الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

القناعة النفسية بالإسلام

ومن ناحية السلوك فقد كان الإسلام لدى المؤمنين منذ أسس رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدولة الإسلامية الكبرى أفضل طريقة في الحياة لم يشك أي مسلم معتقد رغم كل الخلافات والتناقضات التي ارتكبها المتطفلون على الإسلام باسم الإسلام، في شرعية الطريقة الإسلامية وكمالها وإنها أفضل الشرايع والأديان وخير طريقة للحياة السعيدة (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)(1).

وحين بدأ التفسخ في المجتمع الإسلامي وفشلت إجراءات الإصلاح التي قام بها المصلحون بسبب التيار الغربي والشرقي الجاريين في البلاد عانى كل فرد من أفراد المسلمين أزمة أخلاقية غربية واصطدم بصدمة كبرى حيث لم يصدمه، كون المؤسسات الإسلامية استبدلت بمؤسسات غربية في الشكل والمحتوى وكون التشريع العلماني طغى على الشريعة الإسلامية فحسب بل صدمه أيضاً كون الدول الغربية لم تكن لتكتفي بانتهاك حرمة الدين الإسلامي دون وازع ولا رادع من القوانين الوضعية فحسب وإنما راحت تنتهك حرمات المسلمين في النفوس والأعراض والأموال أيضاً وإذا كان دعاة الإصلاح قد فشلوا في الاتفاق على منهج بناء مقبول لدى الجميع فهو لأجل أنهم افتقدوا قاعدة مشتركة تلتقي بها وجهات نظرهم المتباينة.

الجامع المشترك

هذا مع العلم بأن مثل هذه القاعدة أسسها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بجعله المؤمنين أخوة متحابين، وإنهم مع اختلاف ألوانهم ولغاتهم وقومياتهم أمة واحدة تجمعهم دولة واحدة ونظام واحد.

فقال (صلى الله عليه وآله): (مثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(2).

وقال (صلى الله عليه وآله): (الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربيهم على أعجميهم ولا لأحمرهم على أسودهم إلا بالتقوى)(3).

وقد قال قبل ذلك القرآن الكريم: (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(4).

وجعل اللين والرفق عماد التقدم. فقد روي أنه جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) شاب قد أثرت العبادة في وجهه حتى أصفر لونه وغارت عيناه فقال له الرسول (صلى الله عليه وآله): لماذا أراك هكذا؟

قال: يا رسول الله من أثر العبادة.

فقال له (صلى الله عليه وآله): إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى)(5).

و(أوغل) بمعنى: أدخل، و(المنبت): هو الذي يطارد فرسه حتى ينقطع عن القافلة زاعماً أنه يتقدم عليهم فإنه لا أرضاً قطع لأنه يقف حيث لا يتمكن من السير بعد المطاردة المضنية ولا ظهراً أبقاه سالماً لفرسه حيث أتعب فرسه وأعابه بسبب المطاردة وشدّة السير فلا يمكنه النهوض والسير بصاحبه. وروي أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بتبليغ الرسالة)(6).

حيث جعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تبليغ الرسالة كل الرسالة في كفة والمداراة في كفة أخرى وقال (صلى الله عليه وآله) مخاطباً بعض أزواجه: (لو وضع الرفق على شيء زانه ولو وضع الخرق على شيء شانه)(7).

هذا وقد أمر الله الناس أن يقتدوا بالرسول (صلى الله عليه وآله) بعد أن بيّن لهم لينه وكريم خلقه بقوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم)(8)، و(إنك لعلى خلق عظيم)(9)، وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر)(10).

التقدير السياسي

ومن أدق فهم السياسة معرفة قدر المسافة بين الأهداف والمقدّمات ومعرفة أن الأهداف ما هي مقدّماتها فإن من لا يتمكن من فهم المقدمات يحسب أن ما ليس بمقدمة هي مقدمة فيصرف عمراً طويلاً بدون نتيجة كما إذا زعم أن الثلج مقدمة لطبخ الطعام فإنه يصرف الثلج ويصرف الوقت ولا يدرك الطعام ومن لا يفهم المسافة بين المقدمة الحقيقية والهدف يكون تحركه اعتباطاً فإذا كانت المسافة بين بغداد والبصرة مائة فرسخ مثلاً فزعم أن المسافة نصف ذلك لم يتزود بما تحتاجه المسافة مما يوجب عطبه في نصف الطريق ولو زعم أن المسافة ضعف ذلك أخذ من الزاد بمقدار لا يحتاج إليه مما يسبب فساد الزاد على حاجته في الطريق فهو كمن يطلق المدفع لأجل قتل فأرة.

وكلا الأمرين يوجب عدم الوصول إلى النتيجة بنجاح وذلك أما بعدم الوصول إطلاقاً أو الوصول مع عطب وفساد وخرق وخبال.

نتائج معرفة المسافة بين المقدمات والهدف

ولذا نرى أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) حيث كان يعرف المسافة بين الهدف والمقدمة اقتطف أفضل الثمار وأحلاها فمثلاً: في قصة فتح مكة تلك القصة التاريخية المعروفة دخل النبي (صلى الله عليه وآله) مكة ولم ينتقم من أهلها أبداً أي انتقام (لا انتقاماً بالباطل فإنه حاشاه ذلك) ولا انتقاماً بالحق بأن يقتل القتلة ويسترد من الغاصبين أمواله وأموال المسلمين المنقولة وغير المنقولة التي اغتصبوها منهم وإنما فعل العكس من ذلك كله فقال معلناً وبكل مصداقية: (ألا من دخل المسجد الحرام فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)(11).

يريد بذلك تجنّب الحرب والاصطدام مما لا تحمد عواقبه.

عفو النبي وسماحه

ثم أنه (صلى الله عليه وآله) دخل المسجد الحرام حيث اجتمع إليه المشركون الجناة وانتظروا كلمته فيهم بأن يقتلهم أو يأسرهم أو يسترقهم أو يسجنهم أو ينفيهم لكنه (صلى الله عليه وآله) لم يفعل شيئاً من ذلك وإنما خاطبهم بحنان ورأفة قائلاً: - ماذا تقولون وماذا تظنون؟

قالوا: نظن خيراً ونقول خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم.

فقال: لا أقول لكم إلا كما قال أخي يوسف (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم)(12)، (اذهبوا فأنتم الطلقاء)(13).

وهكذا عفا عنهم وأطلق سراحهم وأعتق رقابهم، ولم يسترد منهم شيئاً من أمواله وأموال المسلمين المغتصبة حتى ولم يسترجع بيته الذي صادروه منه في مكة، بل نزل في خيمة له خارج مكة، ولا قتل منهم حتى إنساناً واحداً، ولا أراق منهم قطرة دم، ولا أزالهم عن مناصبهم ومراتبهم التي كانوا يشغلونها في مكة من سدانة البيت، وعمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج وغيرها ولا أهانهم، وإنما أكرمهم وأعزّ شأنهم، وعظّم قدرهم فإنه (صلى الله عليه وآله) بعد أيام قليلة لمّا توجه إلى غزوة حنين جعل من نفس أولئك الطلقاء الذين حاربوه طيلة عشرين سنة قادة وضبّاطاً لجيشه فجعل من أبي سفيان قائداً ومن خالد بن الوليد قائداً كذلك فعل بغيرهما ولما غنموا غنائم حنين خصّ كل واحد من أولئك الرؤوس بحصة متميزة تأليفاً لقلوبهم، فمنحهم مائة من الإبل، ومن المعروف في تلك الأيام أن الإبل كانت تعد بمثابة سفينة الصحراء وسيارة الفيافي - إذا صح التعبير - فتصوروا أن إنساناً يعطي لقائد كان يحاربه إلى الأمس مائة سيارة في هذا اليوم، ترى أيّ إكرام هذا وأي تقدير له؟.

وهكذا استطاع (صلى الله عليه وآله) بهذه السيرة الكريمة أن يأمن جانب المكيّين المشهورين في شبه الجزيرة بأنهم إذا سكنوا وهدأوا سكنت الجزيرة وهدأت وإذا انتفضوا وتحركوا انتفضت الجزيرة وتحركت، ولم يضطر الرسول (صلى الله عليه وآله) نتيجة تعامله الجميل إلى أن يجعل في مكة المكرمة حامية من الجيش ولا أن يتخذ فيها قاعدة عسكرية تكون على أهبة القتال، لإخماد أي حركة، وإطفاء أي نائرة في مكة المكرمة وإنما فوض حكومتها إلى شاب يسمى بعتاب بن أسيد في قصة مشهورة وانقاد المكيون لهذا الشاب الحدث السن على من فيهم من الشيوخ والكبار والشخصيات وفلول الحكومة وسلّموا فإنهم لم يثوروا عليه، ولم يضطربوا ضده، ولم يشنّوا حركة ولا ثورة، ولم يحيكوا مؤامرة ولا انقلاباً بل بقوا مطيعين له لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) عرف كيف يستخدم المقدمة لأجل تحقيق الهدف وتوطيد دعائم السلم والسلام. والدخول في الإسلام، والبقاء بلا زيغ ولا انحراف إلى يوم القيام وهكذا كان.

سياسة العفو والصفح

إن من الضروري أن نأخذ من سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) درساً وعبرة إذا أردنا التقدم، فقد كان (صلى الله عليه وآله) يجمع الأمة ويعفو عن الذنب ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، مما سبب تجمع المسلمين وبقائهم بقاءً متماسكاً حتى مع اختلافهم بعض الاختلافات الداخلية.

إن الرسول جعل لأُسارى بدر أن يعلّم كل منهم عشرة من المسلمين فدية له عوض أن يأخذ المال منه، وكان يحسن حتى إلى المسيئين وقد قال في مكة المكرمة (اذهبوا فأنتم الطلقاء)(14) مما أثر أحسن التأثير في دخولهم في دين الله أفواجاً.

أمواج وتيارات

ولما توفي الرسول (صلى الله عليه وآله) والتحق بالرفيق الأعلى هبت أمواج من الارتداد - (لا الارتداد المشهور في كتب بعض المؤرخين فإن ذلك الارتداد لم يكن إلا ارتداداً عن الخليفة إن صحّ التعبير. إذ في الحقيقة أنهم لم يطيعوا الخليفة حيث كانوا يرون أن الخليفة غيره لا أنهم ارتدوا عن الإسلام كما يظهر من القضايا التي ذكرها الطبري وابن الأثير واليعقوبي وغيرهم من المؤرخين) - فارتدّ جماعة ممن كانوا حديثو عهد بالإسلام.

وقد قال سبحانه وتعالى من قبل: (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)(15).

وجماعة من أهل مكة تململوا للارتداد والانقضاض على الإسلام وإعادة الأصنام إلى الكعبة والرجوع إلى جاهليتهم السوداء لكنهم اجتمعوا في ندوتهم يتدارسون هذا الأمر.

مؤتمر قمة

فقام فيهم سهيل بن عمرو خطيباً وقال: يا أهل مكة إنكم كنتم آخر من آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يكن لكم أن تكونوا أو ل من يكفر به بعد موته، وإنما لكم أن تصبروا فإن رأيتم الناس خرجوا عن الإسلام ودخلوا في الجاهلية ورجعت الأمور إلى سابق حالها قبل بعثة الرسول فارتدّوا ولا لوم عليكم حينئذ، أما إذا بقي الناس في الإسلام فإن ارتدادكم عيب وعار، فبقي أهل مكة في الإسلام ولم ينقل عنهم أي ثورة ولا ارتداد ولا انتفاضة ولا انقلاب كل ذلك لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) عرف المقدمة وعرف النتيجة ثم عرف أن أية مقدمة تصلح لأية نتيجة كما عرف من قبل المسافة بين المقدمة ونتيجتها ولكن على المعروف لدى الحكماء (الأشياء تعرف بأضدادها) لو كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يفعل خلاف ذلك - حتى ولو كان جائزاً ومشروعاً - فيقتل مثلاً أبا سفيان وابنه معاوية ويقتل خالد بن الوليد وصفواناً ويقتل سهيل بن عمرو وغيره من الأبطال والصناديد الذين خاضوا ضد الرسول (صلى الله عليه وآله) حروباً دامية واقترفوا في حقه كل ذنب وجريمة وآذوه ومن معه من المسلمين طوال عشرين سنة أي من يوم ظهور الإسلام حتى يوم الفتح، فكان عند دخوله مكة يهدر دماءهم ويأمر بقتلهم، ويصادر أموالهم وممتلكاتهم، ويسبي نساءهم وذريتهم قصاصاً لما فعلوه فهل كانت تخضع مكة ويستسلم أهلها بهذه الصورة العفوية ويعلنون إسلامهم بهذه البساطة؟

مع أن الرسول (صلى الله عليه وآله) - كما يعلمه الجميع - لم يكره أحداً على الإسلام في مكة المكرمة وإنما كان شعاره من أو ل بعثته إلى آخر يوم من حياته الكريمة:

(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا إنفصام لها والله سميع عليم)(16).

فلم يكن يكره أحداً على الإسلام لا أهل مكة ولا أهل الطائف ولا أهل خبير ولا أهل حنين ولا غيرهم من الذين تم له الفتح عليهم وانتقلوا إلى ظلال حكومته العادلة ورحمته الشاملة فيا ترى إذا لم يكن الرسول (صلى الله عليه وآله) يفصل تلك المقدمة الباهرة، هل كانت تحقق له هذه النتيجة الرائعة؟

وعليه فإن معرفة أي مقدمة من المقدمات تصلح لأي هدف من الأهداف واجب للذين يزاولون الأعمال السياسية خصوصاً الذين يريدون السير بالأمة إلى الأمام ويمارسون التغيير لأجل إنقاذ بلاد الإسلام وإرجاع السكينة والسيادة والعزة والسعادة إلى المسلمين بإذن الله تعالى.

سياسة الوصي (ع)

وقد فعل الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مثل ما فعله الرسول (صلى الله عليه وآله) في حرب البصرة فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام سار في أهل الجمل بمثل تلك السيرة.

فإنه لما قُتل طلحة والزبير، وقُبض على عائشة وانهزم أصحاب الجمل، نادى مناديه لا تجهزوا على جريح ولا تتبعوا مدبراً ومن ألقى سلاحه فهو آمن ثم دعى ببغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الشهباء فركبها ثم قال: هلمّ يا فلان وأقبل يا فلان حتى اجتمع إليه زهاء ستين فارساً كلهم من همدان قد شكوا بالسلاح وتقلّدوا السيوف ولبسوا المغافر والدروع، فسار بهم وهم يحفّونه حتى انتهى إلى دار عظيمة فاستفتح ففتح له فإذا بنساء يبكين بفناء الدار ولما نظرن إليه صحن صيحة واحدة وقلن هذا قاتل الأحبة فلم يقل لهن شيئاً وسأل عن حجرة عائشة فدل عليها فأجرى معها حواراً لم يسمع شيء منه سوى كلام شبيه بالمعاذير لا والله بلى والله ثم أنه (عليه السلام) التفت إلى إمرأة كانت هناك فقال لها إليّ يا صفية فأتته مسرعة فقال ألا تبعدين هؤلاء؟

يزعمن أني قاتل الأحبة ولو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذه الحجرة ومن في هذه، وأومأ (عليه السلام) بيده إلى حجرات ثلاث فذهبت صفية إليهن وطمأنتهن فما بقيت في الدار صائحة إلا سكنت ولا قائمة إلا قعدت.

قال الأصبغ (وهو راوي الحديث): وكان في إحدى الحجرات عائشة ومن معها من خاصتها وفي الأخرى مروان بن الحكم وشباب من قريش وفي الثالثة عبد الله بن الزبير وأهله.

فقيل للأصبغ: فهلا بسطتم أيديكم على هؤلاء أليس هؤلاء كانوا أصحاب القرحة فلم استبقيتموهم؟

قال: قد ضربنا بــأيدينا إلى قوائـــم سيوفنا وحددنا أبــصارنا نحوه (عليه السلام) كي يأمرنا فيهم بأمره فما فعل وواسعهم عفواً(17).

سياسة العفو والإغماض عند الإمام علي (ع)

وقد روى الشيخ المفيد أن الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام كتب كتاباً إلى أهل الكوفة بعد واقعة الجمل فلما علم الناس بوصول كتاب من أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام كبر الحاضرون تكبيرة عالية سمعها عامة الناس فاجتمعوا على أثرها في المسجد ونودي بالصلاة جامعة فلم يتخلف أحد وقرئ الكتاب فكان فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين إلى قرظة بن كعب ومن قبله من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.

أما بعد فإنا لقينا قوماً ناكثين (إلى أن قال عليه السلام) فلما هزمهم الله أمرت أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا نكشف عورة ولا يهتك ستر ولا تدخل دار إلا بإذن وآمنت الناس)(18).

وروى موسى بن طلحة بن عبيد الله وكان فيمن أسر يوم الجمل وحبس مع من حبس من الأسارى بالبصرة فقال كنت في سجن علي (عليه السلام) بالبصرة حتى سمعت المنادي ينادي أين موسى بن طلحة بن عبيد الله.

قال فاسترجعت واسترجع معي أهل السجن وقالوا يقتلك، فلما أُخرجت إليه ومثلت بين يديه قال لي: يا موسى.

قلت: لبيك يا أمير المؤمنين.

قال: قل استغفر الله. قلت: استغفر الله وأتوب إليه ثلاث مرات.

فقال لمن كان معي من رسله: خلوا عنه. ثم التفت إليّ وقال: اذهب حيث شئت وما وجدت لك في عسكرنا من سلاح أو كراع فخذه واتق الله فيما تستقبله من أمرك واجلس في بيتك فشكرته وانصرفت(19).

السياسة المثالية

وقد روي عن الباقر عليه الصلاة والسلام أنه قال: سار علي (عليه السلام) بالمن والعفولأنه كان يعلم أنه سيظهر عليهم عدوهم من بعده فأحب أن يقتدي من جاء من بعده به فيسير في شيعته بسيرته ولا يجاوز فعله فيرى الناس أنه تعدى وظلم.

وهكذا سار الإمام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) على منهاج رسول الله (صلى الله عليه وآله) واقتدى به في عفوه عن أهل الجمل وكان ذلك منه مقدمة لهدف أسمى وهو نشر الوئام والمحبة، والتعاطف والتسامح بين المسلمين، وقلع جذور الشحناء والبغضاء والنزاع والحرب من بينهم، ولأجل أنــه لو غلبت إحدى الطائفتين الأخرى لا تتجاوز الحدود الإسلامية فتقتل أسارى الحرب، وتسبي نساء وذراري الطائفة المغلوبة، وتنهب أموالها، فتعود الجاهلية وشحناؤها من جديد وتذهب أتعاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعاليم الإسلام الأخلاقية أدراج الرياح.

اتخاذ الرسول (ص) خير أسوة

على ممارسي التغيير أن يتخذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) خير أسوة في كل أعمالهم إذا أرادوا انتشال الأمة من السقوط وجعلها في المقدمة بعد ما أصبحت في ذيل القافلة.

لقد فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أموراً عظيمة سببت تقدم المسلمين، فقد تعامل مع عدد هائل من الناس الأميين الذين كانوا لا يعرفون شيئاً.

ولمّ شعت مجموعة من القوميات المتحاربة.

وبنى جيشاً عظيماً للدفاع عن النظام الجديد.

وسار بالأمة سيراً سريعاً إلى الأمام في كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وغيرها.

وأرسى أسس العقيدة والأخلاق والنظافة والنظام.

وجعل القوانين الكفيلة لا بحل المشاكل فحسب بل وللسير الحثيث نحو الرقي والتقدم حتى حرّر المسلمون ثلث الكرة الأرضية في أقل من ثلث قرن...

وقضى على عادات سيئة متجذرة في المجتمع الجاهلي من وأد البنات، والطبقية الحادة، وأكل حقوق الآخرين، ومؤاخذة الإنسان بجرم غيره إلى غير ذلك.

وبنى جهازاً إدارياً جديداً غير مسبوق في العالم بشقيه الفارسي والرومي.

وأطلق حريات الناس في كافة شؤون الحياة باستثناء المحرمات فقط وهي قليلة جداً - والمحرمات كما هو معروف ضارة إما بالمجتمع أو بالفرد نفسه -.

وفجر العبقريات الكامنة والمواهب الفطرية بما يناسب إصلاح العالم لأن تفجير العبقريات قد يكون في جانب خاص من تجارة أو زراعة أو صناعة وقد يكون في كل الجوانب بما يناسب إصلاح العالم في كل أبعاده.

ثم مع كل ذلك بقي هو (صلى الله عليه وآله) كفرد من الأمة بل كان يعيش دون مستواهم المادي فبينما كانوا يبيتون بشبع وارتواء كان يبيت (صلى الله عليه وآله) ظامياً طاوياً. وما كان يزيد عليهم، في مأكل ومشرب، ولا مسكن ومركب ولا في أية حاجة أخرى من حوائج الحياة بل كان يعيش عيشة أضعفهم حالاً وأقلهم في المستوى ولذا قال علي (عليه السلام) بالنسبة إلى نظرة الأمة إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) : (وثقوا بالقائد فاتبعوه)(20).

كل ذلك مع أقل قدر ممكن من العنف بل كان العنف صفراً أو كالصفر في جانب ذلك اللطف والحنان، والتفاني والإيثار، بلا فرق بين العنف بالنسبة إلى عدد القتلى الذي تقدم الكلام حوله أو العنف بالنسبة إلى الإنحرافات التي تحصل في أية دولة وفي أية أمة... فكان (صلى الله عليه وآله) كما وصفه القرآن الحكيم: (إنك لعلى خلق عظيم)(21) وكما قال فيه تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)(22) وكما امتدحه القرآن: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)(23).

السيرة المثالية

فعلى ممارسي التغيير أن يعملوا بسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) ويتحلّوا بأخلاقه المثالية من الصبر وكظم الغيظ وتحمل الأذى وعدم رد الإعتداء وغير ذلك مما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بقوله: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)(24) فكان (صلى الله عليه وآله) يعفو ويغفر ويتجاوز ويعاشر الناس بالتي هي أحسن ويأمرهم بالحسنى وذلك في قصص كثيرة... منها ما نقله أحد اليهود الذين أسلموا قال: كنت قد أقرضت الرسول (صلى الله عليه وآله) بقرض، ثم طالبته منه بشدة، فسمعت من خلفي رجلاً يحتدّ في الكلام معي فتوجهت وإذا به عمر شاهراً سيفه نحوي.

فقال له الرسول (صلى الله عليه وآله) : (مه يا عمر! ألا خير من ذلك، تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن الإقتضاء) ثم أمر (صلى الله عليه وآله) بما اقترضه وزيادة.. فعلمت من أخلاقه أنه رسول من عند الله حقاً فآمنت به(25).

 

1 ـ سورة آل عمران: الآية 85.

2 ـ كنز العمال: ج1، ص149، ح737.

3 ـ الاختصاص: ص321.

4 ـ سورة الحجرات: الآية 13.

5 ـ الكافي: ج2 ص86، باب الاقتصاد في العبادة.

6 ـ تحف العقول: ص15.

7 ـ السنن الكبرى للبيهقي: ج10، ص193.

8 ـ سورة آل عمران: الآية 159.

9 ـ سورة القلم: الآية 4.

10 ـ سورة الأحزاب: الآية 21.

11 ـ بحار الأنوار: ج2، ص104، الباب 26.

12 ـ سورة يوسف: الآية 92.

13 ـ بحار الأنوار: ج21، ص106، الباب 26.

14 ـ بحار الأنوار: ج21 الباب 26 ص106.

15 ـ سورة آل عمران: الآية 144.

16 ـ سورة البقرة: الآية 256.

17 ـ أعيان الشيعة: ج1، ص462.

18 ـ الجمل، للمفيد: ص215.

19 ـ بحار الأنوار: ج41، ص50، الباب 104.

20 ـ نهج البلاغة: الخطبة 182.

21 ـ سورة القلم: الآية 4.

22 ـ سورة التوبة: الآية 128.

23 ـ سورة آل عمران: الآية 159.

24 ـ سورة الأعراف: الآية 199.

25 ـ كنز العمال: ج6، ح15050.