الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

تقليل القوانين والموظفين

ومن هنا نشير إلى أنه يلزم على ممارسي التغيير أن يهتموا بتقليل القوانين وتقليل الموظفين مهما أمكن، فإن كل قانون وكل موظف يكبت من حريات الناس بقدر ما، فاللازم ملاحظة القدر الضروري منهما، والضروري منهما شيء قليل جداً. أما أن يجلس جماعة في مجلس - تحت أي شعار واسم كان - سواء باسم مجلس الأمة أو مجلس الأعيان أو مجلس الوزراء أو مجلس قيادة الثورة أو ما أشبه ذلك، ويقنّنون القوانين الكابتة فإن ذلك لا يعود إلا بالشر على الدولة والأمة معاً، فإن كثرة القوانين توجب سقوط احترام الدولة عند الناس، لأن ذلك يسبب خرق الناس للقوانين وعدم إطاعتهم لها، وإذا تعلم الناس خرق القانون لم يعودوا يفرّقون بين القوانين الواقعية والقوانين الهامشية، فإن كثرة القوانين نوع من أنواع الكبت والضغط وفي المثال المعروف: (الضغط يولد الانفجار) ولذا نرى قلة المحرمات جداً في الإسلام حتى أن المحرمات كلها لا تصل إلى ثمانمائة، فهي دون الألف بكثير بينما المحللات تصل إلى مئات الألوف وتتجاوزها.

إزالة الولاء للقوميات

على الممارسين للتغيير أن يهتموا لإزالة القوميات والإقليميات والوطنيات التي تفرق المسلمين وتبدد شملهم، ومن الواضح أن الغرب والشرق لا يخافان من هذه الأمور الصورية كالقوميات وغيرها، وإنما يخافان من الإسلام وحده، وعدم خوف الكفار من القوميات وما إليها ليس بجديد، وإنما كان من غابر التاريخ وسابق الزمان، فيهود شبه الجزيرة المتواجدون في فدك وخيبر والعوالي والبيان وغيرها وكذلك مجوس اليمن الذين كانوا أتباع إيران، والمسيحيون الذين كانوا متواجدين في شبه الجزيرة في نجران وغير نجران والتي حدثت مع بعضهم قصة المباهلة المذكورة في القرآن الحكيم وغيرهم من الملل والنحل هل كانوا يخافون من القومية أبان ظهور الإسلام أو كانوا يخافون من الإسلام؟

ولو راجعنا قضاياهم مع الإسلام ومع رسول الله (صلى الله عليه وآله) المعروفة والمذكورة في ثلة من آيات القرآن الحكيم ومتواتر التاريخ والروايات، لرأينا أنهم لو كانوا يخافون القومية ويهابونها لم تكن مثلاً بين اليهود وبين قومية مكة المتمثلة في صناديد قريش وسائر العشائر الوثنية معاهدات سياسية وعسكرية، وإنما كانوا يأمنون جانبها ويتعاونون معها ضد الإسلام ويقولون كما قصّ القرآن علينا: (هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً)(1).

إحياء القوميات محاولة استعمارية

ولننقل هنا ثلاثة نماذج من الذين رفعوا لواء القومية في البلاد الإسلامية وهم: أتاتورك في تركيا، والبهلوي الأول في إيران، وعبد الناصر في مصر، حيث كان هؤلاء الثلاثة قادة القومية العربية، والقومية الفارسية، والقومية التركية، نذكرهم هنا بالخصوص كي يقاس عليهم غيرهم من أبطال القوميات الأخرى.

أتاتورك والطورانية التركية

النموذج الأول: كانت تركيا قبل ظهور أتاتورك، وسقوط الإمبراطورية العثمانية بلدة إسلامية مستقلة، يحكمها آل عثمان، وكانوا مع تجبرهم واستبدادهم وظلمهم كما هو معروف في التاريخ وانحرافهم وزيغهم عن الإسلام القويم، يحافظون على الظواهر الإسلامية، ويدافعون عن استقلال بلاد الإسلام ويحمون ثغوره وحدوده ويحرسون وحدته وسيادته، ولم يقدموا يوماً على بيع البلاد والعباد للأجنبي الطامع، ولم يجعلوا المسلمين عبيداً للإستعمار الغاصب، بينما نرى أن أتاتورك لما جاء إلى تركيا هو وجلاوزته أفرغوا نقمتهم ونقمة أسيادهم المستعمرين على الإسلام والمسلمين وشنوا ضدهما حملاتهم القاسية وقذفوهما بالرجعية والتأخر، والخمود والركود، وما أشبه ذلك من التهم الكاذبة. وقد فتح يدي جلاوزته بالإعتقال والمصادرة والسجن والتعذيب، والسوط والسيف والنهب والسلب، والهتك والقتل لشعب تركيا المسلم، كما واعتبر التبعية العمياء للتمدن الغربي، وإشاعة فساد الغرب ومجونه في البلاد، أساساً ومحوراً للحكم في تركيا وقد أظهر كفره وعداءه للإسلام حينما وصف الإسلام بقوله بالنص: (إنه ليس إلا قوانين ونظريات شيخ عربي أمي جاهل)، وتشدق بهذا تبريراً لمحاربة أحكام الإسلام فمنع الحج إلى مكة المكرمة وحاربها بكل الوسائل، وحرّم اللغة العربية والشعائر الدينية، وألغى الأذان والشعائر الدينية، ونشر المخامر والمقامر والملاهي والمفاسد، وحرّم لبس العمامة والجبة والأزياء الإسلامية، وكشف حجاب النساء بالقهر والقوة وفعل ما فعل حتى قال الدكتور الشناوي في كتابه (نحو إسلام سياسي) بهذا الصدد: (حقق أتاتورك استقلالاً ظاهرياً ناجزاً انتهى بالإلحاق والتبعية لنفس الخصم داخل حلف الأطلنطي، ونصر نفس الحلف القبارصة اليونان على القبارصة الأتراك لأن الأتراك مسلمون).

وهكذا كان دأب الحياة وسنة الكون فإن (من أعان ظالماً سلّطه الله عليه)(2) فأتاتورك يتملق لأسياده، ويتجاسر على الإسلام ونبيه الكريم لإرضائهم، ويمنع الأذان والصلاة والحج والعمامة ليكسب ودّهم، لكن كل هذه لا تكفي في تقليل وتلطيف قهر هؤلاء الحلفاء الأسياد، بل تتعدى بعد دفنه لنصرة القبارصة اليونان رغم عدوانية وكفر أتاتورك ودولته لدرجة منع السلاح عن تركيا بعد غزوها لقبرص مع أنها هي التي تحميهم من روسيا وهذا هو موقف الحكومات العلمانية التي تدعي لنفسها التسامح والبعد عن الأديان كرهاً أو حباً.

وإضعاف هذه المواقف درامية نستطيع تسجيلها لدى الإشتراكية التي تدعي التقدمية والتحرر الفكري ولدى الشيوعية التي تهتف بحياة الطبقات الكادحة وتزعم نصرتها ولا نريد أن نقول: إن الوطنيات والقوميات والعلمانية والاشتراكية كلها تتحالف ذاتياً ضد الإسلام فهذا سنبينه في مكان لاحق.

ولا نريد أن نقول: إن الرجل الأبيض الغني وهو بنسبة التسعين من واحد من المائة مستعمر لبلاد الإسلام ومستغل لثرواتها وخيراتها وباقي النسبة إما وطني أو قومي أو علماني أو اشتراكي لا يهتم بالإسلام بل ربما عمل لإقصائه عن الحكم وإبعاده عن الحياة وكل أنصار الإسلام حالياً هم عند الرجل غير الأبيض وغير الغني ولا نريد أن نقول: إن هذا الأبيض الغني الإستعماري أو العلماني أو الضد رجعي يأكل ويستهلك ثمانين في المائة من خيرات العالم ورفاهه، والخدمات الموجودة فيه ثم يقول للرجل الفقير وبكل صراحة: حدّد مواردك ومصارفك أو انتحر، ويفرض عليه ذلك عملياً عبر قوانين وضعية مصطنعة. ومن الطريف أنه يصف هذا الموقف الظالم اللاإنساني: بأنه رؤية مستقبلية وتقدمية وأنه يمنع من الانفجار السكاني الذي يهدد العالم فقد اخترع هذا الرجل المتخم أسطورة ضخمة جداً تغطي على الكرة الأرضية حتى لتحجب عنها الشمس وهي أسطورة الانفجار السكاني التي خلت نبؤتها في أي كتاب سماوي أو حديث نبوي وكأن هذا الرجل أصبح هو الإله المسؤول عن الأرض ويخشى انفجار هذه الأرض، الواقع إن ما يخشاه هذا الرجل ليس انفجاراً سكانياً ولكن انفجاراً عقائدياً ضده، بل إنه يتصور تصورات المحموم بأن انفجاراً إسلامياً كبيراً على الأعتاب سيقود هذه الجماهير المضطهدة، وستنتقم منه أشد انتقام فإن (يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم)(3).

وعلى أي حال فقد عرضت القومية التركية الطورانية التي دعا إليها أتاتورك تركيا إلى الإنزواء والفساد وأثقلتها بالديون والأوزار وألحقتها بالتبعية والتخلف، فهذه قواعد عسكرية أمريكية مزروعة في تلك الأراضي وقد صارت تركيا لا دين لها ولا دنيا بعد أن روجت القومية التركية وإلى الآن وبعد أكثر من نصف قرن تقريباً لا زالت الحريات مكبوتة في تركيا إلا حرية الفساد والفجور، وإلا حرية الصهاينة والمستعمرين.

البهلوي والقومية الفارسية

النموذج الثاني: سيطر البهلوي على إيران، فرفع فيها لواء القومية الفارسية وفصل البلدة المسلمة عن سائر بلاد الإسلام ومنع الحج والزيارة والأذان والجماعة والمنبر والخطابة، والوعظ والإرشاد والتشرف إلى الأعتاب المقدسة والأماكن المشرفة، وأشاع الخمور والفجور وصادر المؤسسات الخيرية والمدارس الدينية، واستملك الأوقاف والأملاك الشخصية، ونهب الخيرات، وسلب الثروات، وقتل عشرات الألوف من العلماء، وحارب الثقافة الدينية ومنعها منعاً باتاً، وطارد رجالها أي مطاردة، وأجبر النساء على التبرج والاختلاط بالرجال وفتح المواخير والمخامر والمقامر وحطم الاقتصاد والصناعة والزراعة، وعمل ليل نهار لربط عجلة البلاد بالغـــرب وأضمر العداء والحرب لأهالي خوزستان بجرم عربيتهم، وحطم منطقتهم تحطيماً، وأبادها زراعياً وثقافياً بعد أن قتل أميرهم الشيخ خزعل غيلة وغدراً وذلك في قصة مشهورة، طلب فيها زيارته له للقيام - حسب ادعائه - بمفاوضات سلمية ومباحثات سياسية، فاستضافه لذلك رسمياً في طهران وطمأنه بالوفاء والأمان، لكنها لم تكن مفاوضات سلمية ومباحثات سياسية، بل كانت خطة مدروسة، وقضية مدسوسة راح ضحيتها الشيخ خزعل وعشائره العربية في خوزستان حيث اختطفه البهلوي غدراً، وأودعه السجن عدواناً ودس إليه السم في السجن ظلماً فمات على أثره.

تحدث الدكتور المسؤول عن سجن الشيخ خزعل واسمه (الدكتور أحمد) أثناء زيارته لكربلاء المقدسة قبل أكثر من أربعين سنة تقريباً حيث كان يُظهر الندم والتوبة عما ارتكبه من القتل والجريمة في حق المسلمين بأمر من البهلوي قائلاً: - أعطاني البهلوي سماً قاتلاً وأمرني أن أدسه في طعام الشيخ خزعل وبعده أمنعه من شرب الماء لأن شرب الماء يذهب أثر السم، قال: وكان يوماً شديد الحر، والسجن غير مجهز بالمروحة وغيرها وكان في زنزانة انفرادية وكان يصوم تلك الأيام وعند الإفطار قدمت له اللبن المسموم فلما شربه أحس بالسم فطلب مني الماء لكني غيبت نفسي عنه وأشرفت عليه من بعيد أراقب حركاته وسكناته وكيفية موته، فرأيته وهو يضرب نفسه تارة بجدران السجن من شدة حرارة السم وأخرى يضرب رأسه من كثرة ألمه ويصرخ: العطش، العطش، لكني تركته كذلك حتى مات ملطخاً بدمائه.

كما أن البهلوي ارتكب جريمته الوحشية ضد العلم والثقافة فسفّر العلماء الأبرار الذين لم يتمكن من قتلهم كالسيد حسين القمي وأولاده الكرام أعلام الأمة ومصابيح العلم والفضيلة والشيخ ميرزا صادق التبريزي والسيد الأنكجي وغيرهم وقتل من تمكن من قتله وذلك بلا رادع ولا مانع حتى أن أحد ضباطه العسكريين.

قال: أمرنا البهلوي ونحن عشرة من الضباط أن نرمي صناديق مغلقة، كان قد جمعها جلاوزته في صحراء أطراف طهران يبلغ عددها ما يقارب الخمسين ولما رميناها بوابل من الرصاص إذا بنا نسمع الضجة من داخلها، ثم رأينا الدماء تسيل بغزارة من أطرافها، وبعد ذلك جاء جلاوزته الذين رافقونا إلى الصحراء لأجل هذه المهمة. فألقوا بالصناديق في حفرة كبيرة كانت قد أعدت من قبل ثم ساووها بالتراب، وعفوا أثرها.

وأضاف الضابط العسكري قائلاً: أثارت هذه الواقعة المؤلمة دهشتي، فرحت أستفسر عنها، وبعد التحقيق تبين أن ثلة من رجال الدين، وأصحاب المنبر والخطابة قد اختطفوا من بيوتهم وبعد إجراء عمليات التخدير البوليسية تجاههم، وضعوهم في تلك الصناديق، ثم رشقوهم بالرصاص ودفنوهم في الصحراء في حفرة لا أثر لها ولا علامة.

والنتيجة: أن إيران التي كانت قلعة الحرية والاستقلال والخير والرفاه صارت مستعمرة ذليلة من مستعمرات بريطانيا وتأخرت على أثره تأخراً ذريعاً يرثى له، وبعد حذف البهلوي الأول من الحكم، انتقلت إيران على يد البهلوي الثاني من حوزة بريطانيا إلى مستعمرات أمريكا ونفوذها، حيث جرائم البهلوي الثاني بعد أبيه البهلوي الأول معروفة لدى الجميع.

عبد الناصر والقومية العربية

النموذج الثالث: عبد الناصر وهو ثالث الثلاثة الذين رفعوا لواء القومية. فكما أن أتاتورك رفع لواء القومية الطورانية في تركيا والبهلوي رفع لواء القومية الفارسية، كذلك رفع عبد الناصر لواء القومية العربية في مصر لكن تحت مظلة أميركية، وهوى بمصر بعد ما كانت كنانة الإسلام وحصن العرب إلى درك خطير وهوة سحيقة من التأخر والتخلف وحطم فيها كل شيء باسم الإشتراكية من زراعة وصناعة واقتصاد وثقافة وغير ذلك، وأباح لإسرائيل في مهزلة مسرحية صحراء سيناء وجولان والضفة، وسيناء وحدها تقدر بأكثر من ستين ألف كيلو متراً، ثم خلف ورائه السادات ليكمل الخطة المرسومة من قبل الأسياد لاقتطاع مصر كلها باسم الصلح ومنحها لإسرائيل، وكان كذلك فقد اختزلت مصر الإسلامية من بلاد الإسلام ودخلت في مضلة أمريكية إسرائيلية وتم كل شيء، كما وحطم الشخصية الإنسانية في مصر فتلك قضايا تعذيبه في السجون - التي أوجدها لخنق الأصوات وكبت الحريات، وملأها بالأحرار من المسلمين الذين يريدون لمصر العزة والكرامة - لدى الناس مشهورة وفي مئات الكتب مسطورة فإنه كان يعذب الأبرياء في السجون بمختلف وسائل التعذيب المتطورة وأقسى أنواعها مما كان يودي بحياة السجناء الأحرار.

فمثلاً كان يمارس في حقهم عمليات الكي بالنار، وبالآلات الحديثة إلى حيث تشوى أجسامهم، وكان يسلط الكلاب البوليسية الجائعة عليهم فتنهش أجسامهم.

هذا إلى جانب التعذيب الروحي لهم فقد كان أمر جلاوزته بإنتهاك حرمة السجناء من بنين وبنات والإعتداء الجنسي عليهم وقذفهم بوابل من السباب وركيك من الكلام، وصب أقسام الإهانة والتحقير عليهم.. وأخيراً صارت مستعمرة أمريكية إسرائيلية.

 

1 ـ سورة النساء: الآية 51.

2 ـ كنز العمال: ج3 الرقم 7593.

3 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم الرقم 231.