عبرة من هذه الجهة (وبوذا على ما يعتقده خمسمائة مليون إنسان في الوقت الحاضر نبي أو فوق نبي - على زعمهم - ومن المحتمل أن يكون هو (يوذا سف) الذي ورد اسمه في بعض الروايات الواردة في كتاب البحار وغيره) حيث أن بوذا كان له تلميذ يسمى بـ (برنا).

فقال بوذا لبرنا ذات يوم: اذهب إلى القرية الفلانية وادعوا الناس إلى الحق والهداية والرشاد.

فلما أراد برنا أن يذهب ناداه بوذا وقال له: هب أن أهل القرية لم يسمعوا كلامك فماذا تصنع؟.

قال برنا: أقول في نفسي أنهم أناس طيبون حيث اكتفوا بعدم قبول كلامي ولم يؤذوني.

قال بوذا: هب أنهم أخذوا يصفعونك فماذا تفعل؟

قال برنا: أقول أنهم أناس طيبون حيث أنهم اقتنعوا بصفعي ولم يضربوني بالعصا والهراوة.

قال بوذا: هب أنهم أخذوا يضربونك بالعصا والهراوة فبماذا تقابل صنيعهم؟

قال برنا: أقول أنهم أناس طيبون حيث اقتنعوا بضربي بالعصا والهراوة ولم يضربوني بالسيوف والخناجر.

قال له بوذا: هب أنهم شهروا السيوف في وجهك وأرادوا قتلك فماذا كنت صانعاً؟

قال برنا: أقول أنهم أناس طيبون حيث يريدون أن يأخذوا مني حياة فانية لأنتقل إلى حياة باقية.

فتوجه بوذا إلى برنا حينئذ وقال له: اذهب إليهم بارك الله فيك فإنك جدير بالنجاح في مهمتك.

وهكذا تمكن بوذا بتلك الأخلاق من أن يسيطر على مئات الملايين من الناس إلى اليوم.

فعلى ممارسي التغيير أن يقابلوا السيئة بالحسنة قال سبحانه: (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الــدار، جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)(25).

الإصرار على الوصول إلى الهدف

الاهتمام للوصول إلى الهدف مهما كلف الأمر وطال الزمن، قال الشاعر: لا بد من صنعا وإن طال السفر

وينقل في قصة كونفشيوس: أنه مر ذات يوم على سفح جبل عظيم كان يقطنه عشيرة كبيرة فتوجهت العشيرة إليه وقالوا له: يا معلم الخير حل مشكلتنا.

قال كونفشيوس: وما هي المشكلة؟

قالوا: إن بيننا وبين عشيرة مجاورة قرابة مسافة، لكن تلك العشيرة في الجانب الثاني من الجبل، وكلما أراد بعضنا زيارة بعض اضطر إلى أن يقطع مسافة طويلة وملتوية، مليئة بالمخاطر والمشاق، وأحياناً يستغرق السفر ستة أشهر أو سنة كاملة والسفر من فوق الجبل في غاية الصعوبة والمشقة.

قال لهم كونفشيوس: إن الأمر سهل إذا أردتم ذلك.

قالوا: وكيف؟

قال: اتفقوا أنتم والعشيرة الأخرى معاً على قلع القطعة الجبلية التي تحول بينكم وبينهم.

قالوا: وهل يمكن ذلك؟

قال: نعم، إن الجبل مكون من صخور، فإذا تعاونت العشيرتان على حمل صخور الجبل ودأبت على ذلك ردحاً من الزمن، انتهى المقدار الزائد الذي يحول بينكما ويكون الطريق أرضاً مستوية.

وهكذا فعلت العشيرتان فأخذوا في قلع الجبل تدريجاً حتى أصبح بينهما طريق سهل مستوي.

الاختلاف في الرأي والاختلاف في الاستجابات

قالوا: يجب على الذي يريد ممارسة التغيير أن يعرف أن ليس كل الناس معاندين، وإنما في كثير من الأحيان يختلف شخصان أو مجموعتان في الرأي والاتجاه، لا عناداً وتعصباً بل لأن استجابات الناس مختلفة ولذا نرى الفقهاء العظام يختلفون في المسائل الفقهية مع العلم أنهم لا تنقصهم الفقاهة ولا العدالة ولا النزاهة.

وقد مثلوا لاختلاف استجابة الناس بما إذا كانت هناك أواني ثلاث ممتلئة بالماء إحداها بالماء الحار والثانية بالماء البارد والثالثة بالماء الفاتر، فإذا كان هناك إنسانان وضع أحدهما يده في الماء الحار ثم أخرج يده من ذلك الماء وأدخلها في الماء الفاتر وجده بارداً، وإذا أدخل الثاني يده في الماء البارد ثم أخرجها منه ووضعها في الماء الفاتر وجده حاراً، مع العلم أن الماء واحد، وإن الإنسانين لا يريدان الانحراف عن الحقيقة، وإنما استجابة هذا غير إستجابة ذاك.

ولذا ذكروا في باب الشهادة أن الاختلاف بين الشاهدين إن كان من باب إختلاف الإستجابات لم يكن ضاراً بكون شهادتهما ذات مصبّ واحد كما إذا قال أحدهما: السارق كان يرتدي ثوباً أصفر وقال الآخر: كان يرتدي ثوباً أحمر وذلك لوضوح أنه قد يرى الإنسان الثوب الأصفر أحمر، أو الأحمر أصفر، بخلاف ما إذا كان بينهما اختلاف من غير هذه الجهة، كما إذا قال أحدهما: كان يرتدي لباساً أبيض، وقال الآخر: كان يرتدي لباساً أسود، فالممارسون إذا أرادوا التغيير يجب أن لا يحملوا أقوال وأفعال الناس الذين يخالفونهم في الرأي والمسلك على العناد والتعمد، ولذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)(26) ولم ينسبهم (صلى الله عليه وآله) إلى العناد نعم لا شك أن بعضهم كانوا معاندين لكن حكم البعض لا يجري على الكل.

كل شيء من أجل الهدف

على ممارسي التغيير الاستفادة المشروعة من كل شيء يمكن الاستفادة منه فإن كثيراً من الأشياء يمكن الاستفادة منها حتى ولو كانت مضادة، إذ من الممكن أن يصنع من الليمون الحامض شراباً حلواً، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الحياة قابلة للاستفادة منها حتى من مضارها فكيف بمنافعها؟

وقد قال جمع من الحكماء: إن جوهر الحياة وما فيها واحد، وإنما الصور هي التي تكون مختلفة، حتى بالنسبة إلى الماء والنار والهواء والأرض.

فعلى ممارسي التغيير أن لا ييأسوا حتى من أكبر الأعداء وأن يستفيدوا حتى من أصغر شيء وأتفه شيء.

النصوص الواردة في بعد الأهداف

وقد ورد في الأحاديث الكثيرة كيفية الاستفادة حتى من النواة ومن فضل الماء.

وفي رواية: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى كسرة خبز على باب بيت إحدى زوجاته فالتقطها وقال: يا فلانة. أكرمي جوار نعم الله فإنها إذا نفرت لم ترجع(27).

وكان (صلى الله عليه وآله) ذات مرة يأكل التمر بيده اليمنى ويضع النواة في يده اليسرى، فمرت بقربه شاة فأشار الرسول (صلى الله عليه وآله) إليها وفتح كفّه الشريفة وعرض النواة عليها، فأقبلت الشاة تأكل من يده (صلى الله عليه وآله) حتى نفدت النواة(28)، وقد رأى الإمام الرضا (عليه السلام) بعض خدمه أكل فاكهة وطرح النواة وعليها شيء من الفاكهة، فقال(عليه السلام): سبحان الله الكبير، إذا استغنيتم أنتم ففي الناس فقراء(29).

ولا بأس أن نشير هنا إلى أنه (صلى الله عليه وآله) كيف كان يستخدم حتى مثل الزواج الذي هو من الشؤون الفردية الخاصة في سبيل الهدف: أما زواجه من خديجة (عليها السلام) - ذات النفوذ الواسع والثروة العظيمة، والتجارة الكبيرة، والإيمان الخالص، حيث كانت أول من آمنت به (صلى الله عليه وآله) وصدقت رسالته من النساء، بعد أن كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) أول من آمن به من الرجال - فلأن يتمكن (صلى الله عليه وآله) من أن يوفر للمسلمين المال اللازم لتبليغ الرسالة ويستعطفهم نحو الإسلام. وأما زواجه من سودة فإنه كان لزوجها السابق أخ متنفّذ في قومه، مطاع في عشيرته، يدعى: بـ(سهيل بن عمرو) وكان يفكر ويخطط في أن يتزعم معارضة النبي (صلى الله عليه وآله) فمنعه هذا الزواج عن المعارضة وقد تقدم الكلام حول (سهيل بن عمرو) ودوره في تهدئة مكة وأهلها بعد وفاته (صلى الله عليه وآله).

وأما زواجه من زينب بنت خزيمة، فلأن زوجها الأول كان من قبيلة المطلب، وكان له علاقة بقبيلة أخرى فسبب زواجه هذا إن رغبت القبيلتان في الإسلام وخضعتا للرسول (صلى الله عليه وآله).

وقصة زواجه من عائشة وحفصة فهي معروفة لا تحتاج إلى شرح وتوضيح، وأم سلمة كانت ذات نفوذ زعامي في قبيلة مخزوم، وزينب بنت جحش كانت تنتمي من الأب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فكانت ابنة عمه ومن الأم كانت تنتمي إلى قبيلة عبد شمس وزواج النبي (صلى الله عليه وآله) منها كان سبباً للإحاطة بحكم جاهلي، ثم أن زينب هذه كان لها أخ متزوج من أم حبيبة ومات في الحبشة عندما هاجر إليها فراراً من أذى المشركين واضطهادهم.

وزواج النبي (صلى الله عليه وآله) من ميمونة كان سبباً لحصول علاقات طيبة مع عمه العباس الذي أسلم فيما بعد وكان له ولولده الأثر في بدء الإسلام فقد كانوا من الذين ناصروا الرسول (صلى الله عليه وآله) في أحرج الساعات كيوم حنين على ما أثبته التاريخ.

واستقطب زواجه (صلى الله عليه وآله) من أم حبيبة بني أمية قاطبة الذين كان لهم حول وطول قبل الإسلام.

وجويرية كانت بنت زعيم وشيخ لقبيلة يهودية، وكذلك صفية ومن الواضح أنه كم يكون التأثير بالغاً على القبيلة بواسطة الانتساب والمصاهرة إليها، خصوصاً في تلك الأيام التي كانت للقبيلة مكانة رفيعة في مجتمع الحجاز.

ومارية كانت سبب علاقة المسيحيين بالرسول (صلى الله عليه وآله) فقد أهداها المقوقس ملك الإسكندرية وصاحب مصر وعظيم القبط إلى الرسول فأراد (صلى الله عليه وآله) إكرامه فتزوجها وكان لهذا العمل الأثر البالغ في نفسية النصارى وتعاطفهم مع الإسلام.

إلى غير ذلك مما يتضح منها جميعاً أن سياسة التغيير وهدف الإصلاح كان العامل الرئيسي في زواجه (صلى الله عليه وآله) بمعظم نسائه إن لم يكن بجميعهن ومن الواضح أنه حين يتزوج من مهاجرات الحبشة وأرامل شهداء بدر وأحد ويتزوج من أسرى اليهود ومن الجارية القبطية كان يقصد تقوية الإسلام والسير به إلى الأمام وقد تحقق ما أراده (صلى الله عليه وآله) حيث انتشر الإسلام انتشاراً سريعاً وكبيراً مما تحير له عقلاً، والعالم إلى اليوم.

الأضرار تصبح منافع

يحكى أن واحداً من التجار كان يغامر بالتجارة مهما كلفه الأمر ومهما احتمل الضرر والخطر، وكان لذلك من أنجح التجار، وذات مرة جاءه دلاّل وقال له: إن في المكان الفلاني آلاف الأجربة من الأرض غير الآهلة فهل تشتريها فإنها بثمن رخيص؟ قال: نعم، فاشتراها.

وبعد أن اشتراها جاء بعض من كان يسكن بالقرب من تلك الأرض وشكا: بأن هذه الأرض، أرض تتكاثر فيها الحيّات والثعابين وتتسرب منها إلى القرى المجاورة فتؤذي أهلها وحيث أنك مالك الأرض فعليك علاجها.

أقبل التاجر ونظر إلى الأرض فتعجب من كثرة ما رأى فيها من الثعابين والحيات.

ففكر ملياً ثم سأل بعض خبرائه عن العلاج؟

فقالوا: العلاج بسيط ويكفيك إحداث معمل جاهز على هذه الأرض لتحويل الحيّات والثعابين إلى مواد تجارية غنية تستدر عليك بالرزق الكثير، إذ هي تحتوي على جلود ثمينة وجميلة، وعلى لحوم يستحل أكلها بعض الناس، وعلى مواد سامة تنفع لمعالجة كثير من الأمراض.

وبالفعل فقد عمل التاجر حسب ما اقترح عليه الخبراء وإذا بالأرض القاحلة الموحشة تتحول إلى معمل كبير لإنتاج الأدوية والجلود واللحوم فانتفع من تلك الأرض انتفاعاً منقطع النظير.

 

1 ـ بحار الأنوار: 45، ص364، الباب 37.

2 ـ بحار الأنوار: ج45 الباب 37 ص393.

3 ـ انظر البداية والنهاية: ج4، ص284.

4 ـ في بعض الإحصاءات (400) مليون (منه دام ظله).

5 ـ انظر الكامل في التاريخ: ج2، ص181.

6 ـ سورة آل عمران: الآية 159.

7 ـ سورة الأنعام: الآية 108.

8 ـ نهج البلاغة: الخطبة 206.

9 ـ سورة القلم: الآية 13.

10 ـ سورة البقرة: الآية 194.

11 ـ سورة المنافقون: الآية 4.

12 ـ سورة النساء: الآية 145.

13 ـ سورة يوسف: الآية 94.

14 ـ سورة يوسف: الآية 95.

15 ـ سورة يوسف: الآية 96.

16 ـ سورة الرعد: الآية 39.

17 ـ الميزان ج11 ص385.

18 ـ روضة الكافي: ص155، ح197.

19 ـ أعيان الشيعة: ج1، ص552.

20 ـ بحار الأنوار: ج81، ص195.

21 ـ نهج البلاغة: الخطبة1.

22 ـ سورة الأعراف: الآية 176.

23 ـ سورة الجمعة: الآية 5.

24 ـ غرر الحكم: ص329 رقم6350.

25 ـ سورة الرعد: الآية 22-24.

26 ـ المناقب: ج1، ص192.

27 ـ بحار الأنوار: ج63، ص430، الباب 25 من أبواب آداب الأكل، ح13.

28 ـ مكارم الأخلاق: ص29.

29 ـ انظر وسائل الشيعة: ج16، ص497، الباب69، ح1.