الفهرس

فهرس الفصل السادس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

السجن المؤبد!

وقد نقلوا في أحوال كسرى أنه غضب على الحكيم بوذر جمهر، فقال له: إنه لا بد لك من ثلاث، الأول: أن تختار مكاناً واحداً حتى أسجنك فيه.

والثاني: أن تختار لباساً واحداً حتى يكون لباسك ما دمت في السجن.

والثالث: أن تختار طعاماً واحداً حتى يكون طعامك طيلة بقائك في السجن.

قال لكسرى: نعم اجعلني في سرداب في داري واختر لي جلد الشاة لباساً واللبن طعاماً، وهكذا فعل به كسرى، فلما سئل الحكيم عن السبب؟

قال: إن السرداب حار في الشتاء بارد في الصيف، وجلد الشاة يلبس على وجهه في الصيف لأن الجلد بارد ومقلوباً في الشتاء لأن الصوف حار، واللبن يصلح طعاماً دائماً فهو أدام وطعام. وبقي الحكيم في السجن مدة طويلة حتى عمي ولم يؤذن له بمراجعة الطبيب.

التخلف العام

ومن آثار الإستبداد عدم إمكان صدق الإنسان في قوله ولا الإتقان في عمله، وتتحول المؤسسات الإجتماعية إلى توافه سطحية سواء كانت المؤسسات خيرية كالمستشفيات ودور الأيتام أو مؤسسات علمية كالمدارس والجامعات أو غيرها.

أما الأول: فلأن الإستبداد يخلق الأمة غير الرشيدة لحيلولته دون رشد الأمة، وإذا كانت الأمة غير رشيدة لم يتمكن الإنسان أن يقول لهم: إنه يملك كذا من المال لأنهم يتوقعون حينئذ الإشتراك في ماله بالإقتراض والهبة ونحو ذلك. ولا يتمكن أن يقول: إن مذهبي كذا لأنهم يعادونه على مذهبه - بعد تشتت المذاهب في كل مجتمع - ولا يتمكن أن يقول: إني أريد أن أفعل كذا أو أسافر إلى كذا ونحو ذلك؟

لأنهم يقفون دون بغيته ويذيعون من أمره ما ليس من الصلاح إذاعته إلى غير ذلك، وقد ألمعنا في بعض مباحث هذا الكتاب إلى الوجه في الحكمة المأثورة: (استر ذهبك وذهابك ومذهبك).

وأما الثاني: فلأن الإتقان يأخذ مالاً ووقتاً كثيراً، بينما يعرض مثل ذلك العمل غير المتقن بأقل من تلك القيمة مما يسبب تأخر من يريد الإتقان، مثلاً: إن غير المتقن يأتي بمروحة غير متقنة إلى السوق، فإذا أراد الإنسان إتقان المروحة كلفته مائة، بينما تكلف تلك المروحة غير المتقنة تسعين فتروج بضاعته بعكس بضاعة المتقن فيضطر إلى رفع اليد عن الإتقان وذلك يسبب تأخير الإنسان وهكذا دواليك.

وأما الثالث: فلأنه إذا لم يشجع في المجتمع الصدق والإتقان تربّى الناس على التفاهة والسطحية، ولذا نجد هذا الحال في العالم الثالث بينما نجد عكسه (ولو إلى حد ما) في العالم الصناعي المتقدم.

بؤرة التآمر

ومن صفات الدكتاتوريين المؤامرة على الناس وتطلب المعايب لهم. والقصص المذكورة في تاريخ الأمويين والعباسيين والعثمانيين ومن إليهم في هذا الصدد كثيرة جداً حتى أنها تحتاج إلى مجلد أو اكثر، ومن جملتها ما رواه الرواة: إن المنصور الدوانيقي قال لمحمد بن الأشعث: يا محمد ابغ لي رجلاً له عقل يؤدي عني. فقال له محمد: إني أصبته لك، هذا ابن المهاجر خالي. قال: فأتني به فلما أتاه. قال له أبو جعفر المنصور: يا بن المهاجر خذ هذا المال وائت المدينة واقصد عبد الله بن الحسن، وجعفر بن محمد، وفلاناً وفلاناً من العلويين ثم أمره أن يدفع إليهم المال ويقول لهم: بأنه من شيعتهم في خراسان فإذا قبضوا المال فقل: إني رسول وأحب أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم، فأخذ الرجل المال وذهب إلى المدينة ثم رجع إلى أبي جعفر المنصور فقال له: ما وراءك؟

قال: أتيت القوم وهذه خطوطهم بقبضهم. خلا جعفر بن محمد فأني أتيته وهو يصلي في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فجلست خلفه وقلت حتى ينصرف عن صلاته وأذكر له ما ذكرت لأصحابه فلما انصرف من صلاته تبعته فالتفت إلي وقال: يا هذا اتق الله ولا تغر أهل بيت محمد فإنهم قريب العهد من دولة بني مروان وكلهم محتاج.

فقلت له: وما ذاك أصلحك الله فأدنى رأسه وأخبرني بكل ما جرى بيني وبينك.

فقال المنصور: يا بن المهاجر اعلم أنه ليس من أهل بيت نبوة إلا وفيهم مُحدّث وأن جعفر بن محمد محدثنا اليوم(1).

بطش الجبارين

لما بنى عبيد الله بن زياد داره المسماة بالبيضاء أمر أصحابه أن يخبروه بما يقوله الناس في ذلك فجاؤه برجل فقيل له: إن هذا قرأ - وهو ينظر إليها:-

(أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون)(2).

فقال له: ما دعاك إلى هذا؟

فقال: آية من كتاب الله عرضت لي.

فقال: لأعملن بك بالآية الثالثة (وإذا بطشتم بطشتم جبارين)(3) ثم أمر فبنى عليه ركن من أركان القصر!

تدريب الفيلة

خرج كسرى برويز ذات يوم لبعض الأعياد وقد وضعوا له ألف فيل وقد أحدق بها ثلاثون ألف فارس، فلما بصرت به الفيلة سجدت له حيث كانوا علموها ذلك من قبل فما رفعت رأسها حتى جذبت وراطنها الفيالون، وقد شهد ذلك المشهد جميع أصناف الدواب والخيل فما دونها وليس منها شيء يفرق بين الملك والرعية غير الفيلة، فلما رأى ذلك كسرى قال: ليت أن الفيل لم يكن هندياً!.

إهداء الرؤوس

لما أخذ الحجاج رأس ابن الأشعث وجه به إلى عبد الملك مع عرار بن عمرو بن شاس الأسدي - وكان أسود دميماً- فلما ورد عليه جعل عبد الملك لا يسأله عن شيء من أمر الوقيعة إلا أنباه به عرار في أصح لفظ وأشبع قول وعبد الملك لا يعرفه وقد اقتحمته عينه حيث رآه فقال عبد الملك متمثلاً:

أرادت عراراً بالهوان ومــــن يرد          لعمري عراراً بالهــــوان فقد ظلم

وإن عراراً أن يكن غــــير واضح          فإني أحب الجون ذا المنكب العمم

فقال له عرار: أتعرفني؟

قال: لا والله.

قال: أنا والله عرار. فزاد في سروره وأضعف له الجائزة!

ضحايا الغضب

كان المعتضد العباسي إذا غضب على القائد النبيل والذي يختصه من غلمانه، أمر أن يحفر له حفيرة ثم يدلي رأسه فيها ويطرح التراب عليه ونصفه الأسفل ظاهر على التراب ويداس التراب، فلا يزال يضطرب ويرفس برجليه حتى تخرج روحه من أسفله وكان يؤتى بالرجل فيكتّف ويقيّد ثم يؤتى بالقطن فيحشى في أذنه وأنفه وفمه وتوضع المنافخ في أسفله حتى ينفخ ويعظم جسده ثم يسد أسفله بشيء من القطن ثم يفصد - وقد صار كالجمل العظيم - من العرقين الذين فوق الحاجبين فتخرج نفسه من ذلك الموضع!!

حرق وإبادة

أول ملوك الشام - كما في بعض التواريخ - الحارث بن عمرو المحرق، سمي محرقاً لأنه حرق العرب في ديارهم ثم ابنه الحارث الأعرج وأمه مارية ذات القرطين.

تحت أرجل الفيلة

أتى النعمان بن المنذر، عبيد بن الأبرص الشاعر يوم بؤسه يمدحه ولم يعلم بأنه يوم بؤسه فقتله النعمان، كما قتل عدي بن زيد العبادي الشاعر وكان ترجمان برويز وكاتبه بالعربية وقد وصف له النعمان وأشار عليه بتوليته واحتال في ذلك حتى ولاه من بين أخوته وكان أقبحهم ثم اتهمه النعمان فاحتال عليه حتى صار في يده فحبسه ثم قتله، وتوصل ابنه زيد بن عدي إلى برويز حتى أحله محل أبيه فذكر له نساء المنذر ووصفهن بالجمال والأدب، فكتب برويز يخطب إلى النعمان أخته أو ابنته فلما قرأ النعمان الكتاب قال: وما يصنع الملك بنسائنا وأين هو عن مهاء السواد والمهاء البقر - يريد أين هو عن نساء السواد اللاتي كأنهن المهاء والعرب تشبه النساء بالمهاء، فحرّف زيد القول عنده وقال: أراد النعمان أين الملك عن البقر لا ينكحهن، فطلب برويز النعمان فهرب النعمان منه حيناً ثم بدا له أن يأتيه فأتاه بالمدائن فصف له برويز ثمانية آلاف جارية صفّين، فلما صار بينهما قلن له: أما للملك فينا غناء عن بقر السواد فعلم النعمان أنه غير ناج منه فأمر به كسرى فحبسه بساباط ثم ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطأته حتى مات!

أسر وقتل

كان حجر بن عمرو الكندي - أبو امرئ القيس - ملكاً على بني أسد فامتنعوا منه فأخذ سرواتهم فقتلهم بالعصي، فسموا عبيد العصا وأسر منهم طائفة!.

خمسون سوطاً لجريمة وهمية

مرّ الحجاج ليلة بمكان فيه لبّان وعنده قنينة فيها لبن وهو يقول مع نفسه أبيع هذا اللبن وأشتري كذا وكذا فيثرى مالي ويحسن حالي فأخطب بنت الحجاج فتلد لي غلاماً وأدخل بها يوماً فتخاصمني فأضربها برجلي هكذا - ورفس قنينته - فانكسرت وتبدد اللبن، فقرع الحجاج الباب فأخذه وجلده خمسين سوطاً وقال: لو رفست ابنتي لأفجعتني فيها!.

إلى أين يبلغ الدم؟!

نزل النعمان بن المنذر برابية، فقال له رجل من أصحابه: أبيت اللعن لو ذبح رجل على رأس هذه الرابية إلى أين كان يبلغ دمه؟ فقال له النعمان: المذبوح والله أنت ولأنظرن إلى أين يبلغ دمك فذبحه.

أحقاد جاهلية

حقد سفيان، والي المنصور على ابن المقفع فكتب بذلك في أمره إلى الخليفة، فلما أذن له عزم على قتله فاستأذن على سفيان بن المقفع في جماعة من أهل البصرة، فأدخله قبلهم وعدل به إلى حجرة في دهليزه وجلس غلامه بدايته ينتظره على باب سفيان، فصادف ابن المقفع في تلك الحجرة سفياناً وغلمانه يسجرون تنوراً فقال له سفيان: أتذكر يوم كذا، قلت لي كذا؟

أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد، ثم قطع أعضاءه عضواً عضواً وألقاها في التنور وهو ينظر إليها حتى أتى على جميع جسده ثم أطبق التنور وخرج إلى الناس، فكلمهم فلما خرجوا من عنده تخلف غلام ابن المقفع ينتظره فلم يخرج فمضى وأخبر عيسى بن علي وسليمان أخاه بحاله فخاصما سفيان بن معاوية في أمره فجحد دخوله إليه فأشخصاه إلى المنصور وقامت البينة إن ابن المقفع دخل دار سفيان حياً سليماً ولم يخرج منها.

فقال المنصور: سأنظر في هذا الأمر غداً.

فذهب سفيان ليلاً إلى المنصور وقال له: كنت متبع أمرك. قال: لا ترع وأحضر في غد.

وقامت البينة، فطلب سليمان وعيسى القصاص فقال المنصور: أرأيتم إن قتلت سفيان بابن المقفع ثم خرج ابن المقفع عليكم من هذا الباب - وأومأ إلى باب خلفه ـ من ينصب لي نفسه حتى أقتله بسفيان فسكتوا وذهب دمه هدراً.

التأديب العملي

دخل هاشمي على المنصور فاستدعاه ودعا بغدائه وقال: أدنه، فقال: تغديت فكف عنه، فلما خرج دفع الربيع في قفاه فشكا عمومته إلى المنصور.

فقال الربيع: هذا الفتى كان يسلّم من بعيد وينصرف فأدناه الخليفة واستجلسه ثم أذن له في الغداء فقال له: تغديت قول من يظن أن الغداء عند الخليفة لا يصلح إلا لسد الخلة ومثل هذا لا يكون أدبه بالقول ولكن بالفعل.

في كيس الدراهم

لما قتل المنصور أبا مسلم طرح رأسه مع كيس الدراهم إلى شيعته، كما فعل ذلك عبد الملك لما قتل عمرو بن سعيد فطرح رأسه مع كيس الدراهم إلى شيعته فرضوا وتفرقوا!

خنق الأصوات

كان خالد بن صفوان إذا مر به موكب بلال بن أبي موسى - وكان قد كف بصره - يقول: ما هذا؟

فيقال له: الأمير.

فيقول: (سحابة صيف عن قليل تقشع) فقيل ذلك لبلال فمر به مرة أخرى فقال خالد: ذلك: فقال له بلال: (لا تقشع حتى يصيبك منها بشؤبوب برد) فضربه مائتي سوط.

تسفير وتهجير

دخل أياس - وهو غلام - الشام فقدم خصم له - وكان شيخاً كبيراً - إلى بعض قضاة عبد الملك، فقال له القاضي: أتقدم شيخاً كبيراً؟

قال: الحق أكبر منه، قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي؟

قال: لا أظنك تقول حقاً حتى تقوم. قال: أقول لا إله إلا الله أحق هذا أم باطل؟

فقام القاضي فدخل على عبد الملك من ساعته فخبّره بالخبر، فقال: أقض حاجته الساعة وأخرجه من الشام لا يفسد الناس عليّ.

منطق السيف

لما قامت الخطباء لبيعة يزيد وأظهر قوم الكراهة، قام رجل واخترط من سيفه شبراً ثم قال: أمير المؤمنين هذا - وأشار إلى معاوية - فإن مات فهذا - وأشار إلى يزيد - ومن أبى فهذا - وأشار إلى سيفه. فقال معاوية: أنت سيد الخطباء.

منطق السجن

أطال الحجاج ذات مرة خطبة الجمعة، فقال رجل: إن الوقت لا ينتظرك وإن الرب لا يعذرك فحبسه، فقال أهله: إنه مجنون، فقال: إن أقر خليت سبيله، فقيل له فقال: والله لا أزعم أنه ابتلاني وقد عافاني.

إحراق الجسد

في وقعة عبد الملك مع مصعب قتل ابن الأشتر وأتي بجسده إلى عبد الملك فأحرقه مولى الحصين بن نمير.

التمثيل بالضحية

حمل جسد شبيب الخارجي لما أخرج من دجيل الأهواز إلى الحجاج فأمر بشق بطنه واستخراج قلبه، فإذا هو كالحجر إذا ضربت به الأرض نبا عنها.

الروابط لا الضوابط

قدم على الحجاج ابن عم له من البادية، فنظر إليه يولي الناس فقال له: أيها الأمير لم لا توليني بعض هذا الحضر؟

فقال الحجاج: هؤلاء يكتبون ويحسبون وأنت لا تحسب ولا تكتب. فغضب الأعرابي وقال: بلى أني لأحسب منهم وأكتب.

فقال الحجاج: فأقسم ثلاثة دراهم بين أربعة فما زال يقول: ثلاثة بين أربعة. لكل واحد منهم درهم يبقى الرابع بلا شيء، كم هم أيها الأمير؟ قال: أربعة. قال: نعم وقفت الحساب لكل واحد منهم درهم وأنا أعطي الرابع درهماً من عندي وضرب يده إلى تكّته فاستخرج درهماً وقال: أيكم الرابع ما رأيت كاليوم زوراً مثل حساب هؤلاء الحصريين.

فضحك الحجاج ومن معه فذهب بهم الضحك كل مذهب، ثم قال الحجاج: إن أهل أصبهان كسروا خراجهم ثلاث سنين، كلما أتاهم وآل عجزوه فلأرمينهم ببدوية هذا وعنجهيته فأخلق به أن ينجب، فكتب له عهده على أصبهان، فلما خرج استقبله أهل أصبهان واستبشروا به وأقبلوا عليه يقبلون يديه ورجليه وقد استغمروه فقالوا: أعرابي بدوي ما يكون منه، فلما استقر جميع أهلها فقال: ما لكم تغضبون أميركم وتنقصون خراجكم فقال قائل: جور من كان قبلك. قال: فما الأمر الذي فيه صلاحكم؟

فقالوا: تؤخرنا بالخراج ثمانية أشهر ونجمعه لك قال: لكم عشرة أشهر وتأتوني بعشرة ضمناء يضمنون، فأتوه بهم، فلما توثق منهم أمهلهم فلما قرب الوقت رآهم غير مكترثين، فقال لهم: فلم يعتدّوا به، فجمع الضمناء وقال لهم: المال؟

فقالوا: أصابنا من الآفة ما نقض ذلك - وكان في شهر رمضان - فآلى ألا يفطر حتى يجمعوا المال أو يضرب أعناقهم، ثم قدّم أحدهم فضرب عنقه وكتب عليه: (فلان بن فلان أدى ما عليه) وجعل رأسه في بدرة وختم عليها ثم قدّم الثاني ففعل به مثل ذلك، فلما رأى القوم الرؤوس تندر وتجعل في الأكياس من البدر قالوا: توقف حتى نحضر المال، فأحضروه في أسرع وقت فبلغ ذلك الحجاج، ففرح كثيراً وأبقاه والياً على أصبهان ما دام حياً.

منطق الإرهاب

قتل يحيى بن زيد (عليه السلام) بالجوزجان من خراسان وحمل رأسه إلى الوليد وصلب جسده وأبقوه إلى أن ظهر أبو مسلم فأنزله ودفنه وأظهر أهل خراسان في جميع أعمالهم النياحية عليه سبعة أيام، ولم يولد تلك السنة بخراسان مولود إلا وسمي بيحيى أو بزيد.

ظلم واستبداد

حبس المنصور بني الحسن في سرداب لا يفرقون فيه بين الليل والنهار وكانوا يتوضأون في مواضعهم فاحتال بعض مواليهم أدخل عليهم شيئاً من الغالية فكانوا يدفعون بشمها تلك الروائح المنتنة وكان الورم في أقدامهم لا يزال يرتفع حتى الفؤاد فيموت صاحبه، وكانوا قد جزأوا القرآن لمعرفة أوقات الصلاة. مات منهم إسماعيل بن الحسن فترك عندهم ليجف فصعق داوود بن الحسن فمات وأتى برأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن إليهم في السجن وأبوه يصلي فلما فرغ أخذه فوضعه في حجره وقال له: أهلاً وسهلاً ثم أمر المنصور بهدم السجن عليهم فهدم فماتوا جميعاً وصار السجن مقبرتهم.

جراب النورة

قتل مروان الحمار إبراهيم الإمام في جراب النورة وضع فيه رأسه إلى أن اختنق.

قتل وغرق

في المروج أنه ظهر في سنة 284 للمعتضد شخص في صور مختلفة في داره فكان تارة يظهر في صورة راهب ذي لحية بيضاء وعليه لباس الرهبان، وتارة يظهر شيخاً أبيض اللحية ببزة التجار، وتارة يظهر بيده سيف مسلول ويضرب بعض الخدم ويقتله، وكانت الأبواب تغلق في وجهه ومع ذلك يظهر أين ما أراد من البيت أو ساحة الدار أو غيرهما. وكان يظهر له في أعلى الدار التي بناها. فأكثر الناس القول في ذلك فمن قائل: أنه شيطان مريد. وقائل: أنه مؤمن من الجن يظهر له رادعاً له عن سفكه الدماء. وقائل: أن بعض خدمه هوى بعض جواريه فاحتال ببعض العقاقير ذي الخاصية فيضعه في فمه فلا يدرك بالبصر، فقلق المعتضد وقتل وأغرق جماعة من جواريه وخدمه، وضرب وحبس جمعاً منهم اعتباطاً.

قساوة جاهلية

في أول محرم سنة 289 صلب وصيف الخادم بلا رأس وأطلى جسمه بالصبر وغيره من الأطلية القابضة والماسكة لأجزاء الجسم حتى لا يتناثر فبقي مصلوباً على الجسر لا يبلى إلى سنة 300 زمان المقتدر.

تفويض عام

كان الأمر أيام المستعين لبغا ووصيف وهما يعيثان في البلاد الفساد كما يشاءان فقالوا فيه:

خلــــــيفة فـــــــي قفص          بيــــــن وصيف وبــــــغا

يقــــول مـــــا قــــالا لـه          كـــــما يقــــــول الببـــغا

عقاب وثواب

كان يوسف بن عمر من قبل هشام على العراق - وكان دميماً قصيراً - وإذا فضل خياطه شيئاً من القماش ضربه مائة سوط، وإذا ذكر أنه نقص شيئاً جازه. وكان له نديم من أطول الناس فقال له يوماً: أيّنا أطول؟

فقال: أصلح الله الأمير أنت أطول مني ظهراً وأنا ساقاً، فضحك وقال: أحسنت.

قتل الأبرياء

كان أصحاب حجر الذين سفروا إلى الشام بأمر معاوية أولاً: إثني عشر ثم أتبعهم زياد بإثنين فحسبوا بمرج عذراء فبعث إليهم أعور فقال رجل منهم من خثعم: يقتل نصفنا وينجو نصفنا، فصار كما قال فقتل ستة منهم.

وبعث معاوية بواحد منهم - وهو عبد الرحمان العنزي - إلى زياد وأمره أن يقتله شر قتلة، فبعث به زياد إلى قس الناطف فدفن حياً، وأطلق سبعة بشفاعة عشائرهم.

مناصب عديدة لفرد واحد

عن حميد الطوسي قال: كنت حاضراً دهليز المأمون فدعا بالناس لقبض أرزاقهم فكان أول من دخل اسحاق الموصلي مع الوزراء، ثم دعا بالقواد فكان أول من دخل إسحاق الموصلي، ثم دعا بالقضاة فكان أول من دخل إسحاق، ثم دعا الفقهاء والمعدلين فكان أول من دخل هو، ثم دعا بالشعراء فكان أول من دخل هو، ثم دعا بالمغنين فكان أول من دخل هو، ثم دعا بالمرماة في الهدف فكان أول من دخل هو وفي كل مرة يأخذ الرزق والعطاء.

جفاة الجاهلية

لما قتل يوم اليحاميم - وهو يوم بين جديلة والغوث، من قبائل طي - قائد جديلة، أخذ مصعب السدوسي أذنيه فخصف بهما نعليه فقال أبو سروة السندسي:

نخصــــف بالآذان منكــم نعالنا          ونشرب كرهاً منكم في الجماجم

دأب الطغاة

في المثل (تغافل كأنك واسطي) والأصل فيه: أن الحجاج كان يسخر الناس في بناء واسط، فيهربون وينامون بين الغرباء في المسجد فيجيء الشرطي ويقول: يا واسطي فمن رفع رأسه أخذه فلذلك كانوا يتغافلون.

مجازر ومآتم

ذكر في تاريخ بغداد (في باب ابنتيه): وأما دار خازم، وهو خازم بن خزيمة النهشلي وهو أحد الجبابرة قتل في وقعة سبعين ألفاً وأسر بضعة عشر ألفاً فضرب أعناقهم وذلك بخراسان.

سجن وتعذيب

دخل ابن الأنباري يوماً المشفى على (ابن الموسوس) محبوساً منغمساً في النجاسة فقال له: هذا الذي تراني منغمساً فيه ما هو؟

قال: الخرء. 

صلب الميت!

لما بويع مروان الحمار نبش قبر (يزيد بن الوليد) الذي قيل فيه وفي عمر بن عبد العزيز (الناقص والأشج أعدلا بني مروان) وصلبه.

إبادة شاملة

قالوا: غزا المعتصم سنة 223 عمورية، فقتل فيها ثلاثين ألفاً وسبى ثلاثين ألفاً - فيهم ستون بطريقاً - وأحرقها من سائر نواحيها، وجاء ببابها إلى بغداد.

حكم المستبدين

كان حيان الأسدي قاضي المتوكل فقال يوماً: (إن عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب) وكسر الكلاب، وكان له مستمل يقال له: كحة قال: أيها القاضي إنما هو يوم الكلاب - بالضم - فغضب عليه وأمر بحبسه، فدخل الناس عليه في الحبس فقالوا: ما دهاك؟ فقال: قطع أنف عرفجة في الجاهلية وامتحنت أنا به في الإسلام.

عزل ونصب

قال عبد الرحمان بن مسهر: ولاّني أبو يوسف القاضي قضاء جبل، فانحدر هارون إلى البصرة، فسألت من أهل جبل أن يثنوا على فوعدوني، فلما قرب تفرقوا، فسرحت لحيتي وخرجت فوقفت حتى وافى أبو يوسف مع هارون في الحراقة.

فقلت: أيها الخليفة نعم القاضي قاضي جبل قد عدل فينا وفعل - وجعلت أثني على نفسي ـ فطأطأ أبو يوسف رأسه وضحك.

فقال له هارون: مم ضحكت؟

فأخبره فضحك حتى فحص برجليه ثم قال: هذا شيخ سخيف سفلة فأعزله.

فعزلني فلما رجع جعلت أختلف إليه وأسأله قضاء ناحية، فلم يفعل، فحدثت الناس عن مجالد عن الشعبي: أن كنية الدجال أبو يوسف، فبلغه ذلك فقال: حسبك وولاّني ناحية.

تعذيب وتغريم

عن الأصمعي: أن الحجاج قبض على يزيد بن المهلب وأخذه بسوء العذاب، فسأله أن يخفف عنه العذاب على أن يعطيه كل يوم مائة ألف درهم فإن أداها وإلا عذّبه إلى الليل.

اللقاء بالحاكم

كان رجل بمرو يلتمس الوصول إلى طاهر بن الحسين ثلاث سنين فيتعذر، وإذا فرجة من بستان فالتمس الوصول منها إلى الميدان، فلما سمعت الحركة وضرب الصوالجة ألقى بنفسه من الثلمة، فنظر إليه فقال: من أنت؟

قال: أياك قصدت وقلت بيتي شعر، فقال: هاتهما، وأقبل ميكال - حارس طاهر - إليه، فزجره طاهر فابتعد، عندها أنشأ الرجل يقول:-

أصبحت بين خصاصــة وتجمل          والحـــر بينهــــما يمــوت هزيلا

فامدد إليّ يداً تعـــوّد بطنُــــــها          بذل النـــــوال وظهـــرها التقبيلا

فأمر له بعشرة آلاف درهم وقال: هذه ديتك ولو كان ميكال أدركك لقتلك، وهذه عشرة آلاف درهم لعيالك، امض لشأنك ثم قال: سدّوا هذه الثلمة.

قبور الأحياء

حبس المنصور عبد الله المحض في داره إلى أن أراد الخروج إلى الحج فجلست بنت لعبد الله في طريقة وأنشأت:

ارحم كبيراً سنــــة متهـــــدم          في السجن بين سلاسل وقيود

وارحم صغار بني يزيد إنهـم          يتمـــــوا لفقدك لا لفــقد يزيـــد

إن جدت بالرحم القريبة بيننا          ما جــــدّنا مـــن جدّكــــم ببعيد

فقال المنصور: أذكرتنيه، ثم أمر به فحدر إلى المطبق، وكان آخر العهد به.

منطق الإستبداد

وروى أن أبا مسلم كان يخطب فقام إليه رجل فقال: ما هذا السواد الذي أرى عليك فقال: حدثني أبو الزبير عن جابر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وهذه ثياب الدولة وثياب الهيبة يا غلام اضرب عنقه، وكان قد أخذ الصغير والكبير بلبس السواد.

لا.. للانتقاد

قال عبد الرحمان بن زياد: أرسل إليّ المنصور فقدمت عليه والربيع قائم على رأسه. فقال: كيف حال ما مررت به من أعمالنا؟ قلت: رأيت أعمالاً سيئة وظلماً فاشياً ظننته لبعد البلاد منك فجعلت كلما دنوت منك كان الأمر أعظم، فنكس رأسه طويلاً ثم رفعه فقال: كيف لي بالرجال؟

قلت: أوَ ليس عمر بن عبد العزيز كان يقول: إن الوالي بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها، فإن كان براً أتوه ببرهم، وإن كان فاجراً أتوه بفجورهم، فأطرق طويلاً ثم أومأ إلى الربيع: أن أخرجه، فأخرجني وما عدت إليه.

لا.. للاعتراض

قال الشاعر العتابي، حيث رأى كثرة ظلم هارون:

ساد مــــن الناس راتع هامــل          يعللـــــون النفـــوس بالبـــاطل

حتى بلغ إلى قوله:

ألا مساعيـــــر يغضـــبون لها          بسلـــة البيض والقنا الـــــذابل

فغضب غضباً شديداً وقال للفضل بن الربيع: أحضره الساعة فبعث إليه فوجده قد توفي، فأمر بنبشه ليحرقه، فلم يزل الفضل يلطف له حتى كف عنه.

جفوة المستبدين

قال حاجب المهلبي: حدثني بعض غلمان بجكم - أمير الأمراء ببغداد - إن بجكم أنفذه إلى الأنبار في جماعة غلمان لقتل قوم كانوا محبسين من الأعراب وأمرنا بحمل رؤوسهم إليه، وكتب لنا في ذلك فجئنا إلى العامل وأوصلنا إليه الكتاب فسلم القوم إلينا، فضربنا أعناقهم وقطعنا رؤوسهم وأقمنا ليلتنا هناك وبكرنا والرؤوس في مخالي دوابنا مسمطة عليها - أي معلقة - ونحن نريد بغداد وكنا عشرة غلمان، والمقتلين عشرة، فلما صرنا في بعض الطريق وحمي النهار أوينا إلى قرية خراب وجلسنا نأكل والمخالي بين أيدينا فيها رؤوس قد نحيناها عن الدواب وتركنا الدواب ترعى. فلما فرغنا من أكلنا أقمنا إلى المخالي فافتقدنا من الرؤوس التي فيها واحداً فقامت قيامتنا وقلنا: نحن مقتولون به سيقول لنا بجكم: أخذتم منه مالاً وتركتموه؟

فأجمع رأينا على أن نخرج إلى تلك الصحراء فنعترض رجلاً كائناً من كان أول ما نلقاه فنقتله ونجعل رأسه في المخلاة بدلاً من الذي ضاع ونسير، فخرجنا على هذا فأول من استقبلنا رجل شيخ حسن الشيبة والثياب له سجادة وسمت وهو راكب حماراً، عليه خرج مثقل، وهو يسير، فأوقعنا به وقتلناه بعد أن تذممنا من قتله مع ما رأيناه عليه، إلا أنا خفنا أن ينتشر الناس في الطريق فلا يمكنا قتل أحد ونكون نحن المقتلين. فقتلنا الرجل وقطعنا رأسه وجئنا لنجعله في المخلاة فإذا نحن برأس ملقى بين أرجل الدواب فشككنا فيه وعددنا الرؤوس فإذا هي أحد عشر فشككنا حتى أخذ كل واحد منا رأساً وبقي في الأرض رأس واحد فاضلاً فقامت قيامتنا ولطمنا وقلنا: قتلنا رجلاً مسلماً بغير سبب وشق ذلك علينا وكان معنا شيخ من الغلمان فقال: يا قوم إنكم ما سلطتم على هذا الشيخ إلا وله عند الله سريرة سوء ففتشوا رحله لعلكم تستدلون على ما يزول به غمنا في قتله فقمنا إلى رحله فحططنا الخرج عنه وفتحناه، فأول شيء خرج علينا هو بكرة ثم تلا ذلك ثياب ملونة بالدم وبالغائط وتوالت الأدلة علينا فإذا هو خناق شداخ، فحمدنا الله تعالى على ما سلمنا من قتل من لا يستحق القتل وتقاسمنا قماشه ودفنا رأسه في الطريق وجئنا فسلمنا العشرة رؤوس إلى بجكم.

قتل البريء بالسقيم

خطب ابن زياد أهل البصرة - لما كتب إليه يزيد أن يأتي الكوفة من البصرة فيقتل مسلماً (عليه السلام) أو ينفيه - وقال: (فو الذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى لا يكون فيكم مشاق. أنا زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينزعني شبه خال ولا عم).

تلاعب بالأحكام!

دخل ابن هرمة على المنصور وامتدحه، فقال له المنصور: سل حاجتك!

قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة إذا وجدني سكراناً لا يحدني. فقال له المنصور: هذا حد لا سبيل إلى تركه، فقال لكاتبه: اكتب إلى عاملنا بالمدينة: (من أتاك بابن هرمة وهو سكران، فاجلده ثمانين واجلد الذي جاء به مائة) فكان الشرطة يمرون عليه وهو سكران، ويقولون: (من يشتري ثمانين بمائة فيتركونه).

الجنون فنون

إن بعض الملوك قصد التفرج على المجانين، فلما دخل عليهم، رأى فيهم شاباً حسن الهيئة، نظيف الصورة، يرى عليه آثار اللطف، وتفوح منه شمائل الفطنة، فدنى منه وسأله مسائل، فأجابه عن جميعها بأحسن جواب، فتعجب منه عجباً شديدأً، ثم أن المجنون قال للملك: (قد سألتني عن أشياء فأجبتك، وإني سائلك سؤالاً واحداً.

قال: (وما هو؟ قال: متى يجد النائم لذة النوم؟) ففكر الملك ساعة، ثم قال: (يجد لذة النوم حال نومه) فقال المجنون: (حالة النوم ليس له إحساس.

فقال الملك: (قبل الدخول في النوم)، فقال المجنون: (كيف توجد لذته قبل وجوده!).

فقال الملك: (بعد النوم)، فقال المجنون: (أتوجد لذته وقد أنقضى!)، فتحير الملك وزاد إعجابه، وقال: (لعمري! إن هذا لا يحصل من عقلاء كثيرين، فأولى أن يكون نديمي في مثل هذا اليوم)، فأمر أن ينصب له تخت بإزاء شباك المجنون ثم استدعى بالشراب، فتناول الكأس، وشرب، ثم ناول المجنون، فقال: (أيها الملك أنت شربت هذا لتصير مثلي، فأنا أشربه لأصير مثل من؟). فاتعظ الملك بكلامه.

من حياتي

قيل ليحيى بن خالد البرمكي: أيها الوزير! أخبرنا بأحسن ما رأيت في أيام سعادتك؟

قال: (ركبت يوماً من الأيام في سفينة أريد التنزه، فلما خرجت برحلي لأصعد اتكأت على لوح من ألواحها، وكان بإصبعي خاتم، فطار فصه من يدي - وكان ياقوتاً أحمر - قيمته ألف مثقال من الذهب فتطيرت من ذلك، ثم عدت إلى منزلي، وإذا بالطباخ قد أتى بذلك الفص بعينه)، وقال: أيها الوزير! لقيت هذا الفص في بطن حوت، وذلك إني اشتريت حيتاناً للمطبخ فشققت بطنها، فرأيت هذا الفص، فقلت: لا يصلح هذا إلا للوزير - أعزه الله تعالى - فقلت: الحمد لله! هذا بلوغ الغاية.

وقيل له: أخبرنا ببعض ما لقيت من المحن؟

قال: اشتهيت لحماً في قِدر طبّاخ، وأنا في السجن، فأتيت بقدر ولحم مقطع في قصبة فارسية، والخل وساير حوايجها في قصبة أخرى، وتركوا عندي - ما احتاج إليه - وأتيت بنار، فأوقدت تحت القدر، ونفخت ولحيتي في الأرض، حتى كادت روحي تخرج. فلما أنضجت تركتها تفور، وتغلي، وفتيت الخبز، وعمدت لأنزلها فانفتقت وأريق ما في القدر على الأرض، فبقيت ألتقط اللحم وأمسح منه التراب وآكله، وذهب المرق الذي كنت أشتهيه، وهذا أعظم ما مرّ بي.

في قبضة الطاغوت

جيء إلى المتوكل بمحمد بن النصيب ووزيره ابن الديرواني، وكان محمد هذا قد خرج على المتوكل، استوزر ابن الديرواني، فلما مثل بين يدي المتوكل، قال: (ما حملك على ما فعلت؟ يا محمد!)، قال: (الشقوة، وحسن الظن بعفوك، يا أمير المؤمنين!)، وأنشد يقول:

أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي          إمام الهدى والعفو بالحر أجمل

تضاءل ذنبي عـند عفوك قلــة          فجد لي بعفو منك فالعفو أفضـل

فقال المتوكل: (خلوا سبيله)، ثم قدم (ابن الديرواني) فقال: (اضربوا عنقه).

فقال: سبحان الله! يا أمير المؤمنين! تعفو عن الرأس، وتقطع الذنب، فضحك المتوكل وعفا عنه.

استعطاف

كتب محمد بن عبد الملك الزيات وهو في السجن، وقد اشتد به الحال رقعة إلى المتوكل، يستعطفه على نفسه من شدة ما قاسى من الأهوال والعذاب في السجن يقول فيها: هذين البيتين:

هـي السبيل فمن يوم إلى يوم          كفرحة النائم الفرحان بالنوم

لا تعجلنّ رويـــداً إنهـــــا دول          دنيـــا تنقّل من قوم إلى قـوم

فلما قرأها المتوكل رق له، وبكى، وأمر بإطلاقه، فذهبوا إلى السجن فوجدوه ميتاً!.

شعب الدكتاتور

مر الحجاج بن يوسف بشخص من عماله، كان قد صلبه، فوجد عند خشبته صبياً صغيراً، فاستنطقه الحجاج، فقال له: (يا صبي! ما تقول في هذا الراكب، فقال: (أيها الأمير! هو زرع نعمتك، وحصيد نقمتك)، فسأل عن الغلام، فوجده ابن ذلك المصلوب، فقربه، وأقعده مقعده.

بلا موازين

لما دخل أبو مسلم إلى (مرو)، قال لأهلها: (هل في بلدكم حكيم؟

قالوا: نعم فلان المجوسي.

فقال: عليّ به، فقال له أبو مسلم: لم لقبت نفسك حكيماً؟

فقال: لأن لي إلهاً ولا أصبح يوماً إلا وضعته تحت قدمي.

فقال أبو مسلم: عليّ بالسيف، فقال المجوسي: مهلاً أيها الأمير! ألستم تقرأون كتابكم: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه)(4).

قال: نعم. قال: فأنا أدوس الهوى تحت قدمي لئلا يغلبني، فقال له: ما قلت إلاّ حقاً).

شأن الدكتاتور

عندما أراد الإسكندر التوجه إلى حرب (دارا)، قالوا له: إن لـ (دارا) جيشاً يقرب من ثمانين ألفاً، فكتب الإسكندر في جوابهم: (إن القصاب لا يخشى كثرة الأغنام).

الازدراء بالناس

روى النضر بن شميل أنه قال: دخلت مجلس المأمون ليلة، وعليّ ملابس متواضعة، وما أن رآني المأمون بهذه الملابس حتى قال: لم هذا الزهد في حياتك لدرجة أنك تقابل الخليفة بهذه الملابس؟

قلت: يا أمير المؤمنين! إن لي عذراً بلبسي إياها فإني رجل ضعيف يؤذيني شدة الحر في (مرو) فأستطيع بها دفع الحر عني قال: لا كما تقول: ولكنه الإمساك والبخل بأعلى مراتبه. واستمر حوارنا حتى انتهينا إلى حديث النساء، الذي جاء من سياق الحوار. فقال المأمون: حدثني هشام عن مجاهد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إذا تزوج الرجل المرأة لجمالها ودينها كانت سداداً من عوز)(5). وقد قرأ المأمون: كلمة (سداد) بفتح السين فصححت عليه وقلت: إن السداد بكسر السين لا فتحها. فقال المأمون: وأنت تخطئني في قراءتها. قلت: لا ولكن آخذ على هشام (راوي الحديث). قال: وما الفرق بين هذين؟

قلت: سداد بفتح السين بمعنى القصد والدين، وسداد بكسر السين هو كل شيء يسد الطريق بوجهه والمعنى الثاني للخبر هو المقصود. فقال المأمون: إن الله تعالى إذا أراد قبيحاً بعبده أذهب الأدب عنه. وأضاف: يا نصر، أخبرني ماذا تملك من حطام الدنيا. قلت: إن لي داراً في (مرو) فتناول ورقة كتب فيها شيئاً وأمر غلامه بأن يصحبني إلى الفضل بن سعد ولما جئت الفضل وسلمت الورقة إلى سهل قال: إن الخليفة أمر لك بخمسين ألف درهم وعليّ أن أعطيك المبلغ. فقلت له: هلا تشرح لي سبب الإعطاء ذلك!

قال: هل أخذت خطأً على أمير المؤمنين؟

قلت: لا وإنما أخذت على هشام المخطئ واللحان. فأكرمه الفضل من عنده بثلاثين ألف درهم. وكان من جراء تصحيح خطأ واحد أن أكرم بثمانين ألف درهم.

الإقناع أو الإكراه؟

كان في أيام خلافة عمر بن عبد العزيز رجل نصراني ذو شخصية معروفة فجاء إلى الخليفة يوماً وطلب أن يخطب إبنة الخليفة فقال له الخليفة: إن هذا الأمر لم يكن ولن يكون، لأنك كافر وابنتي مسلمة، وتزويج المسلمة بالكافر لا يجيزه ديننا.

فقال النصراني: إذا كان كذلك فلماذا زوّج نبيكم ابنته من كافر.

قال: عمرو بن عبد العزيز: معاذ الله! ومن هو هذا الكافر؟

قال النصراني: علي بن أبي طالب.

قال عمر: ويلك! ماذا تقول: هذا أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله) وابن عمه ووارث علمه ومن السابقين في الإسلام.

قال النصراني: إذا كان عليّ كذلك فلماذا تلعنوه على المنابر؟

فسكت عمرو بن عبد العزيز ومكث في البيت لثلاثة أيام يفكر في هذه الأيام الثلاثة كيف يرفع السب واللعن عن عليّ؟

فأحضر خمسة آلاف من خدامه وجيشه وقال لهم: ماذا ترون في إطاعتي؟

قالوا: نطيعك ولو أمرت بقطع أعناقنا. فقال لهم: إذا كان يوم الجمعة فليأتي كل واحد منكم بسيفه يخفيه تحت ثيابه وتقفون مقابل أهل دمشق وغيرهم ممن يحضرون صلاة الجمعة، وعندما أقرأ خطبة الصلاة واضع العمامة عن رأسي فليضرب كل منك عنق من يقف.

ولما جاء يوم الجمعة وغاص المسجد بالناس قرأ عمرو بن عبد العزيز خطبة الصلاة ولم يسب علياً وقرأ هذه الآية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)(6) مكان السب واللعن لعليّ. ولما لم يسمع المصلون من الخليفة سبّ عليّ (عليه السلام) أرادوا أن يرموه بالحجارة، فلما أحس الخليفة بذلك خلع عمامته من رأسه، فالتحم غلمانه وسلوا سيوفهم على من كان داخل المسجد وخارجه وقتل في هذه الملحمة خلق كثير وامتلأ المسجد بدمائهم حتى انساب إلى الخارج يجري على الأرض وفي هذا المكان شيدت منارة، وأطلق عليها (منارة الدم) وبعدها كتب الخليفة إلى ولاته في الولايات بأن من يذكر علياً (عليه السلام) بسوء فدمه مباح يهدر، وفي هذا العهد منع من لعن علي (عليه السلام) على المنابر وتوقف لسان الناس من ذمه لكن الأمويون بعد عمر أشاعوا سبه (عليه السلام) مرة ثانية، وكان السب إلى انقراض ملك بني أمية.

أنا ربكم الأعلى!

حكي أن ملكاً شاباً قال لجلسائه: لا رغبة لي بالملك والسلطنة فهل هذا ما أفهمه أنا لوحدي أم أن الآخرين كذلك قالوا: هو ما تقوله أيها الملك.

وقال: فما العمل؟

قالوا: شيء واحد هو إطاعة الله تعالى والتزام أوامره وعدم معصيته. فطلب الملك المذكور من العلماء والصلحاء القاطنين في بلدته الحضور إلى مجلسه وإجباره على إطاعة الله. ونهيه عن المعاصي. وطبّق ذلك على نفسه وارتفع عن الرذائل واستمر حكمه أعواماً طويلة، ثم ألقى الشيطان في روعه يوسوسه قائلاً: لو كنت من أبناء آدم لما عمرت إلى الآن وكنت ميتاً كسابقيك ولكنك أنت الله نفسه فادع الناس أن يحضروا عندك ليشكروك ويعبدوك. فأخذت هذه الوسوسة أثرها من الملك وصعد المنبر والناس حضور وقال فيهم: أيها الناس! إني أخفيت عليكم أمراً حان إظهاره. وهذا الأمر هو: إن المدة الطويلة التي قضيتها ملكاً، لو كنت فعلاً من ولد آدم لكنت ميتاً ولم أعمر طويلاً. فاعلموا أني أنا الله ربكم وألزمكم بطاعتي... وهكذا ادعى الملك الألوهية وأخذ يقتل ويعذب من ينكر عليه ذلك، نعم (إن الإنسان ليطغى، إن رآه استغنى)(7).

بلا ضوابط

جيء إلى معاوية بقوم قد ارتكبوا ما لا يرتضيه معاوية - فأمر بقتلهم لحظة ورودهم إليه، فضربت أعناقهم، ثم جاءوا بآخرين ليقتلوهم فقال أحدهم: يا أمير المؤمنين! أنا مقر بذنبي، ولك ما تريد، ولكن بالله عليك لو سمعت مني كلمتين وأجبتني عليها، فقال معاوية: سل حتى أجيب.

فقال: كل الناس يطرون حلمك وكرمك فإذا نحن أذنبنا عند ملك فما عساه يفعل بنا؟

قال معاوية: يفعل بكم كما فعلت.

قال الرجل: إذاً لا فائدة من حلمك وكرمك، إذا حذوت حذوه، ونزعت الرحمة منك.

فقال معاوية: لو قلت هذا الكلام قبل ذلك لعفوت عنكم جميعاً وما قتلت منكم أحداً. أما الآن فأنا أعفو عمن تبقى منكم.

ملاحظة المتهمين

عن جعفر بن محمد (المنجم المعروف) قال كان أحد كبار دولة السلطان مقصراً وأراد السلطان أن يعاقبه على ذلك التقصير فأخفى ذلك الشخص نفسه عن الأنظار.

وعلم أن السلطان إذا سأل من جعفر بن محمد المنجم عن مكان اختفائه دله عليه. ففكر في نفسه ودبر حيلة لعلها تخرج عن حدس جعفر بن محمد المنجم، فأتى بطشت وملأه دماً ووضع في الطشت هاوناً من الذهب وجلس فوق الهاون أياماً فأحضر السلطان جعفر بن محمد المنجم وطلب منه أن يدله على مكان اختفاء الرجل، وبينما جعفر مشغول بعمله بغية العثور على مكان اختفائه، تحير جداً فقال له السلطان: ما هو الذي يحيّرك؟

قال جعفر: رأيت شيئاً عجيباً، إن هذا الشخص جالس على جبل من الذهب وأطرافه بحر من الدماء وهذا لا يوجد في هذا العالم. فطلب منه السلطان أن يحاول الإستكشاف ثانية لعله يهتدي لذلك فكان جواب جعفر كالأول.

ولما يئس السلطان أمر منادياً ينادي بأن الشخص المقصر في أمان وعليه أن يظهر ويخرج من مكان اختفائه. فاطمأن المقصر من وفاء السلطان وجاء إليه، فسأله السلطان: أين كنت؟ فأعلمه بمكانه، فتحيّر السلطان من حسن حيلته ومن استخراج جعفر بن محمد المنجم ذلك بصورة مختلفة عن واقعه.

دهاء ومراوغة

قال الأصمعي: كنت بمحضر أحد الخلفاء يوماً وكان الخليفة جالساً على كرسيه وبجنبه طفلة لها من العمر خمسة أعوام فسألني: هل تعرف هذه البنت؟

قلت: كلا، قال: إنها ابنة ابني. اذهب وقبلها من شعر رأسها، قال الأصمعي: فبقيت متحيراً في هذا الأمر لأني لو لم أتمثل لأمره فسيعاقبني وإذا أقدمت على ذلك فمن المحتمل أن تأخذه الغيرة والحمية ويسيء إلي.

فأقدمت على البنت ووضعت كمّي على رأسها ثم قبلت الكم، فتعجب الخليفة من ذلك وقال لي: لو عملت بخلاف ذلك لحرمتك من نعمة الحياة، أما والأمر كذلك، فإني أكرمك بألفي دينار.

 

1 ـ بحار الأنوار: ج47 الباب 27 ص74.

2 ـ سورة الشعراء: الآية 128-129.

3 ـ سورة الشعراء: الآية 130.

4 ـ سورة الفرقان: الآية 43.

5 ـ كنز العمال: ج16، رقم 44520.

6 ـ سورة النحل: الآية 90.

7 ـ سورة العلق: الآية 6-7.