الفهرس

فهرس الفصل السابع

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

مصير المستبدين

كما أن المستبدين عرضة للمكاره في أنفسهم وذويهم فقد كان كثير من المستبدين عرضة للقتل والتعذيب ونحوهما.

وقد نقل التاريخ: أن ثلاثة من خلفاء العباسيين فقئت أعينهم وألقوا في الشارع حتى اضطروا إلى التكفف من الناس.

يقول أحد المؤرخين: رأيت على باب الجامع ببغداد رجلاً يتكفف وقد فقئت عيناه وعلى جسمه قباء خلق ويقول في تكففه: ارحموني أيها المسلمون فإني كنت بالأمس أمير المؤمنين واليوم من فقراء المسلمين.

فسألت من هو؟ قالوا: القاهر بالله العباسي! كان خليفة يحكم على البلاد لكنه عتى وتكبر، وطغى وتجبر، واستبد وأذل، حتى اضطر أهله إلى أن يلقوا القبض عليه ويفقؤا عينيه ويلقوه في الشارع وحيث لم يكن له مال اضطر لأن يتكفف، وهكذا فعلوا بخليفة ثان نفس الفعلة حيث قلعوا عينيه وألقوه فــي الشارع، وفعلوا بخليفة ثالث نفس الفعلة فقلعوا عينيه وألقوه في الشارع ولما اجتمع الثلاثة أخذ الأول يقول الحمد لله الذي لم يجعلني وحيداً حتى ألحق بي صديقين آخرين صنع بهما مثل ما صنع بي.

نصيب الهرة

وقد قتلوا مروان الحمار شر قتلة وبعد القتل قطعوا لسانه وألقوه أمام هرة فأكلته، بعد أن أمر مروان أن يقطع لسان إنسان بريء ويلقى إلى نفس تلك الهرة فأكلت الهرة لسان ذلك الإنسان أولاً ولسان مروان الحمار ثانياً.

جزاء المتوكل

وينقل في أحوال المتوكل العباسي الذي قتله ولده المستنصر شر قتلة، أنه كان يظلم الناس ويستبد أيما استبداد وقد هدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام) وهدم البيوت المحيطة بالقبر الشريف في قصص مشهورة.

وذات مرة دعا طبيباً مسيحياً فقال له: هل تعرف سماً يقتل الإنسان؟

قال الطبيب: لا أعرف (وقد أراد المتوكل قتل الإمام الهادي (عليه السلام) بذلك السم) لكن الطبيب أبى أن يعطيه السم قائلاً: أنا ومعشر الأطباء لا نعرف السموم وقد حلفنا عند تخرجنا من مدرسة الطب أن لا نسيء إلى إنسان مهما كان وحتى إذا كان عدونا، وإنما غاية الأمر أن لا نداوي العدو إذا مرض.

فأمر المتوكل أن يسجن في المطبق وهو سرداب مظلم مرطوب لا منفذ للنور إليه فسجن كذلك سنة في الأغلال والقيود، وبعد سنة أخرجوه إلى المتوكل فرآه وقد تغيرت حالة الطبيب فقد اصفر وجهه وضعف جسمه وطال شعر رأسه ولحيته وسائر جسدة وأثّر القيد في عنقه ويديه ورجليه فقال له: هل تعرف الآن السم الذي طلبته منك قبل سنة؟

قال الطبيب: لا لا أعرف السم كما قلت لك قبل سنة.

فقال المتوكل: عليّ بالنطع والسيف فأحضر النطع والسيف وأجلس الطبيب على النطع، وقال المتوكل للسياف: اضرب عنقه إلا إذا استعد أن يعطينا السم الذي طلبناه فإنه لا بد وأن يعرف السم الذي نريده لقتل بعض أعدائنا، فلما أجلس الطبيب على النطع تحت السيف (وبعد ذلك الإذلال الهائل له في السجن والأغلال) توجه الطبيب إلى السماء وقال للمتوكل: إنك تريد قتلي ظلماً لكن ربي يأخذ بحقي منك.

نعم كان للطبيب رب أخذ بحقه وحق غيره منه حيث قتل المتوكل شر قتلة وصار لعنة للتاريخ إلى هذا اليوم وإلى ما بعد اليوم كما هي عادة الله (سبحانه وتعالى) في الطغاة يمهلهم ولا يهملهم يقول الشاعر:

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً          فالظلم آخره يدعو إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه          يدعو عليك وعين الله لم تنم

عبرة لمن اعتبر

قال محمد بن عبد الرحمان الهاشمي: دخلت على أمي يوم الأضحى فرأيت عندها امراة في أثواب رديئة فقالت أمي: أتعرف هذه المرأة؟

قلت: لا.

قالت: هي عناية أم جعفر البرمكي.

فسلمت عليها وقلت لها: حدثيني ببعض أمركم. قالت: أذكر لك جملة فيها عبرة لمن اعتبر، لقد مضى عليّ يوم كانت تحف بي أربعمائة وصيفة وأنا أزعم أن ابني جعفراً عاق لي، وقد أتيتكم اليوم أسألكم جلدي شاتين لشعار ودثار.

الضحك ممنوع!

ولما كان الفضل البرمكي وأبوه في المحبس سمعهما هارون يوماً وهما يضحكان ضحكاً مفرطاً، فبعث مسروراً خادمه ليعلم سبب ذلك فجاءهما وقال لهما: يقول الخليفة ما هذا الاستخفاف بغضبي؟ فازدادا ضحكاً.

وقال يحيى اشتهينا سيكباجاً فاحتلنا في شراء القدر والخل واللحم وغير ذلك، فلما فرغنا من طبخها وأحكامها، ذهب الفضل لينزلها فسقط قعر القدر فوقع الضحك والتعجب مما كنا فيه وما صرنا إليه فاعلم مسرور هارون بذلك!

والجدير بالذكر: أن الفضل البرمكي كان كثير البر بأبيه وكان أبوه حين كانا في الحبس يتأذى في الشتاء من استعمال الماء البارد فكان الفضل يأخذ إبريق النحاس وفيه الماء فيضعه على بطنه زماناً لينكسر برده بحرارة جسده حتى يستعمله أبوه!

تفرعنت يا فضل

كان الفضل بن مروان قد أخذ البيعة للمعتصم ببغداد والمعتصم بالروم مع المأمون فاعتد المعتصم له بها يداً واستوزره، فغلب عليه واستقل بالأمور، فكانت الخلافة للمعتصم اسماً، وللفضل معنى، فجلس الفضل يوماً لرسائل الناس فرأى فيها رقعة مكتوباً فيها هذه الأبيات:

تفــرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر          فقبلك كان الفضل والفضل والفضل

ثلاثة أمـــــلاك مضـــــوا لسبيلــــهم          وأنك قد أصبحت في الناس ظالمـــاً

أبادتهم الأغــــلال والحبـــس والقتل          ستودي كمــا أودي الثلاثة من قبـل

أراد (فضل بن يحيى) و (فضل بن الربيع) و (فضل بن سهل)!

نكبة الفضل

وكان المعتصم يأمر بإعطاء المغني والنديم فلا ينفذ الفضل ذلك فحقد المعتصم عليه لذلك ونكبه وأهل بيته وجعل مكانه ابن الزيات، فشمت به الناس لرداءة أفعاله واخلاقه فقيل فيه:

لتبك على الفضل بن مـروان نفسه          فليس له باك من الناس يعرف

لقــد صحب الدنيا منــوعاً لخيــرها          وفارقها وهو الظلوم المعنـــف

إلى النار فليذهب ومن كان مثــلــه          على أي شيء فأتنا منه نأسف

وبرر المعتصم نكبته بقوله: عصى الله في طاعتي فسلطني عليه..

قتل ونهب

من موالي آل الخشخاش (فيروز) كان أعظم مولى بالعراق خرج مع ابن الأشعث.

فقال الحجاج: من جاءني برأس فيروز فله عشرة آلاف درهم!

فقال فيروز: من جاءني برأس الحجاج فله مائة ألف درهم!

فلما هزم ابن الأشعث هرب إلى خراسان فأخذه يزيد بن المهلب فبعث به إلى الحجاج.

فقال له: أظهرني على أموالك، قال: على أن تؤمنني قال: لا، فنادى: ألا من كان لفيروز عنده مال فهو في حل منه ثم امر بقصب، فنصفوه وأمر بشدها عليه بعد أن جردوه من ملابسه، ثم أخذ يسله قصبة قصبة حتى سال الدم من جسمه ثم صب الملح والخل على جراحاته حتى مات.

ضرب وجرح

عن الحسين بن الضحاك قال: ضربني الرشيد في خلافته لصحبتي ولده الأمين، ثم ضربني الأمين لممايلة ابنه عبد الله، ثم ضربني المأمون لميلي إلى أخيه الأمين، ثم ضربني المعتصم لمودة كانت بيني وبين العباس بن المأمون، ثم ضربني الواثق لذهابي إلى المتوكل، ثم أحضرني المتوكل وأمر شفيعاً بالولع بي فتغاضب المتوكل عليّ فقلت له: إن كنت تريد أن تضربني كما ضربني آباؤك، فآخر ضرب ضربته بسببك.

أصحاب الأخدود

ملك ذو شناتر اليمن ولم يكن من أهل بيت الملك وكان غليظاً فظاً ولا يسمع بغلام نشأ من أبناء الملوك، إلا بعث إليه فأفسده، وإنه بعث إلى غلام منهم يقال له (ذو نواس) وكانت له ذؤابتان تنوسان على عاتقه وبهما سمى (ذا نواس) فأدخل عليه ومعه سكين لطيف فلما دنا منه يريده على الفاحشة شق بطنه واجتز رأسه، فملّكوه وهو صاحب الأخدود الذي ذكر في القرآن الحكيم فبلغه عن أهل نجران أنهم تنصروا - وكان يهودياً - فسار إليهم فعرضهم على أخاديد احتفرها في الأرض وملأها جمراً فمن تابعه خلي عنه ومن أقام على النصرانية قذفه فيه حتى أتي بامرأة معها ولد فقال لها: يا أماه امضي على دينك فلا نار بعدها. فرمي بالمرأة وابنها في النار، ومضى رجل من اليمن يقال له (ذو ثعلبة) إلى ملك الحبشة فخبّره بما فعل ذو نواس بأهل دينه، فكتب ملك الحبشة إلى قيصر، فأمره قيصر أن يصير إلى اليمن، فأقبل في سبعين ألفاً وهزم ذا نواس وأتبعه حتى أتى البحر فغرق، وقام مكانه ذو جدن الحميري فهزمه أيضاً وألجأه إلى البحر فغرق، فأقام ملك الحبشة باليمن مع أبرهة صاحب الفيل الذي أراد هدم الكعبة فأهلك الله جيشه بالطير (الأبابيل) ووقع في جسده الآكلة فحمل الى اليمن فهلك بها.

جزاء سنمار

ونعمان بني السنمار له الخورنق ويقال: بناه على شكل تكون الشمس فيه في كل ساعة على لون، فألقاه من فوقه لئلا يبني لغيره مثله، فضربت العرب المثل بجزاء سنمار.

قال الشاعر:

جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر          وحســـن فعـــل كما يجزى سنمار

رأس برأس

لما قتل مروان قال الحسن بن قحطبة: أخرجوا إليّ إحدى بنات مروان: فأخرجوها وهي ترتعد فأجلسها ووضع رأس مروان في حجرها فصرخت فقيل له: ماذا أردت بهذا؟

قال: فعلت بهم فعلهم بزيد بن علي لما قتلوه جعلوا رأسه في حجر أخته زينب!

نبش القبور

قال عمرو بن هاني الطائي: خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني أمية في أيام السفاح فانتهينا إلى قبر هشام فاستخرجناه صحيحاً ما فقدنا منه إلا عرنين أنفه فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطاً ثم أحرقه، واستخرجنا سليمان بن عبد الملك من أرض دابق فلم نجد منه شيئاً إلاّ رأسه وأضلاعه وصلبه فأحرقناه، وفعلنا مثله بغيرهما من بني أمية وكانت قبورهم بقنسرين ثم انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد فما وجدنا في قبره قليلاًَ ولا كثيراً واحتفرنا نبحث عن عبد الملك ثم عن يزيد فلم نجد منه إلا عظماً واحداً ووجدنا من موضع نحره إلى قدمه خطاً واحداً أسود كأنما خط بالرماد في طول لحده وتتبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيهم منهم.

قال ابن أبي الحديد: قرأت هذا الخبر على النقيب يحيى بن أبي زيد العلوي سنة 605 وقلت له أما إحراق هشام بإحراق زيد فمفهوم فما معنى جلده ثمانين جلدة؟

قال: أظن أنه ضربه حد القذف لأنه يقال: أن هشاماً قال لزيد: يا بن الزانية، وذلك لما سب أخاه الباقر (عليه السلام) فسبه زيد قائلاً له: سماه النبي (صلى الله عليه وآله) الباقر وتسميه البقر لشد ما اختلفتما ولتخالفنه في الآخرة كالدنيا فيرد الجنة وترد النار. قال: وهذا استنباط لطيف.

تسفير عام

رفع إلى الهادي أن رجلاً من بلاد المنصورة من السند من آل المهلّب ربى غلاماً سندياً وأن الغلام هوى مولاته فراودها، فجب ذكر الغلام وخصاه ثم عالجه إلى أن برئ، وكان لمولاه إبنان أحدهما طفل والآخر يافع فصعد الغلام بهما إلى أعالي سور الدار فدخل المولى فقال: عرّضت ابني للهلاك قال: دع ذا عنك والله لو لم تجبّ نفسك بحضرتي لأرمين بهما فقال له: الله الله فيّ وفي ابني قال: دع عنك هذا فوالله ما هي إلا نفسي وإني لأسمح بها من شربة ماء، فأهوى ليرمي بهما فأسرع مولاه فأخذ مدية فجبّ نفسه فلما رآه جبّ نفسه رمى بهما فتقطعا.

وقال: ذلك لفعلك بي وقتل هذين زيادة فأمر الهادي بقتل الغلام وبإخراج وتهجير كل سندي في مملكته ففعلوا كما أمر.

قتل وسفك

أمر المأمون أن ينصب رأس أخيه الأمين - بعد أن قتله - في قصره على خشبة وأمر بجائزة لكل من يلعن الرأس، فكان الرجل يدخل ويلعن الرأس ويقبض جائزته، فدخل رجل فقبض الجائزة فقيل له: العن هذا الرأس فقال: لعن الله هذا الرأس ولعن والديه - وذلك بحيث يسمعه المأمون - فتغافل وأمر برد الرأس إلى العراق وإلحاقه بجثته.

جبروت المستبدين

لما قبض عبد الملك صعد الوليد على المنبر فدعا الناس إلى البيعة فلم يختلف عليه أحد. ثم أول ما ظهر من أمره أن أمر بهدم كل دار ومنزل بين دار عبد الملك وبين قبره. فهدمت من ساعتها وسويت بالأرض لئلا يعرج بجنازة عبد الملك في طريقها إلى القبر يميناً وشمالاً.

مصير الجبابرة!

كان القاهر من جبابرة بني العباس وكان قد صنع حربة يحملها فلا يطرحها حتى يقتل بها إنساناً، فخلعوه وسملوا عينيه بمسمار محمى حتى سالتا على خديه، وحبسه الراضي، ثم أطلقوه، فوقف يوماً بجامع المنصور بين الصفوف وقال: تصدقوا عليّ فأنا من قد عرفتم فقد كنت بالأمس أمير المؤمنين وأنا اليوم من فقراء المسلمين.

ولما سمل القاهر ثم المتقى، قال القاهر: صرنا اثنين ونحتاج إلى ثالث، فكان كذلك حيث سمل بعدهما المستكفى.

أمر الله إذا جاء

السفاح العباسي بنى عمارة ضخمة في مدينة الأنبار ولما حضر عبد الله بن الحسن وكان ذا اعتبار ووجاهة، لمشاهدة البناء الضخم الذي أنشأه السفاح، فأنشد هذا البيت:

يؤمل أن يعمر عمر نوح          وأمـــر الله يحــــدث كــل ليلة

فغضب السفاح واكفهر وجهه. فاعتذر له عبد الله بذلك وأقسم له بأنه لم يقصد من ورائه شيئاً وإنما جاء عفوياً على لسانه ولم تمض إلا أيام قلائل حتى مات السفاح، وكان كما جرى على لسان عبد الله.

عاقبة الظالمين

نقل ابن الملكي عن أبيه قال: إن الأمين (قال أواخر عمره) أريد قبل أن تزول خلافتي أن أعيش يوماً أهنأ به مرتاح البال خال من المشاكل. فقلت له: كيفما تريد أفعل. فقال: إذا كان صباح الغد فاحضر. فبعث بمأمور لي فحضرت عنده فرأيته مرتدياً (اللباس الفاخر) المحلى بالجواهر والذهب، وقد جلس على كرسيه، وأجلسني إلى جواره (من الجهة اليسرى). وبعد ذلك أمر غلامه أن يهيأ بعض النساء المشهورات بالغناء وكان الأمين يعرف منهن أربعاً ذوات أصوات شهيرة فلما حضرن، أجــلسهن عن يمينه، ثم أمر غلامه بأن يعطي كل واحدة منهن الكأس من البلور المرصع بالجواهر ليتداولن بها بقراءة الأشعار فغنت الثلاث منهن أشعاراً تشعر بالموت والفراق والعذاب وعدم اعتبار الدنيا، وكلما سمع الخليفة شعراً من ذلك غضب وأخذ بالكأس يضرب بها الأرض فتصبح قطعة قطعة. ثم أمر الرابعة بالغناء فغنت هذه الأشعار:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا          أنيــــس ولم يسمــــر بمـــكة سامر

بــلاد لكــــنا أهلـــــها فأبــــــــادنـــا          صروف الليالي والخطوب الزواجـر

يقول الملكي: فالتفت إليّ (محمد الأمين) وقال: هل فطنت لذلك: هذه إرادة الله عز وجل أن يفنينا ويأخذ الملك عنا، وقال الملكي: فلم تمر إلا أيام قلائل على هذه الواقعة حتى رأيت رأسه معلقاً في القصر وشقة من جسمه في هذا الجانب من بغداد وشقة أخرى من جسمه في الجانب الآخر منه.

نصح الناصحين

كان أحد الأمراء يأخذ أموال رعيته بالظلم والتجبر، وكان من جراء هذا الضغط مغادرة معظم الناس المدينة التي يسكنها هذا الأمير. وأما من بقي فظل يعيش المحنة فانبرى أحد الأخيار من مسؤولي الدولة إلى الأمير ليطلعه عن سبب مغادرة الرعية للمدينة، مما جعل المملكة خراباً. وحذره بأن الاستمرار على هذا الحال ينتهي إلى ما لا يحمد عواقبه. فأجابه الأمير: (جوّع كلبك يتبعك) وكانت النتيجة أن انقضّ أهل المدينة عليه وأنزلوه من الكرسي. وقتلوه شر قتلة. فقال أحد الحكماء فيه عندما قتل: (ربما أكل الكلب صاحبه إذا لم يشبعه).

هكذا كان معاوية

دخل عبد الله بن عباس مجلس عبد الملك بن مروان يوماً، فرآه جالساً على كرسي مفروش بسجاد الأبريسم ولا يرى منه إلا رأسه لأنه كان يحيط به من اليمين واليسار وفر السجاد. قال ابن عباس: فلما رآني عبد الملك قال شبه المعتذر عن هذا الوضع: إن هذا اليوم بارد جداً قال: ابن عباس فقلت: نعم هكذا كان يعيش معاوية بن أبي سفيان من الوضع المرفه والحياة الرغيدة طيلة عشرين عاماً ومثله غيره من الخلفاء. ولكن الآن ترى ماذا يحيط بقبر معاوية؟ يحيطه الشوك والخراب، قال: فأرسل عبد الملك شخصاً ليرى قبر معاوية، فرآه كما وصفه ابن عباس. فنقل الخبر إليه. لكن لم ينفعه ذلك بل بقي يرفل في النعيم.

المتوكل يشتري حتفه

قال البحتري: دار حديث في مجلس المتوكل يوماً عن السيف. فقال أحد الحاضرين: سمعت أن لشخص سيفاً هندياً في البصرة يقلّ مثيله.

فأرسل المتوكل إلى عامله في البصرة: بأن يشتري له السيف المذكور مهما كانت قيمته ومهما كلفه الأمر.

فكتب له عامله: بأن السيف المذكور قد ابتيع لرجل ذهب به إلى اليمن، فأرسل المتوكل بطلبه رسولاً إلى اليمن فاشتراه له بعشرة آلاف درهم وأتى به إلى المتوكل فلما رآه المتوكل فرح به فرحاً شديداً.

وفي اليوم الثاني من وصول السيف قال المتوكل للفتح بن خاقان: ابحث لنا عن غلام شجاع ذي نجدة حتى أعطيه هذا السيف فيقف على رأسي ويحميني.

فقال له الفتح: لقد اتصف (باغر) بهذه الصفات التي أردتها.

فقال المتوكل: علي بإحضاره فحضر. وأعطاه الأمر، وسلّمه السيف، وأمر برفع رتبته وزيادة حقوقه.

قال البحتري: أن السيف المذكور والذي لم يخرج من غمده لدفع أعداء المتوكل سلّه (باغر) على المتوكل وقطعه به إرباً إرباً.

يوم الظالمين

كان محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم العباسي فظاً غليظاً ظالماً، ومن ظلمه أنه صنع تنوراً -في زمن المعتصم - من النحاس وجعل فيه مسامير رؤوسها من داخل التنور فكان يلقي فيه المذنبين بادعائه فكان المحبوس لا يتمكن إلا من الجلوس بدون أن يتمكن من الاتكاء فيبقى في أشد العذاب. وإذا قيل له: يا وزير ارحمنا!

قال: الرحم خور في الطبيعة، ولما وصلت الخلافة إلى المتوكل أمر بخلعه من الوزارة لما كان أساء إليه قبل ذلك وأمر بحبسه في نفس التنور الذي صنعه لتعذيب الآخرين.

وقال له: ذق ما كنت تذيق الناس. فطلب عطف المتوكل فأجابه المتوكل: الرحم خور في الطبيعة. وبقي في التنور محبوساً أياماً مكبلاً بسلسلة في رقبته زنتها خمسة عشر رطلاً وطلب من سجانه أن يعطيه ورقة وقلماً، فكتب فيها إلى المتوكل هذا الشعر:

هي السبيل فمن يوم إلى يوم          كأنه مــا تريك العين في النوم

لا تجزعـــنّ رويــداً أنها دول          دنـــــيا تنقل من قوم إلى قـوم

منافسة الطغاة

كان السفاح يحترم أبا مسلم كثيراً وفي أواخر أيــام خلافته عزم أبو مسلم إلى الحج وصادف أن أبا جعفر المنصور أخ السفاح قد حج ذلك العام.

ولكثرة هيبة أبي مسلم وفخفخة قوافله أوقع أهل الحجاز في حيرة، وكان بمعيته مائتا قطار من الجمال محملة بالأثاث والمؤنة فطلب من جميع الحجاج أن لا يطبخوا طعاماً ودعا الشريف والوضيع لضيافته.

هذا وكان المنصور لا يأمن من جانب أبي مسلم ولم يطمئن له حينما وصلت الخلافة إليه فأوجد خلافاً بينه وبين مسلم بن قتيبة فتلا ابن قتيبة هذه الآية:

(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)(1) فما كان من المنصور إلا أن أمر بقتل أبي مسلم فقتل.

تصفية المنافسين

كان اسم شيرويه قبادا وكان ابناً لبرويز. ومن اليوم الأول لصعوده إلى سرير الملك وجلوسه على كرسي الحكم كان يخشى أخوانه وأولادهم، فاستشار وزيره في قتل هؤلاء ليتخلص منهم، وبالفعل قتل ثمانية عشر منهم.

حتى جاءت أخوات شيرويه يعاتبنه على هذا العمل وأخذن ينصحنه ويقلن له: ألم تخجل من إقدامك على هذا العمل؟ قمت بقتل أولاد أبيك لأجل أن تحكم يومين في هذه الدنيا، فقطعت أعناقهم، فتألم كثيراً لهذه النصيحة وبكى طويلاً من هذا التأنيب وأخذت علامات الحزن تظهر عليه يوماً بعد يوم حتى فارق الدنيا. وكانت مدة حكمه حسب رواية: ستة أشهر ومنهم من قال: بأنها سنة وستة أشهر وقد سلط الله عليه مرض الطاعون ومات به عن عمر ناهز الثانية والعشرين.

الدكتاتور وذووه

بعدما قتل نادر شاه على يد جلاوزته، قفز إلى الحكم علي قلى ميرزا وهو أحد المقربين لنادر شاه وحاكم خراسان، وسمى نفسه عادل شاه، وتربع على كرسي الحكم، أما أبناء نادر شاه فإنهم قد قتلوا أو خنقوا خنقاً شنيعاً، وذلك بأن كان الجلادون يأخذون الشخص ويفتحون فمه ويجعلون منديلاً ملفوفاً في فيه ويدفعونها إلى حلقه، بواسطة قضيب خشبي يوضع على المنديل وهو في الحلق وبواسطة خشبة تشبه المطرقة يطرق بها على القضيب الخشبي حتى يدخلون المنديل الملفوف في القصبة الهوائية، فيؤدي ذلك إلى موته بعد لحظات من هذه العملية.

ضحايا الجاه والمقام

بعد أن مات كريم خان زند تسلم السلطة ابنه (أبو الفتح خان) الذي كان يحب الترف واللهو، وأمور الحكم كانت جميعها في يد عمه وهو (زكي خان) يعني كانت الحكومة ظاهراً بيد (أبي الفتح خان) وواقعاً بيد (زكي خان)، وكانت الحال هكذا حتى قتل (زكي خان) على يد أحد خدمه، فاحتل مكانه في السلطة (صادقي خان) وهو أخو (كريم خان زند) فحقد عليه (علي مراد خان زند) وهو أحد أمراء آل زند وحاكم أصفهان فشكل عسكراً وتوجه به إلى شيراز وبعد صعوبة كثيرة فتحها، ثم قرر أن ينتقم من (صادقي خان) فأمر بإحضاره وكذلك أحضر ابنه (علي نقي خان)الذي كان قائداً في جيش أبيه صادقي خان، وأمر الجلاد بأن يقطع رأس (صادقي خان زند) أمام ناظري ابنه (علي نقي خان).

فقال الجلاد هل أذهب به إلى باحة القصر وأقطع رأسه؟

فقال (علي مراد خان): بل اقطع رأسه هنا.

ثم قال الجلاد: فداك نفسي إن المكان مفروش وهذا السجاد الثمين سوف يغرق بالدم، فأجابه (علي مراد خان) وكلماته تفيض غيظاً وحنقاً، لقد أمرتك أن تقطع رأسه هنا! أما (صادقي خان) فكانت يداه مغلولتان من وراء ظهره، فأخذ الجلاد حبلاً وربط به ركبتي (صادقي خان) حتى لا يملك حراكاً ويكون أطوع لقطع رأسه، ثم أخذ لباساً مخصوصاً كالذي يلبسه الطباخون أو القصابون، فلبسه حتى لا تتساقط قطرات الدم النافرة على ملابسه، وهو لباس مخصوص بالجلادين يشعر الناظر إليه بقشعريرة واشمئزاز يغطي مقدم البدن من السرة إلى أسفل الركبتين بحيث يتجاوز نصف الساق قرب المفصل ثم أخرج خنجره من غمده فسمع له صوت يتناثر منه شرر الموت ثم أخذ رأس (صادقي خان) من أنفه وسحبه إلى خلفه حتى بانت رقبته بشكل واضح وبحركتين قاسيتين سريعتين صار الرأس يتدحرج على الأرض وفار الدم من رقبته. إن الجلاد كان ماهراً ويعرف كيف وأين يضع سكينه بين فقرات رقبته ليفصلها تماماً عن بعضها. ثم أخذ الرأس وعرضه على (علي مراد خان)، فأمر أن يضعه بين يدي (علي نقي خان)، أما بدن صادقي فكان جاثماً على ركبتيه حال قطع رأسه والدماء تسيل بغزارة من أوداجه فكان يشكل منظراً مريعاً، بعد ذلك أمر (علي مراد خان) أن تقلع عينا علي نقي خان ويعمى.

ثم إن علي مراد خان فضلاً عن إعماء عيني (علي نقي خان) أمر بإعماء عيون جميع أولاد (كريم خان زند) الذكور، بدون استثناء حتى لا تحدثهم أنفسهم على أخذ السلطة والحكم يوماً ما.

حتى بعد الموت

أمر محمد خان قاجار أن ينقل جثمان كريم خان زند إلى طهران وأن يدفن تحت السلم الذي يصعده كل يوم ليتسنى له أن يسحق الجسد بقدميه أثناء صعوده ونزوله ويقصد بذلك زيادة النكال والاستهانة بجسده.

 

1 ـ سورة الأنبياء: الآية 22.