الفهرس

فهرس الفصل السادس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

ضحية العيد!!

واسمعوا إلى هذه القصة حتى نعرف كيف أن الحكام المستبدين يتصرفون في دماء المسلمين وأموالهم:

قال الشعبي: كنت بواسط وكان يوم أضحى فحضرت صلاة العيد مع الحجاج فخطب خطبة بليغة، لما انصرفت جاءني رسوله يدعوني فأتيته جالساً مستوفزاً، قال: يا شعبي هذا يوم أضحى وقد أردت أن أضحي فيه برجل من أهالي العراق، وأحببت أن تسمع قوله فتعلم أني قد أصبت الرأي فيما أفعل به.

فقلت: أيها الأمير أو ترى أن تستن بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتضحي بما أمر أن يضحى به، وتفعل مثل فعله، وتدع ما أردت أن تفعله في هذا اليوم العظيم إلى غيره.

قال: يا شعبي إنك إذا سمعت ما يقول صوبت رأيي فيه، لكذبه على الله وعلى رسوله، وإدخال الشبهة في الإسلام.

قلت: أفيرى الأمير أن يعفيني من ذلك؟

قال: لا بد منه.

ثم أمر بنطع فبسط وبالسياف فاحضر، وقال: أحضروا الشيخ فأتوا به، فإذا هو يحيى بن يعمر، وكان يحيى بن يعمر تابعياً عالماً بالقرآن والسنة وكان شيعياً يتشيع لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) وكان إمام القراء بالبصرة عالماً بالقرآن فقيهاً نحوياً لغوياً أديباً.

قال الشعبي: فاغتممت غماً شديداً وقلت في نفسي: وأي شيء يقوله يحيى مما يوجب قتله؟

فلما أحضر قال له الحجاج: أنت تزعم أنك زعيم العراق؟

قال يحيى: أنا فقيه من فقهاء العراق.

قال: فمن أي فقهك زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال: ما أنا زاعم ذلك بل قائله بحق.

قال: وبأي حق قلته؟

قال: بكتاب الله (عز وجل).

فنظر إليّ الحجاج وقال: اسمع ما يقول فإن هذا مما لم أكن سمعته عنه، أتعرف أنت في كتاب الله عز وجل أن الحسن والحسين من ذرية محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

فجعلت أفكر في ذلك فلم أجد في القرآن شيئاً يدل على ذلك.

وفكر الحجاج ملياً ثم قال ليحيى: لعلك تريد قول الله عز وجل: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(1) وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج للمباهلة ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين؟

قال الشعبي: فكأنما أهدي إلى قلبي سروراً، وقلت في نفسي: قد خلص يحيى وكان الحجاج حافظاً للقرآن. فقال له يحيى: والله إنها لحجة على ذلك بليغة، ولكن ليس بها أحتج لما قلت، فاصفر وجه الحجاج وأطرق ملياً ثم رفع رأسه إلى يحيى وقال له: إن أنت جئت من كتاب الله عز وجل بغيرها في ذلك فلك عشرة آلاف درهم، وإن لم تأت بها فأنا في حل من دمك.

قال: نعم. قال الشعبي: فغمني ذلك، وقلت في نفسي: لقد رد الحجاج الآية التي كان ليحيى الاحتجاج بها لإثبات قوله والتخلص من فتكه، مع أن الحجاج قد عرف الآية، فإن جاءه بعد هذا بشيء لم آمن أن يدخل عليه من القول ما يبطل به حجته، لئلا يقال أنه قد علم ما قد جهله.

فقال يحيى للحجاج: قول الله عز وجل: (ومن ذريته داود وسليمان)(2) من عنى بذلك؟

قال الحجاج: إبراهيم (عليه السلام) قال: فداوود وسليمان من ذريته؟

قال: نعم.

قال يحيى: ومن نص الله عليه بعد هذا أنه من ذريته؟

فقرأ الحجاج: (وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى)(3).

قال يحيى: ومن أين كان عيسى من ذرية إبراهيم ولا أب له؟

قال: من قبل أمه مريم.

قال يحيى: فمن أقرب مريم من إبراهيم؟

أم فاطمة من محمد (صلى الله عليه وآله)؟ وعيسى من إبراهيم أم الحسن والحسين من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

قال الشعبي: فكأنما ألقمه حجراً، فقال: أطلقوه قبحه الله وادفعوا إليه عشرة آلاف درهم لا بارك الله له فيها.

ثم أقبل علي فقال: قد كان رأيك صواباً ولكنا أبيناه، ودعا بجزور فنحره، وقام فدعا بالطعام فأكل وأكلنا معه، وما تكلم بكلمة حتى انصرفنا ولم يزل مما احتج به يحيى بن يعمر واجماً، ثم نفى يحيى إلى خراسان.

فانظروا إلى هذه القصة الصغيرة الحجم الكبيرة المعنى في استهتار الحكام المستبدين بالمسلمين، فهو أولاً يقتل الناس لاختلاف الرأي حتى ولو كان شيخاً كبيراً فقهياً، بل زعيم العراق على الإطلاق.

وثانياً: يحضر السيف والنطع قبل إتمام الحجة وإقامة الدليل.

وثالثاً: يستهزئ برسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث يقتل الإنسان عوض الأنعام في يوم الأضحى!

ورابعاً: يعطي أموال المسلمين اعتباطاً حسب شهواته وأهوائه فمن أين يعطي عشرة آلاف؟

(ومن المتيقن أن يحيى يصرف المال في مصرفه الشرعي) لكن الكلام في هبة الأمير ما لا يملك من أموال المسلمين.

وخامساً: يعرف الحجة هو بنفسه ومع ذلك يريد قتل الناس لمجرد الشهوة والتعطش إلى الدماء.

وسادساً: يرى أن من يقول بمقالة يحيى بن يعمر ولو كان لديه الحجة من القرآن، كافراً بالله ورسوله ومدخلاً للشبهة في الإسلام.

وسابعاً: بعد إتمام الحجة ينفي الرجل الشيخ الكبير الفقيه إلى أبعد موضع من ديار الإسلام (خراسان) ثم لنستمع إلى بقية القصة:

فعن الطبري في تاريخه: أنه كتب يزيد بن المهلب إلى الحجاج ببعض الفتوح، وكانت كتب يزيد إلى الحجاج يكتبها يحيى بن يعمر العدواني، وكان حليفاً لهبيل فكتب: إنا لقينا العدو فمنحنا الله أكتافهم فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة برؤوس الجبال وعراعر الأودية وأحضان الغيطان وأثناء الأنهار.

فقال الحجاج: من يكتب ليزيد؟

فقيل: يحيى بن يعمر.

فكتب إلى يزيد يرسله إليه، فحمله على البريد، فقدم عليه فإذا هو من أفصح الناس فقال له: أين ولدت؟

فقال بالأهواز؟

قال: فهذه الفصاحة من أين؟

قال: حفظت كلام أبي وكان فصيحاً.

قال: من هناك فأخبرني هل يلحن عنبسة بن سعيد.

قال: نعم كثيراً.

قال: ففلان؟

قال: نعم.

قال: فأخبرني عني ألحن؟

قال: نعم، تلحن لحناً خفياً تزيد حرفاً وتنقص حرفاً وتجعل إن في موضع أن وأن في موضع إن.

قال: قد أجلتك ثلاثاً، فإن أجدك بعد ثلاث بأرض العراق قتلتك، فاضطر يحيى إلى الرجوع إلى خراسان.

وثامناً: يحضر شيخاً كبيراً من الفقهاء من خراسان إلى العراق لمجرد أمر سخيف.

وتاسعاً: يغضب على مثل هذا الشيخ لمجرد أن قال له الصدق في كلامه بعد أن استفسر منه.

وعاشراً: ينفيه مرة ثانية إلى خراسان والله العالم بماذا لقي يحيى بعد التبعيد ثانياً، وأنه ماذا كتب إلى والي خراسان في حقه وهل أنه بقي سالماً أو قتل أو مات جوعاً كما مات أبو ذر من قبل ذلك في الربذة جوعاً.

طغيان التبذير

ومن طبيعة الاستبداد الاستهتار بأموال الناس في سبيل الأبهة وإرضاء الشهوات، وهكذا يجد الإنسان كل مستبد رآه بنفسه وعاصره أو قرأ عنه في التواريخ.

ذكروا في أوصاف قصورهم وأثاثهم وفرشهم وما إلى ذلك، سواء في كسرى أو قيصر أو خلفاء بني أمية أو خلفاء بني العباس أو خلفاء العثمانيين الشيء المدهش حقاً، فذات مرة جاء وفد ملك الروم إلى هارون العباسي في بغداد، وقد صف هارون على طريقه مائة وثمانين ألفاً من الخدم والحشم بثياب واحدة وهيئة واحدة سيوفهم مشهورة وهم متسربلون بالحديد، وفرش للوفد ثمانية وعشرين ألف سجادة من أثمن السجاد، وأقام لهم أربعين ألف ستراً من الديباج والحرير بإضافة سائر التزيينات. وإذا حل الليل أضاء الطريق بسلسلة من المصابيح وكان طول ذلك أربعة فراسخ، وصفّ لهم في مدخل القصر الوحوش المدربة من السباع والفهود لتحييهم. أما داخل القصر والذي كان يسمى بقصر الخلد ففيه الشيء الكثير من الترف والسرف والتبذير والاستعلاء والكبرياء، وفي نفس هذا الوقت كان في بغداد بل سائر بلاد الإسلام الفقر المدقع والمسكنة الشديدة لطوائف كثيرة من الناس ممن لا يجدون حتى لقمة العيش وسترة الجسد وظل جدار.

التعذيب الجاهلي

وينقل عن أحد ملوك إيران قبل الإسلام أنه جاء إليه شاب يتظلم ويطلب من الملك النظر في ظلامته، فغضب الملك أنه كيف تجرأ ووصل إليه؟

وأمر جلوازه أن يأخذ الشاب ويقلع أسنانه سناً سناً، ثم يجعل السن على رأسه ويضرب بالمطرقة على السن حتى يغرس في رأسه، وهكذا فعلوا بالشاب حتى مات في أثناء ذلك، لكن الملك أمر بإتمام ذلك التعذيب على ميته وغرس أسنان الشاب في رأسه بالمطرقة ولذا مزّق الله ملكهم كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)(4).

وينقل عن البهلوي الأول أنه إذا مات بعض السجناء المحكوم عليهم بالقيد أمر أن يدفن بِغُلهِ ويجعل طرف الغل خارج القبر لإرهاب الناس، وقد اشتهر في المثل (الملك مع الكفر يدوم ومع الظلم لا يدوم).

وفي حديث: أن الله سبحانه وتعالى بعث نبياً من الأنبياء إلى جبار من الجبابرة ليقول له: (إني ما جعلتك ملكاً للناس (المراد بالجعل التكويني، أي أن الأسباب الطبيعية تنتهي إلى النتائج الطبيعية) حتى تظلم الناس وإنما جعلتك لأن تنقذ المظلوم وسآخذك على ظلمك)(5).

مكافأة العلماء

وينقل في سبب عمى محمد بن زكريا الرازي الطبيب أنه ألف كتاباً في الكيمياء فوصل كتابه إلى طاغ من طغاة زمانه فقرأ الكتاب، ولما لم يعرف صنعه طلب زكريا وقال له: لا بد وأن تصنع الكيمياء كما كتبت حتى نتمكن من تذهيب النحاس، لكن زكريا كان قد كتب كتاباً علمياً ولم يكن قد كتب كتاباً تجريبياً خارجياً، ولما أبى عن ذلك معتذراً بأنه كتاب علمي وليس بكتاب عمل. أمر الملك بأن يؤخذ الكتاب (وكان كتاباً ضخماً مجلداً) ويضرب على رأسه حتى تتمزق الأوراق والجلد قطعة قطعة وهكذا فعلوا بهذا الطبيب الرفيع المنزلة حتى عمي تحت ضربهم وبقي أعمى إلى آخر حياته.

الديكتاتور: الصاعقة

ومن الدكتاتوريين السلطان سليم الذي حكم تركيا وأقام فيها دولة بالحراب، وضرب قوانين الإسلام عرض الحائط وكان يلقب (بياوز) وهو باللغة التركية بمعنى (الصاعقة) فلم يكن يقف في وجهه شيء، فكان طاغوتاً جباراً سفاكاً للدماء سلاباً للأرواح يهتك الأعراض وينهب الأموال ويخون بالعهود. آمن أهل حلب على دمائهم وأموالهم ثم فرض عليهم ضريبة سماها (مال الأمان) كادت تستغرق عامة أموالهم، وقتل جماعة كبيرة من المسلمين لأنهم يخالفونه في الاعتقاد حيث كان هو سني المذهب على زعمه وأولئك من الشيعة، حتى أنه قتل في موقعة واحدة أربعين ألف من الشيعة بمجرد كونهم مخالفين له في المذهب.

وأرسل إلى السلطان الغوري يطلب منه الدعاء، ثم أمر بقتله، ثم قتل القاتل الذي تجرأ فنفذ الأمر بقتله!

وهو الذي أباد أهل الرملة كلهم لوشاية واش أخبره بأنهم قتلوا جندياً من جنوده، وكان القتل أهون شيء عليه لا يعرف قريباً ولا غريباً ولا عدواً ولا صديقاً ولا مسلماً ولا كافراً، وقد خنق أخوته لما خشي أن يزاحموه على الملك وقتل سبعة عشر من أهل بيته وسبعة من وزرائه, ولما رد عليه رئيس وزرائه (يونس باشا) كلمة كان الحق فيها أمر بضرب عنقه فضربت عنقه قبل أن يتم جملته!

وكان دائم الغضب لا يضحك أبداً والسيافون بين يديه وهم رهن إشارته في إزهاق الأنفس، ولما ترك (للشراكس) في مصر أوقافهم قال له رئيس وزرائه ويسمى (بري باشا): يا مولانا فني مالنا وعساكرنا في حربهم وتبقي لهم أوقافهم يستعينون بها علينا؟

وكانت رجل السلطان في الركاب فأشار إلى الجلاد بقطع رأسه، فضرب الجلاد عنق رئيس الوزراء فصار رأسه على الأرض قبل أن يصير السلطان على الفرس.

وكان من عادة وزرائه أنهم إذا انتخبهم للوزارة كتبوا وصيتهم وأعدوا كفنهم وودعوا أهلهم فلا يدرون كلما ذهبوا ليقابلوا السلطان أيعودون أحياءً أو يحملون على الجنائز، وكان الوزراء والمقربون إليه يرتجفون خوفاً منه وكان إذا قتل أناساً أمر بأن ينصب رؤوسهم على الرماح الطوال! وكثيراً ما رأوا أهل البلاد جيشاً يأتي وبأيدي الجيش الرماح الطوال وعلى رؤوس تلك الرماح الرؤوس المقطوعة.

ولقد كان من عــــادة الدكتاتوريـــين إبتداءً من معاويـــة، حيث قال الإمام (عليه السلام) مشيراً إليه: (وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة)(6) وإلى آخر خليفة عثماني، إنهم إذا ظفروا بعدوهم، قطعوا رؤوس كبارهم وأداروها في البلاد، لإرهاب الناس، ثم أبردوا بها إلى العاصمة، وحيث أن الرؤوس تنتن في الصيف كانوا يهيئون أكياساً مملوءة بالثلج، فيضعون الرؤوس فيها، حتى لا تتغير معالمها، وتصل بيد الخليفة الفاتح واضحة السمات والمعالم، ليشفي منها غيظه، ويشمت بها، ويفتخر بالانتصار عليها.

نعم أمثال هؤلاء الذين سموا أنفسهم بالخلفاء من الأمويين والعباسيين والعثمانيين ومن إليهم، هم الذين سببوا ضياع الإسلام وتسلط أعدائه عليه كما سببوا إشمئزاز النفوس من اسم الإسلام وهؤلاء هم الذين وقفوا دون انتشار الإسلام وإلا فلو أخذت سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) معياراً للأمر، لكان الإسلام في هذا اليوم يعم كل العالم بلا استثناء. وقد ورد في الحديث: (ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم)(7) وملاكه آت في الحكام، فإنه من الواضح أن الناس يقيسون المبادئ بحملته ولولا عناية الله سبحانه وتعالى على الإسلام والمسلمين الصادقين لم يبق من الإسلام حتى الاسم ولا من القرآن حتى الرسم ولا من المسلمين حتى الفرد.

ونسأل الله (سبحانه وتعالى) أن يوفق المسلمين مرة ثانية للعمل بالإسلام حتى يأخذوا بالزمام كما كانوا في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله) وما ذلك على الله بعزيز.

معشر المستبدين

ثم إن من عادة المستبد أن يجمع حول نفسه المستبدين فيزيدونه استبداداً وجهلاً حتى يذهب إلى آخر الطريق فلا يجد ملجأ للتخلص من تبعات استبداده وعند وقوع الحادث عليه لا يجد من ينصره لأنه بنى حول نفسه بنياناً شامخاً من كره الناس والتاريخ ينقل أن أحد الشعراء خاطب الملوك بهذا الشعر:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار          فـــاحكـــم فأنت الواحد القهار

وقال شاعر آخر حول بني أمية:

والآن صــــــرتي إلـــى أمية          والأمــــــــور لهــا مصائـــــر

وقال ثالث حول عبد الملك:

(إنه خليفة الله ومحمد (صلى الله عليه وآله) رسول الله، وخليفة أحدكم خير من رسوله، فعبد الملك خير من رسول الله) وعبرت - كما أشرنا سابقاً - إحدى المذيعات في إذاعة بغداد عن (عبد الكريم قاسم) (بآله الكائنات) كما عبر آخر عن مستبد آخر (بأنه رسول هذا الزمان).

وليعلم الحاكم المستبد أنه يجني من استبداده لنفسه أشد الضيق كما هي طبيعة السيئة، فإن كل واحد من السيئة والحسنة تعطي الثمار المناسبة لها وليس هذا بالنسبة إلى الحاكم المستبد فقط، وإنما بالنسبة إلى كل عاص وطاغ ومنحرف، فإنه لا يجني من انحرافه إلا جزاءاً وفاقاً في الدنيا قبل الآخرة.

جريرة الوالد

وقد نقل لي المرحوم الخطيب الشيخ عبد الزهراء الكعبي قصتين شاهدهما بنفسه:

القصة الأولى:

أنه قال: سمعت ضوضاءاً عند دارنا فخرجت وإذا ولد ووالد والناس حولهما ينظرون إلى ما يتهاتران فتقدم الولد وصفع والده.

قال: لما رأيت ذلك هجمت على الولد أريد تأديبه فهرب فجئت إلى الوالد أسليه بأنه شاب مغرور وهذه من عادات الشباب المغرورين.

قال الشيخ: فلما انصرف الناس أخذ الوالد يبكي فقلت له: مما بكاؤك؟

قال: لا أبكي من صفع ولدي لي وإنما بكائي لأن هذه جزائي الذي تلقيته ولا أعلم هل أن الله غفر لي أم لا.

قلت: كيف؟

قال: إني صفعت أبي في نفس هذا المكان قبل أربعين سنة وهذا الصفع من ولدي جزاء ذلك الصفع.

القصة الثانية:

قال المرحوم الكعبي: مررت في طريقي على بستان فرأيت الناعور الذي يربط بحمار أو بغل أو فرس مربوطاً بإنسان كهل يدور حتى يمنح الماء إلى الساقية، فتأثرت لهذا المنظر تأثراً بالغاً، وأخذت أصيح من في البستان، وإذا بشاب جاء وقال:

ماذا تريد؟

قلت: من هذا ومن أنت؟

قال: إني ابن هذا الرجل، فتقدمت إلى الولد أريد تأديبه لكن الولد هرب، وفككت رباط الوالد عن الناعور وجلست معه أسليه وأخذت لأهاجم الولد.

قال الوالد: يا شيخ عبد الزهراء - وكان يعرفني - إن هذا جزائي العادل فإني ربطت والدي بنفس هذا الناعور أبان كنت شاباً وكان والدي كهلاً وقد توفي والدي (رحمه الله) قبل مدة فورثت البستان وكبر هذا الولد وأخذ يفعل بي الفعلة التي كنت أفعلها مع والدي.

وهناك قصص كثيرة بهذا الصدد نقلنا بعضها في كتابنا الصغير (العدل أساس الملك) وعلى هذا:

فليعلم الحاكم المستبد أنه يجد في نفسه أشد الضيق لأن الإستبداد كسائر المعاصي يعود إلى الإنسان بالضيق في محكمة النفس.

محكمة النفس

جاءني شاب بغدادي (في كربلاء) بعد أن جاءني صديق يتوسط في منحه لقاءاً خاصاً، وأنه يريد أن يأتي ليلاً لأنه لا يريد الظهور في النهار، فرأيته شاباً طويلاً وسيماً لكنه منخطف اللون أصفر كأنه عوفي من مرض لازمه مدة مديدة.

فقلت له: ما بك وما جاء بك؟

قال: اعلم أني لص في بغداد أسرق من المحلات الكبيرة والآن جئت إليك لأتوب.

قلت له: ما قصتك؟

قال: إني كنت نجاراً آخذ في كل يوم ربع دينار ولم أكن متزوجاً وكنت أصرف هذا المبلغ على نفسي وأمي وأختي حيث قد مات أبي قبل مدة، وكنت أتعب النهار من الصباح إلى الليل وفي الليل أرجع إلى البيت وأتعشى بغذاء بسيط حسب أجرتي القليلة، ثم أنام هادئاً إلى الصباح فيلتذ لي الطعام والمنام، كما اني كنت أقوم الصبح ممتلئاً حيوية ونشاطاً وقوة فأذهب إلى العمل، لكني لما كنت غير متزوج وقعت في البغاء وأخذت أصرف مالي في البغاء، وحيث أن الحرام بعضه مرتبط ببعض فارتبطت بالخمر أيضاً، وبعد ذلك ارتبطت بالأولاد في انحراف جنسي، وهكذا كنت أسهر الليالي إلى نصف الليل ولا أتمكن من القيام صباحاً وحيث أن الفساد يحتاج إلى المال، اضطررت إلى إرتكاب السرقة فأخذت أسرق من هنا وهناك من المحلات الرفيعة واشتركت مع الشرطة الذين هم يرتشون حتى لا يلقوا القبض علي، وهكذا صرفت عمري بين خمر وبغاء وانحراف جنسي وسينمات داعرة وسهر إلى الصباح أحياناً، لكن الغريب أني لا أجد الآن طعماً لشيء إطلاقاً، فبالرغم من أني آكل ألذ الأطعمة وألبس أحسن الملابس وأمارس الجنس شذوذاً وغير شذوذ مع أحسن الفتيات والفتيان، كل ذلك في مذاقي تافه لا أجد للحياة طعماً ولا للراحة معنى وهذه الحالة هي التي ضغطت علي وأجبرتني أن آتي إلى كربلاء لأتوب فهل لي من توبة؟.

قلت: نعم، إن تبت تاب الله عليك كما قال الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) للحر بن يزيد الرياحي(8)، فاذهب إلى الروضة المقدسة بعد أن تغتسل في الحمام وتبدل كل ملابسك بأن تأخذ ملابس نظيفة مباحة من صديقك هذا، وتب إلى الله تعالى والله يتوب عليك ثم شوقته كثيراً للتوبة.

قال: فماذا أصنع بأموال الناس التي سرقتها؟

قلت: هل تعرف أصحابها؟

قال: لا. قلت: كيف؟

قال: لأني غالباً كنت أسرق من الفنادق، والفنادق ينزلها الضيوف الذين لا يعرفهم الإنسان أما بالنسبة إلى من سرقت منه من بعض المحلات فإني أعرف أصحابها لكني لا أملك مالاً أرده إليهم.

قلت: لا بأس، أنو على أن تعطي بعد أن أثريت (رد المظالم) عن الأموال المسروقة التي لا تعرف أصحابها، وتوصل بقدر المال الذي سرقته من المحلات التي تعرف أصحابها إليهم ولو بسبب بريد أو ما أشبه حتى لا تظهر أمامهم بمظهر السارق ويلقون القبض عليك أو تخافهم أو تخجل منهم - إذا حصلت على المال- .

قال: أفعل إن شاء الله ثم ذهب مع صديقه. وبعد أكثر من سنة جاءني نفس الشاب ورأيته في ملابس رثة وآثار الحيوية والنشاط بادية عليه قال: رحمك الله أيها السيد فلقد هديتني إلى الطريق المستقيم فإني كما قلت، بعد أن اغتسلت وغيرت ملابسي وذهبت إلى الروضة الحسينية، تبت عند الضريح المقدس ثم ذهبت إلى بغداد ورجعت بعد مدة إلى شغلي السابق (النجارة) والآن أجد راحة غريبة كما كنت أجدها قبل أن أقع في مشكلة السرقة والفساد وإني أعمل من الصباح إلى الليل حتى أحصل على أجرة زهيدة أصرفها في الطعام واللباس وقد رجعت إلى دار أمي وأختي فرحبتا بي أكبر ترحيب بعد أن عاشتا التشرد والضياع والفقر، مدة وقوعي في السرقة والفساد، وأحمد الله سبحانه وتعالى على أن هداني لهذا حيث أجد طعم الطعام وأجد نعومة اللباس وأجد راحة المنام وأجد في نفسي قوة وحيوية ونشاطاً ورجعت صحتي كما كانت وإن كنت أعاني بعض آثار تلك الويلات في جسدي ونفسي فإنها حفرت في فكري اشمئزازاً كبيراً، وأحياناً أفكر هل أنا ذلك الإنسان الذي تبدل إلى هذه الحالة الشريفة من تلك الحالة الوضيعة؟.

أصدقاء الديكتاتور أعداؤه

هذا بالنسبة إلى نفس العاصي والذي منهم الحاكم المستبد، أما بالنسبة إلى سمعته فحدث ولا حرج فإن كل الناس حتى أقرب الأقرباء إليه وأصدق أصدقائه هم عدو له وأشد عداوة، لأنهم يخشونه أشد الخشية، بينما نرى الحاكم العادل يجد أحسن السمعة عند الناس حياً وميتاً.

إن قصيدة الفرزدق في مدح العلويين تتلى ليل نهار وكذلك قصيدة أبي فراس في ذم العباسيين، وهكذا شعر دعبل حين واجه به المأمون يذم هارون قائلاً:-

قبران في طوس خير الناس كلهــــم          وقبرُ شــــرهم هــــذا مــــن العبـــــر

لا ينفع الـرجس من قرب الزكي ولا          على الزكي بقرب الرجس مـن ضرر

هيهات كـل امرء رهن بما كسبــــت          له يــــداه فخــــذ مــــن ذاك أو فـــذر

ومع ذلك المأمون العباسي لم يتمكن من أن ينيله بسوء لمصالح سياسية حسب نظره، وإنما احمر وجهه غضباً وسكت ولم يقل شيئاً والشعر باق إلى اليوم.

وذم شاعر آخر معاوية بن أبي سفيان في وجهه ثم أنشد:

أيشتمني معاوية بـن حــرب          وسيفي في يدي ومعي لساني

وحولي من بني عمي ليوث          ضـراغمـة تهش إلــى الطـعان

فإنه كثيراً ما كان الأحرار يواجهون المستبدين بذكر نقائصهم ومعائبهم، وحتى إذا لم يقولوا قولاً قارصاً كانوا يقولون قولاً يسبب عدم ارتياحهم.

وقد أنشأ أبو العتاهية بالنسبة إلى هارون العباسي وسجنه لموسى بن جعفر (عليه السلام) في يوم جلس فيه جلوساً عاماً بمناسبة احتفال أقامه فرحاً، وحضره القواد والضباط والأمراء والقضاة والعلماء والشعراء والأعيان من الناس قائلاً:

عش مــا بـــدا لك سالمـــاً          فــــي ظل شاهقـة القصـــور

يهدي إليك بـــــما اشتهيت          مـــن الــرواح إلى البكــــور

فإذا النفوس تغــــرغـــرت          فـــــي ظل حشرجـة الصدور

لعلمــــت أنـــك مـــوقنـــــاً          مــا كنت إلا فـــــي غـــــرور

 

1 ـ سورة آل عمران: الآية 61.

2 ـ سورة الأنعام: الآية 84.

3 ـ سورة الأنعام: الآية 84-85.

4 ـ البداية والنهاية ج4 ص268.

5 ـ انظر قصص الأنبياء للجزائري: ص514.

6 ـ نهج البلاغة: الخطبة 182.

7 ـ الكافي: ج1، ص36، باب صفة العلماء ح1.

8 ـ مقتل الحسين للخوارزمي: ج2، ص10.