الفهرس

فهرس الفصل الخامس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الديكتاتورية وأنواع الاستبداد

نذكر في هذا الفصل ألواناً من الدكتاتوريات، كما نذكر نماذج من تصرفاتهم وسلوكياتهم في حياتهم العامة والخاصة، لأن الإنسان إذا عرض عليه الشيء القبيح استقبحه وحاول أن لا يتكرر عنده مثله، كمن عرف بشاعة الكذب أو السرقة فإنه يجتنبهما، لكن اللازم جعل القدرة في قبال القدرة وإلا فإن مجرد العلم لا يكفي في إزالة الدكتاتورية، وهي:

قلع عين الأولاد:

إن بعض الملوك قلع عيني ولده حتى لا يعارضه في الحكم وكانت عادة قلع العين أمراً دارجاً عند الملوك الدكتاتوريين.

القتل جزاء الإيقاظ:

أحد الملوك وصى خادمه أن يوقظه في وقت خاص من النهار، وكان ساهراً إلى وقت متأخر من الليل فلما أيقظه الخادم في الوقت المحدد ولم يكن قد أتم نومه غضب وأمر بأن يؤخذ ذلك الخادم إلى المقصلة فأخذ وقطع رأسه ورجع الملك إلى نومه.

ذبح الأولاد:

بعض خلفاء آل عثمان كان من عادتهم أن لا يبقوا لأنفسهم إلا ولداً واحداً، فكانوا يأخذون الأكثر من الولد الواحد ويذبحونه بأيديهم اعتباراً من قصة المأمون والأمين، حيث صار بينهما التحارب والتنازع مما أدى إلى ضعف الملك فكانوا يقولون: إن قتل بعض الأولاد - حتى لا يبقى إلا ولد واحد يرث الحكم - أهون من إبقائهم حتى يتحاربوا ويتنازعوا، مع الغفلة عن أن ذهاب الحكومات ليس بسبب تنازع الولدين أو ما أشبه، فإنه كثيراً ما كان بسبب التنازع بين الملك وملك آخر أو قوة ثورية أخرى وإنما العلاج لعدم التنازع تقسيم القدرة والإنتخابات الحرة.

الروح المتشائمة:

إن عبد الملك لما جلس في قصر الإمارة بالكوفة، وأمامه رأس مصعب بن الزبير جاءه شيخ كبير وقال: أيها الخليفة إن هذا قصر مشؤوم إني رأيت في هذا القصر ابن زياد وأمامه رأس الحسين (عليه الصلاة والسلام)، ثم رأيت في هذا القصر المختار وأمامه رأس ابن زياد، ثم رأيت في هذا القصر مصعباً وأمامه رأس المختار، والحال أراك في هذا القصر نفسه وأمامك رأس مصعب ولا أعلم ماذا خبأ الدهر، يشير بذلك إلى أنه يأتي يوم أرى رأسك أمام شخص آخر، فتشاءم عبد الملك من القصر وأمر بخرابه وتحول إلى مكان آخر غافلاً عن أنه ليس الذنب، ذنب القصر وإنما الذنب هو ذنب الملوك غير العدول الذين هم يظلمون الناس فيظلمون حتى تنفجر الأوضاع ضدهم ولهذا رأينا كيف صارت عاقبة عبد الملك حيث أخرجه العباسيون من القبر مع رؤساء آخرين من ملوكهم وذويهم في قصة مذكورة في التاريخ.

قتل الوالي القضاة!!

والي سوريا من قِبَلِ الخليفة العثماني، قتل قاضي قضاة المنطقة، وحيث كان الوالي مربوطاً بالخليفة نسباً، عفا الخليفة عنه فأرسل إليه شيخ الإسلام في تركيا قاضياً ثانياً وبعد مدة قتل الوالي القاضي الثاني أيضاً ومكانته من الخليفة منعت أن يقتص منه، فأراد شيخ الإسلام أن يرسل قاضياً ثالثاً لكن القضاة أبوا لأنهم ما أمنوا الوالي، غير أن أحد المرشحين للقضاء كان فقيراً معدماً ففكر في نفسه أن يكون قاضياً في سوريا وحيث تصور أن قتل الوالي للقاضيين كان بسبب عدم طاعتهما له عزم على طاعته حرفياً. فجاء القاضي الجديد واستقبله الوالي كعادته استقبالاً حافلاً فاستقر في مكانه يقضي بين الناس وينصب القضاة في القرى والأرياف كعادة تلك الأيام. وفي ذات يوم سأل القاضي الوالي وقال: أيها الوالي إني سمعت أنك قتلت قبلي قاضيين وإني نويت على أن أطيعك في كل الأمور، فما كان معصية القاضيين لك حتى قتلتهما، فإني أريد أن أعرف ذلك كي أتجنب معصيتك وغضبك؟

قال الوالي: إن القاضيين لم يكن لهما أية معصية وإنما قتلتهما لأني رأيت في المنام أن القاضي الأول وكذلك القاضي الثاني أرادا بي سوءاً ولما انتبهت عن النوم أمرت بقتلهما من غير جرم أو عصيان أو ذنب، ولما سمع القاضي الجديد هذا الحديث خرج من عند الوالي وركب فرسه مسرعاً نحو (الأستانة) مقر الخليفة ولما وصل إليها سئل عن سبب رجوعه فنقل لهم القصة وقال: إني كنت أتمكن من ضمان يقظة الوالي بأن لا أخالفه، لكني ما كنت أتمكن من ضمان نومه أن لا يرى أني قصدت به سوءاً فيقتلني بدون سابق إنذار.

التنجيم للديكتاتور:

ويحكى أن منجماً جاء إلى هارون العباسي وقال له: إني رأيت في المنام أنك في هذه السنة تموت. فاغتم هارون غماً كبيراً وكان جعفر البرمكي حاضراً. فسأل هارون جعفر البرمكي عن العلاج في الأمر؟

قال جعفر: إن العلاج سهل وهو أن تسأل من هذا المنجم أنه في أي وقت يموت هو وكذبّه في دعواه حتى يظهر أنه يكذب أيضاً بالنسبة إلى تحديد حياتك. فسأل هارون المنجم عن مدة عمره هو؟

فقال المنجم: عشر سنوات ويموت بعدها. فأمر جعفر هارون أن يقتله الآن حتى يظهر كذبه في عمره مما يلزم أن يظهر كذبه في عمر هارون أيضاً، عندها أمر هارون بالجلاد والنطع والسيف وضرب عنق المنجم في نفس المجلس، ثم قال لجعفر: قد فرجت عني بهذا التدبير.

وقد نقلوا في أحوال نادر أنه ذات مرة قلع عين بعض خواصه ثم ندم على ذلك وقال لجلاده أنه يجب أن نقلع عيون هؤلاء الخونة يقصد جماعة من ضباطه وقواده وذويه حتى يكون وزن العيون المقلوعة إحدى وعشرين كيلو غراماً (سبعة أمنان، في اصطلاحهم) وفي نفس الليل هجم عليه جماعة ممن خافوه وقتلوه.

العراق مطمع الحكام

وإن بني أمية كانوا يقولون أن العراق بستان لقريش، ومعنى ذلك أنهم يتصرفون بالمال كيف يشاءون كما يتصرف صاحب البستان في بستانه (بينما العراق أرض مفتوحة عنوة وهي لكل المسلمين كما في النصوص الشرعية، وقد ذكرها الفقهاء في كتاب الجهاد وكتاب إحياء الموات وكتاب التجارة بمناسبات) وكان إذا عارضهم أحد في أن العراق لكل المسلمين وأنها ليست ملكاً لبني أمية وبستاناً لهم قتلوه ونكلوا به كما في قصص متعددة.

سارق العلانية:

جيء بسارق اضطر إلى السرقة إلى الخليفة فأراد الخليفة أن يقطع يده (ومن الواضح أن المضطر لا يقطع يده كما ذكر في الفقه الإسلامي في كتاب الحدود) فقال السارق: الله أكبر سارق العلانية يقطع سارق السر، وذلك أن الخليفة كان سارق العلانية فإنه يأخذ أموال المسلمين ويعمل بها ما يشاء من البذخ والترف في قصص مشهورة.

من لا يعرف النحو؟!

إن أعرابياً جاء إلى الخليفة وقال: السلامُ عليكُ يا أميرُ المؤمنينُ ورحمةُ اللهُ وبركاتهُ - كلها بالضم- فانزعج الخليفة من ذلك وأمر جلاوزته بصفع الرجل فأخذوا يصفعونه، ولما أن شرع الجلواز في صفعه أخذ الرجل يقول: بسمُ اللهُ الرحمانُ الرحيمُ - كله بالضم- فقال له الخليفة: ويلك من صبك على الرفع؟

فقال الرجل: لئن أرفع من رفعه الله خير لي من أخفضه فاستحسن الخليفة كلامه وسأله عن قصته.

فقال الرجل: إني لما أردت لقاء الخليفة ليقضي حاجتي سألت من إنسان بماذا ألاقي الخليفة؟

قال لي: بالفقه. قلت: لا أعرف شيئاً من الفقه، قال: بالحكمة، قلت: لا أعرف الحكمة، قال: بالبلاغة، قلت: لا أعرف بالبلاغة، قال: فارفع الكلمات لأن أكثر لغة العرب الرفع، ولهذا حيث لم أكن أحسن مواضع الإعراب أخذت في رفع الكلمات فعفا عنه الخليفة.

التعذيب القديم:

وكان من أساليب الحكام السابقين أنهم كانوا يعذبون الذين يخالفونهم بمختلف أنواع التعذيب. مثل (تشميع المعذب) وكانت كيفية ذلك أن تثقب مواضع من بدن المعذب ويجعل في كل ثقبة شمعة مشتعلة، ثم يركبونه الحمار ويشدون رجليه من تحت الحمار ويطوفون به في الشوارع والأزقة في زفة واجتماع يصفقون حوله ويعلنون أنه المجرم. والمعذب من ألم الجراحات والنار كان يموت أحياناً في أثناء الطريق لكنهم لا يتركونه وشأنه حتى يمروا به كل طرق المدينة ثم يؤمر به فيدفن في حفرته، وأحياناً كانوا يسودون نصف وجه المعذب مؤرباً ويركبونه الحمار ويشدون رجليه تحت الحمار ويطوفون به المدينة في زفة حوله، وكان من أقسام تعذيبهم أن يأخذ نفران قويان رجلي المعذب وهو منكّس أو يشدون الرجلين بالسقف أو نحوه ثم يأمر السلطان بأنه يشق شقين من أسافل بدنه بسبب ساطور قوي يضربه الجلواز في أسفل بدنه ويخرجه من عنقه.

وأنهم كانوا يأمرون بسلخ جلد الإنسان المعذب ثم حشوه بالتبن وتطويفه بالبلاد حتى يتعظ به غيره.

التعذيب الجديد:

وفي ظل إحدى الحكومات المعاصرة أخذت فتاة إلى السجن وبعد ساعتين أرجعوا الفتاة إلى ذويها، فرأوا أنها اختلطت وأخذت تهذي ولما راجعوا الطبيب لم يعرف سبب جنونها وكانت تصيح وتصيح وتصيح حتى يغمى عليها وهكذا، وأخيراً التجأوا بسبب الرشاوي والوسائط إلى أن يتعرفوا على سبب جنونها، حيث لم يكن الفاصل بين أخذها وبين إرجاعها أكثر من ساعتين فقالوا: إنهم ملأوا كيساً من (السام أبرص) وجعلوا ذلك الكيس في رأسها إلى رقبتها ولشدة الهول وتحرك السام أبرص على عينها وأذنها وفمها وأنفها أصابها ما أصابها من الجنون ولم ينجح معالجة الطبيب لها شيئاً(1).

صناعة الحقائب:

وكان من أقسام تعذيب هتلر وماوتسي تونغ (كما جاء في بعض الكتب) إنهم كانوا يسلخون الجلد من المعذب، ثم يصنعون من جلده الحفائظ والجنط كما أن ماوتسي تونغ كان يجعل من القتلى سماداً لأجل المزارع، و(بوكاسا) الذي حكم أفريقيا الوسطى كان إذا غضب على إنسان أمر بأن يقتل ثم يُسلم جثته إلى طباخه ليطبخه لهم ويحشوه بالتوابل والكشمش والبصل ثم يحضر هو ووزرائه ومن إليهم ويأكلون المقتول على عادتهم القديمة في أكل الأموات.

من ديكتاتورية العباسيين:

وكان المتوكل العباسي يملأ الأكياس - بسبب جلاوزته- من الحيات والعقارب، ثم يضع تلك الأكياس قريباً منه فإذا أراد أن يضحك على الحاضرين فتح رأس الكيس ونفضه في وسط المجلس وإذا بالوزراء وسائر من حضر المجلس يهربون في كل اتجاه وأحياناً تصيبهم لدغة عقرب أو حية.

نموذج آخر:

وكان ابن الزيات صنع تنوراً من الحديد مسمراً بمسامير من خارجه إلى داخله، وكان يلقي المعذب فيه ويجعل أطراف التنور النار حتى يطبخ هذا الرجل في داخل التنور وقد ثبتت المسامير الملتهبة في جسمه، ونثرت لحمه على عظامه.

التعذيب الماركسي!!

وكان من أساليب تعذيب الشيوعيين في العراق في أيام قاسم أنهم كانوا يملأون القناني بالعقارب ثم يمدون المعذب على الأرض بعد أن يعروه عن ثيابه ويشدون يديه ورجليه ثم يفرغون تلك القناني الممتلئة من العقارب على جسمه.

كما أنهم كانوا يقتلون الإنسان ويربطون برجليه الحبل ويجرونه في الشوارع والأزقة حتى يتقطع قطعاً قطعاً.

أو أنهم بعد قتله يرفعونه على قنارة القصابين ويقطعونه قطعة قطعة.

أو أنهم كانوا يشدون رجلي المعذب بسيارتين متخالفتين في الحركة فتسرعان في السير إحديهما إلى ذات اليمين والأخرى إلى ذات الشمال حتى ينشق المعذب من وسطه نصفين.

منائر من رؤوس!!

كان بعض حكام أفغانستان وبعض البلاد الأخرى (كما ذكر في التاريخ) يقطعون الرؤوس ويصنعون منها المنائر، وأماكنها موجودة إلى الآن في أفغانستان يعرفها الأهالي ويشيرون إليها إذا مروا على تلك الأماكن.

وكان (الأوزبك) حين هجموا على خراسان يقتلون الرجال ويعلقون رؤوسهم على أعناق خيولهم ويربطون حبلاً بعنق زوجته أو ابنته أو أخته أو أمه ويشدون ذلك الحبل بالفرس، ثم يهيبون به فيعدو سريعاً، والمرأة تزحف من ورائه يميناً وشمالاً ورأس قريبها معلق على رقبة الفرس.

وقد جنى أكثر من مائة نفر من جيش بعض الغزاة الغربيين في البلاد الإسلامية على امرأة مسلمة وداسوا عفافها جميعاً في يوم وليلة.

الصلب المنكوس!!

وكان من أساليب بعض الحكام أنه يصلب من يريد قتله منكوساً إمعاناً له في التعذيب والإهانة.

كما أن ابن زياد والحجاج كانا يصلبان الناس على جذوع النخيل بعد أن يقطعا أيديهم وأرجلهم وألسنتهم.

طبخ الإنسان وأكله!!!

وقد رأى أحد السواح في أفريقيا أنهم أخذوا إنساناً وربطوه حياً بشجرة ثم أشعلوا تحته النار حتى احترق جسمه وأخذوا يقطعون منه قطعة قطعة ويأكلونه.

العمل الخيري يتحول بلاءً؟

وذات يوم مر رجل في بلد على أحد أمثال هؤلاء الحكام فرأى امرأة تبكي وحولها أطفال، فتضرعت المرأة إليه بأن زوجها طلقها ولم يعطها ورقة الطلاق، مما لا تتمكن لا من البقاء بلا عيش ولا من أن تتزوج حيث لا تملك ورقة الطلاق، وأصرت عليه أن يذهب بها إلى الحاكم ثم يطلقها قربة إلى الله، انخدع الرجل وذهب بها إلى الوالي فطلقها وبعد أن طلقها طلبت المرأة من الوالي أن يعطي نفقتها لأيام العدة وأن يأخذ الأولاد إلى داره، وكلما حاول الرجل أن يتنصل من الطلاق وأن يثبت أنه كان بإصرار منها وأنه ليس من أهل هذا البلد، لم يسمع الوالي كلامه وأجبره على أن يأخذ الأولاد فأخذ ولداً بيده اليمنى والآخر بيده اليسرى وخرج من بيت الوالي فرآه بعض أصدقائه وهم يعلمون أنه لا زوجة له، ولا أولاد في هذا البلد وسألوه عن مصدر هؤلاء الأولاد؟

فقال: إن الوالي يقسم أولاد الحرام وأصابني منهم هذين الولدين(2).

من الديكتاتورية العثمانية:

وذات مرة اشتكت امرأة على ولدها عند الوالي في بغداد بأنه لا يعيرها اهتماماً وكان اسم الوالي (أحمد آغا) فغضب الوالي غضباً متزايداً وأمر الشرطة أن يذهبوا مع المرأة إلى دارها لجلب الولد حتى يعاقبه بالإعدام لأنه يسيء إلى أمه، لكن الأم حيث خافت من تنفيذ الوالي حكم الإعدام بحق ولدها، دلت الشرطة على شاب آخر كان يمشي في الطريق، فسحبه الشرطة إلى الوالي، فأخذ الوالي يسب الولد سباً مقذعاً، ويهدده بتنفيذ حكم الإعدام في حقه، والولد يتضرع ويصيح بأن هذه ليست أمي، فازداد الوالي غضباً، وأخذ يصر على إعدامه. قائلاً: أنت تسيء إلى أمك ومع ذلك تنكر أنها أمك. وبعد وساطات من المرأة وجماعة من الجالسين أمر الوالي بمعاقبة الولد وحكم عليه بأن يحمل على كتفه أمه إلى دارها بمعية الشرطة، حتى لا يخالف الولد الأمر وإلا فيصلبه في هذه المرة، وحمل الشاب الضعيف الجسم المرأة الجثيثة إلى دارها على عاتقه وكلما لقي الشاب بعض أصدقائه سألوه عن شأن المرأة المحمولة على كتفه، فيقول: إنها إمي فإذا قالوا له: إنك قد ماتت أمك منذ زمان. كان الشاب يقول: أنتم لا تعلمون وإنما هي أمي ولكن فهّموا (أحمد آغا) يعني الوالي.

حق القصاص للسارق!!

اشتكى عند والي الموصل سارق بأنه ذهب إلى دار ليسرق متاعاً، فدخل مسمار في الحائط عينه حيث لم يكن يبصر شيئاً في ظلمة الدار والآن بسبب ذهاب عينه يريد القصاص أو الدية. فطلب الوالي صاحب البيت وخيّره بين الأمرين: القصاص أو الدية. قال صاحب الدار: إني حائك والمسامير في الحيطان لأجل ربط الخيوط بها وليس الذنب ذنبي وإنما ذنب السارق الذي جاء إلى داري للسرقة. لكن الوالي لم يسمع الكلام، وقال: لا بد أن أطبق آية القرآن عليك حيث قال سبحانه: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين)، وأراد أن يفقأ عين الرجل، فاحتال الحائك لإنقاذ نفسه وقال: أنا حائك، أحتاج إلى العينين ولكن بعض جيراننا صياد والصياد يفتح عيناً ويغمض عيناً عند إرادته رمي الصيد فإذا أردت القصاص فاقلع عين الصياد لعدم احتياجه في عمله إلى عينين، فاستحسن الوالي كلامه وأمر بإحضار الصياد وقلع إحدى عينيه في قبال إحدى عيني اللص.

جزاء من مدح علياً (ع)!!:

كان أحد طلبة العلوم الدينية في كربلاء المقدسة، قد كتب فضيلة من فضائل علي (عليه السلام) مما لم يرق ذلك للمتصرف الذي كان من أعوان (عبد الكريم قاسم) فأمر بإعدامه، ولما سأل عن سبب الإعدام قال: لأن ذكر هذه الفضيلة كفر والكفر جزاؤه الإعدام، فحاولنا بشتى الوسائل والسبل في خلاص ذلك الرجل وإخراجه من البلاد حتى لا يكون فيما تناله يد المتصرف.

كما أنه أراد إعدام طالب آخر لأنه كتب كلمة لا تلائم المتصرف ولو لم تكن الكلمة سياسية إطلاقاً مما اضطررنا إلى تهريبه إلى سوريا تحت جنح الظلام والآن الطالب الأول يعيش في طهران والطالب الثاني يعيش في لبنان.

جنود من عسل؟!

وكان معاوية يدس السم في العسل أو في اللبن أو نحوهما فيقتل خصومه، وقد قتل مالك الأشتر بسبب دسّ السم في العسل ثم لما سمع خبر استشهاده وهو في دمشق سجد لله شكراً!

وقال: (إن لله جنوداً من عسل) كما أنه قتل الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) بدس السم إليه في اللبن، بالإضافة إلى زرع الخوف في المسلمين، وشن الغارات المفاجئة على حدودهم الآمنة التي كانت في نفوذ حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وقتل رجالهم وسبي نسائهم.

دفن أنصار النظام البائد:

وأبو العباس السفاح قتل جماعة بسبب عمارة بناها على الملح فأحضر أنصار الحكام السابقين في تلك العمارة ثم أمر بفتح الماء على مبانيها ولما ذاب الملح انهدمت عليهم جميعاً وماتوا!!

الضحايا تحت المائدة!

وكان الحجاج يقتل الناس أمامه ثم يفرش على أجسامهم المائدة، ويجلس هو وأصحابه أطرافه ويأخذون في الأكل والقتلى تحت المائدة يرفسون بأيديهم وأرجلهم، فكان ذلك يسبب فرحه وسروره..

خطباء النظام الأموي:

وكان معاوية يأمر بسب علي (عليه السلام) على المنابر، حتى أنه كما يقول التاريخ كانوا يسبونه (عليه السلام) فوق (سبعين ألف منبر وعشرة) فقال قائل له: يا معاوية اتق الله فلو أمرتهم بسب الله ورسوله لسبوا.

الديكتاتور: صنم يعبد:

وقد سمعنا في زماننا أن إحدى المذيعات في دار الإذاعة العراقية أذاعت من راديو بغداد أيام قاسم (إن قاسم إله الكائنات).

الديكتاتور يجوع الناس:

وخرجت مظاهرة في فرنسا يطلبون من الملك الخبز لأنهم ما كانوا يملكون الخبز، فقالت زوجة الملك: ماذا يريد هؤلاء؟

قالوا لها: إنهم يريدون الخبز. قالت: أليس الخبز في البلد؟

قالوا لا، لا خبز لأنهم لا يملكون الثمن أيضاً. قالت: فليأكلوا الكيك عوض الخبز.

من اللصوصية إلى رئاسة الحكومة:

مر أحد ملوك أفغانستان مع جلاوزته على بستان والبستاني واقف خارج البستان، فلما رأى الملك ذهب إلى داخل البستان وقطف لهم بعض الثمار وجاء به في طبق إلى الملك فأمر الملك بضرب عنقه فضربوا عنقه، ولما سألوا الملك عن سبب قتله؟

قال: إني كنت لصاً قبل أن أصل إلى الملك، ودخلت بستان هذا الرجل في ذلك الوقت وسرقت من بستانه بعض الفواكه، ولما جاء هذا الرجل ونظر إليّ عرف أني ذلك السارق القديم فأردت قتله لستر الفضيحة حتى لا يخبر أحداً بذلك.

طبيعة الاستبداد

من طبيعة الاستبداد أنه يأتي بالانحرافات والموبقات ويُوجب التقهقر والتأخر في البلاد ويسبب إذلال العباد ونذكر منها أموراً:-

منها: إنه يأتي إلى الحكم بالفرد الأسوأ فالأسوأ والأفسد فالأفسد.

ومنها: أنه يأتي بالرأي الأضعف فالأضعف لأنه لا يقبل إلا ما يلائم الهوى والهوى يخالف الهدى.

ومنها: إن القادة يصبحون أكثر ترهلاً فأكثر ويصبحون أكثر تطلباً للرفاه على حساب الآخرين.

ومنها: إن الحركة إذا كانت مستبدة تصبح أكثر انكماشاً فأكثر لخروج العناصر الخيرة منها ويأخذ مكانهم المتزلفون والمتملقون والانتهازيون والمصلحيون من غير فرق بين أن يكون الاستبداد في الحكومة أو في الحزب أو في المنظمة أو في الهيئة أو في غيرها من المؤسسات الجماعية...

ومنها: أن الحكومة أو الحركة لما لم تكن مغرية لأن الترهل لا يغري الناس لا يلتحق بها العباقرة والمصلحون والنشطون والحركيون وغيرهم من أصناف التقدميين.

ومنها: إن الاستبداد من طبيعته اضطهاد كل الطبقات حتى الطبقة الحاكمة باستثناء فرد الحاكم ويصبح بعضهم متآمراً على بعض ومن هنا جاء قولهم: (الثورة كالهرة تأكل أبناءها) وليست هذه طبيعة الثورة بما هي ثورة وإنما هي طبيعة الاستبداد سواء كانت في الثورة أو في الحكومة أو الجماعة أو التنظيم وإن لم تكن الحكومة ثورية ومن الواضح أن ما يمهد للدكتاتور لوصوله إلى الحكم هو الظلم الشامل وعدم سيادة القانون وخوف في الجميع وعدم قدرة العقلاء على الحل ونفاق من الدكتاتور حيث يظهر أنه إذا جاء أصلح ويخفي باطنه ويظهر الصلاح والإصلاح ولما يصل إلى الحكم يقلب ظهر المجن ويفعل عكس ذلك وقد كان كل من لينين وموسيليني وهتلر وناصر وقاسم والبكر وصدام والبهلوي وغيرهم من الدكتاتوريين هكذا، وكذلك كان الأمر في الأمويين والعباسيين والعثمانيين ومن إليهم.

ومن الواضح أن الخارج عن القانون لا يمكن أن يعتمد عليه والدكتاتور خارج عن القانون ولا يلتف حول الدكتاتور ويصفق له إلا الطبقات المحرومة غالباً الذين سحقتهم عجلات الحكومة السابقة فيلتفون حول الحاكم الجديد الدكتاتور بظن أنه ينجيهم وإذا هو بنفسه يضطهدهم أكثر فأكثر فالكاسب الذي كان يهدد من قبل الدكتاتور السابق وكذلك الضابط والجندي والعامل والفلاح الذي سلبت عنه الحرية والمثقف الذي فقد مكانته في المجتمع ولا يجد لنفسه مركزاً في أي مكان من المؤسسات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها الذين يلتفون حوله.

ومن طبيعة الدكتاتور دائماً أنه يلتجئ إلى الحرب لأنه بالحرب يظهر نفسيته المستعلية، كما أنه يلتجئ إلى الإرهاب فيحوّل بسبب الحرب، القوى البشرية من الخدمة البنّاءة إلى الهدم كما أنه يحوّل بسبب الحرب والإرهاب جماعة كبيرة من الناس إلى العبودية الاقتصادية وبالنتيجة: يهبط بمستوى الملايين من الناس ويسلب منهم الحرية والرخاء المادي ويزجهم في العجز والفقر والفوضى.

الديكتاتور معقد نفسياً

وغالباً ما يكون الدكتاتور شخصاً معقداً ساقطاً في المجتمع فيحاول أن يحطم الإطار الاجتماعي لأنه لم يستطع أن يحقق نجاحاً في داخله، وهو بطبيعة الحال يستقطب حول نفسه العناصر الخارجة عن القانون وقد كتب أحد الكتاب حول موسيليني وهتلر (ما يظهر حقيقة الدكتاتور) قائلاً: إن كلاً منهما كان يمثل الفشل الذي يسعى إلى تحطيم الإطار الاجتماعي. وإن كلاً منهما استطاع أن يستغل متناقضات المجتمع لإثارة آمال تمهّد السبيل إلى القوة، وكل منهما لم يكن يعرف ماذا يصنع إلا أنه يريد نفسه وعلوه وارتفاعه، وبعد أن يحصل على شيء ليس له إلا المحافظة عليه، وكل منهما بوصفه حاكماً كان قد حوّل أساليب العصابات التي وصل عن طريقها إلى السلطة إلى تثبيت دعائم سلطته. فبوادي التحدي تواجه بالإرهاب، وعدم القدرة على حل المشاكل الناجمة عن حيازتهما للدولة تقابل بالتوسع الإرهابي. ومن الواضح أن كل حالة من هذه الحالات تنطوي على مقتضيات التوسع فهي تنطوي أولاً على الإيقاف الكامل للقواعد المألوفة للتجارة مع ما يترتب على ذلك من ضعف الأمل في استعادة الأمة سابق نشاطها.

ثانياً: وهي تنطوي على إنكار القواعد الطبيعية في العلاقات وما يترتب عليه من قبول لأكثر أساليب سياسة القوة ويزداد معدل سرعة سياسة القوة هذه بصورة هائلة، لأن فجاجة الأساليب المستعملة ذاتها تعمل بطريقة طبيعية على زيادة التوتر والمخاوف ومن الواضح أن من استمرأ الخروج عن القانون لا يتمكن أن يحكم القانون لأنه لما لم تكن لديه فلسفة فإنه ليس أمامه سبيل يسير فيه نحو علاقات سلام وقانون، وهو مضطر دائماً إلى إشعال حرب أهلية في الداخل حتى يحافظ على قوته، كما أنه مضطر إلى إشعال حرب في الخارج حتى يحول دون هزيمته في الداخل.

الدكتاتور والقانون

سرعان ما يُكتشف معظم الذين استولوا على الحكم عن طريق ديكتاتوري إنهم لم يعيدوا النظام والقانون بأي معنى حقيقي حيث أن الإرهاب الدائم ليس إعادة للقانون والنظام. وبذلك يظهر أن مهادنة الخارج عن القانون ليست طريقاً سليماً لإعادة الدولة، بل هي طريق تؤدي إلى تحطيم كل المثل الاجتماعية والأعراف والقوانين، فإن القاتل المحترف لا يطمع فيه طاعة حكم القانون، بل هو ينزل بالمجتمع إلى مؤامرة لا يأمن فيها أحد على نفسه، لأنه حتى الخارج عن القانون يعتمد على قدرته في إرضاء وإرغام زملائه الخارجين على القانون الذين يعتمد عليهم مباشرة. والدكتاتورية دائماً تتعارض مع الحركة للتاريخ، لأنها انتكاس لا تقدم، فالدكتاتور يعكّر السلام ويستهتر بالقانون ويقضي على الثقة ويعادي الأمة ويلقي بينهم التفرقة والنفاق، ولذا فالفاشية في كل صورها: القومية والبعثية والشيوعية والوجودية ليست إلا ظاهرة عابرة في التاريخ ولا يمكن أن تكون دائمة إذ لا تستطيع أن تكتسب هدفاً إلا إذا كوّنت فلسفة، ومن الواضح أنه إذا كونت فلسفة لا تكون دكتاتورية ولذا فالدكتاتور محكوم عليه بالفشل وعلى خططه بالفوضى وعلى حكومته بالسقوط وإنما نصيب الدكتاتور قدر من الاحترام المضطر إليه، المشوب بالرعب، وذلك لجرأة الدكتاتور في التقدم، والناس عادة يحترمون المتقدمين ولو بالقهر والغلبة، أو التزوير والخداع.

وعود الدكتاتور كاذبة

نرى أن أنصار الدكتاتور دائماً يشيحون بوجوههم عن مظالم الدكتاتور، من السجون والمعتقلات ومعسكرات التعذيب، ويقولون أن هذا شيء عابر وإنه حدث بدون علم الدكتاتور، وإنهم يبشرون دائماً بحياة مشرقة طبيعية بعد فترة من الزمن، لكن لا تأتي هذه الحياة المشرقة إلا بسقوط الدكتاتور.

والمستبد دائماً يخلق الأعذار الواهية لمهاجمة أعدائه الخياليين وذلك حتى يبرر استبداده ودكتاتوريته.

لا منطق للديكتاتور

والدكتاتور لا برهان له ولا منطق.

ولذا ترون أن موسى (عليه الصلاة والسلام) لما خاصم فرعون ولقطع فرعون عن الجواب توجه إلى من في أطرافه وجلاوزته، وقال لهم كما يحكي القرآن الحكيم: (إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون)(3).

ولما حاج إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) نمرود وقال: (إن ربي الذي يحي ويميت)(4) قال نمرود: (أنا أحي وأميت)(5) مغالطاً مع إبراهيم (عليه السلام) في كلامه، ثم أحضر نفرين من السجن وضرب عنق أحدهما وقال: إنه ممن أماته، وأطلق سراح الآخر وقال: إنه ممن أحياه. فرفع إبراهيم (عليه السلام) يده عن هذا المنطق الذي يقابله الدكتاتور بالعنجهية والكبر، واستدل بما لا يتمكن من المغالطة فيه قال عليه الصلاة والسلام له: (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر)(6) لكنه أمر بإلقاء إبراهيم في النار في قصة معروفة. وكان الدكتاتوريون من الحكام المترفين يقولون للأنبياء ما حكاه القرآن الحكيم بقوله سبحانه: (ولولا رهطك لرجمناك)(7) وفي آية أخرى: (فردوا أيديهم في أفواههم)(8) حيث كانوا يضعون أيديهم في أفواه الأنبياء حتى لا يتمكنوا من التكلم.

ومشكلة بلاد الإسلام أن جميع البلاد ابتليت بالكفار الشرقيين أو الغربيين، بينما في السابق من عمر الإسلام الطويل لم يكن، هكذا فأما كل البلاد كانت إسلامية، وأما إذا ابتليت البلاد بالكفار فكان بعض البلاد مبتلى بهم.

مثلاً: المغول جاءوا من الشرق إلى البلاد الإسلامية وكسحوا الإسلام والمسلمين، لكن النصف الغربي من البلاد الإسلامية كانت تعيش في بحبوحة الحرية، والصليبيون جاؤوا من الغرب وكسحوا نصف البلاد الإسلامية الغربية، أما نصف البلاد الشرقية فكان في الرفاه والحرية.

ولذا كان المسلمون يتمكنون من الفرار من هذا الجانب إلى ذلك الجانب أو من ذاك الجانب إلى هذا الجانب، وكانوا بسبب بقاء نصف البدن الإسلامي صحيحاً معافاً يتمكنون من إنقاذ النصف الآخر المبتلى، أما في الحال الحاضر فالبلاد ابتليت بهم وبالمستبدين الداخليين الذين منعوا الزراعة والعمارة والتجارة والصناعة والسفر وكل شيء.

كما منعوا عن إبداء الرأي وهذه المشكلة لم تكن مسبوقة في بلاد الإسلام، ولذا يحتاج حلها إلى جهود وجهاد كبيرين، وقد أصبحت بلاد الإسلام في الحال الحاضر أكثر مشكلة من بلاد الكفار قبل ظهور الإسلام. فقد كان في شبه الجزيرة قبل ظهور الإسلام منطقة أمن زماني في كل عام وهو أيام الأشهر الحرم، ومنطقة أمن مكاني على طول الخط في كل أشهر السنة وهي مكة المكرمة، لكن هؤلاء الحكام ليس لهم ذلك، ولذا يطارد مباحثهم الناس على طول الخط في كل زمان ومكان.

ما الذي يصد الديكتاتور؟

ولا يقف أمام الدكتاتور في تصرفاته إلا توزيع القدرة، فإن القدرة إذا وزعت في شكل حركات ومنظمات وكانت مسندة من قبل مؤسسات دستورية وسياسية لا يتمكن الدكتاتور لا من الوصول إلى الحكم ولا من البقاء في الحكم لو فرض الوصول إليه، لأن المؤسسات الدستورية والقوى المتقابلة والمتنافسة، والمنظمات المتعددة، ليست محلاً لوجود الدكتاتور لا لنموه ولا لبقائه، وحيث أن الدكتاتور يحرف الإدارة يفسد كل شيء من المحيط الطبيعي إلى المحيط الاجتماعي.

 

1 ـ وقد حدثت شبه هذه القصة في بلد آخر كما أشرنا إليها في ما تقدم (منه دام ظله).

2 ـ في القانون الإسلامي يسمع دعوة مثل هذا الرجل بما يأتي من البينة (منه دام ظله).

3 ـ سورة الشعراء: الآية 27.

4 ـ سورة البقرة: الآية 258.

5 ـ سورة البقرة: الآية 258.

6 ـ سورة البقرة: الآية 258.

7 ـ سورة هود: الآية 91.

8 ـ سورة إبراهيم: الآية 9.