الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

القانون الإسلامي وحقوق الإنسان

لو قارنّا بين الممارسات القمعية، والجاهلية الجديدة إلى سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) من الشفقة والرحمة حتى بالنسبة إلى أعدائه لوجدنا بعد المسلمين عن سيرته في الحكم والتي نقتطف منها:

1 - بالنسبة إلى الذين أرادوا قتله في العقبة حيث عفا عنهم.

2 - وبالنسبة إلى المرأة اليهودية التي سقته السم مما انجر إلى استشهاده (صلى الله عليه وآله) في آخر الأمر حيث عفا عنها(1).

3 - وبالنسبة إلى الأطفال الذين كانوا يأتون بهم إليه (صلى الله عليه وآله) ليدعو لهم أو يؤذن في آذانهم فإذا بالوا في حجره وأراد ذووهم تأديبهم كان (صلى الله عليه وآله) يقول: لا تزرموه فإني أغسل ثوبي ويذهب أثر ذلك عنه.

4 - وبالنسبة إلى الطفل الذي بكى في صلاة جماعته فخفف صلاته وقال لمن اعترض عليه (لماذا خففت صلاتك يا رسول الله؟) ألا سمعتم صراخ الطفل(2).

5 - وبالنسبة إلى (سوادة) حيث أراد الاقتصاص من الرسول (صلى الله عليه وآله) لأنه زعم إن عصى الرسول المسماة (بالممشوق) لاحت بطنه فأحضر الرسول (صلى الله عليه وآله) العصى وهو على المنبر في المسجد أمام الملأ من أصحابه وهو إذ ذاك مريض ورفع ثوبه عن بطنه وأمر سوادة أن يقتص منه(3).

6 - وبالنسبة إلى الذين اتهموا زوجته بالفاحشة ووردت بذلك آيات من القرآن الحكيم تعلن براءتها(4).

7 - وبالنسبة إلى صفية حيث رآها محمرة العين من البكاء بعد فتح خيبر وقالت أن بلال مر بها على مصارع قتلاها من اليهود فقال الرسول (صلى الله عليه وآله) معترضاً على بلال: هل نزع الله الرحمة من قلبك يا بلال(5)؟.

8 - وبالنسبة إلى العبدين المشركين اللذين كان المسلمون يضربونهما ليأخذوا اعترافهما بالنسبة إلى جهة حربية فزجرهم الرسول (صلى الله عليه وآله) ونهاهم عن ضربهما.

9 - وبالنسبة إلى أنه (صلى الله عليه وآله) لم يتمكن من النوم في الليل بعد انتهاء حرب بدر لأنه سمع أنين بعض الأسرى الذين شد بعض المسلمين الحبل على أيديهم.

10 - وبالنسبة إلى حاطب حيث تجسس ضد المسلمين لكفار مكة بما لو حقق تجسسه أثره لسبب مقتلة عظيمة وبطل محتوى ما أراده الرسول (صلى الله عليه وآله) من فتح مـــكة سلمياً، إلـــى غيرها من القصص الـــكثيرة التي تزخر بها سيرته العطرة(6).

لا تعذيب ولا اغتيال

أما حكاية تعذيبه (صلى الله عليه وآله) بعضاً واغتياله بعضاً فلا أدل على كذب القصتين من أنهما ترتبطان باليهود الذين خلقوا هذين الإفكين ليحطوا من كرامة الرسول (صلى الله عليه وآله) كما هي عادتهم من قديم الزمان وإلى اليوم كما أن حديث أمره (صلى الله عليه وآله) بقتل جماعة كبيرة من يهود بني النضير أيضاً هي من اختلاق اليهود ويؤيد ذلك بالإضافة إلى عدم صحة السند حتى في رواية واحدة من تلك الروايات كما يظهر لمن راجعها وهل يمكن الحكم برواية غير نقية السند وقال (سبحانه): (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)(7) فبالإضافة إلى بداهة القول بأن الرواية غير صحيحة السند لا تقبل، وبالإضافة إلى أن أمثال ذلك خلاف سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) من بدء بعثته إلى يوم استشهاده طيلة ثلاث وعشرين سنة، اختلاف روايات قتلى بني النضير اختلافاً كبيراً مما يوجب العلم باختلافها لمن راجعها ولذا لا تجد مثل هذا الاختلاف في سائر حروبه ومغازيه وسائر سيرته مع المؤمنين والمنافقين والكفار نعم إن اليهود يفترون الكذب ثم يرمون به البريء وقد قال سبحانه (ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيماً، ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً)(8).

الافتراء على الرسول (ص)

وكان اليهود كثيراً ما يفترون الكذب والإثم ليجلبوا به النفع لأنفسهم مثل قصة تزويرهم ورقة عن لسان الرسول (صلى الله عليه وآله) بأنه رفع عنهم الجزية وعرضوا تلك الورقة على بعض الخلفاء ولما بحث الخليفة عن الحقيقة ظهر أن الورقة من اختلاقهم بدليل أن الشاهدين اللذين كتبا شهادتهما في تلك الورقة كان أحدهما ميتاً قبل تاريخ كتابة تلك الورقة المزعومة، وثانيهما لم يسلم عند تاريخ تلك الورقة. نعم إنهم يحرّفون الكلم عن مواضعه وكانوا يقتلون الأنبياء حتى أن نبيهم موسى (عليه السلام) لم يسلم من أذاهم حيث قال لهم: (يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم)(9) وهذا فصل طويل أردنا الإلماع إلى جانب منه وإنما تفصيله يحتاج إلى مجلد مستقل والله المستعان.

شبهات وأوهام

وفي الخاتمة لا بأس بالإشارة إلى أن كثيراً ما يستشكل على الإسلام مقارناً بالقانون السائد في الغرب بأمور فمثلاً يقولون:

لا يمكن للإسلام النهوض أمام الغرب بحيث يستهوي الأفئدة ويستقطب الناس، بعد التفافهم حول الأسلوب الغربي في الحياة واقتناعهم به، وشحن أذهان كثير من المثقفين من المسلمين بذلك، ولذا لا يريدون حياة إسلامية جديدة بل يرفضونها، بالإضافة إلى أنهم يخشون من أن إعادة الإسلام إلى الحياة تعيد مآسي الأمويين والعباسيين والعثمانيين ومن إليهم، فقوة الغرب من الخارج وضعف إرادة كثير من المسلمين في إعادة الحياة الإسلامية من الداخل أوجبا عدم نهوض المسلمين، ونحن في هذا الفصل نلمع إلى الجواب عن هذه الأمور والتفصيل يطلب من مظانه: من الكتب المفصلات، المتعرضة للإجابة عن الشبهات التي أثارها البعض، أو اختلجت في أذهان بعض حول الإسلام علمياً أو عقيدياً أو تطبيقياً.

حول القانون

الأمر الأول: إن القانون في الغرب بيد الناس وهم يسيرونه إلى حيث يرون مصالحهم وهذا أقرب إلى طبيعة البشر من كون القانون بيد غيره يقننه كيف يشاء ثم يجبره على تطبيق هذا القانون الذي لم يضعه هو بنفسه بل كثيراً ما يرى الإنسان ذلك القانون مخالفاً لمصالحه، فالفارق بينهما هو الفارق بين من يقود السيارة وبين من يركب السيارة حيث يذهب به السائق إلى حيث يريد وإن كان الراكب لا يعلم المصير والمسير أو يرى أن السائق يخالف في سيره مقصد الراكب وإرادته.

هذا بالإضافة إلى أن القانون إذا كان بيد الناس يطبقونه حسب مقتضيات كل زمان ومكان أما إذا كان القانون خارجاً عن إرادتهم فهو يطابق زماناً دون زمان ومكاناً دون مكان والإنسان مجبور في مسايرته وتطبيقه على نفسه بما يخالف زمانه ومكانه. والجواب:

قانون المعاملات

إن قوانين الحياة أما معاملات أو عبادات: أما قوانين المعاملات في الإسلام، فكلها عرفية دارجة بين العقلاء من الناس، ولذا قال الفقهاء: (إن الأحكام الشرعية في باب المعاملات إمضائيات) ولا فرق بين قانون الغرب أو قانون الإسلام من هذه الجهة بل يفضل قانون الإسلام على قانون الغرب بأن تقييدات القانون الإسلامي بكثير، وبإلقاء نظرة سريعة إلى باب المعاملات في الفقه الإسلامي ومنها إلى باب المعاملات في القانون الغربي يعلم الفرق الشاسع بينهما حيث كثرة القوانين الكابتة في الثاني دون الأول الذي وضعت قوانينه حسب الحكمة والصلاح.

هذا بالإضافة إلى أن القانون الغربي في المعاملات صيغ على النحو الرأسمالي أو الشيوعي وكلاهما يحد من حريات البشر ويوجب أن لا يكون سعي الإنسان لنفسه، بينما صياغة القانون في الإسلام على نحو يجعل سعي الإنسان كله لنفسه، بدون رأسمالية توجب ذهاب الأرباح إلى كيس قلة مختارة، ولا شيوعية توجب ذهاب الأرباح إلى كيس الدولة، ومن الواضح أن العقل والمنطق وطبيعة الإنسان الفطرية تميل إلى هذا القانون أكثر من ذلك القانون.

قانون العبادات

وأما قوانين العبادات في الإسلام فكلها عقلانية يستسيغها العقل الإنساني إذ هي أمور توجب صفاء النفس وصقل الروح وتقوية الاجتماع وقد ذكرنا في بعض كتبنا الأخلاقية بأن العبادات كلها أخلاقيات.

فالصلاة: وهي من عبادات الإسلام وعبادات سائر الأديان السابقة تهذيب وترغيب إلى الفضيلة وتطهير وتهجير عن الرذيلة، تفتتح بالتكبير لله المنعم وهو فضيلة وتختتم بالسلام على البشر والملائكة وهو فضيلة، وما بينهما تذكير بنعم الخالق رب العالمين الرحمان الرحيم الذي بيده الحكم والجزاء (مالك يوم الدين) وتنزيه للرب العظيم الأعلى عن كل ما لا يليق به.

وطبيعي أن من يعلم هذا ويتوجه إليه ويكرر اللقاء به في كل يوم خمس مرات، في ممساه ومصبحه ووسط من النهار وطرفه، تصفو نفسه من القذارات وتخلص من الكدورات، وبذلك يستقيم مسلكه ويبتعد عن الرذائل والآثام ولذا ورد في القرآن الكريم: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)(10) وقد مثلها النبي (صلى الله عليه وآله) بالنهر الجاري الذي يغتسل فيه الإنسان كل يوم خمس مرات، حيث لا يبقى فيه درن ولا قذارة بل طهارة ونظافة(11)، وتعديل سلوك وعرفان حقائق، وإلى جنب ذلك كله دروس إجتماعية، وإحساس بالوحدة الإنسانية الكبرى. (إياك نعبد)(12) لا نعبد غيرك (وإياك نستعين)(13) لا نستعين بسواك فالمصلي يرى نفسه واحداً من البشر يطلب لهم الخير من الرب العظيم، ويتحسس لهم بالوحدة الإنسانية الكبرى في إجتماع يضم الشريف والوضيع والغني والفقير والعالم والجاهل في الجمعة والجماعة والسفر والحضر، وهذا التحسس نواة للتآلف والتراحم والتعاطف والتبادل وكلها فضائل بشرية وأخلاق سامية وهل الأخلاق الرفيعة إلا هذه.

والصوم: قربة وتطهير، قربة إلى الله وزلفى لديه، وتطهير من الذنوب والمعاصي، إنه خاص به، وإلا فما يمنع الشخص من الأكل والشرب في مكان ليس فيه غيره حيث لا يراه أحد ولا يعلم به أحد، وبذلك يتولد الشعور بالمسؤولية أمام المالك العظيم ثم ينمو هذا الشعور الإنساني حتى يسيطر على جهاز الجسم كله وبه يبتعد الإنسان عن الرذيلة ويقترب من الفضيلة، وفي الحديث القدسي: (الصوم لي)(14).

والصوم: جهاد مع النفس ورياضة للروح، بها تتقوى على تحمل المكاره، والصبر عند الشدائد، أليس يمتنع الإنسان عن الأكل والشرب وهو يشتهيهما ويرتدع عن الملامسة ونفسه تتوق إليها؟

إن الصائم يشعر بالجوع والعطش، فتطهر روحه وتسمو نفسه ويقترب بفكره مع الفقراء والمعدمين فيحس ألَمهم ويدرك ما يدركون، فيرق لهم ويعطف عليهم.

ثم شهر رمضان: اجتماع في الليالي للعبادة، وتفرق في النهار للمعاش، كله جد وعمل، دنيا وآخرة، تبادل حب ووداد، واجتماع فوق صعيد الطهارة، وتحليق في أجواء الروح، أليست هذه من الفضيلة؟

ويلمح إلى هذا تعقيب الآية بقوله سبحانه: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)(15) تقوى وابتعاد من الرذيلة، وتقرب ودنو إلى الفضيلة.

والحج: مؤتمر بني الإنسان من كل الأقطار والأمصار، ومن مختلف الألوان واللغات، بلا فارق بين عرب ولا عجم ولا شرق ولا غرب ولا لسان ولا لون، قال سبحانه (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس)(16) فهو كالعمود الفقري الذي يحفظ الإنسان عن التضعضع والتفكك (وهو امتناع عن الملذات، وتطهير عن الذنوب وتذكير بيوم العرض الأكبر).

هنا مثال الخير والفضيلة في (الكعبة) الكريمة، أمرنا بالطواف بها تذكيراً إلى أنا نطوف حول الفضيلة والخير، كما نطوف بأجسامنا حول بيت الله الذي هو حق وعدل وخير:

وهناك مثال الشر والرذيلة (الجمار) أمثلة الشيطان الرجيم، أمرنا برميها إشارة إلى أنا نرمي الشر ونقذف به إلى جانب، فلسنا من الشر والرذيلة في شيء وليست الرذيلة والشر منا بمكان.

والناس يجتمعون في صعيد واحد، كلهم محـــرم ومجتنب عن لوازم الجسم والبدن، وكلهم بلبس واحد وفي مكان واحد (عرفات) و (مزدلفة) و (منى) وكلهم أمام رب واحد، فهل تعقل فضيلة أحسن من هذه؟

إلى غير ذلك من خصوصيات العبادات التي ذكرناها في كتاب (الأخلاق الإسلامية) وكتاب (عبادات الإسلام) وذكرها غير واحد من العلماء في كتبهم المعروفة.

حول الحريات

الأمر الثاني: إن الغرب وفر للناس الحريات حتى حريات الجنس بخلاف الإسلام الذي وقف أمام الحريات خصوصاً حريات الجنس ومن الطبيعي أن يميل الإنسان إلى الحرية دون الكبت، فالتبليغ للإسلام في العالم الذي ذاق طعم الحريات، هو تبليغ للكبت والحرمان، ولا أحد يترك الحرية والانطلاق إلى الأسر والتقييد.

بين الحريتين

والجواب: أن حريات الحياة أما صادقة وأما كاذبة، والإسلام قد أقر الصادقة منها دون الكاذبة، بينما الغرب عكس الأمر، فأقر بالكاذبة منها دون الصادقة، فقد جعل مكان الحرية اللاحرية ومكان اللاحرية الحرية وكلاهما خلاف رغبة الإنسان وميوله.

أما جعل اللاحرية مكان الحرية فلأن الإسلام جعل كل إنسان حراً في كل شؤون الحياة - ما عدا الحريات الضارة بالفرد أو المجتمع - بينما جعل الغرب مكانها ألف قيد وقيد، كما ذكرنا في كتاب (الصياغة) وكتاب (نريدها حكومة إسلامية) وغيرهما.

وأما جعل لحرية مكان اللاحرية فلأن الحرية الوحيدة التي قررهــا الغرب هي حرية الفساد، كقضايا الجنس والفحشاء، والخمر والقمار، وإعطاء الحرية بهذه الأمور تساوي إعطاء الحرية للسرقة والقتل والهرج والمرج.

ولذا نرى أن عقلاء الغرب ينادون بلزوم إسقاط هذه الحرية ويحذّرون من مغبّة أمرها ويرون أنها لو دامت لأودت بهم وبحضارتهم عن قريب، وعلى هذا فالحريات في الإسلام هي حريات الصادقة وهي أقرب إلى طبع الناس من حريات الغرب.

حول المرأة

الأمر الثالث: جعل الغرب التساوي بين الرجل والمرأة في كل الشؤون بخلاف الإسلام الذي جعل نصف الحياة - المتمثلة بالمرأة - شللاً لعدم منحها حقها كاملة.

والجواب: إن التساوي في الحقوق بين الرجل والمرأة مع اختلافها في الخلقة مع الرجل، جعل قسماً من التساوي في صالحها، وقسماً بضررها، والإسلام قد ساواها مع الرجل فيما يكون في صالحها، ولم يساوها فيما يكون بضررها، فهو في الواقع قد أعطاها الكثير، ومنعها القليل، بينما الغرب أعطى الأقل للمرأة وأخذ منها الأكثر، فقد أخذ منها الكرامة والعزة وسلبها الكفاف والعفاف، وجعلها تتسكع على أبواب الرجال لعلها تجد الدفء والحنان، فسلبها السعادة والهناء، ومنحها بعض التوافه والهامشيات وعلى أثرها تشتت الأسر، وكثر الطلاق وتفسخت الحياة الزوجية الكريمة، وأصبحت باردة بلا روح، فالتجأت المرأة بل والرجل أيضاً إلى إشباع عواطفهم خارج إطار البيت والأسرة، والحياة الزوجية، فشاع الفساد، وكثرت العوانس والأرامل، ونساء الدعاية، والأولاد غير الشرعيين الذين عادوا على المجتمع بالشر والفساد.

إنه من غير شك أن المرأة قد نالت بعض الحريات في الغرب لكن حريتها هذه عادت عليها بالضرر فحريتها أشبه بالحرية التي تمنح للأطفال في ذهابهم إلى المدرسة وعدم ذهابهم، فإنها حرية لا شك فيها، لكن الكلام في أن أيهما أفضل إلزامهم في الذهاب إلى المدرسة أفضل لهم ولمجتمعهم، أم حريتهم والسماح لهم بعدم الذهاب إلى المدرسة خير لهم ولمجتمعهم.

وكذلك بالنسبة إلى العامل والعمل، فهل إعطاء الحرية للعامل في أن يترك العمل ليبقى متسكعاً على أبواب البيوت وتبقى عائلته جائعة، أم عدم إعطاء الحرية له في ذلك؟

ومن يرى نظام الغرب وظواهره الخلابة ينخدع به ظاناً أن حرية المرأة أيضاً من تلك الظواهر المعجبة، بينما إعطاء حرية الجنس والفوضى للمرأة من نقاط ضعف الغرب لا من نقاط قوته، ولو لم تكن للمرأة حرية الفوضى لكان وضع الغرب أحسن مما هو عليه اليوم بكثير.

إن مثل من يمدح ذلك الضعف القاتل، مثل الذي كانوا يمدحون السلاطين حتى في أخطائهم، بينما الخطأ خطأ، صدر من الكبير أو الصغير، بل الخطأ من الكبير أكبر ولذا قالوا: (زلة العالِم زلة العالَم)(17) ونرى أن (سعدى) الشاعر الحكيم يقول: (كل عيب استحسنه السلطان فهو فن).

إن الاغترار بالجانب الحسن من مجتمع ما لتحسين كل ما يأتي من ذلك المجتمع، خلاف موازين العقل والمنطق، لكن حيث لم يكن لنا بلاد يطبّق فيها الإسلام بما يستلزمه من التقدم العلمي والتقني، والثقافة والاقتصاد والنظافة والنظام، والتكافل الاجتماعي وما إلى ذلك من المحسنات، ولم يكن لنا مجال لأن نمنح المرأة حقها الطبيعي الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط، ثم نقايس بين بلدنا هذا الإسلامي وبين الغرب، ليرى العقلاء بوضوح أفضلية الإسلام من غيره - لم نتمكن من أولئك البعض الذي انبهر بمباهج الغرب المغرية، وأصبح من أنصار حرية المرأة على النحو الغربي، أن نقنعه بأن نظام الإسلام وحقوق المرأة فيه، خير من النظام الغربي وكل ما فيه، إذ الناس عادة لا يؤمنون إلا بشيء ملموس لهم، يرونه بأعينهم، ويحسونه بحواسهم، كما قال سبحانه: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه)(18) ولكن يكفيهم المقايسة بين النظامين بمراجعة التاريخ الصحيح، والمصادر الأصيلة للفريقين، ثم ترك الحكم للوجدان السليم، فإنه يقضي لا محالة للإسلام دون الغرب.

حول العقوبات

الرابع: وجود العقوبات القاسية في الإسلام وليس كذلك في الغرب.

والجواب:

أولاً: إن الإسلام وازن بين سلامة المجتمع وطهارته وبين جعل العقوبات الصارمة وقطع مادة الفساد، فرجّح الأولى لأهميتها دون الثانية، لذلك فتح مجال الحريات الصادقة أمام الجميع وتكفل شؤونهم الحيوية، وأوليات ما يحتاجون إليه، ولم يسد في وجوههم إلا ما فيه فساد الفرد والمجتمع، وهي قليلة جداً - كما أشرنا إليها - ولم يُقدِم عليها إلا من فيه الشذوذ، وعليه فالعقوبات المفروضة في الإسلام كالصفر أمام الحريات الإسلامية وهي من باب اللابديّة والأهم والمهم، بينما الغرب فرض عقوبات أكثر من عقوبات الإسلام (كَمّاً) إذا القوانين الكابتة للحريات الموضوعة في الغرب أضعاف أضعاف القوانين الإسلامية، ولذا ترى في مقابل كل مائة مجرم في الغرب مجرماً واحداً في الإسلام، كما ألمعنا إلى ذلك في كتاب الصياغة.

أما (الكيف) فالعقوبة الصارمة لا تكون في الإسلام إلا بشروط كثيرة، ما معناه أن العقوبة نادرة وبمنزلة المعدوم، وتلك العقوبة النادرة لا بد منها إذا أردنا سلامة المجتمع كما أن العقلاء كافة مطبقون على عقوبة المجرم بالسجن إذا أريد الحفاظ على سلامة المجتمع.

وإليك من باب المثال شروط قطع يد السارق حتى تعرف كم يكون القطع نادراً؟

وأنه يكاد يلحق بالمعدوم، وإذا توفرت هذه الشروط كان العقلاء يرون لزوم القطع لأنه يطهر المجتمع عن الخوف والقلق فيكون القطع من باب تقديم (الأهم) عقلاً على (المهم) الذي هو الإكتفاء بالسجن أو الغرامة أو ما أشبه، وحيث نذكر هنا شروط قطع يد السارق يعرف منها - في الجملة - شروط سائر العقوبات التي قد يقال أنها قاسية.

شروط حد السارق

أما شروط قطع يد السارق فهي على أقسام بالنسبة إلى (السارق)، وبالنسبة إلى (المسروق منه)، وبالنسبة إلى (السرقة)، وبالنسبة إلى (الحاكم)، وبالنسبة إلى (الشاهد)، وبالنسبة إلى (الجوّ)، وبالنسبة إلى (محل السرقة)، وحيث لا نريد التفصيل نلمع إلى الشروط إلماعاً فاللازم عدة أمور:

1 - أن لا يكون السارق طفلاً.

2 - ولا مجنوناً.

3 - ولا سفيهاً أعمالياً.

4 - ولا مكرهاً إكراهاً فردياً.

5 - ولا مكرهاً إكراهاً أجوائياً.

6 - ولا مضطراً.

7 - ولا سكراناً.

8 - ولا غافلاً.

9 - ولا ناسياً.

10 - ولا جاهلاً بالحكم بأن لا يعلم أنه حرام.

11 - ولا بالموضوع بأن لا يعلم أنه سرقة، بل شك في كونه سرقة أو ظن أنه ليس بسرقة.

12 - ولا يكون السارق شريكاً للمسروق منه.

13 - ولا أباً.

14 - ولا كافراً لا يرى هذا الحكم حيث يحكّم في حقه قانون الإلزام: (ألزموهم بما التزموا به)(19).

15 - ولا أن يكون قد أخذ المال من باب التقاص والمقابلة بالمثل.

16 - ولا أن تكون هناك شبهة أو إدعاء الإكراه ونحوه.

17 - ويجب أن تكون السرقة سراً لا جهراً.

18 - وأن تكون السرقة بالمباشرة لا أن تكون بالواسطة.

19 - وأن لا يكون المسروق منه مباح المال كالكافر الحربي.

20 - وأن يكون المال بمقدار النصاب المعين في الإسلام، فما فوق فإذا كان أقل من ذلك المقدار فلا يجري القطع.

21 - وأن يكون في الحرز.

22 - وأن يكون الذي يجري حد القطع هو الحاكم الشرعي.

23 - وأن يكون هناك شاهدان عادلان، أو إقراران من نفس السارق.

24 - وأن يكون الجو إسلامياً وإلا فلا يجري الحد في جو غير إسلامي على ما ألمحنا إليه فيما سبق.

25 - وأن لا يكون عام جوع ومخمصة.

26 - وأن لا تكون الأرض التي سرق فيها أرض العدو فإنه لا يجري الحد في أرض العدو.

27 - وأن لا يلتجأ السارق إلى الحرم، وإلا فلا يحد في الحرم.

28 - وأن لا يكون هناك عفو من الحاكم.

29 - وأن لا يظهر السارق لمال المسلمين، الإسلام بعد السرقة - لا فراراً وإنما اقتناعاً بالإسلام - فإن الإسلام يجبُّ عما قبله.

30 - وأن لا يتوب قبل الوصول إلى الحاكم لأنه إذا تاب فلا حد عليه.

31 - وأن لا يوجب القطع السراية أو الموت، وإلا فلا يقطع.

32 - وأن يخرج المال عن الحرز ويستصحبه معه لا ما إذا أكله مثلاً في نفس المكان.

33 - وأن لا يكون مؤتمناً كالأجير، وإلا فلا قطع.

34 - كما لا يقطع الراهن.

35 - ولا المؤجر.

36 - وأن لا يكون المقرّ له المسروق منه منكراً، كما إذا قال السارق: سرقت من زيد. وقال زيد: لم يسرق مني شيئاً.

37 - وأن لا ينكر السارق سرقته بعد الإقرار، فإن جماعة من الفقهاء ذكروا أنه لو أنكر لا يقطع.

38 و39 - وأن يكون كل واحد من السارق والمسروق منه، يرى ملكية المسروق، أما إذا سرق الكافر الخمر مثلاً من المسلم أو سرق المسلم الخمر من الكافر فلا يقطع.

40 - وأن لا تكون السرقة الثالثة أو الرابعة حيث لا قطع حينئذ.

41 - وأن يكون للسارق اليد فإذا لم تكن له يد فلا قطع.

42 - وأن لا يعفو صاحب الحق المسروق منه عن السارق قبل الوصول إلى الأمام، وإلا فلا قطع.

43 - وأن لا يسيء الحدّ سمعة الإسلام حيث يجري الحاكم قانون الأهم والمهم فيبدل القطع إلى الغرامة والسجن أو نحوهما، فهذه أكثر من أربعين شرطاً يجب توفرها جميعاً حتى يمكن إجراء الحد وقطع يد السارق، وكم تجعل هذه القيود والشروط الحد قليلاً، بل ومعدوماً، فإنه من المعروف: (الشيء كلما زاد قيوده قل وجوده).

وننقل بهذه المناسبة مقالاً عن (الاعتصام) المصرية الصادرة في ذي القعدة عام ألف وأربعمائة وسبعة:

(جلست اللصة التائبة أمام رجال المباحث تبكي وتعترف قائلة: السجن لن يشفيني من داء السرقة أرجوكم اقطعوا يدي حتى لا أسرق مرة أخرى.

وتعترف وهي في عمر لا يزيد على ثلاثين سنة، وهي زوجة لزوج كفوء وربة بيت وأم لأربعة أطفال، وزوجها من أثرياء مدينة الإسكندرية ولا يبخل عليها بشيء، مسكنها يحتوي على كل ما تصبوا إليه المرأة.

ورغم ذلك كله يقول ملفها في مباحث الإسكندرية: إنها سرقت إثنتي عشرة شقة عام ألف وتسعمائة واثنتين وثمانين ميلادية، ودخلت على أثرها السجن ثم خرجت منه بعد قضاء فترة العقوبة، لكنها عادت للسرقة مرة أخرى، وكانت تحرّيات المقدم طارق زمزم بإشراف العقيد عبد المجيد سليم قد كشفت عن اللصة وراء سرقة عدد من الشقق بأسلوب المفتاح المصطنع، وعندما تمكن النقيبان عادل كيلة وخالد النبراوي من القبض عليها جلست تعترف ببساطة، أمام العميدين محمد القمحاوي ومحمود ياسين.

وتقول: إني بعد ما خرجت من السجن أقسمت أن لا أسرق أبداً ولكن اتفق ذات مرة أن فقدت مفتاح شقتي فقمت بتجربة بعض المفاتيح ففتح أحدها الباب، ووجدت شيطاني يوسوسني: إذاً من الممكن أن تفتحي أي شقة بمفتاح غير مفتاحها الأصلي، وكانت الإجابة العملية عندما ذهبت لزيارة إحدى قريباتي، وقفت أمام باب إحدى الشقق وضغطت الجرس فلم يرد جوابي أحد، وبسرعة أخذت أجرب المفاتيح حتى فتح الباب أحدها، وشعرت بلذة غريبة وأنا أتسلل إلى الشقة وبعدها كنت أكرر التجربة حتى نجح رجال المباحث في القبض عليّ) وإلى آخر ما ذكرته المجلة.

 

1 ـ بحار الأنوار: ج68 الباب 93 ح9 ص402.

2 ـ مستدرك الوسائل: ج1 الباب 53 من أبواب صلاة الجماعة ح54.

3 ـ المناقب: ج1، ص235.

4 ـ انظر تفسير القمي: ج2، ص99. والبداية والنهاية: ج4، ص161.

5 ـ البداية والنهاية: ج4، ص198.

6 ـ البداية والنهاية: ج4، ص282.

7 ـ سورة الحجرات: الآية 6.

8 ـ سورة النساء: الآية 111-112.

9 ـ سورة الصف: الآية 5.

10 ـ سورة العنكبوت: الآية 45.

11 ـ وسائل الشيعة: ج2 الباب 2 ص6 ح3.

12 ـ سورة الفاتحة: الآية 5.

13 ـ سورة الفاتحة: الآية 5.

14 ـ الكافي: ج4، ص63 ح6.

15 ـ سورة البقرة: الآية 183.

16 ـ سورة المائدة: الآية 97.

17 ـ انظر غرر الحكم الرقم 5552 و 5554.

18 ـ سورة القيامة: الآية 5.

19 ـ وسائل الشيعة: ج7، ص598، الباب3 من أبواب ميراث المجوس، ح3.