الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

نحو دولة إسلامية

وأخيراً نذكر في هذا الفصل ما يشجع المسلمين على النهوض لأجل استرداد الدولة الإسلامية الواحدة ذات الألف وخمسمائة مليون مسلم حتى لا ييأسوا من جهة كثرة الأعداء الشرقيين والغربيين ووليدتهما الصهيونية وما خلفوا من التشتت والدمار بالمسلمين، فإن في قصص الماضين لعبرة كما قال سبحانه: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)(1) فإنه كما أمكن لنهضة العلويين في قبال الدولتين الكبيرتين الأموية والعباسية من تركيز دولتهم مع ما كانت عليه تلك الدولتان من القوة والمنعة والجيش والبطش والمال، كذلك يمكن لنهضة المسلمين في الحال الحاضر بمثل ذلك وما ذلك على الله بعزيز.

الفردية

والشورى علم اللافردية واللادكتاتورية، فإن الأشياء تعرف بأضدادها. فاللازم قلع جذور الفردية في الأمة وتعميم الشورى في جميع المجالات، لأنه بدون ذلك يتشتت الأمر سواء في محيط الدين أو محيط الدنيا إذا كان الأخذ بالزمام فرداً واحداً مهما كان في قمة العدالة والنزاهة قبل وصوله إلى الحكم. نعم يستثنى من ذلك المعصوم حيث رعاية الله الدائمة قال سبحانه: (إلا من ارتضى من رسول فأنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً)(2) فهو مسلوك في رصيدين من أمامه وخلفه من قبل الله (سبحانه وتعالى). وهل بعد ذلك يمكن له الإنحراف ولو بقدر شعرة؟

يشهد بذلك آية التطهير أيضاً والأسئلة حول الآية وإن كانت متعددة إلا أنها غير واردة.

حكم المعصوم

تساؤلات في آية التطهير:

فقد يقال:

1 - لماذا إنما؟

2 - ولماذا الإرادة دون الفعل مثل (إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين)؟

3 - ولماذا فعل المضارع دون الماضي؟

4 - ولماذا الإذهاب الظاهر في أنه كان الرجس قبل ذلك؟

5 - ولماذا المضارع أيضاً؟

6 - ولماذا التطهير؟ وهل بعد الإذهاب بحاجة إلى التطهير؟

7 - ولماذا الإتيان بلفظ المصدر (التطهير) وليس هناك بعد الطهارة شيء؟

8 - ثم إذا كانت الطهارة منه تعالى فلا فضل لهم على الآخرين؟

والجواب عن ذلك: إن (إنما) بمعنى (فقط) وذلك بقصد أن إرادة الإذهاب وحيدة في الميدان لا يشاركها إرادة غيرها. مثل عدم إذهاب بعض الرجس أو عدم الإذهاب في بعض الوقت، أو عدم الإذهاب ببعض الشرائط؟

وكلمة (يريد) إنما كان مضارعاً لإفادته استمرار الإذهاب، وإنما جيء بالإرادة دون الفعل فلم يقل (اذهب) مثلاً، وإنما قال (يريد) للإشارة إلى الواقعية في الفعل، حيث وراءه الإرادة الظاهرة في الجدية لا إنه شيء صوري كالامتحانية، فإن الفعل يمكن أن يكون بإرادة جدية ويمكن أن يكون بغير إرادة جدية، والإرادة وإن كانت في الممكن تنفك عن الفــعل، لكن في الواجب لا تنفك عن الفعل بالنسبة إلى الإرادة التكوينية، لا يقال إذا كانت الإرادة تشريعية فهي بالنسبة إلى الكل، وإذا كانت تكوينية فليست لهم فضيلة في ذلك، لأنهم جلبوا على هذه الكيفية؟

لأنه يقال المراد الإرادة التكوينية بإعطائهم قدرة ضبط النفس قدرة فائقة ليست مثل القدرة في سائر البشر، فإن علمهم بالله (سبحانه) وبرجس العصيان يمنعهم عن ارتكابه، كما أنه (سبحانه) يحفظهم عن السهو والنسيان والغفلة، قال تعالى: (فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً)(3) كما ورد بها في الأحاديث تفصيل ذلك، ولا إشكال في أنه منحة من الله (سبحانه) خصهم بها كما خص الذهب والماء الحلو والتراب الطيب وغيرها بميزة على الحجر والماء الأجاج والتراب الخبيث كما قال (سبحانه): (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً)(4) إلى سائر الموجودات فإنها في الميزة ترجع بالنتيجة إلى التكوين لأن الله يعطي كل قابل حقه، قال تعالى: (فضلنا بعض النبيين على بعض)(5) وقال: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض)(6) كما فضل (سبحانه) الذكي على الغبي، والجميل على القبيح، والإنسان على الحيوان، والحيوان على النبات، والنبات على الجماد، إلى غير ذلك، بل لولا ذلك لكان ظلماً. فهل الكل أذكياء أو الكل إنساناً دون الحيوان والنبات والجماد؟

إذن لا تستقيم الحياة إطلاقاً، وإنما تتحول الحياة إلى حياة أخرى، وكيف حينئذ يتخذ بعضهم بعضاً سخرياً لحوائجهم؟

أو يخلق الكل أغبياء وجماداً وحيواناً وشجراً فتجمد الحياة، ثم إذا خلق الكل أذكياء مثلاً فالأغبياء قابلون للخلقة، فلماذا لم يخلقهم وهو الكريم المطلق؟

وهذا بحث فلسفي طويل ذكرنا جملة منه في بعض كتبنا، وإنما أردنا هنا الإلماع إليه أما قوله: (ليذهب) والسؤال أنه: هل كان حتى يذهب؟

فالجواب أن: الذهاب بالشيء قد يكون بمعنى الرفع وقد يكون بمعنى الدفع كما يقول: أذهبت عنك المشكلة حيث توجهت المشكلة إلى إنسان من قبيل (ضيق فم الركية)، ومن الطبيعي أن الممكن بما هو ممكن بدون إعطاء ميزة من الله (سبحانه وتعالى) قابل للرجس، والعلة في كونه مضارعاً لا ماضياً ما تقدم في قوله (سبحانه): (يريد) وأما سؤال: إنه إذا ذهب الرجس فلا حاجة إلى التطهير وهل هما إلا شيء واحد؟

فالجواب: أنهما شيئان لا شيء واحد، لأن الأشياء لها مراتب مرتبة النفس حيث لا رجس ولا طهارة، ومرتبة الطهارة ومرتبة الرجس كالنفس لها حالة طبيعية، ولها حالة الوساخة، ولها حالة التخلق بالملكات الفاضلة، فاذهاب الرجس تخلية والتطهير تحلية كالأرض التي يقلع عنها النباتات الضارة ثم يزرع فيها النباتات الفاضلة وأما قوله (سبحانه): (تطهيراً) على سبيل النكرة فلأنها تشتمل الطبيعة الواسعة إلى غاية درجات الطهارة لأنها تفيد العموم من حيث السعة في الطبيعة، والنكرة تفيد العموم حتى في سياق الإثبات مثل (تمرة خير من جرادة) و (ماء بارد بالطبع) و (رجل خير من امرأة) إلى غير ذلك، وحيث ذكرنا هذا المبحث في كتاب (الأصول) عند بحث العموم والخصوص مفصلاً فلا حاجة إلى التكرار.

المعصومون (ع) في مواجهة الطغاة

ولقد كان من أحوال الأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام) أنهم لما تغلب بنو أمية على الملك وجعلوا الإسلام ألعوبة بأيديهم وأساءوا إلى علي (عليه الصلاة والسلام) والعلويين من ذريته، ونالوهم بالأذى، بالإضافة إلى إساءتهم بالإسلام والمسلمين في قصص مذكورة في التواريخ، لم ييأسوا عن الوصول إلى الحكم لأجل إصلاح الأمر، وجعل الإسلام في نصابه الصحيح.

فقد نازع معاوية أمير المؤمنين علياً (عليه الصلاة والسلام) الأمر وكان من ذلك حرب صفين مما أدى إلى أن سمى نفسه بإمرة المؤمنين بعد حيلة الحكمين، ثم استشهد علي (عليه الصلاة والسلام) في مؤامرة يهودية، وقال بعضهم باشتراك معاوية في نفس المؤامرة ثم نازع معاوية الحسن بن علي (عليه الصلاة والسلام)، ولم يكن أهل العراق مستعدين لنصرة الإمام، لما ذكرناه في كتاب (ثورة الإمام الحسن عليه السلام) مما اضطر (عليه السلام) بسببه إلى الصلح على شروط، كما صالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كفار قريش من ذي قبل، ولم يف معاوية بشيء منها، ثم قتل الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) بسمٍّ أرسله معاوية إلى جعيدة زوجة الإمام في قصة مشهورة، ثم تغلب على الحكم يزيد في مؤامرة أموية مما سبب قتل الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام).

ثم اضطهد هو ومَن بعده الإمامين زين العابدين والباقر (عليهما الصلاة والسلام)، واستخف هشام بن عبد الملك بزيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) - وفي بعض التواريخ أن هشاماً أهان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمحضر زيد - فخرج من عنده مغضباً وقال: (ما كره قوم حد السيوف إلا ذلوا) وثار في الكوفة فقتل وصلب أربع سنين ثم أحرق، وخرج ابنه يحيى بالجوزجان فقتل ثم جاءت دولة بني العباس، هذا بالإضافة إلى أن الخلافة كانت من حق العلويين كما نص بذلك الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكان يراهم الناس كذلك سواء بالنسبة إلى الأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام) الذين هم أولياء الأمور المنصوص عليهم من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو من جهة ذويهم الذين كانوا يدعون إلى الرضا من آل محمد، فإنهم كانوا أقرب منهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانوا يمتازون بالسماحة والشجاعة والفصاحة وحفظ الدين والفضيلة والتقوى ولذا كان الأئمة (عليهم السلام) يعارضون الخلفاء، وذووهم يخرجون عليهم وأول من خرج منهم على العباسيين (محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى) فإن المنصور كان قد بايعه بالخلافة وبايعه أكثر الهاشميين في دولة بني أمية باستثناء الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه الصلاة والسلام)، حيث أن الإمام قال: لا يكون الملك إلا لصاحب القباء الأصفر، يعني المنصور.

فخرج محمد على المنصور وقتل بالمدينة، وخرج بعده أخوه إبراهيم بالعراق وقتل، ثم خرج الحسين صاحب فخ فقتل بالحجاز ولم يتعرض بقية الأئمة الاثني عشر (عليهم الصلاة والسلام) بعد قتل الحسين (عليه الصلاة والسلام) للحكومة ظاهراً.

فلسفة تبريهم (ع) من الثوار

لكن الذي يطالع تاريخ ثورات العلويين يستظهر من الكلمات المتكررة منهم (عليهم السلام)، إنهم كانوا يهيئون أبناءهم وأبناء عمومتهم للثورة ضد الطغاة من بني أمية وبني العباس، لكنهم كانوا يتجنبون الظهور بهذا المظهر، لكي لا يؤخذوا أولاً فيقضي بذلك على جذور الثورة وحتى لا تفشل الخطة ثانياً، وكانوا أحياناً يظهرون التــبري من الثورات والثوار في الظاهر ويؤيدونهم في الباطن، شأن هذا الأمر شأن سائر موارد التقية.

الرسول (ص) والتقية

كما نجد ذلك في قصص الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث كان يستعمل التقية والإخفاء حتى لا تفشل الخطة، وقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان)(7) وفي التاريخ أنه بعث (صلى الله عليه وآله) مفرزة استطلاع قوامها رجلان إلى بدر للحصول على المعلومات عن قريش وعن قافلتها، فلما وصل المسلمون وادي (ذفران) جاءهم الخبر بخروج قريش من مكة لنجدة قافلتهم وبناءاً على هذا الاستطلاع أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله) أصحابه وطلب مشورتهم ورأيهم في هذا الموقف الجديد، فاتفقت كلمتهم جميعاً مهاجرين وأنصاراً على قرار مواجهة قريش، فارتحلوا جميعاً حتى إذا كانوا على مقربة من بدر انطلق الرسول (صلى الله عليه وآله) أمام جيشه حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم؟

وكان في صحبة الرسول كما في بعض التواريخ واحد من الصحابة أيضاً، فقال الشيخ لا أخبركم حتى تخبراني ممن أنتما.

قال النبي (صلى الله عليه وآله): إذا أخبرتنا أخبرناك.

ولما علم الرسول بأخبار الشيخ أن عير قريش قريبة منه، قال له وفاءاً لوعده: (نحن من ماء) ثم انصرف بصحبة الصحابي، وقد تحيّر الشيخ في الجواب وأخذ يردد ما من ماء؟

أمن ماء العراق(8)؟ إلى غير ذلك من موارد التخفّي الذي استعمله الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث قال سبحانه وتعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه)(9) وقال سبحانه: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)(10) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعمار حينما سمع أنه تبرأ من الله ورسوله حفظاً على نفسه من القتل: (إن عادوا فعد)(11) وأما أن بقية الأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام مع أنهم لم يتعرضوا ظاهراً لمحاربة الأمويين والعباسيين لم يسلموا من أذاهم فلأن ذلك كان حسداً منهم، لما كان يرون من إقبال الناس على الأئمة وإنهم العلماء الحلماء الكرماء الذين لهم في كل مسألة جواب حاضر، ولكل معضلة حل حاسم، وهم أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد استدعى المنصور الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) من الحجاز إلى العراق مراراً وأراد قتله، فنجاه الله منه، ولكن أخيراً دسَّ إليه السمّ وقتله. وحبس هارون الإمام موسى الكاظم (عليه الصلاة والسلام) ثم قتله بالسمّ. وكذلك طلب المأمون العباسي الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام إلى خراسان واحتال لإدخاله في ولاية العهد، ثم قتله بالسمّ، وهكذا قتل العباسيون الإمــام الجواد والإمام الهادي والإمام العسكري وغاب الإمام المهدي (صلوات الله عليه) بأمر الله حتى يظهر في آخر الزمان، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، كما أخبر بذلك الرسول (صلى الله عليه وآله) في أحاديث متواترة.

الجمع الروائي فيما يرتبط بالثوار

أما أولاد الأئمة وذووهم فقد قاموا بالثورات برضى منهم (عليهم السلام) أو بإشارتهم، كما يظهر من روايات متعددة جمعناها في بعض كتبنا فإن الإنسان الذي يراجع الكلامين المتدافعين من الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) في بعض هؤلاء الثائرين لا يسعه إلا الجمع الذي ذكرناه من الظاهر والباطن والحكم الواقعي والتقيّ. وكمثال ننقل هنا مقدمة الصحيفة السجادية للإمام السجاد (عليه الصلاة والسلام)، حتى يظهر كيف أن نفس الكلام يدل على الجمع الذي ذكرناه.

فعن متوكل بن هارون قال: لقيت يحيى بن زيد بن علي (عليه السلام) وهو متوجه إلى خراسان بعد قتل أبيه فسلمت عليه، فقال لي: من أين أقبلت؟

قلت: من الحج، فسألني عن أهله وبني عمه في المدينة، وأخفى السؤال عن جعفر بن محمد عليهما السلام، فأخبرته بخبره وخبرهم وحزنهم على أبيه زيد بن علي (عليه السلام)، فقال لي: قد كان عمي محمد بن علي (عليه السلام) أشار على أبي بترك الخروج وعرفه إن هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره، فهل لقيت ابن عمي جعفر بن محمد عليهما السلام؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعته يذكر شيئاً من أمري؟

قلت: نعم، قال: بم ذكرني، خبّرني؟

قلت: جعلت فداك ما أحب أن أستقبلك بما سمعته منه، فقال: أبالموت تخوّفني هات ما سمعته، فقلت: سمعته يقول: إنك تقتل وتصلب كما قتل أبوك وصلب، فتغير وجهه وقال: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)(12) يا متوكل إنّ الله عز وجل أيّد هذا الأمر بنا، وجعل لنا العلم والسيف فجمعه لنا وخص بنو عمنا بالعلم وحده، فقلت: جعلت فداك إني رأيت الناس إلى ابن عمك جعفر (عليه السلام) أميل منهم إليك، وإلى أبيك؟

فقال: إن عمي محمد بن علي وابنه جعفر (عليهم السلام) دعوا الناس إلى الحياة ونحن دعوناهم إلى الموت.

فقلت: يا بن رسول الله أهم أعلم أم أنتم، فأطرق إلى الأرض ملياً ثم رفع رأسه وقال: كلنا له علم غير أنهم يعلمون كل ما نعلم ولا نعلم كل ما يعلمون، ثم قال لي: أكتبت عن ابن عمي شيئاً؟

قلت: نعم، قال: أرنيه، فأخرجت إليه وجوهاً من العلم وأخرجت له دعاءاً أملاه علي أبو عبد الله (عليه السلام) وحدثني أن أباه محمد بن علي (عليهما السلام) أملاه عليه وأخبره أنه من دعاء أبيه علي بن الحسين (عليه السلام) من دعاء الصحيفة الكاملة (إلى أن قال:) والله يا متوكل لولا ما ذكرت من قول ابن عمي أنني أقتل وأصلب لما دفعتها إليك وكنت بها ظنيناً ولكني أعلم أن قوله حق أخذه عن آبائه وإنه سيصح فخفت أن يقع مثل هذا العلم إلى بني أمية فيكتموه ويدخروه في خزائنهم لأنفسهم فاقبضها واكفنيها وتربص بها، فإذا قضى الله من أمري وأمر هؤلاء القوم ما هو قاض فهي أمانة لي عندك حتى توصلها إلى ابني عمي محمد وإبراهيم ابني عبد الله ابن الحسن بن الحسن عليهما السلام، فإنهما القائمان في هذا الأمر بعدي، قال المتوكل: فقبضت الصحيفة، فلما قتل يحيى بن زيد صرت إلى المدينة فلقيت أبا عبد الله (عليه السلام) فحدثته الحديث عن يحيى فبكى واشتد وجده به وقال: رحم الله ابن عمي وألحقه بآبائه وأجداده (إلى أن قال:) ثم استأذنت أبا عبد الله (عليه السلام) في دفع الصحيفة إلى ابني عبد الله ابن الحسن فقال: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)(13) نعم فادفعها إليهما فلما نهضت للقائهما قال لي: مكانك، ثم وجّه إلى محمد وإبراهيم فجاءا فقال: هذا ميراث ابن عمكما يحيى من أبيه، قد خصكما به دون أخوته، ونحن مشترطون عليكما فيه شرطاً، فقالا: رحمك الله قل فقولك المقبول، فقال: لا تخرجا بهذه الصحيفة من المدينة، قالا: ولم ذاك؟

قال: إن ابن عمكما خاف عليها أمراً أخافه أنا عليكما، قالا: إنما خاف عليها حين علم أنه يقتل، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): وأنتما فلا تأمنا فوالله إني لأعلم أنكما ستخرجان كما خرج وستقتلان كما قتل، فقاما وهما يقولان لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فلما خرجا قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا متوكل كيف قال لك يحيى أن عمي محمد بن علي وابنه جعفراً دعوا الناس إلى الحياة ودعوناهم إلى الموت، قلت نعم أصلحك الله قد قال لي ابن عمك يحيى ذلك، فقال: يرحم الله يحيى إن أبي حدثني عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذته نعسة وهو على منبره فرأى في منامه رجالاً ينزون على منبره نزو القردة يردون الناس على أعقابهم القهقري، فاستوى رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالساً والحزن يعرف في وجهه، فأتاه جبرائيل (عليه السلام) بهذه الآية: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً)(14) يعني بني أمية فقال: يا جبرئيل أعلى عهدي يكونون وفي زمني، قال: لا ولكن تدور رحى الإسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشراً ثم تدور رحى الإسلام على رأس خمسة وثلاثين من مهاجرك، فتلبث بذلك خمساً ثم لا بد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها، ثم ملك الفـــراعنة، قال وأنــــزل الله تعالى فـــي ذلك: (إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر)(15) يملكها بنو أمية ليس فيها ليلة القدر، قال: فأطلع الله عز وجل نبيه (عليه السلام) أن بني أمية تملك سلطان هذه الأمة وملكها طول هذه المدة فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتى يأذن الله تعالى بزوال ملكهم وهم في ذلك يستشعرون عداوتنا أهل البيت وبغضنا، أخبر الله نبيه بما يلقي أهل بيت محمد وأهل مودتهم وشيعتهم منهم في أيامهم وملكهم، قال: وأنزل الله تعالى فيهم: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار)(16) ونعمة الله محمد وأهل بيته، حبهم إيمان يدخل الجنة، وبغضهم كفر ونفاق يدخل النار، فأسرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك إلى علي وأهل بيته.

قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما خرج ولا يخرج منا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلماً أو ينعش حقاً إلا اصطلمته البلية، وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا، قال المتوكل بن هارون: ثم أملى علي أبو عبد الله (عليه السلام) الأدعية (إلى آخر المقدمة المذكورة في أول الصحيفة الكاملة) فإنك ترى آثار التقية بادية على النفي وإلا فكيف يبكي الإمام ويترحم على إنسان يخرج في غير سبيل الله فيقتل ويُقتل ومن الواضح أن قتل النفس وقتل الغير بغــير استحقاق من المحرمات الشديدة وهل مثل هذا الإنسان الذي يفعل أمثال هذه المنكرات يستحق البكاء والترحم وما أشبه وكذلك ترحمهم (عليهم السلام) على المختار وبكاؤهم على زيد وتأثر الرضا عليه الصلاة والسلام حيث قرأ الشاعر قصيدته والتي فيها:-

قبور بكوفان وأخـــرى بطيبــــــة          وأخرى بفخ نالهــا صلواتــــي

وأخرى بأرض الجوزجان محلـها          وأخرى ببا خمرا لدى الغربات

وقول الإمام الصادق (عليه الصلاة والسلام): إن أهل المدينة لم يفوا بما عاهدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قصة حسين شهيد فخ إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة، أما قول يحيى أن الصادق (عليه الصلاة والسلام) دعا للحياة وهو للموت وما أشبه، فظاهر أنه صدر عنه أيضاً تقية من نفس المتوكل، أو لكي لا ينقله المتوكل، فيؤخذ الإمام (عليه الصلاة والسلام) بالنقل المذكور كما قرر من باب التقية من أن التقية قد تكون من نفس الإنسان السائل، وقد تكون ممن في المجلس، وقد تكون من أجل أنه قد ينقل السائل المطلب فيصل إلى الجبارين، فيؤخذ هو أو يؤخذ الإمام أو ما أشبه ذلك، وقصة تنقيص زرارة وغيره معروفة.

علماؤنا على نهج الأئمة(ع)

وقد ذكرت التواريخ كيف أن علماءنا العظام رحمهم الله كانوا يؤيدون الثورة والثوار أمثال السيدين المرتضى والرضى والمفيد بالنسبة للبويهيين والمجلسيين والبهائي وغيرهم من كبار علماء إيران للصفويين حتى ينتهي الأمر إلى الشيخ الخراساني، والمجدد والميرزا الشيرازي لثورة إيران والعراق مما نحن لسنا في هذا الفصل بصدد التفصيل لذلك فإنه يحتاج إلى كتاب ضخم.

الدول العلوية في التاريخ

ونذكر في هذه العجالة جملة من دول العلويين التي قامت في شرق الأرض وغربها ضد الأمويين والعباسيين وازدهرت ودامت وحفظت آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما يشاهد إلى الآن في البلاد.

دولة الأدارسة بالمغرب:

منها دولة الأدارسة الحسنيين بالمغرب والأندلس، وهم نحو ثمانية عشر شخصاً ومدة ملكهم نحو سبعين سنة وجدهم إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى، فقد هرب في أيام هارون من اضطهاده إلى شمال أفريقيا، فأسس هناك دولة معاصرة لدولة بني العباس ببغداد في أقوى أيام قوتها، وأظهر العدل والعمل بالكتاب والسنة ولما بلغ هارون خبره قلق لذلك قلقاً كبيراً، وأرسل إليه من سمّه مكراً وحيلة فمات وكانت امرأته حاملة، فولدت ذكراً سموه إدريس باسم أبيه، وتناسلت ذريته ودامت دولتهم. والغريب في الأمر أن العباسيين لم يكونوا يهتمون بدولة الأمويين التي قامت لعبد الرحمن الأموي الهارب إلى الأندلس في أول دولة بني العباس وأسس بها دولة استمرت عشرات السنوات ولا أرسلوا من يحتال لسمهم مما يظهر أن خوفهم من العلويين لميل الناس إليهم وأنهم أهل الحق كان أشد خوفهم من الأمويين.

وعن تاريخ الخلفاء للسيوطي: ثم هوت الدولة الأموية بالمغرب سنة أربعمائة وستة وقامت الدولة العلوية الحسنية فولى الناصر علي بن حمود، وقام أخوه المأمون القاسم، وقام ابن أخيه يحيى بن الناصر علي بن حمود ولقب المستعلي، وتسمّى القاسم وابن أخيه يحيى بالخلافة، ثم ملك إدريس بن علي بن حمود ثم يحيى بن إدريس ثم محمد بن القاسم بن حمود، ولم يتسمّ بالخلافة، ثم بايعوا الحسن بن يحيى بالخلافة، ثم مات، فبايعوا إدريس بن يحيى بالخلافة، ثم بويع ابن عمه محمد بن إدريس بن علي، ثم بويع الحسن بن إدريس ومحمد بن القاسم بالخلافة ثم مات محمد، فولى ابنه القاسم، ولم يتسمّ بالخلافة، ثم مات محمد بن إدريس، وملك بعده إدريس بن يحيى وانقضى ملك العلويين من الأندلس سنة أربعمائة وسبع وأربعين وصار فيها أشباه ملوك الطوائف ثم استولى عليها يوسف بن تاشكين صاحب مراكش، وتعاقبت الدول التي ملكها الأسبانيون في عهد الدولة العثمانية، وأجبروا أهلها على التنصر أو الخروج منها أو القتل، فلم يبق فيها مسلم إلا مختفياً وحولت مساجدها كنائس، وبقيت كذلك إلى اليوم، وقد ذكر (غوستاف لوبون) في كتابه (الحضارة) أن تلك البلاد لم تستعد قوتها ونشاطها وعمرانها بعد تنصرها إلى اليوم.

ومن قرأ تاريخ الأندلس ولو عن لسان مسيحي مثل غوستــاف لوبون فيه شيء من الإنصاف يعرف كيف كان العدل والعمران والتقدم والحضارة والازدهار في تلك البلاد إبان حكم العلويين، وليس معنى ما ذكرناه إنا نؤيد هؤلاء تأييداً كاملاً، بل معناه إنا نرى أكبر قدر من العدل الإسلامي والحضارة الصحيحة في زمانهم، فقد ازدهر الإيمان والفضيلة والعقيدة ومنحوا الناس الحريات الكثيرة التي قررها الإسلام.

دولة آل طباطبا بالكوفة واليمن:

ظهر في سنة مائة وتسع وتسعين بالكوفة، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما الصلاة والسلام)، يدعو إلى الرضا من آل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين)، وكان القيم بأمره في الحرب أبو السرايا السري بن المنصور، وبعد أشهر مات محمد فجأة وقد اختلفوا في موته هل كان بدس السم إليه كما نسب إلى أبي السرايا، لأنه علم أنه لا حكم له معه، أو بدس السم إليه من غيره أو مات بإذن الله سبحانه وتعالى بغير سبب ظاهر، من مرض أو ضغط دم أو نحوه، وبايع محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة باسمه وفتح البصرة والمدائن وأرسل عمالاً إلى الحجاز واليمن وانتشر الطالبيون في البلاد وفي سنة مائتين من الهجرة قتل أبو السرايا وفي سنة مائتين وواحد مات محمد صاحبه.

وقد ذكر في بعض التواريخ أنه قام من هذه السلسلة بالخلافة أبو عبد الله محمد بن إيراهيم طباطبا سنة مائة وتسع وتسعين وقام باليمن في هذا العصر الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن طباطبا ومات سنة مائتين وثمانية وقام ابنه المرتضى محمد ومن بعده قام أخوه الناصر ومن بعده قام ابنه المنتجب الحسين ثم قام أخوه المختار القاسم ثم قام أخوه الهادي محمد ثم الرشيد العباس ثم استمرت هذه الدولة التي قامت على المذهب الزيدي إلى عصرنا حيث أطيح بها بسبب مؤامرات الشرقيين والغربيين.

دولة الفاطميين في شمال أفريقيا:

ظهرت الدولة العلوية الفاطمية في شمال أفريقيا ومصر إبان أخذت الدولة العباسية بالضعف ولم يجد العباسيون سلاحاً يحاربونها به أقوى من القدح في نسبها لما كان الناس عليه من الميل إلى العلويــين والنفرة من العباسيين بما كانوا يظهرونه من المناكير ويتجنبون العدل ويملأون البلاد ظلماً وفسقاً وفجوراً، ولم يكن العباسيون يطمعون في الاستيلاء على ملك العلويين بقدحهم في نسبهم لكنهم كانوا يريدون الاحتفاظ بما في أيديهم خوفاً على أنفسهم من العلويين، وقد استمرت هذه الدولة ما يقارب ثلاثة قرون وأوجدوا هناك حضارة زاهرة وأبدوا عدلاً جميلاً وكان بعضهم من الاثني عشرية وبعضهم من الإسماعيلية ومن ينظر تاريخ (ابن حجلة) ونحوه من مؤرخي البلاط العباسي يرى الكذب الصريح والتناقض والافتراء المشين بالنسبة إلى هؤلاء الحكام. 

الدولة العلوية بطبرستان والديلم:

وظهرت دولة علوية أخرى بطبرستان وبلاد الديلم ملك فيها الداعي إلى الحق الملقب بالداعي الكبير الحسن بن زيد الحسني سنة مائتين وخمسين من الهجرة، ثم أخوه الملـــقب بالداعي الصغير محمد بن زيد، ثم الملقب بالناصر الكبير، والملقب بالناصر الصغير، وقد ذكر المؤرخون أن الدولة الطبرستانية تداولها ستة رجال ثلاثة منهم من بني الحسن، ثم ثلاثة منهم من بني الحسين (عليهما السلام)، أولهم الداعي إلى الحق الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسين بن زيد الجواد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) بالري والديلم، ثم أخوه القائم بالحق محمد، ثم حفيده المهدي الحسن بن زيد بن القائم الحق إلى آخر ما ذكره التاريخ، وقد قامت هذه الدولة لضعف الخلافة العباسية واختلافهم وتشتت أمرهم واشتغالهم بالفسق والفجور، وما ظهر منهم من جور العمال وعسفهم فخرج هؤلاء السادات إلى طبرستان وحاربوا المستولين عليها وطردوهم وظهرت منهم عدالة وشهامة وشجاعة وأقاموا عمود الحق والعدل وأحبهم أهل تلك البلاد وبايعوهم على الكتاب والسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعمروا البلاد وأظهروا العدل في العباد حتى أن بعضهم ذكر أنه رأى أحد هؤلاء السادة تابعاً للإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في عدله وتقواه وورعه وكرمه وعفوه وصفحه إلى غير ذلك. 

دول العلويين في الحجاز:

وظهرت دولتان حسنية وحسينية بالحجاز، دولة حسنية في مكة المكرمة، ودولة حسينية في المدينة المنورة، وأول من ملك مكة من الحسنيين جعفر بن محمد بن الحسين أو الحسن بن محمد الثائر بن موسى الثاني بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب عليهما السلام.

وذلك في أواسط المائة الرابعة من الهجرة واستمرت إمارة الحسنيين على مكة المكرمة إلى ما يقارب عصرنا حيث كان آخر من ملكها منهم الشريف الحسين بن علي الذي أقيم ملكاً على الحجاز باسم ملك العرب، ثم ولده الملك علي، ولم تطل مدة هذا الملك الأخير حيث استولى السعوديون بإيعاز من البريطانيين ومساندتهم على ملك الحجاز والسعوديون باقون في الحكم إلى اليوم، وإن كانت دولتهم أخذت تترنح وتميل إلى السقوط بما ظهرت في بلادهم من الثورات الشعبية سواء في المنطقة الشرقية أو في المسجد الحرام في قصص مفصلة في التاريخ المعاصر. وأول من ملك المدينة من الحسينيين كما ذكره بعض المؤرخين الشريف طاهر بن محمد بن طاهر بن الحسن بن طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، فقد لحق الطاهر بالمدينة المنورة فقدمه بنو الحسين على أنفسهم واستقل بإمارتها سنين وتوفي سنة ثلاثمائة وواحد وثمانين، واستمرت إمارتها فيهم إلى سنة ثمانمائة وستة وثمانين حيث كان أميرها فيصل الجمازي.

ولا يخفى أن الشريف حسين وولده علي ممن ذكرناهم قد أظهروا التسنن والظاهر أن ذلك كان لمصلحة كما ينقل في التواريخ وقد كانت مكة المكرمة والمدينة المنورة في عهد هؤلاء الأشراف منطقة حرية وأمان وعدل حتى جاء الوهابيون فأظهروا التعصب مما هو معروف في المذهب الوهابي. 

دولة المرعشيين:

وظهرت دولة مرعشية في آمل ومازندران وحواليها وكان هؤلاء سادات حسينيين من نسل الحسن المرعشي بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وقد ملك منهم أربعة عشر رجلاً أولهم يدعى قوام الدين وآخرهم السيد مراد ملكوا ما يقارب القرنين والنصف، لكن تخلل هذه المدة ملك لغيرهم نحو نصف قرن فكانت مدة ملكهم أقل من قرنين. 

دولة الكيائيين:

كما ظهرت في بلاد الكيلان والديلم دولة علوية أخرى هي دولة الكيائية نسبة إلى (كيا) بكسر الكاف وهي بمعنى العظيم في اللغة المحلية أو السيد أو الشريف، أو ما يشبه ذلك، وكان هؤلاء السادة يلقبون به وكان ظهور هذه الدولة في أوائل المائة الثامنة من الهجرة. 

دولة الصفويين:

وظهرت الدولة الصفوية بإيران وحكموا نحو قرنين ونصف من الزمان وقد بلغت من القوة والعظمة درجة رفيعة جداً فنشروا العلوم والمعارف وأكرموا العلماء وأهل الدين وحافظوا على شعار الإسلام، وقد ملك منهم عشرة ملوك، أولهم إسماعيل بن حيدر، وآخرهم طهماسب الثاني بن حسين، وهم من السادات العلوية التي ينتهي نسبهم إلى الإمام الكاظم موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وقد خلّفوا للعالم الإسلامي الكتب الكثيرة والتي منها بحار الأنوار للعلامة المجلسي وشرح من لا يحضره الفقيه لوالده، والكتب الثمينة للشيخ بهاء الدين العاملي، وكتاب الوسائل وسائر الكتب للشيخ الحر العاملي إلى غير ذلك. وكما ألمحنا في السابق كان هناك بعض الفترات غير النزيهة في حكم هؤلاء لكن الاعتبار بالأكثرية ونحن لسنا الآن بصدد التفصيل. 

دولة المشعشعيين:

وظهرت دولة الموالي آل فلاح الموسويين المشعشعيين في خوزستان الحوبزة ونواحيها وكان ابتدائها من سنة ثمانمائة وخمسين هجرية، وانتهت سنة ألف وتسع وعشرين، وذلك نحو قرنين من الزمان وعاصر بعض هؤلاء الملوك الصفوية وبسطوا عليها سيطرتهم وكان لهم رجال مذكورون في التواريخ بالتفصيل.

وقد قامت دول وإمارات علوية أخرى في العالم الإسلامي لسنا بصدد التفصيل حولها.

وفي ما ذكرناه أكبر الدلالة على أن جماعة إذا راموا إقامة حكم الله وأخذوا بأسباب الرقي والتقدم واتبعوا الأسباب الموصلة كما قال سبحانه (ثم أتبع سبباً)(17) وفقوا ولو حين، فلا يأس من روح الله، وكذلك المسلمون في العالم الحاضر إذا أخذوا بالأسباب التي قررها الله سبحانه لمثل هذا الهدف، تمكنوا من إعادة حكمهم تحت لواء الإسلام وحكم القرآن في دولة عالمية ذات ألف وخمسمائة مليون، وما ذلك على الله بعزيز.

الاعتماد على الذات

على ممارسي التغيير الاعتماد على النفس، إذ الاعتماد على النفس يصنع العجائب فإن الميزة التي توفرت في هؤلاء الذين قد وصلوا إلى مراتب راقية - سواء في الحقول العلمية أو العملية، وسواء كانوا مؤلفين بارعين، أو خطباء كباراً، أو مجتهدين عظاماً، أو رؤساء ناجحين، أو أصحاب قوة ومنعة وسلاح، أو تجاراً رابحين، أو ما أشبه - فإن الميزة في هؤلاء دون أترابهم وزملائهم هو اعتمادهم الكبير على النفس مما حفزهم على الوصول إلى ذلك المكان الرفيع.

وقد اتفق في الزمان السابق إن أبحرت سفينة من السفن الشراعية - في عرض البحر - ولما وقفت الريح لم تتمكن السفينة من مواصلة السير فأرست على جزيرة في وسط البحر، ولما دخل أهلها في الجزيرة رأوا هناك رجلاً فتعجبوا من تواجده في ذلك المكان وقالوا له: هل أنت من الإنس أو الجن؟ وماذا تصنع هنا؟

قال: اعلموا أني قد ركبت البحر قبل ثلاث عشرة سنة فانكسرت السفينة وغرق الكل وتعلقت بخشبة منها وجاء بي الموج إلى هذه الجزيرة ولما أصابني اليأس عن العودة إلى البلاد، فكرت في أن لا أيأس من الحياة ولا أساعد على موتي، ففكرت في أن أصنع لنفسي المأوى والأدوات والآلات والملابس ووسائل البيت وغير ذلك ففعلت كل ذلك وصنعت كل شيء من لوازم الحياة حتى موسى الحلاقة ! وأمنت شر الحيوانات المفترسة في الجزيرة، وبقيت هكذا أعيش وحدي وأصنع بنفسي مأكلي وملبسي وأُهيّئ مشربي وسائر ما أحتاج إليه.

فتعجّبوا منه أيما تعجب إذ كيف يعيش إنسان واحد في جزيرة منقطعة هذه المدة الطويلة، ويهيّئ لنفسه كل شيء مما يحتاجه من لوازم الحياة من مواد الأشجار والأحجار.

وهكذا يكون الاعتماد على النفس من أهم أسباب تقدم الإنسان إلى الأمام، فإذا كان ممارسو التغيير يعتمدون على أنفسهم اعتماداً كافياً ويصممون على الوصول إلى الهدف المنشود وهو إقامة حكم الله سبحانه وتعالى في الأرض وإنقاذ المستضعفين من براثن المستكبرين فإنهم لا بد وأن يصلوا إليه بإذن الله تعالى.

التوكل على الله

على ممارسي التغيير التوكل على الله سبحانه وتعالى في كافة أمورهم صغيرها وكبيرها، حقيرها وجليلها، فمن يتوكل على الله فإنه يكفيه ما أهمه وفي القرآن الحكيم: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً)(18).

كما أن التوكل على الله يسبب الاطمئنان وهدوء النفس وقد قال سبحانه: (فاذكروني أذكركم)(19).

وقال تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)(20).

ومن المعلوم أن بيد الله سبحانه وتعالى قوى الكون كلها، وإنه على كل شيء قدير، وقد قيل في ذلك: -

أزمــة الأمــــور طــــرا بيـــده***والكل مستمــــدة مــــن مدده

فإذا لجأ الإنسان إلى الله، وذكره على كل حال، وتوكل عليه كفاه الأمور وأراه السرور - كما في الحديث -. 

المعجون السحري:

وقد ورد في التواريخ أن أنوشيروان لما وصل إلى دفة الحكم أمر بسجن جميع وزرائه بمن فيهم الحكيم المشهور (بوذر جمهر) فنقلوا إلى سجون إنفرادية مظلمة.

وبعد مدة أرسل الملك شخصاً من قبله ليتجسس على السجناء السياسيين ويرى كيفية حالهم في تلك السجون المظلمة بعد ما كانوا وزراء وقادة البلاد.

ولما رجع الجاسوس قال للملك: رأيتهم كلهم في حالة يرثى لها، من كثرة ما أصابهم من الضعف والذلة، والبكاء والحزن المسيطر عليهم، باستثناء (بوذر جمهر) حيث رأيته كحالته السابقة وكأنه جالس على كرسي الرئاسة لم يتغير من حاله شيء.

ولما سألته عن سبب ذلك؟

قال لي: إني أستعمل بعض الأدوية العلاجية التي تبقي على صحتي ونشاطي.

فقلت: وما هو ذلك الدواء؟

قال بوذر جمهر: أنه مركب من عدة أشياء:

أولها: التوكل على الله.

وثانيها: العلم بأن كل حال يزول لا محالة.

وثالثها: الصبر.

فإني أفكر في هذه الأمور الثلاثة كل يوم وأستلهم منها نشاطي وصحتي.

وهكذا يكون التوكل على الله تعالى سبباً لقوة الإنسان من ناحية، وموجباً للطف الله وعطفه من ناحية أخرى مما يوجب الوصول إلى الهدف بإذن الله سبحانه وتعالى.

التغيير لأسباب خارجية:

ثم إن الإنسان لا يعلم أن التغيير في أي وقت يكون وبأي سبب يتم، فلربما يكون التغيير بسبب خارج عن إرادة الإنسان فقد حدّثنا أحد علماء مشهد المقدسة - من الذين ابتلوا بسجن البهلوي الأول في قصة مسجد (كوهرشاد) المشهورة. والتي أباد فيها البهلوي الأول من الناس ما يقارب عشرة آلاف إنسان بريء، كما حدثنا بذلك جماعة من الثقاة - .

وقال: إنا كنا مسجونين في زنزانات مظلمة، لا نجد منفذاً إلى الهواء والنور، وكنا في أشد الضيق، ولم تكن لنا وسيلة إلا التوكل على الله والاستعانة به والتوسل إليه بالإفراج عنا بمحمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، وكان الحكم الصادر بحقنا هو حكم الإعدام لأن البهلوي كان قد اتهمنا، وألقى جريمة ما ارتكبه من قتل المسلمين الأبرياء على عواتقنا فأصبحنا كما قال الشاعر: -

غيري جنى وأنا المعاقب فيكم           فكأنــــي سبـــــابـــــة المــتندم

فبينما نحن في كآبة وحزن، وانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى إذ فاجأنا خبر الإفراج عنا، والإطلاق لسراحنا، وإذا بأحد الضباط من قبل البهلوي يدخل علينا ويقول لنا: أنتم أحرار فيما تريدون أن تفعلوا، ثم أخرجنا من السجن.

فتعجبنا من ذلك كثيراً ومن أنه كيف لم يبدل حكم الإعدام في حقنا بالسجن المؤبد، ولم يأخذ منا وثيقة تعهد أو ما أشبه ذلك وبعد الخروج من السجن أخذنا نتحرى ونفحص عن السبب؟

فعلمنا أن جماعة من علماء الهند نشروا في الجرائد والمجلات، إن البهلوي دكتاتور، وإنه يضطهد العلماء والمؤمنين، والدليل على اضطهاده للعلماء سجنه لفلان وفلان وفلان - قال العالم: - وكان اسمي من جملة تلك الأسماء - فعلمنا أن هذا الإعلام المضاد قد وصل خبره إلى البهلوي فأراد أن يحفظ كرامته وكرامة حكومته أمام الرأي العام. فأمر بإطلاق سراحنا فوراً من دون قيد أو شرط.

وهكذا تكون ثمرة التوكل على الله سبحانه وتعالى حيث أنه مسبب الأسباب ومفتح الأبواب.

وبهذا الصدد ينقل أن أحد الملوك غضب على إنسان فأمر بربطه بأسطوانة في قصره حتى يحضر الجلاد ويضرب عنقه، فلما حضر الجلاد طلب الرجل من الملك أن يتفضل عليه ويأمر بقتله مربوطاً بالأسطوانة الثانية، لا هذه الأسطوانة.

ضحك الملك وقال: ما الفائدة في ذلك؟

قال: من الأسطوانة إلى الأسطوانة يكون الفرج.

ففتحوا وثاقه من الأسطوانة المشدود إليها وأرادوا ربطه بالأسطوانة الثانية وإذا بالملك يموت فجأة، ويضطرب وضع القصر، ويتحرر الرجل ولا يصيبه مكروه.

 

1 ـ سورة يوسف: الآية 111.

2 ـ سورة الجن: الآية 27.

3 ـ سورة الجن: الآية 27.

4 ـ سورة الأعراف: الآية 58.

5 ـ سورة الإسراء: الآية 55.

6 ـ سورة الإسراء: الآية 21.

7 ـ بحار الأنوار: ج74 الباب 7 من كتاب الروضة ص164.

8 ـ البداية والنهاية ج3 ص263.

9 ـ سورة آل عمران: الآية 28.

10 ـ سورة النحل: الآية 106.

11 ـ حلية الأولياء ج1 ص140.

12 ـ سورة الرعد: الآية 39.

13 ـ سورة النساء: الآية 58.

14 ـ سورة الإسراء: الآية 60.

15 ـ سورة القدر: الآية 1-3.

16 ـ سورة إبراهيم: الآية 28-29.

17 ـ سورة الكهف: الآية 89.

18 ـ سورة الطلاق: الآية 2-3.

19 ـ سورة البقرة: الآية 152.

20 ـ سورة الرعد: الآية 28.