الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

التعذيب

إن أي تعذيب مهما كان لونه ومهما قيل في مبرره، ممنوع ومحرم قطعاً لم ينزل الله به من سلطان فعلى الممارسين للحركة أن يتجنبوه مهما كلف الأمر سواء في داخل الحركة أو خارجها وسواء قبل وصولهم إلى الحكم أو بعد وصولهم إليه، وسواء بالنسبة إلى الأصدقاء أو مع الأعداء فإن من يهين كرامة الإنسان لا يتمكن أن يدافع عن كرامة الإنسان ومن يمارس التعذيب ولو لمرة واحدة ويقول إني أريد إيصال الإنسان إلى الكرامة لا يكون كلامه إلا هراءاً وسخفاً، فإنه لا يصل إلى الهدف أولاً، ويحاكم محاكمة المجرمين في المحاكم الإلهية ثانياً، وتهدر كرامته في المجتمع الذي يطلع على ممارسته ثالثاً وهناك قسم من أصحاب القدرات يتصورون أنهم لو مارسوا التعذيب لا تصل أنباؤه إلى المجتمع، ناسين قوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)(1)

التعذيب.. ظاهرة غير إسلامية:

لا شك أنه من الممكن أن يستظهر الإنسان الحق - الذي يريد بعض استظهاره لا بسبب التعذيب - ويتوصل إلى الواقع، بواسطة الأدلة والشواهد وتكثير الأسئلة والأجوبة أو ما أشبه ذلك من القضايا المعروفة في قضاء أمير المؤمنين(عليه السلام).

فلا يقال: إنه إذا لم يمارس التعذيب في حق المجرمين فسوف لا يعترفون بالواقع، وبالتالي يبقى بعض الحق خافياً - كما هو منطق الدكتاتوريين -.

فإنه يقال: -

أولاً: بقاء بعض الحق خافياً أفضل من إهانة الحق بالتعذيب.

وثانياً: في التعذيب أيضاً يبقى بعض الحق خافياً حيث أن بعض المعذبين يعترفون على أنفسهم زوراً وكذباً للتخلص من آلام التعذيب وهو أيضاً تغطية للحق. 

أساليب الكشف المشروعة:

وبهذه المناسبة نلمح إلى بعض القضايا التي اتفقت وأمكن القضاة ومن إليهم من استظهار الحق فيها بدون التعذيب، مع أنها كانت قضايا معقدة وأحياناً في غاية التعقيد.

فمثلاً: اتفق في بعض البلاد في زماننا أنه وجد إنسان مقتول على قارعة الطريق ولم يعلم قاتله، لكن الخبير تمكن من الإطلاع على القاتل بسبب النظر إلى عيني القتيل حيث أن مرآة العين تحتفظ بآخر صورة من الصور التي انتقشت فيها. والتوصل إلى الواقع عبر هذه الأساليب النفسية المشروعة وإن كان محتاجاً إلى الأجهزة والخبروية إلا أن ذلك متيسر في العالم الحاضر بينما قد اتفق لحاكم في زماننا محاولة اغتياله - حسب زعمه - فأخذ يزج على أثرها مجموعات كبيرة من الناس إلى السجن، حتى قالت بعض الإحصاءات بأنه سجن ما يقارب المائتي ألف شخص، وأذاقهم أشد أنواع العذاب والتنكيل. 

طريقة التحليل النفسي:

وفي قضية ثانية اتفقت لحجة الإسلام السيد محمد باقر الشفتي الأصفهاني رحمة الله عليه حيث عثروا على قتيل في الشارع أيام كان يحكم أصفهان، وكلما أراد سماحته الإطلاع على قاتله لم يتمكن وأخيراً استعان بطبيب نفسي خبير ففحص الجثة كاملاً ثم أمر بإحضار جميع القصابين، فلما حضروا أوقفهم صفاً واحداً بحيث يكون قفاهم إلى مجلس حجة الإسلام الشفتي ووجوههم إلى الطرف الآخر، وبعد لأي من الزمن قال الخبير لأولئك القصابين: اذهبوا حيث شئتم، فلما تحركوا للذهاب صاح فيهم وقال: أنت أيها القاتل إلى أين؟

وإذا بأحدهم يلتفت إلى الخلف فجأة من دون اختيار، فأمر الخبير بإلقاء القبض عليه ولما حقق عن الأمر تبين أنه هو القاتل، فقيل للخبير: من أين عرفت ذلك؟

قال: إني لما فحصت الجثة رأيت آثار مسح السكين على ملابس المقتول، وهذا لا يكون إلا من عادة القصابين حيث ينظفون سكين الذبح على جلد الخروف ومن حيث أن المجرم يعرف نفسه، ونفسه أيضاً تعترف بالجريمة وإن أضمرها صاحبها، وأصر عليها لتنكره وتغطّى عليه، لكنها تفلت أحياناً عن الاحتفاظ بإنكار الجريمة إذا فوجئت بالاستجواب.

وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) (ما نوى امرؤ شيئاً إلا وظهر في صفحات وجهه وفلتات لسانه)(2)

قاعدة الدوران والترديد:

وينقل عن سماحته أيضاً أنه جاءته امرأة وقالت: سيدنا إن أحد الأعيان اغتصب البستان المجاور لبستانه، وحيث أن له المال والقدرة أشهد جماعة كبيرة من الناس على أن البستان له وذلك في غياب مني والآن بعد إطلاعي على ذلك، ليس لي على الظاهر مستمسك يقاوم ادعاءه ويثبت حقي، فهل تتمكن من إنقاذ حقي؟

وهنا لما علم سماحته صدقها في قولها طلب ذلك الشخص وقال له: إن هذه المرأة تدعي أن البستان لها فما تقول؟

فأنكر الرجل وأخرج الأوراق والأسناد التي تؤيد أن البستان له، وقد شهد في الأوراق جماعة كبيرة من الشهود من مختلف الطبقات الذين تمكن الرجل من إرشائهم أو إغفالهم.

فقال حجة الإسلام: لا بأس، وتركه وهلة من الزمن ليستريح...

ثم توجه إليه وقال له: بكم اشتريت هذا البستان؟ قال الرجل: لم أشتره، ثم تركه...

وبعد مدة سأله قائلاً: من وهب لك هذا البستان؟ قال الرجل: لم يهبه لي أحد، فتركه...

وبعد فترة قال له: هل ورثته من أبيك أو أحد المورّثين لك؟ قال الرجل: لا لم يكن إرثاً.

وهكذا أخذ حجة الإسلام يسأل الرجل في فترات متقطعة عن كيفية تحصيله للبستان والرجل يجيبه في كل منها - بلا التفات منه إلى نتيجة أجوبته - بالنفي، حيث دل مجموع الأسئلة وأجوبة الرجل، على نفي الملك عنه، آنذاك التفت إليه حجة الإسلام قائلاً: إنك قد نفيت عن نفسك كل أنواع الملك للبستان فمن أين صار هذا البستان ملك لك؟

وهنا لما رأى الرجل أنه سقط في يده، لم يحر جواباً وأخذ يتلجلج مما ظهر للجميع تزويره للأسناد والأوراق.

فأخذ حجة الإسلام الأوراق المزورة وأمر بإحراقها في المجلس، ثم حكم بالبستان للمرأة إلا أن يثبت غيرها أن البستان له. 

بين اللف والدوران:

ينقل في أحوال أحد القضاة أن إنساناً جاء إليه وقال له: كان لي شراكة مع صديق في مال فدفنا المال معاً تحت شجرة خارج المدينة، وبعد مدة احتجت إليه فذهبنا معاً لنأخذ المال فلم نعثر عليه فظننت ظناً قوياً بأن الصديق نفسه هو الذي ذهب وأخذ المال لأن غيرنا لا يعلم بذلك إطلاقاً.

فقال له القاضي: ألك شاهد أو دليل على ذلك؟

قال: كلا سوى أنه ليس أحد غيرنا يعلم بالمكان.

فطلب القاضي صديقه وسأله عن المال والشجرة، فأنكر علمه بشيء من ذلك.

فقال له القاضي: لا بأس، اجلس هنيئة فجلس.

ثم توجه القاضي إلى الشاكي وقال: اذهب إلى الشجرة التي دفنت المال تحتها وانظر ماذا ترى فأخبرني به.

قال الرجل: وما الفائدة من ذهابي إلى الشجرة؟

قال: لعل الله سبحانه وتعالى يقذف في قلب من أخذ المال، فيرجعه إلى مكانه، أو تجده هناك والمال معه فتأخذه منه.

فلم يقتنع الرجل بذلك لكنه ذهب إطاعة لأمر القاضي.

وبعد مدة من ذهاب الشاكي توجه القاضي إلى هذا الجالس وقال له: أظن أن صديقك قد أبطأ؟

قال الرجل: لا، لم يبطئ.

قال القاضي: ولماذا؟

قال: لأن الشجرة بعيدة عن المدينة بمقدار تستدعي هذا البطء.

فتوجه إليه القاضي وقال: الآن اعترفت على نفسك قم وائت بالمال، وإلا فما علمك بالشجرة المعينة، فلم ير الرجل بداً من الإذعان وتسليم المال، فقد اعترف على نفسه من حيث لا يعلم.

ولما رجع الشاكي سلمه القاضي المال وقال له: إنما أمرتك بالذهاب إلى الشجرة حتى أفتح طريق الإستجواب مع هذا الرجل وأستخلص منه الاعتراف، وكان كما أردت، فخذ مالك وانصرف غانماً. 

بين السبر والتقسيم:

ينقل أن شخصاً جاء إلى عضد الدولة البويهي واشتكى له قائلاً: دفنت مالاً تحت شجرة خارج المدينة بغداد ولم يكن هناك أحد يراني فلما رجعت بعد مدة وحفرت الموضع لأستخرج المال لم أجد شيئاً.

فقال له عضد الدولة: هل تعرف نوعية تلك الشجرة؟

قال: نعم.

قال: وما كان نوعيتها؟

قال: شجرة الخروع.

عند ذلك طلب عضد الدولة أطباء بغداد، فلما حضروا سألهم قائلاً: أيكم وصف لمراجعيه من المرضى في هذه الفترة من الزمان جذور الخروع؟

قال أحدهم: أنا.

قال: أتعرف المريض الذي وصفت له هذا الدواء؟

قال الطبيب: نعم إنه أحد وزرائك فلان.

فأحضر عضد الدولة ذلك الوزير وقال له: هل عالجك هذا الطبيب بجذور الخروع؟

قال الوزير: نعم.

قال: ومن أين حصلت عليها؟

قال: أرسلت أحد غلماني فجاءني بها.

قال: أحضر ذلك الغلام.

فأحضر الوزير غلامه، وعندما حضر توجه إليه عضد الدولة وقال: هل أنت جئت بجذور الخروع للوزير؟

قال الغلام: نعم.

قال: من أين جئت بها؟

قال: من شجرة في البرية.

قال: في أي موضع كانت الشجرة؟

قال: في موضع كذا خارج مدينة بغداد.

وهنا تطابقت المواصفات، واعترف الغلام على نفسه من دون أن يشعر، بأنه اعترف ضمناً بأخذه المال المدفون هناك.

عندها قال له عضد الدولة: عليك أن تأتي بمال هذا الرجل فإنه ليس هناك أحد غيرك، أخذ ماله المدفون تحت الشجرة.

فلما رأى الغلام أنه قد اعترف من حيث لا يعلم، لم ير بداً من الإقرار وإحضار المال بكامله، سوى مبلغ ضئيل كان قد صرفه، عفا صاحبه عنه.

وهكذا تمكن عضد الدولة أن يستخرج خفايا تلك القضية الغامضة بهذا الأسلوب الذكي. 

نباهة وذكاء:

ينقل في قصة أخرى عن عضد الدولة البويهي: أنه جاء إليه تاجراً وقال له شاكياً: إني أردت الذهاب إلى الحج وكانت عندي دنانير ذهبية زائدة تبلغ ألف دينار، فأودعتها عند أحد التجار وذهبت إلى الحج فلما رجعت من الحج، ذهبت إليه وطالبته بالوديعة، فأنكرها عليّ.

قال له عضد الدولة: ما عليك إلا أن تذهب إلى محل التاجر في الغد وتجلس أمام محله بحيث يراك، وإني سوف أجعل عبوري غداً من ذلك الطريق، ولما أراك، أقبل عليك وأرحب بك وأطلب منك أن تصحبني وتنزل على ضيافتي، وكلما أظهرت لك شوقي ودعوتك إلى داري فأظهر أنت الامتناع وتسويف الزيارة إلى موعد آخر.

فذهب التاجر في الغد وجلس أمام محل ذلك التاجر فأنكر عليه التاجر جلوسه هناك فلم يعبأ به، وفي الأثناء وإذا بعضد الدولة يمر بموكبه الملكي من ذلك الشارع، ولما بصر بالشخص الجالس هناك توجّه إليه - ونزل عن فرسه احتراماً له، ورحّب به - وسلم عليه واعتنقه وهو يقول له: في أي وقت جئت إلى بغداد؟

قال الرجل: منذ أيام.

قال عضد الدولة: ولماذا لم تنزل بنا؟

قال: لأعمال شغلتني عن ذلك.

فأخذ عضد الدولة يلح عليه بأن ينزل ضيفاً عنده والرجل يأبى من ذلك - حسب الاتفاق المسبق بينهما - .

وأخيراً قال له عضد الدولة: هل لك من حاجة؟

قال الرجل: كلا، غير سلامتكم.

فودعه عضد الدولة وذهب.

ولما رأى التاجر هذا المنظر، ارتجف خوفاً، واصفر لونه، وأقبل بعد ذهاب عضد الدولة نحو الرجل مسرعاً وقال له: يا أخي ما هي علامة وديعتك فلعلي نسيتها؟.

فبين له الرجل علامة وديعته وأعلمه بمقدارها فذهب التاجر، وجاء بعد لأي من الزمن بالوديعة كاملة.

وهكذا تمكن عضد الدولة أن يستخرج مال الرجل بهذه الصورة.

إلى غيرها من القصص الكثيرة المذكورة في الكتب المعنية بهذا الشأن مما لسنا بصددها وإنما كان القصد الإلماع إلى ذلك.

وقد ذكرنا في كتاب (الحدود) وكتاب (القضاء) حرمة التعذيب وعدم وجوده في نظام الإسلام إطلاقاً، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في بعض القصص السابقة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) .

ولا يتصور الإنسان أنه يتمكن أن يبني كشفه للحقائق على التعذيب ثم يتمكن من الإقلاع عنه لمّا استتب له الأمر، فإن أمثال هذه الأمور حالها حال الشجرة كلما تقدم بها الزمان أخذت في النمو أكثر فأكثر.

السجون

لا.. للسجون والمعتقلات:

وكما يلزم على ممارسي التغيير عدم ممارسة التعذيب إطلاقاً على ما ذكرناه، كذلك يلزم عليهم تقليص السجون والسجناء، إلى أقل قدر اضطراري فإنه بالإضافة إلى أنه كبت حريات الناس محرم قطعي في الشريعة الإسلامية فإن السجن من أبرز مصاديق كبت الحريات وإنه لا يمكن أن يكون من يدعو إلى الإسلام يخالف الإسلام في حكم مهم من أحكامه، بالإضافة إلى ذلك كله فإن للسجن أضراراً كثيرة لا يجبرها شيء، ولا ينبغي للعاقل أن يلجأ إليه إلا في قصوى حالات الضرورة من جهة الأهم والمهم والضرورات تقدر بقدرها، فلا بد من ملاحظة ما يلي:-

1 - الكم: أي عدد الأيام.

2 - السبب: أي أسباب السجن.

3 - الكيف: أي شدة السجن وخفته.

4 - الاستمرار: أي اتصال مدة السجن وتقطعه.

وقد قسّمت بعض القوانين العالمية السجن إلى (المغلق) و (نصف المغلق) و (المنفتح)، ففي الأول: يبقى السجين طول المدة المحكوم فيها في السجن، وفي الثاني: يقسط سجن شهر مثلاً على عشرة أشهر كل شهر ثلاثة أيام فلا يكون للمدة اتصال، وفي الثالث: يذهب السجين وقت المنام إلى السجن أما في النهار فيذهب إلى مزاولة أعماله. 

نسبة الذين يسجنون في الإسلام:

وقد أحصينا في بعض مباحث (الفقه) عدد الذين يسجنون في الإسلام، فلم يتجاوزوا عشرين شخصاً وكلهم قد أجرموا جرماً واقعياً لا جرماً قانونياً، حيث أن تسعين في المائة أو أكثر، في هذه النسبة من هؤلاء السجناء في عالمنا الحاضر إنما يسجنون لمخالفتهم القوانين الكابتة التي رفضها الإسلام رأساً وحرمها قطعاً. فهم في الحقيقة أبرياء في نظر العقل والشرع، ومع ذلك يسجنون بحجة مخالفتهم للقوانين التي وضعها إما شخص المستبد، أو مجلس وزرائه، أو مجلس ثورته، أو على أحسن الفروض مجلس الأمة فيما لو كانت الانتخابات حرة - مما ليس لها وجود في العالم الإسلامي في الحال الحاضر-. 

السجن في عهد الإمام علي (ع):

وقد نقل كتاب الغارات عن أبي إسحاق بن مهران قال: رأيت علياً (عليه السلام) أسس محبس الكوفة إلى قريب من طاق الزياتين قدر شبر قال: ورأيت المحبس وهو من (خص) وكان الناس يفرجونه ويخرجون منه فجدد علي (عليه السلام) بناءه وسمعته يقول عنده:

ألا تراني كيساً مكيساً            بنيت بعد نافع مخيساً

باباً حصيناً وأميناً كيساً(3)

فإن الإمام (عليه السلام) كان سجنه عبارة عن الجريد وما أشبه ذلك ولكن السجناء حيث كانوا يفرون من هذا السجن بإفراج القصب والجريد اضطرّ (عليه السلام) إلى أن يجدد بناءه ويجعل له باباً حصيناً، وأميناً كيساً، حتى لا يفر المعتقلون منه وينالون جزاءهم العادل.

أضرار السجن

أما أضرار السجن فأقسام: سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية، وصحية، وغيرها.

الأضرار السياسية:

أما الأضرار السياسية فكثيرة، منها:-

تعقيد نفسية السجين وتنشيط نقمته على الدولة والشعب.

أما على الدولة فلأنه يعدّها ظالمة غاشمة تستحق الإبادة والزوال، ومن هذا المنطلق يعمل للتنقيص منها وإزالتها وتخريب ما يرتبط بها.

وأما على الشعب فلأن الإنسان المعقد يكره الناس جميعاً حيث يراهم قاصرين أو مقصرين في حقه، فإنه قل ما يعترف مجرم حقيقي بجرمه ويرى نفسه مقصراً ومجرماً - فكيف بالمجرم القانوني ـ ؟

حتى أن السارق في كثير من الأحيان يرى أنه قد اضطر إلى السرقة لعدم توفر المال له مثلاً، بينما يرى الأغنياء يسرقون أموال الفقراء تحت مظلة القوانين المزيفة. 

متى تنفذ العقوبات؟

ولذا نرى أن الإسلام أجاز تنفيذ العقاب بعد تحقق سلامة الإجتماع كما يستظهر ذلك من الآيات والروايات فقد قال سبحانه: (والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد)(4).

وقال سبحانه: (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون)(5).

وقال سبحانه: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)(6).

وورد: (إن الحكم والحدود لإمام المسلمين)(7) ومعنى ذلك: أنه في ظرف وزمان وجود إمام المسلمين تجري الأحكام، ومعنى وجود إمام المسلمين كونه مبسوط اليد بقيام حكم الإسلام، ومن الواضح أن حكم الإسلام إنما يقوم إذا توفرت الحريات للناس وتمكن كل إنسان أن ينال من العلم والمال والجاه حسب كفاءته ومؤهلاته، وذلك يوجب تمكنه من المكسب والمسكن والمنكح وإلى غير ذلك من شؤون حياة الإنسان المناسبة لكرامته، فإذا لم يكن الجو إسلامياً، لم يتمكن الإنسان من المال الذي يدير أمور معاشه، فكيف تقطع يده لسرقة؟.

كما أنه لم يتمكن من المال الذي يوفر له الزواج، فكيف يجلد؟

وإذا كانت الخمور والفجور تملأ البلاد طولاً وعرضاً فكيف يجري الحد على متعاطيها؟

إلى غير ذلك.

لا يقال: فعلى هذا يلزم ترك المجرم الحقيقي بلا عقاب.

لأنه يقال: التأديب شيء، وإجراء الحد بموازينه شيء آخر، ولذا نرى أنه إذا جاءت امرأة إلى الحاكم تشتكي رجلاً اعتدى عليها جنسياً، أو إذا جاء إليه غلام يشتكي مثل ذلك تحقق الحاكم عن أمرهما فإن ظهر له صدقهما أدّب المعتدي، وإن لم ينفذ عليه الحد لأن الحد لا يكون إلا بشروط خاصة: بالإقرار أربع مرات أو بشهود أربعة، على ما ذكره الفقهاء في كتاب الحدود.

وإذا أقر الرجل بالسرقة مرة، أخذ منه المال ولم يقطع يده إلى غير ذلك.

ولذا ورد في الحديث: (الإسلام يجبّ عما قبله)(8) و (الإيمان يجبّ عما قبله)(9) وكذا (وصول العادل إلى الحكم يجبّ عما قبله) كما دل عليه حديث الإمام الرضا (عليه السلام) وهذا بحث فقهي خارج عن مهمة الكتاب.

هذا بالإضافة إلى (رفع الإكراه) - وقد ذكرنا في بعض كتب الفقه أنه شامل للإكراه الأجوائي كشموله للإكراه الفردي - و(رفع الاضطرار) و(ما لا يعلمون) و(ما لا يطيقون)(10) والمراد بما لا يطيقون العرفي كما قرر في محله - كما (أن الحدود تدرأ بالشبهات)(11) والشبهة من قبل الحاكم موضوعاً وحكماً أو الشبهة من قبل المحكوم موضوعاً أو حكماً إلى غير ذلك.

ومنها أن السجناء كثيراً ما ينظّم بعضهم بعضاً للفساد، أو لسياسة منحرفة أو ما أشبه ذلك وكذا يعلّم بعضهم بعضاً طرق الحيل والمكر والخداع وما أشبه، لأن المجرمين - تبعاً للفراغ الموجود في السجن - ينقل كل واحد منهم للآخر ما عمله في حياته من إجرام وجنايات كما هو المشاهد في غالب سجون العالم، وذلك بدوره يؤدي إلى الأضرار السياسية. 

الأضرار الاجتماعية:

وأما الأضرار الاجتماعية، فكثيرة أيضاً، منها:-

أولاً: السجين يتصور سقوطه في المجتمع ويرى أن المجتمع قد نبذه وطرده، وبذلك يحاول أن يكون ضد المجتمع في كل تصرفاته وأعماله، فينقلب عن كونه عضواً صالحاً إلى عضو فاسد.

ثانياً: يتشتت تأهل السجين وذووه من زوجة وأولاد وعائلة في المجتمع لفقدهم من يلم شعثهم ويجمع شملهم فيسقطون عن كونهم أعضاء صالحين للمجتمع.

ثالثاً: يحتمل وقوع كلا الجانبين في الفساد الجنسي أما السجين نفسه فلأنه بشر يحتاج إلى إشباع هذه الغريزة فيمارس ألوان الشذوذ والانحراف وأما أهل السجين وذووه، فلفقدهم من يعولهم ويعتني بتربيتهم ويهتم بمراقبة أعمالهم، فيقعون في الفساد أما لتأمين حياتهم أو إشباع رغباتهم الجنسية. 

الأضرار الاقتصادية:

وأما الأضرار الاقتصادية فهي تنشأ من كون السجين لا يتمكن من التكسب وتمشية أموره، فإذا فرضنا أن عائلة مكونة من خمسة أشخاص يحتاجون في كل يوم لإمرار معاشهم إلى خمسة دنانير، فإذا سجن من يعولهم ويكدّ لهم، فكيف يتمكنون من تحصيل هذا المال؟

وطبيعي أنهم يقعون بذلك في الضرر الاقتصادي والفقر، وفي كل ما يسببه الفقر من المشاكل.

وقد ورد في الحديث الشريف: (الفقر سواد الوجه في الدارين)(12) وقال أبو ذر رحمه الله: (عجبت للفقراء كيف لا يخرجون على الأغنياء بسيوفهم؟).

الأضرار الثقافية:

وأما الأضرار الثقافية فهي تنتج من انقطاع السجين عن المدرسة حيث لا يتمكن من مواصلة الدراسة والحصول على الشهادة فيسبب ذلك تأخره في المجتمع، ومعلوم أن تأخره يؤثر في تأخر المجتمع من الناحية الثقافية وحيث يرى أن زملاءه قد تقدموا وتفوّقوا عليه يتعقد نفسياً ضد المجتمع وينقم عليهم ويخطط للإنتقام منهم، فيضر المجتمع ضررين، أولاً: ضرر الثقافة. وثانياً: ضرر تفشي الجهالة والرذيلة. 

الأضرار الصحية:

وأما الأضرار الصحية فهي تتولد من تراكم أفكار السجين وكثرة حزنه وهمه وتعقده، فإنها تسبب أمراضاً جسدية وأمراضاً روحية، وقد ثبت علمياً أن كل واحد من الروح والجسد يؤثر في الآخر، فالمهموم روحياً يمرض جسدياً، والمريض جسدياً يكتئب روحياً ويتعقد نفسياً.

هذا بالإضافة إلى ما يذهب هدراً من أوقات ذوي السجناء في لقاءاتهم مع سجنائهم مما كان يمكنهم صرفها في أمور تعود عليهم وعلى مجتمعهم بالخير والتقدم.

وإلى ما يسببه السجن من مضادة ذوي السجين للدولة والمجتمع بسبب نقل السجين كآبته وأحزانه وهمومه وأفكاره إلى ذويه عند الالتقاء به.

وإلى ما يكون من نشوب المشاكل والمخاصمات في داخل السجن للسجناء أنفسهم فإنهم ليأسهم على الحياة وتأثرهم بضيق السجن يكثرون من المنازعات والمشاجرات مما يفسد الأخلاق ويربيهم على الخشونة والغلظة.

وإلى تسرب المواد المخدرة إلى السجناء في أكثر الأحيان وأضرارها المتعددة والمخطورة غير خفية.

وإلى تسرب القمار إليهم فإنهم لعدم الاشتغال بما يقضي عليهم الوقت يتعاطون القمار لسد الفراغ وتفويت الوقت، ومفاسد القمار كثيرة.

وإلى أن السجن لما كان غالباً من نصيب الشباب بنات وبنين، لأنهم المسرعين عادة إلى كل دعوة وانحراف، يتربى الجيل المستقبلي منحرفاً، كما وينعكس انحرافهم على المجتمع نفسه بعد خروجهم من السجن.

وإلى تضييع وقت جهاز الدولة في إدارة السجن والسجناء.

وإلى تضخم جهاز الدولة وتضخم الجهاز، ضرر مزدوج - على ما ذكرناه في كتبنا السياسية والاقتصادية -.

وإلى إضاعة أموال الأمة التي تصرف لأجل إدارة السجن والسجناء.

وإلى أنه لما كان غالب من يدخل السجن هو من الطبقة الفقيرة - حيث أن الأغنياء أولاً: يتوفر لهم ما يريدون من المال والثروة، والبضاعة والخدمات فلا يرتكبون بعض أنواع الانحراف كالسرقة مثلاً التي توجب دخولهم السجن بخلاف الفقراء. وثانياً: إذا ارتكبوا الانحراف كانت أموالهم حائلة دون سجنهم بالرشوة والتحايل على القانون وغير ذلك - فإن السجن يكون ظلماً إضافياً على الفقير حيث سبب له المجتمع أولاً: فقره. وثانياً: سجنه.

إلى غير ذلك من المفاسد الكثيرة للسجن، مما يحتاج تفصيلها إلى مجلد مستقل ولسنا نحن الآن بصدد ذلك في هذا الكتاب.

ولذا فاللازم أن يلاحظ كل ذلك في جانب ويقاس إلى فائدة السجن في جانب آخر، ويؤخذ بالثاني بقدر أقصى مراتب الضرورة. 

فضح التعذيب والحرمان وآثاره في محنة الأمة:

وأخيراً نقول أن من اللازم على ممارسي التغيير فضح:

1 - التعذيب في السجون.

2 - والحرمان الذي تعاني منه الأمة، في مختلف الأصعدة.

3 - وتجزؤ بلاد الإسلام بسبب الحواجز النفسية والحواجز الجغرافية، كل هذا الفضح يتم بتأليف أو نشر عشرات الملايين من الكتب، وبمختلف وسائل الإعلام الممكنة.

1- فإن التعذيب في السجون، في كل سجون العالم الإسلامي، سواء في بلد يسمى بالإسلامي أو في غيره، جريمة شنعاء يندى لها جبين الإنسانية. بالإضافة إلى أن التعذيب يسبب تثبيط عزائم الجماهير بالتحرك لإسقاط الدكتاتور، فإن السجن ليس له من الأهمية في لا وعي الإنسان، مثل ما للتعذيب من أهمية، فإن الإنسان كثيراً ما لا يهتم بالسجن - بل ولا بالإعدام - بمثل ما يخاف من التعذيب النفسي والجسدي.

وقد استغلت الحكومات الاستعمارية، أمثال بريطانيا وأمريكا وفرنسا وروسيا والصين، وما يدور في فلكهم من العملاء، هذا التخوف للإبقاء على سلطانهم في بلاد الإسلام، فإذا تمكن المسلمون من فضحهم، نجم عن ذلك تمهد السبيل لإنقاذ المسلمين، إن عبد الناصر لما سقط، قام المسلمون في مصر بحملة متوسطة في فضحه بما كان يقترفه من التعذيب في سجونه، مما أثر في سقوط القومية في مصر، بل سقوط القومية العربية في كافة البلاد، فصارت كالأموية التي أسقطها المسلمون منذ ثلاثة عشر قرناً فلم تقم لهم قائمة.

وهكذا يلزم إسقاط هذا السلاح الشائن من يد الدكتاتوريين في كل البلاد الإسلامية، ومصر بعدها وإن كانت تستعمل التعذيب، لكن بنسبة أقل، بعد تلك الفضيحة التي مُني بها عبد الناصر.

2- أما الحرمان، فالعالم الإسلامي كله، حتى البلاد التي يتفجر في أراضيها النفط كشلال السيول، تعاني من أشد أنواع الحرمان والتأخر الزراعي، والصناعي، والثقافي، وحتى أن أكثرية الشباب لا يجدون إلى الزواج سبيلاً لفقرهم، بينما يمشون على أرض من الذهب، وتتدفق أموالهم إلى خزائن الغرب والشرق.

إن هذا الحرمان بحاجة إلى الفضح، حتى يسبب ذلك تحرك الأمة لأجل الإنقاذ، ومن الطبيعي أن حكام هذه البلاد يمارسون سياسة التجهيل للأمة، حتى ترضى بما تحصل من كسرة خبز للعيش، فإذا وعت الأمة إمكانياتها الكبيرة جداً، لا بد وأن تتحرك لأجل إنقاذ حقها، وهي خطوة في طريق تشكيل حكومة ألف مليون مسلم التي توفر للأمة الرفاه والتقدم والرخاء بإذن الله تعالى.

وهذا الفضح أيضاً بحاجة إلى عشرات الملايين من الكتب في مختلف المستويات واللغات.

3- وأخيراً يأتي فضح الدور الذي قام به المستعمرون وعملائهم، لتجزئة البلاد الإسلامية، جغرافياً، وفضح السدود والحواجز التي خلقوها بين أنفس المسلمين، حتى صار مسلم كل قطر ينظر إلى مسلم القطر الآخر بنظر أنه أجنبي، بما تبع هذين العملين (تجزئة البلاد والحواجز) من تضعيف المسلمين وتشتيتهم والسيطرة عليهم.

فاللازم فضح الاستعمار وقوانينه أولاً، وفضح التجزئة والحواجز النفسية ثانياً.

فهل من الأخوة الإسلامية، أن يرى العربي أخاه العجمي، والتركي أخاه الهندي، والأندونيسي أخاه الفلبيني، وهكذا.. أجنبياً؟.

أو هل من الأخوة الإسلامية أن يرفع الأخ في وجه أخيه الحواجز ويصطنع أمامه المشكلات إذا أراد السفر إلى قطر إسلامي؟

وهكذا في سائر الشؤون المنافية للأمة الواحدة.

هل في الإسلام سجون؟

روى الفقهاء في باب الإيلاء من كتاب الطلاق عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: المؤلي إذا أبى أن يطلق كان أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام يجعل له حظيرة من قصب ويحبسه فيها(13)، فانظروا إلى السجن في الإسلام فإنه عبارة عن غرفة صغيرة من القصب ولعلها كانت في بعض ساحات البلد ثم يجعل هذا الإنسان العاصي الذي لا يطلق سراح زوجته ولا يعاشرها بمعروف ويعاملها بخلاف ما قال سبحانه: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)(14) في مثل هذا السجن جزاءاً لتجرئه على الله سبحانه، ومخالفته لنداء العقل والفطرة الإنسانية بالنسبة إلى الزوجة كي لا تكون كالمعلقة متحيرة في أمرها، لا هي ذات بعل ولا هي مطلقة.

محاربة القوانين المبتدعة

ونعود فنقول أن من أهم ما يجب على ممارسي التغيير هو محاربة هذه القوانين المنحرفة المطبقة في بلاد الإسلام مما أهداها المستعمرون إلى بلادنا، أو أننا اخترعناها تبعاً للمستعمرين من غير استثناء للدولة التي تطبقها، سواء انتحلت اسم العلمانية أو الدينية كما أن عليهم الاجتهاد والسعي لخرق ما يستطاع من هذه القوانين المخترعة المناهضة لحريات المسلمين والمضادة لأحكام الإسلام، والانفلات منها بشتى الوسائل الممكنة، وبكل الحيل المتصورة.

فمثلاً على المسلمين أن يسافروا بغير جواز وتأشيرة دخول أو خروج، وأن يقطنوا أي بلد شاؤوا من بلاد الإسلام، بلا إقامة وموافقة من داخلية أو خارجية، وأن يستوردوا كل ما راق لهم من ضروريات ما يحتاجه الناس بلا أخذ موافقة أو دفع ضرائب وجمارك، وأن يؤسسوا كل ما يحتاج إليه البلد من معامل ومصانع ومؤسسات اجتماعية وثقافية وصناعية وصحية بلا دافع ولا مانع، وأن يشتغلوا بما يحبون ويبنوا كيفما يشتهون بلا مراجعة لوزارة الأشغال والإسكان أو البلدية، وإلى غير ذلك، فلا يعبأوا بمثل هذه القوانين الظالمة التي لم ينزل الله بها من سلطان، والتي تكبل أيدي الشعب وتقيده، وتحبسه عن الإنطلاق والتقدم وعن مسايرة الركب الحضاري العالمي، فإن الإلتزام بهذه القوانين من أظهر مصاديق الإعانة على الإثم حيث أن المستعمرين وعملائهم اهتموا لشل حياة المسلمين في كل جوانبها، وفكروا في تقييدهم، وتكبيل أيديهم وأثقال كواهلهم - عبر قوانين مصطنعة - كي لا يطيقوا النهوض والتقدم وقد حقق الغرب والشرق كل ما أرادوه.

ولذا تجد ألفاً وخمسمائة مليون مسلم لا حول لهم ولا طول ولا يقدرون على التحرك والإنطلاق ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا وفق ما يريده المستعمرون، ومن الواضح أنه إذا كان عدو الإنسان مطلق الأيدي والأرجل وله كافة حرياته، وقد تسلح بأفتك الأسلحة، والإنسان مكبل الأيدي والأرجل، مسلوب عن كل اختياراته أعزل من كل سلاح وعتاد، فإن العدو يفعل به ما يشاء من دون أن يقدر الإنسان على أن يدفع عن نفسه ضراً أو يكسب لها خيراً ولو أن الإنسان أراد أن يحصى هذه الأغلال والقيود السائدة في البلاد الإسلامية، ويكتب فهرستاً يجمع فيه جزئياتــها لشكلت مئات المجلدات الضخمة، والمصنفات الكبيرة.

نعم كلياتها واضحة مثل كبت التجارة والزراعة والصناعة والثقافة والسفر والإقامة والعمارة وإبداء الرأي والطبع والنشر وحيازة المباحات وفتح المؤسسات الخيرية وغير ذلك من كليات الحريات المكبوتة وأنا أذكر هنا ما شاهدته في ظرف أسبوع في إحدى البلاد التي تسمي حكومتها نفسها إسلامية ممن راجعني شارحاً شكواه بمجرد بث الشكوى أو لأن يأخذ مني العون الفكري أو يلتمس الدعاء لحل مشكلته وإليك قائمتها نقلاً بالمباشرة أو مع واسطة:

1 - خطيب بارع، وعبقري لامع، وعالم ناطق هتف القرآن بتقديره وتكريمه حيث يقول: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات..)(15) وفتحت له الدول الراقية والشعوب المتقدمة حساباً خاصاً من الإجلال والإكرام، والتسهيلات الخاصة، تقديراً للعلم والثقافة، وتكريماً للعلماء ورجال الدين، لكنه بقي محصوراً في البلد ممنوعاً من السفر لمشكلة جوازه حيث أن الدولة لا تسمح له بالسفر حتى ينتهي أمر جوازه انتهاءاً قانونياً رغم أنه كان قد تابع معاملة جوازه مدة ثلاث سنوات فلم يتمكن من حل مشكلته خلال هذه المدة مع العلم أنه راجع عشرات المرات الدوائر المربوطة ووسط الأصدقاء والشخصيات النافذة لأجل الإجازة.

2 - من أو قفت الدولة بناءه وصدته عن العمران لأنه لم يأخذ جواز البناء من الدولة.

3 - من سجنته الدولة لأنه لم يتمكن من أداء دينه حيث كان ذا عسرة مع العلم أن الله سبحانه وتعالى يقول: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)(16).

4 - من عذبت الدولة ولده في السجن بمختلف أنواع التعذيب حتى أنه حين خرج كان مبتلى بالأمراض العصبية مما سبب له الرعشة الدائمة.

5 - من ألقت الدولة، القبض على كريمته، وأودعتها السجن، وأذاقتها ألوان التعذيب الجسمي والروحي، واعتدت على كرامتها، وطهارتها، حتى أطلق سراحها وأخرجت من السجن، وهي مصابة بالجنون فكانت تصيح ليل نهار (جاءوا جاءوا) ثم تشهق فتقع مغشياً عليها.

6 - من أحاط بولده جلاوزة الدولة وضربوه ضرباً مبرحاً بعد أن شدوا يديه وعصبوا عينيه، حتى أدموا جسمه وكسروا أسنانه.

7 - من أغلقت الدولة معمله لأنها تطلب منه ضريبة كبيرة وهو غير قادر على دفعها.

8 - من أبطلت الدولة زواجه لأنه تزوج بفتاة من غير إقليمه، لأن الدولة تحرم الزواج بين جنسيتين بينما قال الإسلام: المؤمن كفو المؤمن.

9 - من قطعت الدولةُ الكهرباءَ عن داره لأنه تأخر في دفع الأجور.

10 - من هدمت الأمطار سقف بيته وهو بحاجة إلى قضبان من الحديد لبنائه وترميمه، والدولة لا تعطيه حيث الإشتراكية الجديدة المغلفة باسم الإسلام أوجبت احتكار الدولة لكل البضائع ومنها الحديد، وقد قال الإسلام: (الناس مسلطون على أموالهم)(17).

11 - من يريد إدخال ولده المدرسة، لكن حيث أنه من جنسية أخرى لا تسمح الدولة له بذلك.

12 - من سجنته الدولة لأنه قال على المنبر كذا، مما كان نقداً بناءاً بنظره لكن الدولة الدكتاتورية كانت ترى ذلك خلاف قوانينها التي لم ينزل الله بها من سلطان، بينما أمر الإسلام بالنصيحة للولاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمرهم بالاستماع والقبول.

13 - من منعت الدولة شراءه الدار والعقار، لأنه من جنسية غير جنسية الدولة بينما أباحته لذوي جنسيتها وأن لم يكونوا مسلمين.

14 - من أوقفت الرقابة تأليفه المطبوع بعد أن صرف على التأليف مبالغ طائلة لكن الدولة رأت أن بعض صفحات المطبوع منافية لما تراه من موازين الاستبداد.

15 - من عطلت الدولة معمله وكبدته غرامة ثقيلة لأنه باع بسعر غير السعر الذي عيّنته الدولة، وإن كان هذا التسعير مما ينافي سلطة الناس على أموالهم التي قررها الإسلام لهم.

16 - من لم تسمح الدولة بتأشيرة دخول لزوجته التي بقيت لجور الحاكمين في بلد آخر غير البلاد الذي هو فيه وقد مر على هذا الأمر خمس سنوات وكلما وسط وتضرع واشتكى لم تسمع الدولة شكواه لأن القانون فوق الشكوى.

17 - من جمّدت الدولة رصيده في البنك لأنه لم يعتن بالقانون الفلاني.

18 - من صادرت الدولة داره لأنه من أنصار العهد المباد بمجرد الإتهام وبغير محاكمة.

19 - من أوجعوه ضرباً وأشبعوه شتماً لأنه ذكر اسم المرجع الفلاني على المنبر، وذكر اسم المراجع على المنابر في منطقهم ممنوع، بينما عيّن الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف المراجع كلهم بصورة عامة حيث قال: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله)(18).

20 - من صادرت الدولة ممتلكاته وأراضيه لأن الرجل إقطاعي في منطق الدولة فيجب أن توزع أرضه على الفلاحين رغم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (عادي الأرض لله ولرسوله ثم أنها لكم مني أيها المسلمون)(19) وقد عمل بذلك المسلمون طيلة أربعة عشر قرناً وجرت عليه سيرتهم.

21 - من ضربته الدولة كذا سوطاً، لأنه لم يعلق صورة رئيس الدولة في محله ومتجره، وإنه لما اعترض عليه في ذلك وسئل عن السبب كان قد أجاب بعدم اعتقاده به، هذا والإسلام قد منح للناس حرية الرأي والاعتقاد، ومنع عن التعرض لهم في ذلك.

22 - من مارست الدولة في حق ولده المسجون أشد أنواع التعذيب وأرجعوه إلى أبيه فاقد الشعور والعقل، وكلما حاول الأب معالجته، لم يعرف الأطباء سبب اختلال عقله كي يتمكنوا من علاجه وبعد الفحص عن السبب بالوسائط تبين أن المعذبين وضعوا رأس الولد في كيس ممتلئ بمختلف أنواع (سام أبرص)(20) وتركوها تعبث برأسه ووجهه، مما سبب له الدهشة الغريبة والذعر البالغ، والخوف الكثير بحيث أفقدته شعوره وعقله. هذا والإسلام قد كرّم الإنسان وعظم قدره، وحرّم غيبته وأذاه فكيف بضربه وتعذيبه؟

تصوروا اثنتين وعشرين قصة في أسبوع واحد قيلت لنا من أصحابها أو من وسائطهم القريبة منهم، هل هناك أكثر من هذا التقييد للناس والتكبيل للأيدي والكبت للحريات؟.

حرية الحج والحدود المصطنعة

وإليك مثالاً آخر، عرضاً لنموذج واحد من نماذج الحرية الإسلامية التي كان الناس يتمتعون بها حول سفرهم إلى الحج وكيف أصبح اليوم مطوّقاً بشروط تدل على التقييد والكبت فقد كان الناس قبل خمسين سنة يذهبون إلى الحج عن طريق النجف الأشرف ولم يكن للذهاب إلى الحج أي رادع أو أي مانع وكيف يكون المسلم رادعاً أو مانعاً عن الحج. وقد قال سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم في التنديد للكفار: (ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواءاً العاكف فيه والباد)(21).

وفي آية أخرى: (ولا آمين البيت الحرام)(22).

وفي الأدعية التي تتلى في شهر رمضان: (وارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام)(23) ولهذا كان الإنسان إذا أراد الحج في تلك الأيام ركب السيارة - أيام وجدت السيارات، وقبل ذلك ركب بعيره - وذهب إلى الحج بدون تأشيرة دخول أو خروج، وجواز أو جنسية، ورسوم أو جمارك، أو ما أشبه ذلك وكانت أجرة السفر إلى الحج في تلك الأيام - أي قبل نصف قرن تقريباً - زهيداً جداً لا تتجاوز التسعة دنانير بالدينار العراقي فكان الزائرون يحملون الأخبئة على السيارات ويأخذون معهم شيئاً من الطعام وشيئاً من الماء ويسافرون إلى الحج فإذا حان وقت الصلاة نزلوا في مكان مناسب حسب نظرهم، ونصبوا الأخبية، واستراحوا في ظلالها، ثم تهيئوا لصلاة الجماعة، وبعد الصلاة تناولوا ما أعدوه لأنفسهم من الطعام، ثم ارتحلوا وواصلوا سيرهم، حتى يحين وقت صلاة أخرى فينزلون وهكذا يفعلون حتى يؤدوا مناسك حجهم ويقضوا ما أوجب الله عليهم، ثم يرجعون إلى أوطانهم بلا رادع ولا مانع.

لكن أمر الحج اليوم، أصبح مشكلاً للغاية وذلك لما طوقوه بألف تعويق وتعويق وألف مشكلة ومشكلة وألف محذور ومحذور وألف قيد وشرط. 

الحج المؤجّل:

إن رجلاً كبيراً طاعناً في السن اشتكى لي وقال: إني أريد الحج وأنا طاعن في السن فراجعت الدولة لذلك، فأخبروني بأن الترتيب الذي سيتم وفقه ترخيص الزائرين والسماح لهم بالحج، لا يوافيك إلا بعد خمسة أعوام، فعليك الآن بصب المبلغ في حساب الدولة وخزانتها، والصبر والتربص إلى خمس سنوات حتى يسمح لك بتأشيرة الحج.

قال هذا وأضاف: وأنا مع كبر سني لا أعلم هل أبقى حياً هذه المدة الطويلة وأوفق للحج أم أكون في زمرة الأموات فأبقى مديوناً محروماً عن الحج؟. 

منافع الحج المهدورة:

قال سبحانه وتعالى بالنسبة إلى الحج: (ليشهدوا منافع لهم)(24).

لكن لنرى هل هذه المنافع بقيت محفوظة، أم أصبحت كأخواتها من الأحكام مهدورة، فمن ناحية نرى أن عملاء الغرب والشرق قد هدموا البقاع المطهرة في البقيع وغيرها من الأماكن المقدسة حتى صارت تلك البلاد مجالاً لزرع الخلاف والنفاق بين المسلمين فعوض أن يشهدوا منافع لهم كما قال الله تعالى في كتابه الحكيم: يشهدون بؤرة الخلاف والتفرق ويرجع كل حاج إلى بلده وهو ممتلئ غيظاً وغضباً مما سبب ابتعاد المسلمين بعضهم عن بعض وقد ابتكر الغربيون بدعة جديدة، نفذوها عن طريق عملائهم في تلك البلاد في السنوات الأخيرة، منعت من اتصال الزائرين بعضهم ببعض والتعرف على الآخرين، ومشاطرتهم مشاكلهم ومآسيهم، والتوصل إلى حلها ورفعها، فإني أتذكر في السنة التي تشرفنا فيها إلى حج بيت الله الحرام وكنا بصحبة سماحة الوالد قدس الله سره وذلك قبل ما يقارب من ثلاثين سنة كان الزائرون جميعاً وحدة واحدة فالعربي والعجمي والآسيوي والأفريقي ومختلف المذاهب والفرق. كان يجمعهم رغم اختلافهم المواقف الشريفة وكذلك المسكن والمأكل والمشرب كما هم عليه اليوم في الصلاة والمسعى وغيرها وكان والدي رحمه الله يصلي بالناس جماعة في المدينة المنورة في بستان مرجان أو في عرفات أو مــنى أو مكة المكرمة، وكان يحضر صلاته المسلمون بمختلف الأشكال والألوان والجنسيات واللغات ويتعارف بعضهم مع بعض قبل الصلاة وبعدها ويعرف كل طائفة منهم مشاكل الطائفة الأخرى ويتعرف على سائر المسلمين وعلى مذاهبهم وفرقهم ويحنوا بعضهم على بعض ويتعاطفون فيما بينهم ويتناقشون مختلف القضايا أما في هذه السنوات الأخيرة فقد بعثر المستعمرون وعملائهم هذا التجمع أيضاً فلكل بلد مكانه الخاص في المدينة المنورة وفي مكة المكرمة وفي عرفات ومنى بل أضاف المستعمرون وعملائهم على حجاج إيران وغير إيران عادة الحملات التشويهية الكاذبة لتفريق أهالي البلد الواحد بعضهم عن بعض وتمزيق وحدتهم فأصبح الزائرون بدل أن يشهدوا منافع لهم يشهدون مضار لهم من السباب والتهم والتفرق والتمزق وهكذا سببت القوانين الكابتة المتداولة في هذه البلاد تفرقاً وتشتتاً، وابتعاداً وتباغضاً.

العلماء يحرّمون الجنسية:

ولا ينسى التاريخ كيف حمّل البهلوي الأول الجنسية والجواز على الإيرانيين بالسيف والسوط والسجن والتعذيب ومصادرة الأموال وهدر الدماء بينما كان الإيرانيون بصفتهم الإسلامية وصبغتهم الدينية يريدون الحرية الإسلامية الصحيحة ويطالبون بها ولهذا أخذ العلماء يقاومون البهلوي في هذا الشأن حتى أن أحد علماء تبريز صعد المنبر وأعلن بكل صراحة أنه لا يجوز أخذ الجواز والهوية وما أشبه وأن الإنسان إذا دار أمره بين ترك الحج لأجل عدم المجوّز القانوني وبين الحج بهذه الأشياء التي صنعها المستعمرون كان عليه أن لا يذهب إلى الحج وتسقط عنه الفريضة لأن الحفاظ على الحريات الإسلامية التي من أجلها بعث الله سبحانه نبي الإسلام لينقذ الناس من العبودية وقيودها، حيث يقول: (يضع عنهم إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم..)(25) أهم من فريضة الحج ومناسكه.

كما أن أحد كبار علماء شيراز صعد المنبر في مسجد الوكيل بشيراز (وهو مسجد ضخم) وكان غاصاً بأهله فأعلن فيهم أن من لم يأخذ الجواز فليقم على قدميه، فقام جمع قليل وكان الجالسون هم الأكثرية، مما يدل على أن الذين أخذوا الجواز يشكلون أكثرية الناس، وهنا صرخ العالم قائلاً: أيها الناس اقرأوا الفاتحة على الإسلام والمسلمين في إيران فإن المستعمرين أرادوا بسبب الجواز والجنسية أن يقيدوكم ويسلبوكم حرية الإسلام، ويجعلوكم عبيداً مأسورين، لا تملكون لأنفسكم نفعاً ولا ضراً وكان كما قال ذلك العالم حيث سبب البهلويان تحطيم إيران زراعياً وصناعياً وتجارياً وغير ذلك مما جعل الناس محتاجين في كل شيء إلى الاستعمار، والاحتياج ينتج العبودية كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (احتج إلى من شئت تكن أسيره)(26).

بداية النفوذ الاستعماري:

كما لا ينسى التاريخ حوادث النصف الثاني من القرن الأخير أي قبل زهاء خمس وأربعين سنة، أبان نفوذ الإستعمار وسيطرته على البلاد الإسلامية حيث كنا في العراق وكان عملاء الحكومة يرتادون المدارس الدينية والمجالس ويصرون على الناس بأخذ الجنسية العراقية في قبال شيء زهيد هو ربع دينار أو أقل من ذلك فكان العلماء والخطباء ينددون بقانون الجنسية والجواز ويحرضون الناس على مخالفته وعدم تعقيب معاملاته، ويشيرون إلى أن ذلك إنما هو بداية الإستعمار وتقييد الناس وكبت حرياتهم.

وقد نقل لي أحد علماء كربلاء الكبار (رحمة الله) قائلاً: قبل ثمانين سنة تقريباً كان الزوار يأتون إلى مدينة كربلاء المقدسة زرافات زرافات، وجماعات جماعات بحيث يغطون كربلاء المقدسة وما يتجاوز من ثلاثة فراسخ طولاً وعرضاً، فكانوا ينامون في الليالي من القنطرة البيضاء في طريق بغداد إلى الخان الهندي في طريق النجف الأشرف على الأرض وهكذا بالنسبة إلى عرض البلد وإن الغربيين لما سيطروا على البلاد الإسلامية منعوا كل ذلك حتى عادت الزيارات لا تحتوي الآن حتى على عُشر أولئك الزوار مع وضوح أن الزيارة في تلك الأيام كانت بالمشي أو بالدواب وفي الحال الحاضر بالوسائل الحديثة، الميسورة لجميع الناس وكل المشتاقين في عرض البلاد الإسلامية وطولها، بحيث لو كانت الزيارة حرة لازدلفت إلى كربلاء المقدسة في كل مناسبة من مناسبات الزيارة جمهرة كبيرة من الناس تعدّ بالملايين.

وهكذا يكون بالنسبة إلى الحج وزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله) وسائر الأئمة الأطهار (عليهم السلام).

الاستعمار والتجمعات الجماهيرية:

هذا وقد نقل لي أحد الثقاة قائلاً: في أوائل احتلال البريطانيين للعراق قال الحاكم البريطاني في بغداد (واسمه: كوكس) لممثله في كربلاء أحص نفوس الزائرين واكتب لي عددهم.

فقال ممثله: هذا ما لا يمكن ولما علم الحاكم صدق الممثل، وأن كثرة الزائرين بدرجة لا يمكن إحصاؤهم وعدهم.

قال: لا بد وأن نعمل عملاً نقيد كل هؤلاء بالقيود ونضع أمامهم العراقيل حتى نتمكن من الوقوف أمامهم وصدهم عن مثل هذا التجمع الجماهيري الكبير، الذي في وسعه القيام بكل مهمة وتنفيذ أي أمر عصيب حتى ولو كان رفض السلطة والإحتلال، وبعد تطبيق قانون الجنسية والحدود الجغرافية وما إلى ذلك تمكنوا مما أرادوا، وعلى أي حال فهذه القوانين هي التي مزقت المسلمين شر ممزق وأنزلتهم دار الهوان، فكل من يتعلل في رفضها ويسعى في تطبيقها على المسلمين، تحت أي عنوان وبأي اسم كان فهو مدسوس في صفوف المسلمين وإن تزيا بزي المصلحين وهتف بالموت للإستعمار وعملائه الخائنين، ونادى بسبّ الدخلاء والمدسوسين.

وما علينا بعد أن علمنا أن هذه القوانين هي مفتاح الشر والويلات في بلاد الإسلام، إلا أن نحاربها حرباً شعواء بكل إمكاناتنا، ونرفضها رفضاً تاماً في كل شؤوننا، لأن قبولها والعمل بها من أشد المحرمات، إذ هي التي أذهبت بدين المسلمين ودنياهم وجعلتهم عبيداً أذلاء بعد ما كانوا سادة أعزاء، وقد ذكرنا في كتاب (المرض والعلاج) أن مرض المسلمين هي القوانين المصطنعة وعلاجهم هو التخلص منها وليس القصد قوانين الحدود والجنسيات والهويات وما أشبه فقط بل كل القوانين الكابتة ونحوها سواء كانت كبتاً للزراعة أو التجارة أو الصناعة أو السفر أو الإقامة أو العمارة أو الثقافة أو القوانين التي أوجبت تمزيق وحدة المسلمين أو أحدثت الحدود بينهم أو زرعت الفرقة والعداء فيما بينهم كي لا يكونوا أخوة كما أمر القرآن الحكيم أو غير ذلك.

الحكام وخرق القانون

إن الغرض من قوانين الحكم الموضوعة في بلاد الإسلام (في قبال قوانين الإسلام المستنبطة من الكتاب والسنة) هو الحيلولة دون زوال الحكام أو زوال امتيازاتهم أو امتيازات ذويهم، وبعد ذلك فكل الشرائع والأعراف في منطق هؤلاء الحكام إلى الجحيم، وقد قال لي الحاكم الأعلى في دولة عربية ما نصه: (أني لا أتقيد بقوانين مجلس الأمة) وكان كما ذكر ولهذا ابتليت تلك البلاد بهزات عنيفة. وقال حاكم آخر سمعته عبر وسائل الإعلام يقول: (القانون لا يقيدني) فلماذا تضعون القوانين أيها الحكام؟ وهذا لسان حالهم جميعاً بلا استثناء ويدل على ذلك سلوكهم اليومي وتأخر البلاد أكثر فأكثر.

 

1 ـ سورة التوبة: الآية 105.

2 ـ انظر نهج البلاغة: قصار الحكم 526.

3 ـ الغارات: ص79.

4 ـ سورة الشورى: الآية 16.

5 ـ سورة السجدة: الآيتان 28-29.

6 ـ سورة الأعراف: الآية 85.

7 ـ انظر وسائل الشيعة: ج18، ص7، الباب3.

8 ـ بحار الأنوار: ج40، ص235. وكنز العرفان: ج1، ص166.

9 ـ هذا مضمون حديث استبصار المخالف (منه دام ظله).

10 ـ الخصال: باب التسعة ح9.

11 ـ مستدرك الوسائل: ج3، ص219، الباب21 ح4.

12 ـ بحار الأنوار: ج،69 ص30.

13 ـ مستدرك الوسائل: ج15، ص407, الباب11 من كتاب الايلاء ح1 و3.

14 ـ سورة البقرة: الآية 229.

15 ـ سورة المجادلة: الآية 11.

16 ـ سورة البقرة: الآية 280.

17 ـ بحار الأنوار: ج2 ص373 ح7.

18 ـ وسائل الشيعة: ج18 الباب 11 ح9 ص101.8

19 ـ مستدرك ج3 كتاب إحياء الموات ص149.

20 ـ هو الوزغ، انظر حياة الحيوان.

21 ـ سورة الحج: الآية 25.

22 ـ سورة المائدة: الآية 2.

23 ـ مفاتيح الجنان المعرّب ص179.

24 ـ سورة الحج: الآية 28.

25 ـ سورة الأعراف: الآية 157.

26 ـ غرر الحكم ص113 الرقم 2407.