الفهرس

فهرس الفصل السادس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

زواج الأمراء

جيء إلى هارون برجل كان يندب البرامكة بعد نكبتهم، فسأله هارون عن اسمه وعن سبب ندبته للبرامكة.

فقال: أنا المنذر بن المغيرة من أولاد الملوك وقد زالت النعمة عني فلما ركبني الدَّين واحتجت إلى بيع ما على رأسي ورؤوس أهلي وبيتي الذي ولدت فيه أشاروا عليّ بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبي وصبية وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد، فدعوت ببعض ثياب كنت أعددتها لأستتر بها فلبستها وخرجت وتركتهم جياعاً لا شيء عندهم ودخلت شوارع بغداد سائلاً عن البرامكة، فإذا أنا بمسجد مزخرف وفي جانبه شيخ بأحسن زي وعلى الباب خادمان وفي الجامع جماعة جلوس فطمعت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدّم رجلاً وأؤخر أخرى والعرق يسيل، لأنها لم تكن صناعتي، وإذا الخادم قد أقبل ودعا القوم فقاموا - وأنا معهم - فدخلوا دار يحيى فدخلت معهم وإذا يحيى جالس على دكة له وسط بستان فسلمنا وهو يعدّنا مائة وواحداً وبين يديه عشرة من ولده وإذا بأمرد نبت العذار في خدّيه قد أقبل من بعض المقاصير وبين يديه مائة خادم متمنطقون في وسط كل واحد منطقة من ذهب يقرب وزنها من ألف مثقال، ومع كل خادم مجمرة من ذهب في كل مجمرة قطعة من عود كهيئة الفهر، وقد قرن به مثله من العنبر السلطاني، فوضعوه بين يدي الغلام وجلس إلى جنب يحيى، ثم قال للقاضي: تكلم وزوج ابنتي عائشة من ابن أخي هذا، فخطب القاضي خطبة النكاح وزوجه وشهد أولئك الجماعة وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر فالتقطت والله ملأ كمي ونظرت وإذا نحن في المكان - ما بين يحيى وولده والغلام - مائة وإثنا عشر نفراً وإذا بمائة وإثنا عشر خادماً قد أقبلوا ومع كل خادم صحن من فضة على كل صحن ألف دينار فوضعوا بين أيدي كل رجل منا صحناً، فرأيت القاضي والمشايخ يضعون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصحون تحت آباطهم ويقوم الأول فالأول، حتى بقيت وحدي لا أجسر على أخذ الصحن فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي والصحن في يدي وقمت، وجعلت ألتفت إلى ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب إلى أن وصلت إلى ساحة الدار. فلماذا لا أبكيهم وقد رأيت منهم هذا الخير والإحسان؟

إسراف وتبذير

لما تزوج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة بألف ألف درهم قال أنس بن أبي أياس:

بضــع الفتاة بألف ألف كامــل          وتبيت سادات الجنود جياعــاً!

هدر لبيت المال

دعا هارون أبا يوسف القاضي ليلاً فسأله عن مسألة فأفتاه، فأمر له بمائة ألف ألف درهم.

فقال: إن رأى الخليفة أن يأمر بتعجيلها قبل الصبح، فقال: عجلوها!

مولود للفضل

قال الخليع الشاعر: دعاني الفضل بن يحيى البرمكي - وهو إذ ذاك أحد قواد الرشيد - ذات ليلة فتحنطت وتوهمت الموت لأن بعض الوشاة سعى بي إليه إنني هجوته، فلما دخلت عليه وجدته وعنده ثلاثمائة مغنية فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، ثم رفع رأسه بعد ساعة وقال: عليك السلام يا خليع ما دعوتك إلا لخير، إعلم أنه قد صار عندنا في هذه الساعة ولد وقد قلت فيه مصراعين من الشعر ولم أستطع لهما تماماً فقلت: أعرضهما علي. فقال: قلت:

ويفـــــرح بالمولود مـن آل برمك          بغاة الندى والسيف والرمح والفضل

فقلت:

وتنبسط الآمـــــال فيــــــه لفضله          ولا سيما إن كـــــان والــــــده الفضل

فأعجبه ذلك وأمر لي بإثني عشر ألف درهم، وبعثني إلى أخيه فأعطاني مثلها، وبعثني إلى أبيه فأعطاني مثلها، فخرجت من عندهم بستة وثلاثين ألف درهم، ولما انقضت أيامهم سافرت إلى مصر ودخلت حماماً فدخل إليّ صبي يخدمني فأوردت هذين البيتين فخر الصبي مغشياً عليه فتوهمت أن به صرعة فجزعت عليه، فسألت صاحب الحمام عنه فقال: لم يعهد منه إلا الصحة فلما أفاق سألته عن حاله فقال: أنت صرت السبب لذلك؟

فقلت: وكيف؟

فقال: لبيتيك. فقلت: أين أنت منهما قال: أتدري فيمن قيلت؟

قلت: في ولد الفضل بن يحيى. فقال: أنا الذي قلت فيه البيتين. فقلت: سبحان الله القادر على تلك المنزلة.

تركة الخليفة

يقال لما مات هشام أصاب كل واحد من ولده ألف ألف دينار.

الحكام المترفون

كان هشام بن عبد الملك من خلفاء بني أمية المترفين وكان عندما يذهب إلى الحج يحمل ملابسه فقط ستمائة بعير وكان له أحد عشر ولد. ورث واحد منهم من أبيه طنين من الدنانير الذهبية.

ثروات طائلة

كانت غلة الخيزران أم هارون مائة ألف وستين ألف ألف درهم.

عرس وزفاف

نثر الحسن بن سهل في زفاف المأمون بابنته بوران ما لم ينثره ملك في جاهلية وإسلام فنثر على الهاشميين والقواد والكتاب بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع، وأسماء جوار، وصفات دواب، ونصب وكلاء لذلك، ثم نثر على سائر الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وبيض العنبر وأمر المأمون بحمل خراج فارس وكور أهواز سنة إليه فأطنبت الخطباء وأكثرت الشعراء في وصف ذلك.

الاستئثار بالمال

أعطى المنصور عمومته العشرة في يوم واحد لكل واحد منهم عشرة آلاف درهم وخلف ستمائة ألف ألف درهم وأربعة عشر ألف دينار.

نساء وبناء

لم يكن للمعتضد همة إلا في النساء والبناء فأنفق على قصره المعروف بـ (الثريا) أربعمائة ألف دينار، وكان طوله ثلاثة فراسخ.

عرس طاغوت المأمون

لما بنى المأمون على بوران بنت الحسن بن سهل، فرش له يوم البناء حصير من ذهب مسفوف ونثر عليه جوهر كثير، فجعل بياض الدر يشرق على صفرة الذهب فلم يمسها أحد، فوجه الحسن إلى المأمون: إن هذا نثار يجب أن يلقط. فقال المأمون لمن حوله من بنات الخلفاء وغيرهن: شرفن أبا محمد، فمدت كل واحدة يدها فأخذت درة، وبقي الباقي يلوح على الحصير.

فقال المأمون: قاتل الله أبا نواس لقد شبه شيئاً بشيء ما رآه قط، فأحسن في وصف الخمر والحباب الذي فوقها فقال:

كأن صغرى وكبرى من فــواقعها          حصباء در على أرض من الذهب

فكيف به لو رأى هذا معاينة؟.

بطر وأشر

في وليمة المأمون على زواجه من بوران جلس بعد فراغ القواد والأكابر من الأكل ومدت بين يديه مرافيع ذهب مرصعة بالجوهر وعليها أمثلة من العنبر والعود، والمسك المعجون على جميع الصور، ثم مدوا بساطاً مزركشاً وأحضر القواد والجلساء وأصحاب المراتب فوضعت بين أيديهم صحون الذهب مرصعة بأصناف الجواهر من الجانبين وبين السماطين فرجة وجاء الفراشون بزنابيل قد غشيت بالأدم مملوءة دراهم ودنانير نصفين فصبت في الفرجة حتى ارتفعت على الصحون وأمر الحاضرين أن يشربوا وأن ينقل كل من شرب، من تلك الدنانير بثلاث حفنات ما حملت يده وكلما خف موضع صب عليه من الزنابيل حتى يعود إلى حالته ووقف غلمان في آخر المجلس فصاحوا أن الخليفة يقول لكم: ليأخذ من شاء ما شاء فمد الناس أيديهم إلى المال فأخذوه وكان الرجل يثقله ما معه فيخرج فيسلّمه إلى غلمانه ويرجع إلى مكانه. ولما تقوض المجلس خلع على الناس ألف خلعة وحملهم إلى بيوتهم على ألف مركب بالذهب والفضة.

ترف وبذخ

بساط كسرى المسمى بالقطيف الذي أصابوه في المدائن، كان بساطاً طوله ستون ذراعاً وعرضه ستون ذراعاً، مقدار جريب، كانت الأكاسرة تعدّه للشتاء، إذا ذهبت الرياحين شربوا عليه فكأنهم في رياض، فيه طرق كالصدر وفصوص كالأنهار أرضها مذهبة، وخلال ذلك فصوص كالدرر وفي حافاته كالأرض المزروعة والأرض المبقلة بالنبات في الربيع والورق من الحرير، على قضبان الذهب والفضة، وزهرة الذهب والفضة، وثمرة الجوهر وأشباه ذلك.

العطاء العابث

دخل أبو دلامة الشاعر يوماً على المهدي العباسي وأنشده شعراً فقال الخليفة له: ألك حاجة؟

قال: يا أمير المؤمنين! كلباً للصيد. فغضب الخليفة وقال: تريد كلباً لا غير؟

قال: نعم، هذه حاجتي. فأمر له وأعطاه كلباً فقال: أيها الخليفة إذا أردت الخروج للصيد مع هذا الكلب أأذهب راجلاً؟

فأمر له وأعطاه فرساً. فقال: ومن يحرس هذا الفرس؟

فأعطاه غلاماً. فقال: وبعد عودتي من الصيد ورجوعي إلى البيت من يقوم بطبخ طعامي؟

فأمر له الخليفة بجارية فأعطيت له. فقال: وأين منزل هذه العائلة التي أكرمتني إياها؟

فأمر له بدار. فقال: أما الآن فأنا صاحب بيت وعيال فمن أين معاشهم؟

فأمر له بأرض نخيل فأعطيت له. فقل له الخليفة: ألك حاجة أخرى؟

فقال أبو دلامة: تفضل واسمح لي بتقبيل يديك وأخرج من عندك.

عطاء اعتباطي

قال حماد الراوية: أن هشام بن عبد الملك قد طلبني ومعي خمسمائة دينار وبعير وطعام وراحلة سفر وبعد دخولي على هشام رأيت غلامين ماهرين حاضرين معه فبادرني قائلاً: يا حماد! أتدري لماذا أرسلت بطلبك؟

قلت: لا أدري.

قال: لأجل أن تعرّفني بقائل هذا البيت:

فدعوا للصبوح يوماً فجاءت          قينــــة في يميــــنها إبـــــريق

قلت: إن هذا البيت من شعر عدي بن يزيد العبادي وقرأت له أبياتاً أخرى من القصيدة المذكورة فدخل السرور على هشام، وقال لي: ألك من حاجة؟

قلت: أحد هذين الغلامين. قال: كلاهما لك مع ما لهم من الذهب والفضة والملبس والنفقة. وما يقرب من مائة ألف درهم. كل ذلك لأجل بيت من الشعر عرّفت اسم قائله.

هكذا تهضم الحقوق

قال عمرو بن مسعدة، وهو من وزراء المأمون، كنت يوماً عند جعفر بن يحيى البرمكي مشغولاً بالتوقيعات وكانت من جملة الطلبات عريضة مقدمة من جماعة من الموظفين يلتمسون زيادة رواتبهم وعندما اطلع على طلبهم دفعها إليّ وقال: اكتب جوابه: فكتبت تحت الطلب: قليل دائم خير من كثير منقطع. فضرب جعفر كتفي بيده وقال: أيّ وزير مثلك؟.

وعندما توفي الوزير عمرو بن مسعدة، كتبوا إلى المأمون يخبرونه بأن عمرو قد ترك ثمانين مليون درهم. فوقع المأمون تحت الكتاب بخطه: هذا قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا فبارك الله لولده فيما خلف.

الفقر ثمرة الاستبداد

في يوم من الأيام صعد المنصور الدوانيقي إلى سطح القصر وأخذ يجول بطرفه ويتفرج حتى وقع نظره على (سقاء) هو جار له يعيش في منتهى الفقر والحاجة فأحضره المنصور وسأله: لم هكذا حالك؟

فأجاب الرجل: أيها الخليفة: إني صاحب عيال وعملي هذا لا يسد حاجتهم فأمر له بألف دينار لكن بعد فوات الأوان، إذ لم يمر على ذلك إلا أياماً حتى صعد المنصور ثانية وأجال ببصره فلم ير أحداً في بيت جاره (السقاء) الذي أكرمه ما عدا امرأة عجوز تعيش وحدها، وعندما استفسر منها أجابت بأن أهل الدار قد ماتوا فقراً منذ أيام.

وهب الأمير ما لا يملك

يروى أن حاجب الفضل البرمكي دخل عليه يوماً وأعلمه بوجود شاب في الخارج يهديه سلامه ودعاؤه.

فقال له الفضل! عليّ به. فطلبه وأجلسه عنده ثم قال له: ما حاجتك؟

فقال له الشاب: ملابسي الرثة التي أرتديها تشعرك بحاجتي، ثم أردف قائلاً: ولادتي يوم ولادتك وجواري قرب جوارك، واسمي مشتق من اسمك. فقال الفضل: من أين تعرف يوم ولادتي؟

قال الشاب: ليلة مخاض أمي لوضعي قالوا لها: ولد في هذه الليلة في بيت يحيى البرمكي ولد سمّي بالفضل. ولمحبة أمي واعتزازها باسمك احتفظت به لتفاؤلها بالخير فصغرت اسمي إلى فضيل فتبسم الفضل وقال له: كم عمرك؟

فقال: خمس وثلاثون سنة، قال: صدقت! أين أمك؟

قال: توفيت. فقال الفضل: لم لا تأتينا قبل هذا؟

قال: ما أحببت ذلك! حيث أن لي والداً رحيماً ولم أكن بحاجة لذلك. كسبت الفضائل لسنين حتى أصبحت لائقاً للصحبة والحديث.

فقال له الفضل: أي عمل ترغب فيه؟

قال له: ما تتفضل به من صغير وكبير. فأعطاه الفضل خمسة وثلاثين دينارأ بعدد سنين عمره، ثم أعطاه عشرة آلاف دينار قائلاً: وهذا تحت اختيارك لتتجمل بها وأهداه فرساً سراجه من الذهب وأمر له بخدعة عالية.

إذا تفشى الفقر

بلغ ناصر الدين شاه يوماً تواجد رجل في البلد يخدع الناس ويسلبهم أموالهم وقد خدع عقلاء السوق وأعجزهم عن التصدي له فغضب ناصر الدين شاه عندما سمع هذا الخبر وأمر بأن يحضروه إليه مهما كلف الأمر.

فتم أسر الرجل وجيء به إلى قصر الشاه. وما ان وقعت عينا الشاه عليه حتى صاح به قائلاً: قبل أن يذهب بك إلى السجن لا بد أن تشرح لي كيف تخدع الناس: فقال الرجل: جعلت فداك! لا أستطيع أن أقوم به عملياً إلا بأدوات من قبيل السكين وغيره.

سأله الشاه: وأين السكين والأدوات؟ أخرجها لأراها.

فقال الرجل: جعلت فداك لقد ألقيتها في الماء خوفاً من المأمورين وإذا تلطفت فتعطيني درهمين لأشتريها من السوق شريطة أن لا يصحبني المأمورون. فقبل الشاه ذلك الاقتراح وأمر بأن يعطى له درهمان.

وعندما تسلم الرجل الدرهمين خرج من عند الملك بوقار كامل. فانتظره الملك طويلاً فلم يعد إليه. فاضطر الملك أن يصدر أمره ثانية إلى المأمورين لمتابعته، وبعد أربع وعشرين ساعة من البحث عنه، وجدوه في زاوية من المقهى فألقوا القبض عليه وقادوه شزراً إلى الملك. فنظر إليه الملك وقال له: لم تأتي أمس؟

فقال له الرجل: جعلت فداك لا حاجة إلى السكين وأدوات الخداع لأني أمس بأخذي الدرهمين منك شرحت لك كيف أخدع الناس عن أموالهم.

نهب واختلاس

في مدينة تبريز كانت تعيش امرأة طاعنة في السن وكانت تملك قطعة من الألماس الفاخر الذي يندر وجود مثله. ولضيق معيشتها أرادت أن تبيعه.

وكان (خدا داد خان) حاكم تبريز من قبل (كريم خان) في ذلك الوقت.

فلما طرق سمعه هذا الخبر أمر بإحضار المرأة وقطعة الألماس، وقال لها: أنه لا يشتري هذه الجوهرة النفيسة غيري، فأودعي الألماس عندي هذه الليلة حتى أثمنه وغداً تأتين إليّ لأعطيك قيمته.

فذهبت المرأة إلى بيتها وهي مطمئنة لذلك.

وفي صباح اليوم الثاني جاءت إلى الحاكم وكان الحاكم قد دلّس بلوراً شبيهاً بألماسها ووضعه مكانه ولما وقع بصره على المرأة قال لها: تعالي خذي أمانتك و (ألماسك) وابحثي عن غيري ليشتريه، فأخذت العجوز البلورة ولم تجرأ على أن تقول شيئاً وهكذا يختلس الحكام المستبدون أموال الناس بالباطل.

تمويل الندماء

كان ابن ماسويه يوحنا من أعاظم الأطباء وذاع صيته في أواخر خلافة هارون العباسي وكان نديماً وأنيساً لبعض خلفاء بني العباس حتى أن الخليفة الواثق كان يثق به لدرجة لم يكن لأحد من الأطباء والندماء هذه الحظوة عنده، وكان الخليفة لم يجلس مجلساً من مجالس الأنس لم يكن فيه ابن ماسويه حاضرا. وفي إحدى تلك المحافل أحضر الخدم الشراب فالتفت ابن ماسويه إلى الشراب فرآه غير صاف وسيء المذاق فقال في نفسه: إن هذا الشراب الذي يقدمه الساقي بهذه الصورة يدل على أن الخدم قد تأخرت رواتبهم، فأراد أن يظهر للخليفة ذلك.

فقال: أيها الخليفة ألم تلحظ طعم هذا الشراب. ألم تنظر إلى لونه وأنه خارج عن العادة المألوفة في الطعم والذائقة؟

فالتفت الخليفة إلى السقاة وقال لهم: ألم تخجلوا من صنيعكم هذا فتقدموا شراباً سائغاً لمجلس يحضره الندماء؟

وبعدها التفت ابن ماسويه للسقاة ووعدهم رواتبهم وهدايا الخليفة، فسر الخليفة من كلامه وأمر له بمائة ألف درهم تبعث إلى داره وظل الخليفة إلى العصر مشغولاً مع الندماء بالأحاديث. وفي ذلك الحين سأل خادمه حول المبلغ الذي أمر به بأن يبعث إلى دار ابن ماسويه.

فقال: الآن يرسل له. فقال الخليفة: ابعثوا له مائة ألف درهم أخرى. ولما جاء الليل قال الخليفة لندمائه: هل أرسل المبلغ المذكور إلى دار ابن ماسويه. قالوا: أغلب الظن أن الخازن سيبعثها.

فقال الخليفة: أضيفوا له مائة ألف درهم أخرى. فذهب الخادم إلى الخازن وقال له: عجل بما أمر الخليفة به إلى ابن ماسويه فالتأخير لا صلاح فيه. لأن التأخير يؤدي بالخليفة إلى أن يضيف له على المقدار الذي قرره له فأرسلت له ثلاثمائة ألف درهم.

إسعاف الندماء

نقل سعيد بن محمد الصغير عندما بعثه الخليفة المستنصر العباسي لمصر قائلاً: شاهدت هناك خادمة افتتنت بها لجمالها فذهبت إلى مولاها كي أشتريها منه فوضع عليها سعراً لم يكن بإمكاني الحصول عليها. وبعد انتهاء عملي في مصر عدت إلى بغداد، وكانت الخادمة تشغل فكري، وعندما قدمت إلى الخليفة سألني عن خدماتي وأعمالي وسألني عن حاجتي فعرضت له قضية الخادمة، فلم يجبني بشيء.

وبعد مدة حضرت عنده، فقال لي اجلس. وفي هذه الأثناء سمعت صوتاً من خلف الستار كاد أن يذهب بعقلي. قال لي الخليفة: أتعرف هذا الصوت؟

قلت: نعم، قال: أتميل إلى الارتباط به؟

قلت: الآن تغير رأيي فيه.

قال: أقسم بالله يا سعيد لم أشتر هذه الخادمة إلا لأجلك. ومن اليوم الذي اشتريتها من مصر وجيء بها إلي لم أنظر إليها ولم أضع وجهي بوجهها، ثم أهداها إلي وأنا معجب بفتوة الخليفة.

هبات الطواغيت

أراد محمد بن منصور أحد المقربين للوزير الفضل بن يحيى البرمكي أن يدخل على الفضل. وكان هناك شاب شاعر وأديب يقف بباب دار الفضل وينشد هذا الشعر:

ليس فـــي الدنـيا نظيــــــر          لـــي ومحــــتاج إليــــــــك

وقد كتب هذا الشاب الشعر الذي قاله في ورقة وطلب منه أن يوصلها إلى الفضل.

فقبل محمد بن منصور طلب الشاب وفي لحظة قدومه سلم شعر الشاب للفضل. ولما قرأ الفضل ذلك الشعر نادى حاجبه بأن يستدعي الشاب إليه. ولما دخل الشاب عليه، كان يتصف بأجمل الأخلاق، من دعاء وثناء بأحسن ما يكون.

فقال الفضل لمحمد: إن هذا الشاب القائل هذا البيت صادق في قوله. فأمر بأن يعطى له عشرة آلاف درهم. فقال الشاب: أيها الوزير العالم قد خلصتني من الفقر والحاجة التي أنا بها فهلا استبدلت الدراهم بدنانير. فأمر الفضل بصرة أخرى تعطى له فيها عشرة آلاف درهم وقال له: خذ الاثنين. فقال الشباب: إذاً علي أن أكون حمالاً. فقال الفضل له: خذ واحداً من الخدم ليحمله لك. فقال الشاب: انتقيه على أن يكون خادماً لي؟

قال الفضل: كما تريد فذلك لك. فاختار واحداً وقال: كيف أسمح لنفسي أن آخذ الغلام وأحرمه من سعادتك؟

ولما سمع الفضل كلامه: سر به وأعطاه ثلاثة من الخدم غير الأول.

فقال الشاب: كيف يذهبون معي مشاة. فأمر الفضل له بأربعة أفراس. فخرج الشاب بهذا المال الكثير.

الشاكرية.. اختراع البلاط

ثم قلت: إن أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور أول من اتخذت الآلة من الذهب والفضة المكللة بالجوهر، وصنع لها الرفيع من الوشى حتى بلغ الثوب من الوشى الذي اتخذ لها خمسين ألف دينار وهي أول من اتخذ الشاكرية من الخدم والجواري يختلفون على الدواب في جهاتها ويذهبون في حوائجها برسائلها وكتبها، وأول من اتخذ القباب الفضية والأبنوس والصيدل وكلابيبها من الذهب والفضة ملبسة بالوشى والسمور والديباج وأنواع الحرير من الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق، واتخذت الخفاف المرصعة بالجوهر وشمع العنبر وتشبه الناس في سائر أفعالهم بأم جعفر، ولما أفضى الأمر إلى ولدها قدم الخدم وآثرهم ورفع منازلهم ككوثر وغيره من خدمه، فلما رأت أم جعفر شدة شغفه بالخدم واشتغاله بهم اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه وعممت رؤوسهن وجعلت لهن الطرر والأصداغ والأقفية وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق فبانت قدودهن وبرزت أردافهن وبعثت بهن إليه فاختلفن في يديه فاستحسنهن واجتذبن قلبه إليهن وأبرزهن للناس من الخاصة والعامة.