الفهرس

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

التحسب للأعداء

لقد أخذت البلاد الكافرة من الشرقيين والغربيين تملأ بلادنا بالعملاء والجواسيس المدربين، فتسنى لهم إخماد كثير من جذوة الإسلام في قلوب المسلمين مما توصلوا إلى مآربهم كيف شاءوا، وفي هذا الفصل نذكر بعض القصص التي تشير إلى هذه الحقيقة كي تكون مرشدة متواضعة للإنسان الذي يريد العمل السياسي لأجل إنقاذ الإسلام والمسلمين من براثن الكفار والمستعمرين.

يقظة الاستعمار.. ورقدتنا..

نقل أحد التجار الذين كانوا يعملون بين النجف وبغداد ويتاجرون بالإسمنت: أنه بعد وصول عبد الكريم قاسم إلى الحكم والصداقة التي عقدت بين روسيا وبين العراق طلب مني بعض الشركات الروسية العاملة في العراق نوعاً خاصاً من الإسمنت فقلت لهم: ليس عندنا هذا النوع لأن حجر هذا النوع لا يوجد في العراق وإنا نستعمل الحجر الموجود وهو أجود أقسام الحجر ونعطيكم الإسمنت من ذلك الحجر، فقال لي المهندس الروسي المشرف على إحداث المصنع الذي كان ينصب في العراق حسب الاتفاق بين العراق وروسيا: نعم، يوجد من هذا الحجر في أرض العراق.

قلت: كلا، لا يوجد.

قال: اركب معي في السيارة حتى أدلك عليه، فركبت معه في سيارة وركب معنا بعض خبراء المصنع وذهب السائق بنا من النجف الأشرف إلى قريب الحدود السعودية العراقية ثم نزل وكان ينظر في أثناء الطريق إلى خريطة بيده ويسأل أين هنا؟ وأين هنا؟

حتى أنه وصل إلى مكان وسأل أين هنا؟

فقلنا له هذا المكان يسمى (بعرعر) وهي منطقة بين السعودية والعراق فقال انزلوا بنا فنزل وأخذ يفحص الأرض من هنا وهناك إلى أن وصل إلى مكان وقال: هذا المكان هو الذي فيه هذا النوع من الحجر فلما نزلنا ورأينا صدق ما قال، تعجبنا منه كيف عرف هذا الشيء بينما نحن أصحاب الاختصاص لا نعرفه. فقلنا له: من أين عرفت ذلك؟

قال: إننا نأخذ الصور بواسطة الأقمار الصناعية وأنه لما سألت المسؤولين السوفيات عن وجود هذا الحجر وعدم وجوده أبرقوا في جوابي: إن هذا الحجر موجود وأنه في المكان الكذائي من أرض العراق.

قال التاجر المذكور: فأخذنا من ذلك المكان الأحجار التي أرادوها وعملناها إسمنتاً وقدمناها لهم لبنائهم المصنع المتفق عليه بين الدولتين.

الأطماع التوسعية للاستعمار

وشبه هذه القصة نقلها إنسان آخر بعد الحرب العالمية الثانية، قال: كنت ضابطاً في الجيش الإيراني ولما جاء البريطانيون والروس والأمريكان وقسموا إيران بعد الحرب كنت أنا في فيلق من الجنود البريطانيين وضباطهم، في أطراف كردستان، وذات مرة كنا نمشي بين الجبال لمهمة فنفذ ماؤنا، فسألنا قائد الفيلق: هل يوجد هنا ماء؟

قلنا: لا، قال: ألا يوجد هنا نهر أو بئر أو عين؟

قلنا: لا يوجد هنا إطلاقاً، قال الضابط الإيراني - وكان هو من أهالي كردستان ودليلاً للجيش البريطاني في تلك الجبال والمنحدرات - فأخرج الضابط البريطاني خريطة من حقيبته ونظر في الخريطة ملياً ثم قال: نعم، يوجد هنا ماء وهو في المكان الكذائي المسمى بكذا قال الضابط الإيراني: وكنت أنا أعرف المناطق كلها لأني من أبناء تلك الجبال، لكني قلت في نفسي: إنه مخطئ في ذلك، فأنكرت عليه وجود الماء في تلك المنطقة، فقال الضابط البريطاني: نعم موجود هنا حسب هذه الخريطة وأمرني بأن أمشي معه وبصحبتنا جماعة إلى بعض تلك المنعطفات والمنحدرات، ولما مشينا مقدار كيلوات ووصلنا إلى جبل كذا الذي سماه ذلك الضابط البريطاني، وإذا بنا نجد عيناً عذبة باردة من الماء الزلال فأخذنا منه وأخذت أتعجب أنه كيف يعرف هذا وهو رجل أجنبي ما لا أعرفه أنا ابن تلك المناطق، لكن لا عجب لأنهم يفحصون عن هذه الأشياء بسبب عملائهم ومخترعاتهم فيطلعون عليها ويثبتونها في الخرائط العامة لهم حتى إذا احتاجوا إلى مثلها اكتشفوها بما لا نعرفه نحن أبناء المنطقة.

وقد رأيت أنا في الكويت كتاباً من مجلدات كبيرة باسم (دليل الخليج) وكان في الكتاب قوائم بكل خصوصيات الكويت والبحرين والإمارات وقطر وغيرها ولما طلبت من صاحب المكتبة أن يدلني على المكتبة التي اشترى هذا الكتاب منها.

قال: إن هذا الكتاب لا يشترى وإنما أمير قطر أهداه إلي، فإنه هو الذي استأذن من البريطانيين في طبعه باللغة العربية، فطبعه وأخذ يهديه إلى أصدقائه الخاصين وحيث أنا كنت من أصدقائه أهدى لي دورة منه.

مسقاة نوروز خان

كان في طهران محل لسقاية الماء يدعى بـ (مسقاة نوروز خان) وفجأة انتشر بين الناس أن المسقاة أصبحت تشفي المعلولين والمرضى المزمنين، فمثلاً شفت إنساناً أعمى عرف بأنه أعمى منذ صغره ويعرفه أهل المحلة كاملاً، وشفت إنساناً كان أعرج منذ صغره فأخذ يمشي على رجليه مشياً معتدلاً.

وهكذا مما سبب التفاف الناس حولها التفافاً غريباً فأخذ الناس يزدحمون على المسقاة وينامون حولها وأخذوا ينصبون الخيم هناك وصارت المنطقة سوقاً رائجاً غريباً، وحتى أن جماعة من المتعمقين المتدينين اعتقدوا بذلك وأنه حلت في المسقاة روح خيرة تسبب هذا العمل كيف لا وقد رأوا بأنفسهم ذاك الأعمى والأعرج قبل شفائهما، ورأوا شفائهما شفاءً كاملاً، وهكذا أخذ الناس يتجمعون حول المسقاة حتى وصل عددهم إلى الألوف وأحياناً إلى أكثر من ذلك وأخذ قسم من الناس ينذرون للمسقاة كما أن إنساناً فتح هناك مقهى يعطي الشاي مجاناً للجماهير باسم أنه نذر ذلك وأخذ الناس يعطون له السكر والشاي أما من جهة أنهم نذروا للمسقاة أو من جهة للتبرع وذات مرة زار السفير البريطاني السفير الروسي وقال له: أن الشيعة أهل خرافة ومهزلة ومن مهازلهم أنهم يعتقدون لا بالرسول والإمام فقط وإنما يعتقدون حتى بالمسقاة ونحوها، ونقل له قصة مسقاة نوروز خان واستصحبه إلى رؤيتها وهناك لما وصلا أخذا يتضاحكان فإذا بهذا الذي يتبرع بالشاي أخذ هو وأصدقائه سطلاً من الماء الحار وهجموا على مركبة السفيرين وإذا بالسفير البريطاني يهرب في وسط الجماهير أما السفير الروسي فلم يمكنه الهرب ووقع بأيديهم فصبوا على رأسه الماء الحار الفائر وأخذوا يضربونه أشد الضرب وهو يستغيث ولا من مغيث واجتمعت عليه الجماهير وأخيراً قتل في نفس المكان.

وجاء ممثلون من السفارة الروسية واستلموا جثته وتعكر الصفو بين روسيا وإيران تعكيراً كبيراً مما اضطرت إيران إلى التنازل لروسيا عن بعض حقوقها وأغلقت السفارة الروسية في طهران واستبد البريطانيون بتوجيه الملك القاجاري وبعد مدة تبين أنه كان الأمر كله من مكائد البريطانيين، أما مسألة شفاء الأعمى وشفاء الأعرج فإنهم قد أخذوا الأعمى إلى بعض بلادهم فعالجوه فصار مبصراً، لكنهم بذلوا له المال وأرادوا منه تغطية ذلك عن الناس حتى تحين الفرصة المناسبة، وكانت قصة المسقاة فأشّروا إليه بإظهار بصره وأنها قد شفته، وأما مسألة الأعرج فقد كان ذلك الأعرج إنساناً سليماً فوقع وانكسرت رجله وقد رآه الناس مدة سنوات يعرج ويتكفف الناس فأخذوا هذا الأعرج أيضاً وعالجوه وجبروا كسر رجله حتى صارت رجله رجلاً عادية لكن أوصوه بعدم إظهار ذلك، حتى يشيروا إليه ثم أنه حسب إشارتهم جاء إلى المسقاة مظهراً أنه يريد الشفاء ثم بعد ذلك أظهر أنه قد شفي وطافوا بهذين الاثنين في كل محلات طهران وعلى العلماء والشخصيات حتى يظهر أن المسقاة هي التي شفتهما ومعهما شهود عدول يشهدون بأنهم رأوا أنهما جاءا إلى المسقاة وهو أعمى وهذا أعرج وقد شوفيا ليلة الجمعة في نصف الليل على تفصيل لكن بالتالي تبين أن القصة كانت مكيدة لأجل تخريب الصفو بين إيران وبين روسيا حتى يستبد البريطانيون بالتوجيه والاستفادة.

في كرمان

وقد أحدثوا شبه هذه القصة في كرمان فقد نقل أحد الطاعنين في السن من علماء كرمان قائلاً: كان في كرمان قنصليتان: قنصلية ألمانية، وقنصلية بريطانية، والقنصلية البريطانية ترى الألمانيين مزاحمين لهم في المنافع والتوجيه، فعملوا هذه المكيدة وهي: أنهم في شهر محرم أوعزوا إلى رؤساء المعامل التي تصنع السجاد بتعطيل العمل في هذه العشرة احتراماً لمحرم وأن من السفارة المال ومن رؤساء المعامل أن يقيموا عزاءً كبيراً جداً مزدحماً بعمالهم، ويطعموا هناك ظهراً ومغرباً وصباحاً كل من يريد الأكل، وهكذا صار، حيث عطلت المعامل في تلك العشرة وأصبح المكان المهيّأ للعزاء مزدحماً، بآلاف من الناس وأخذ الخطباء من الصباح إلى الليل يقرأون على الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام).

وهكذا أخذ يشتد الأمر إلى أن وصل إلى يوم عاشوراء وفي يوم عاشوراء بعد أن أكل الناس جميعاً الطعام وكانوا تقريباً أكثر رجال أهل المدينة وإذا بكل واحد منهم أخذ سكيناً أو آلة من الآلات التي يحاك بها السجاد وخرجوا في تظاهرة صاخبة جداً متوجهين إلى القنصلية البريطانية والقنصلية الألمانية يقولون في هتافاتهم (نحن لا نريد الأجنبي) وذلك باللغة الفارسية ثم أقبل المتظاهرون إلى القنصلين فأخذوهما وأزواجهما وأركبوهما الحمار في صخب وتهريج ووجهوهما إلى نحو بوشهر وفرح الناس عامة بأن الأجنبي خرج من بلادهم وعدوا هذه من شهامة رؤساء المعامل حيث ما كانوا يعرفون المكيدة التي كانت بين بعض رؤساء المعامل وبين القنصلية البريطانية وأن المال كان يعطي من قبلهم لأجل هذه الغاية وبعد ستة وعشرين يوماً من إخراج القنصلين رجع القنصل البريطاني وحده يستبد بالأمر وقام بمصالحة صورية بينه وبين زعماء الأهالي الذين أخرجوه بعنوان أن هذا قنصل لا بأس به وإنما الذي كان فيه البأس هو القنصل الألماني الذي استراحوا من شره والحمد لله.

قضايا جانبية

كما أن في العراق فعل البريطانيون قبل نصف قرن ما يشبه (المسقاة) المذكورة فادعوا أن بعض الأموات أخذوا يظهرون المعاجز مما سبب التفات الناس حولهم فمرروا قضيتهم التي كانوا يريدون الوصول إليها في غفلة من الناس حيث كان الناس مشغولين بالانبهار في المعجزات الموهومة.

ولا ننسى كيف أنهم خلقوا قضية جانبية حول الشهادة بالولاية لعلي (عليه الصلاة والسلام) وهل أنها من الأذان أم لا؟

مما سبب أن ينغمر العراق من أدناه إلى أقصاه حينما أرادوا إبرام معاهدة مع رئيس الوزراء العراقي في ذلك الوقت في نفع البريطانيين وضرر العراقيين وفي غمرة اشتغال الناس في ذلك الحدث الجانبي أبرموا المعاهدة وربطوا العراق بعجلة الاستعمار أكثر فأكثر.

زرع الجواسيس

وفي الحدود بين الباكستان الشرقية والصين ظهر درويش كان يرتاد تلك المناطق ويعطي الأدوية والأدعية ويحل المشكلات ويمر على الحدود إياباً وذهاباً على طول الخط ويرتبط بالعشائر الذين كانوا على الحدود وبعد مدة ظهر أنه عميل وإنما يريد جمع أخبار العشائر لدولته وكان له عصى وبعد تفتيش عصاه تبين أن فيها اللاسلكي وكان يأخذ الأخبار من العشائر ويعطيها إلى أسياده بواسطة ذلك اللاسلكي.

وقصة (إيليا كوهين) عميل إسرائيل في سوريا مشهورة حيث أخذا أخيراً وأعدم.

في مقبرة وادي السلام

وفي النجف الأشرف وجد فقير في مقبرة وادي السلام كان دائماً في المقبرة وأحياناً يأتي إلى الصحن المقدس والناس يرحمونه ويعطونه المال والطعام، وقد كانت إحدى رجليه مكسورة وملفوفة ثم شكوا فيه وفتشوه، وإذا بالرجل المكسورة صحيحة في الواقع وإنما يخفي فيها لاسلكياً يربطه بالجهات الأجنبية، وقد جعل من كسر رجله الظاهري ستاراً لأجل اللاسلكي المخفي هناك.

في صحن الإمام الحسين(ع)

وفي صحن الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) كان فقير، كنا نشاهده، يتكفف الناس والناس يرحمونه واتفق أن صارت معركة بين جانبين بالخناجر وأصيب هذا الرجل الفقير ولما ذهبوا به إلى المستشفى في كربلاء المقدسة وفتشوا حقيبته وجدوا فيها جوازاً بريطانيا وأنه من الضباط البريطانيين ولما جاءه رئيس الصحة وسلم عليه وأخذ له التحية قال الضابط: الآن وقد انكشف أمري فلا حق لكم في معالجتي أخبروا سفارتنا في بغداد حتى يأتوا إلينا ويأخذونا إليهم فأخبروا السفارة وجاءت طيارة عمودية إلى المستشفى وأخذوا الفقير الذي كان يعيش في صحن الحسين (عليه السلام) سنوات مع ما معه من الحقيبة والملابس إلى بغداد ولم يعرف بعد ذلك خبره.

في مسجد السهلة

وكان هناك رمال يلازم مسجد السهلة القريب من النجف الأشرف ويلف على رأسه لفة بيضاء لا كعمة الروحانيين وإنما كلفة الكسبة وبعد انقلاب عبد الكريم قاسم في العراق في سنة ثمان وخمسين ميلادية ظهر أنه من الجواسيس المرتبطين بالجهات الغربية وخرج من العراق ولم يعرف بعد ذلك له أثر.

في أفغانستان

وفي أيام أمان الله خان في أفغانستان ظهر درويش في إحدى المساجد وكان هذا الرجل في العبادة والزهد والتقوى والورع ممن يستسقى به الغمام.

وذات مرة خطب للناس الذين كانوا ملتفين حوله ويصلي بهم الجماعة قائلاً: إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) البارحة في المنام وقال لي أنتم في ذل ما دامت هذه الحكومة تسودكم والعلاج أن تزيحوها.

وتعجب الناس وقالوا كيف نزيح الحكومة وكيف أمرنا رسول الله بذلك ونحن لا نملك سلاحاً، والحكومة تحمل السلاح الكافي وطلبوا منه أن يطلب من رسول الله في منام مستقبلي حسب إدعائه هو أنه كيف يتمكنون بلا سلاح أن يحاربوا الدولة ويزيحوها؟

وبعد ما يقارب الأسبوع خطبهم قائلاً: إني رأيت في المنام أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في جواب سؤالكم: إن في الموضع الفلاني من الصحراء سلاح مخزون كثير يمكنكم أن تذهبوا إلى ذلك المكان وتأخذوا تلك الأسلحة لتزيحوا الحكومة بها، فتقدم الدرويش ومعه جماهير من في المسجد ولما اطلع الناس على ذلك التفوا حولهم حتى صار موكباً كبيراً جداً وذهبوا إلى الصحراء إلى الموضع الذي زعم الدرويش أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشار إليه وحفروا الأرض وإذا بمخزن كبير من السلاح المحتاج إليه في إقامة ثورة شعبية ومن هناك توجهوا إلى محاربة الحكومة وأقاموا ثورة شعبية مما اضطر أمان الله خان الذي كان هو عميل بريطانيا أيضاً إلى الفرار وانقلبت الحكومة بسبب رؤيا هذا الدرويش ظاهراً، لكن الواقع أن البريطانيين أرادوا إزاحة أمان الله خان فعملوا هذه المكيدة وما كان ذلك الدرويش إلا من الضباط البريطانيين الذين دربوا في الهند على أيديهم والسلاح هم أتوا به إلى ذلك الموضع على حين غفلة من أهل المدن المحيطة بتلك الصحراء.

في المدينة المنورة

ومثل هذه الرؤيا لكن في جهة عكسية رآها العالم الكبير للوهابيين إبان تخريبهم قبور الأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام) وأصحاب رسول الله وزوجاته (صلى الله عليه وآله) ومن إليهم في المدينة المنورة وفي غيرها فإن محمد عبد الوهاب - الذي رباه البريطانيون لتنفيذ مآربهم كما في كتاب (مذكرات مستر همفر) - كان مأموراً بهدم القبور لإيجاد البلبلة بين المسلمين فهدموا القبور مرتين مرة قبل مائة وثمانين سنة تقريباً لكن لما استولى المسلمون على المدينة المنورة أعادوا القبور إلى وضعها السابق.

ومرة ثانية قبل أكثر من ستين سنة وفي هذه المرة لما أرادوا هدم قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) - حسب ما يدعون من أنه بدعة - وإذا بمسلمي الهند ومصر وبعض بلاد إفريقيا هاجوا وماجوا واضطربوا وأقاموا المظاهرات المعادية للدولة ولما خاف البريطانيون من انفلات الأمر من أيديهم أوعزوا إلى عميلهم العالم الوهابي أن يقول للناس إني رأيت البارحة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام فأمرني أن أترك قبره، فقلت يا رسول الله لماذا؟

قال: لأن المصلحة في بقاء قبري إلى حين.

وبذلك أجاب عن الوهابيين الملتفين حوله الذين كانوا يقولون إن كانت القبور بدعة فلماذا بقاء قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإن لم تكن بدعة فلماذا هدم تلك القباب الأخر للأئمة وأولاد النبي وأصحابه وزوجاته ومن إليهم؟.

على جسر بغداد

وكان في كربلاء المقدسة درويش هندي يأتي إلى صحن الحسين وصحن العباس (عليهما الصلاة والسلام)، وقد رأيته مكرراً ويصيح بأعلى صوته (يا علي) وكان هذا شعاره وبعد الحرب العالمية الثانية نقل لي أحد الأصدقاء أنه رأى ضابطاً بريطانياً على جسر بغداد ومعه جماعة من الضباط الصغار فأخذ هذا الشخص - الناقل للقصة - يذكر مساوئ البريطانيين باللغة الفارسية لأصدقائه الذين يعبرون معه الجسر باتجاه معاكس لسير أولئك الضباط.

قال هذا الرجل: ولما التقيت به سمع كلامي وإذا به يتوجه إلي مع جماعته ويقول لي باللغة الفارسية المكسرة والمشوبة بالهندية ما معناه: إنك إلى الآن لم تترك انتقاص البريطانيين؟ فقلت له متعجباً من كلامه: من أين عرفت أني انتقص بريطانيا ولغتك غير لغتي؟

فضحك وقال: أنا ذلك الدراويش الذي كان في صحن الحسين وصحن العباس وفي المخيم أحياناً، وكنت أقول (يا علي)، فلما قال لي هذا أمعنت النظر إليه فإذا به هو هو وإنما ذلك اليوم كنت أراه ملتحياً وهو في زي الدراويش وعلى جسده ثوباً بالياً، أما اليوم فهو في لباس الضباط الكبار وكأنه قائد فرقة لأن معه ضباطاً صغاراً أصغر منه رتبة وتبين أنه كان جاسوساً بريطانياً يتجسس في العراق لأجل البريطانيين قبل الحرب العالمية الثانية، وبعد الحرب انتهت مهمته فالتحق بالضباط.

ونقل لي أحد تلاميذ الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي (رحمة الله عليه): أن سبب موته كان أن سقي السم في بعض العقاقير الطبية حيث تبين أن العطار الذي أعطاه الدواء كان من عملاء بريطانيا مدة، فلما أصيب الشيخ ميرزا محمد تقي (رحمة الله عليه) بالزكام أخذوا منه الدواء، فدس العطار السم في ذلك الدواء فلما شربه الشيخ ابتلى بحمى شديدة وتوفي على أثر ذلك. قال هذا العالم ولما وضعناه في المغتسل خرج من فمه وأنفه دم كثير جداً مما سبب تعجب الذين كانوا قد حضروا في المغتسل لتشييع جثمانه الطاهر.

وهكذا ينقل مثل هذه القصة عن الميرزا الكبير المجدد بعد قصة التنباك بأن موته كان من سقيه السم بواسطة بعض عملاء بريطانيا.

ضابط في الحوزة العلمية

نقل لي أحد علمائنا الكبار من المراجع (رحمهم الله) قائلاً: كنت قبل اندلاع ثورة العشرين التي فجرها الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي ألقي على رجال الدين في النجف الأشرف محاضرات دراسية.

وكان أحد الطلاب الذين يحضرون الدرس رجلاً لا يلبس زي أهل العلم، لكنه كان يظهر الإخلاص المتزايد للدين وأهله وللدرس والطلبة وكان من أنشط الحاضرين ومن الرعيل الأول في التقوى والتدين ظاهراً وكان يعلوه الفقر والفاقه بدرجة حتى أني كنت أرق له كثيراً وأشاركه أحياناً معاشي القليل إيثاراً له على نفسي ثم لما وقعت الحرب بين العراقيين بقيادة الإمام الشيرازي وبين بريطانيا حيث أرادت استعمار العراق كنت أنا في زمرة الثوار المجاهدين تحت قيادته الرشيدة (رحمه الله) فلما سم بدسيسة بريطانية. وانتهت الثورة بظفر بريطانيا أُلقي القبض عليَّ وعلى جماعة آخرين من زملائي في الثورة من قبل الدولة، وحكم علينا جميعاً بالإعدام وفوجئت ذات يوم من أيام سجني في زنزانتي الانفرادية أن دخل علي ضابط بريطاني تصورت أني أعرفه لكني كلما توسمته لم أتذكره فقال لي الضابط هل عرفتني؟

قلت: لا من أنت؟

قال: أنا تلميذك فلان ولما قال ذلك تذكرته بهندامه المتواضع ووجهه الملتحي وظاهره الفقير لكنه كان الآن محلوق الذقن مرتدياً ملابسه العسكرية مما سبب ضياعي لشخصه.

قلت: فماذا تريد الآن؟

قال: جئتك أعلمك كيفية التخلص من الإعدام، فإن محاكمتك ستتم على يدي فإذا جاؤوا بك إلى المحكمة، أمام قضاة آخرين، فقل كذا وكذا حتى لا تثبت عليك الجريمة، وتبرأ من التهمة وأني سأكتب لك العفو والخلاص لأنك رجل مخلص وشهم كريم كنت قد أحسنت إليَّ مدة طويلة، وواصل العالم رحمه الله حديثه بقوله: وبالفعل هكذا كان ووقع كل ما قال، وأنقذت من الإعدام فانظر إلى هذه القصة الواقعية، فإنها قصة بسيطة في ظاهرها وعميقة في مغزاها وفكّر كيف تمكن ضابط بريطاني أن يدخل في بلد من أقدس بلداننا نحن المسلمين بدون أن ينتبه له أحد ويمضي سنوات طويلة في تجسسه على المسلمين ومعرفة طرق حياتهم حتى يستطيع الاستعمار من القيام بمهمته بسهولة وبساطة. هذه قصة من العراق وأما القصة من إيران:

راهب للتجسس في جبال طهران

فقد نقل لي أحد السادة أن وزيراً قاجارياً (قبل ثمانين سنة تقريباً) كان قد صادقه أيام زيارته للعراق فنقل له ذات مرة هذه القصة وهي أنه كان في الجبال بين طهران وخراسان راهب مسيحي متبتل متعبد معروف في أو ساط الناس بالزهد والتقشف والانقطاع إلى الله وكان في صومعة في الجبل منذ أكثر من خمسين سنة ولكن فوجئت ذات مرة بكتاب من الراهب يدعوني فيه لزيارته في يوم كذا، وحيث كنت أعرف زهده وتقواه وكنت أجلّه وأحترمه لبّيت الطلب وحضرت في ذلك اليوم عنده وإذا بي أجد عنده مجموعة تضم زهاء مائة فرد من شخصيات البلاد وكلهم كانوا قد دعوا لزيارته في هذا اليوم وكان الراهب رجلاً كبيراً طاعناً في السن بادية عليه آثار الزهد والورع وبعد أن استقر المجلس بنا قال الراهب اعلموا أني لم أكن راهباً في يوم من الأيام وإنما كنت من البريطانيين الذين تزيّوا بهذا الزي لخدمة وطنهم وكنت أقوم في هذه المدة الطويلة بدور التجسس عما يحدث في إيران وأفغانستان والحصول على معلومات البلدين من طريق العملاء وإنهائها إلى دولة بريطانيا والآن حيث أحس باقتراب موتي أتوب إلى الله (سبحانه وتعالى) مما عملته وأني أظهر لكم إسلامي حيث عرفت حقانية دين الإسلام وأرجو إذا متّ أن تجهزوني كما تجهزون المسلمين.

قال الراهب هذا الكلام وانهمرت عيناه بالدموع مما أثار فينا أكبر قدر ممكن من العطف والحنان وبعد أن رجعت إلى طهران لم يمض زمان طويل إلا وأخبرت بموت الراهب وعمل حسب وصيته وأضاف السيد الناقل قائلاً: - وظني أن هذه الخطوة منه كانت سياسية أيضاً حتى يبين لنا قوة دولته وأنه كيف يجب أن يخشى الناس منها على طريق الدعاية السوداء.

أقول وسواء صدق الراهب في إسلامه أو كذب فالقصة ترينا كيف أن دولة أجنبية تتغلغل في بلاد الإسلام هذه المدة المديدة بدون دراية ولا رقابة من المسلمين وذلك من جراء عدم معرفتهم الكاملة بالسياسة.

في عشائر العراق

وكان في العراق قبل الحرب العالمية الأولى جاسوسة بريطانية تسمى (مس بيل) ولها مذكرات مطبوعة باسم (مذكرات مس بيل) نقل لي أحد الخطباء الكبار من أهل الحلة: أنه رآها ذات مرة - وكان يعرفها - في زي البدويات وهي تمشي راجلة في الصحراء فسألته عن (نهر كذا)، قال الناقل: فقلت لها هو هناك، وأشرت إلى موضع مخالف لموضع النهر، فقالت: كلا، بل هو هناك وأشارت إلى الموضع الحقيقي للنهر، وقد كانت هذه الجاسوسة تذهب إلى العشائر في زي بدوية ختانة وماشطة وعطارة وحفاية تحفي البنات وتتجسس على العشائر، وترسل بأخبارهم إلى لندن مدة مديدة قبل ثورة العشرين وكانت دليلاً للجيش البريطاني إبان احتلالهم للعراق.

الجاسوسة العجوز

نقل أحد السواق الطاعنين في السن وقال: قبل ما يقارب من ثمانين سنة كانت لي سيارة وكنت أشتغل بها بين بلد وآخر فطلبني أحد الشيوخ وقال لي: إن هناك عجوز من عشيرته تريد السفر إلى بغداد وحيث أنك رجل أمين أرسلها معك بشرط أن لا تتكلم معها إطلاقاً وأنك إذا خنت قتلتك - وكان الشيخ قادراً على ذلك - فكم تأخذ أجرة السيارة؟

قلت: ثلاث عشرة روبية.

قال: لا بأس لكن على هذا الشرط، فقبلت الشرط. ثم قال لي: إن الطريق طويل بين بلدنا - وذكر السائق اسم ذلك البلد مما لا أريد ذكره - وبين بغداد وكلما أرادت هي شيئاً من قضاء حاجة أو شراء شيء عند المقاهي أو ما أشبه ذلك أشارت إليك فتقف حتى تقضي حاجتها بدون أن تكلمها.

قال السائق: فجاءت امرأة وركبت السيارة وأخذت أسوق السيارة من ذلك البلد متجهاً إلى بغداد، وفي الطريق كلما أرادت حاجة أشارت بضرب باب السيارة بيدها فوقفت ونزلت وقضت حاجتها أو اشترت شيئاً من المقهى ونحوه، وطالت السفرة أربعاً وعشرين ساعة حتى وصلنا إلى بغداد فأشارت إلى الشارع الكذائي فدخلت فيه وإذا بها تؤشر أن أقف على باب، فوقفت ورأيت شرطياً واقفاً على الباب، فتعجبت من وقوف الشرطي لكني لم أقل شيئاً، فنزلت المرأة ودخلت، وبعد نصف ساعة تقريباً من وقوفي وانتظاري جاء إنسان ليقول لي: إن المسافرة التي كانت معك تريدك، فدخلت وإذا بي أرى بيتاً كبيراً من بيوت الحكومة، والشرطة بكثرة في داخل البيت، والناس يدخلون ويخرجون من باب آخر غير الباب الذي دخلت منه، فأشار الدليل إلي أن أصعد فصعدت إلى الطابق الثاني فأدخلني غرفة كبيرة وفي الغرفة رجل مسن جالس خلف منضدة كبيرة وإلى جانبه فتاة في زي العسكريين فقلت في نفسي متعجباً: ما هذا؟ ومن هذا؟ ومن هذه؟

فقالت الفتاة: لا تعرفني؟

قلت: لا، وأنا مستحي منها، لأنها كانت شبه عارية في ملابسها العسكرية.

فقالت: أنا العجوز التي جئت بها من البلد الفلاني إلى بغداد فقد تظاهرت بذلك، فقلت لها: ومن أنت؟

قالت: أنا مس بيل، ثم أعطتني أربع عشرة روبية، وقالت: ثلاث عشرة روبية حسب القرار، وروبية لأمانتك. فانصرفت وأنا غارق في التعجب من هذا الأمر.

في عشائر إيران

وكان أحد جواسيس بريطانيا كما نقل بعض في (جهار محال بختيار) من إيران قد تشبه بالعشائر حتى تصورت العشائر أنه أحد أفرادهم البعيدين عنهم فاحترموه غاية الاحترام وبقي هناك أكثر من عشرين سنة وتزوج منهم زوجة لكنه امتنع أن يولدها وتجسس على العشائر ولما أراد القفول إلى بلده باع زوجته بحمار وركب ذلك الحمار إلى بوشهر ومن بوشهر ركب السفينة وأبحر إلى لندن وبعد ذهابه تبين - حسب تصريحاته في مذكراته - أنه كان من الجواسيس، في إيران وكان يتجسس عليها لصالح بريطانيا.

تخطيط الاستعمار

وفي مذكرة لسفير ألمانيا قبل نصف قرن تقريباً كان يتواجد في طهران يقول فيها تحت عنوان (الملا والسوق): إننا يجب علينا أن نحطم الملا والسوق لأننا كلما أردنا من خطوة إصلاحية - حسب تعبيره - بسبب الملك، يراها (الملا) مخالفاً لموازين الإسلام أو يرى فيها شائبة استعمار فيوحي إلى أهل السوق الذين يقلدونه بغلق السوق والاضراب أو المظاهرات، فيفعل السوق ذلك وتشل الحركة التجارية ويهيج الناس ويموجون، مما يضغط على الملك بسحب كلامه فلا نتمكن من استعمار البلاد ما دام الملا والسوق موجودين فاللازم علينا أن نشتت السوق حتى لا تكون هناك وحدة واحدة سوقية تكون ظاهرة للعيان بل تكون هناك دكاكين مبعثرة في طول طهران وعرضها كما أنه يجب أن نأخذ النفوذ من العلماء والحيلولة بين الشعب وبينهم وذلك بفتح المدارس ونحوها حتى نتمكن من تنفيذ أوامرنا وإلا فما دام هذان الأمران لا نتمكن من إجراء الخطوات الإصلاحية في طهران.

وقد ذكرت الجاسوسة البريطانية المشهورة (مس بيل) التي كانت حقبة من الزمن في العراق في مذكراتها التي ترجمها (جعفر الخياط) وطبع في (لبنان): إنهم في ثورة العشرين رأوا أن الذي أثر عليهم وسبب انهزامهم كانوا هم العلماء لأنهم نافذو الكلمة في الشعب، ففكروا في الحيلولة بين العلماء وبين الشعب وذلك بفتح المدارس التي تربي جيلاً خارجاً عن نفوذ العلماء وحينئذ لا يتمكن العلماء من شيء. وهكذا فعلوا في العراق حتى وصل الأمر فيه إلى تحطيم الحوزات العلمية وتهجير المؤمنين عن العتبات المقدسة إلى غير ذلك مما فعله عبد الكريم قاسم وإلى اليوم الذي يحكم صدام نيابة عن الغربيين.

في عبادان

وقد نقل أحد الثقاة أنه كان لأحد العراقيين مشكلة قانونية كبيرة في إيران فأخذ من علماء النجف الأشرف توصيات إلى الجهات الكبيرة المسؤولة في إيران. وجاء إلى إيران لحل مشكلته وراجع أولئك المسؤولين وكلما توسط أحد أولئك في حل مشكلته لم ينفعه وأجاب المسؤولون أنهم لا يقدرون على حل هذه المشكلة وإنما القادر على حلها هو الملك فقط فيئس الرجل عن حلها.

ثم أرشده شخص في بغداد مرتبط بسفارة بريطانيا أن يراجع أحد رؤساء شركة النفط في عبادان، لكن الرجل قال في نفسه كيف يتمكن رئيس شركة النفط من حل هذه المشكلة التي عجز عن حلها حتى رئيس الوزراء الإيراني، وأخيراً قرر مراجعته حيث أن صاحب الحاجة كالغريق يتشبث بكل حشيش، فراجع ذلك الرئيس في شركة النفط فكتب الرئيس إلى جهة مختصة (كتاباً) صغيراً بحل مشكلة الرجل وبمجرد أن رأت تلك الجهة التي بعث الكتاب إليها حلت المشكلة سريعاً، أورث دهشة المراجع وبعد التحقيق تبين أنه من العملاء المخفيين لبريطانيا والذي ينفذ أمرهم في كل الجهات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

في كرمانشاه

كما نقل قبل أربعين سنة تقريباً أحد الأصدقاء الذين ذهبوا إلى إيران - ونحن إذ ذاك في العراق - أنه وصل إلى طهران وحدثــت له مشكلة وكلما حاول حلها بواسطة الجهات المسؤولة لم يتمكن من حلها فأرشده إنسان إلى أن يذهب إلى كرمانشاه ويراجع (حزب الحمير).

قال: فتعجبت من هذا الكلام لكني لاضطراري ذهبت إلى كرمانشاه وسألت بتكتم عن الحزب؟

قالوا: نعم هنا حزب يسمى بحزب الحمير فراجعت مقر الحزب وإذا بي أرى أن المقر ممتلئ من التصاوير والتماثيل المصنوعة للحمار وكان فوق رأس الرئيس لائحة قد كتب عليها: (حزب الحمار أحسن الأحزاب، ومن لم يصدق فهو بقرة).

فلما أبديت له المشكلة رحب بي فسألته عن هذا الحزب؟

قال: الناس بحاجة إلى الترويح عن أنفسهم ونحن شكلنا هذا الحزب لأجل ذلك وفي أيام الربيع نذهب إلى الصحراء ونفعل كما يفعل الحمير في المزارع من التمتع بالأعشاب. وإنا نرى أن التكليف ساقط عن الإنسان لأن الله سبحانه وتعالى غير محتاج إلى صلاة الإنسان وصومه، وإنما خلق الإنسان لينتفع الإنسان، لا لينتفع هو بعبادة الإنسان وطاعته.

قال الرجل: ورأيت أيضاً في المقر أن كل من يأتي من أفراد الحزب من البنين والبنات (المكشفات العاريات اللاتي كن يأتين بشكل مثير جداً) يعطى شعار الحمير أي لا يسلم بعضهم على بعض وإنما يخرج صوتاً يشبه نهيق الحمير، وكان كذلك حال كل أفراد الحزب إذا التقى بعضهم ببعض. ولما ذكرت للرئيس المشكلة قال: لا بأس فكتب (كتاباً) إلى عطار في طهران أدرج فيه: أن حامل الكتاب من أصدقائنا وينبغي حل مشكلته.

قال الناقل: لكني استهنت بالأمر استهانة كبيرة وأنا غارق في الحيرة من هذا الحزب ومما له من فروع في طهران وبعض المدن الإيرانية الأخرى لكني أخذت (الكتاب) وراجعت ذلك العطار ولما أعطيته الكتاب قال: لا بأس وكتب تحت الكتاب شيئاً وقال: راجع السفارة البريطانية وأعطه لفلان واحد من المستخدمين.

قال: فذهبت إلى السفارة وسلمته الكتاب فأبدى لي اهتماماً كبيراً وصحبني إلى السفير وحل السفير مشكلتي بما تعجبت منه أكبر العجب. نعم إن (حزب الحمير) كان حزباً بريطانياً صنعه البريطانيون تحت هذا الستار حتى يجلبوا إلى هذا الحزب أكبر قدر ممكن من البنين والبنات ويسببوا إدخالهم في الفساد أو في الشبكة الجاسوسية البريطانية في إيران.

إن الغرب والشرق بسبب عملائهم وأسلحتهم يديرون بلاد الإسلام أسوأ إدارة، إن إدارتهم حتى لبلاد أنفسهم سيئة فكيف بمستعمراتهم، وإن كان لها الاستقلال الشكلي، وهل هذه إدارة؟

أمراض وقلق وطبقية حادة وثروات وحروب، وقد هيأوا لإبادة الحضارة أسوأ أدوات الفتك والدمار، نعم من خرج عن مظلة السماء وتعاليم الأنبياء، لا بد وأن يبتلى بأمثال ذلك (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً)(1) ولنسمع إلى طرف من هذه الحضارة الزائفة لنرى صدق الله سبحانه.

 

1 ـ سورة الكهف: الآية 4.